(إني تدبرت أحوالنا في دهرنا فأطلت فيه التفكر، فرأيت زمانا مستصعباً، قد تبدلت فيه شرائع الإيمان، وانتقضت فيه عرى الإسلام، وتغيرت فيه معالم الدين، واندرست فيه الحدود، وذهب الحق، وباد أهله، وعلا الباطل وكثر أتباعه، ورأيت فتنا متراكمة، يحار فيها اللبيب، ورأيت هوى غالبا وعدوا مستكلبا، وأنفسا والهة عن التفكير محجوبة، قد جللها الرياء فعميت عن الآخرة، فالضمائر والأحوال في دهرنا بخلاف أحوال السلف وضمائرهم..وتدبرت أحوال الأمة ونظرت في مذاهبها وأقاويلها فعقلت من ذلك ما قدر لي، ورأيت اختلافهم بحرا عميقا غرق فيه ناس كثير، وسلم فيه عصابة قليلة....إلى أن قال: فقيض لي الرؤوف بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى وعلامة الورع وإيثار الآخرة على الدنيا..) الحارث المحاسبي (العقل ص26 -27) و(الوصايا ص27- 33 طبعة عطا)