البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : التاريخ

 موضوع النقاش : جذور الصراع الطائفي في العراق    قيّم
التقييم :
( من قبل 4 أعضاء )

رأي الوراق :

 صادق السعدي 
6 - مايو - 2012
 
 
    أسباب عديدة كانت تقف حائلا بيني وبين الكتابة في موضوع أراه يمثل جوهر المحنة التي عاشتها أمتنا العربية والإسلامية من قرون ولا زالت تعاني وتقاسي في ظل أوضاع عربية وإسلامية بائسة وكارثية يساهم الباحث والمثقف قبل رجل السياسة المنتفع في دعم مشاريع خطيرة مشبوهة يدفعه في ذلك قصور في الرؤية وفهم خاطيء لطبيعة الصراع التاريخي على أساس مسبقات وخلفيات تاريخية ومذهبية إذا جاز لرجل الشارع البسيط أن يسقط في فخّها، فمن المعيب أن يكون المثقف أو المفكر طرفا في صياغتها وتصديرها لوضع المزيد من الحطب على النار في قنوات إعلامية وصحف صفراء رخيصة مسيّسة الى قرونها والتي لا تنطح عدوا ولا تدفع الضرّ عن صديق. كنت كلّما تقدمت خطوة للكتابة في موضوع كهذا على أهميته وخطورته أجد الخوض فيه مجازفة لا تصرفني عنها خشية أحد من الناس أو خوف خسارة مادية أو معنوية، فليس عندي ما أخسره وأنا في الخمسين، أو أخشى ضياعه وأنا في بلال الغربة. ما أخشاه حقا أن لا أعطي موضوع في حقيقته مشروع لا أزعم أنه يرتقي الى مستوى وضع اليد على جوهر الصراع الذي كان ولازال يمزق الأمة الى طوائف وفرق متناحرة. فقد كتب الكثيرون في هذا المضمار، وأسهمت نخبة من رجال الفكر والثقافة والأدب في رأب الصدع ومحاولة تضييق الفجوة بين الأطراف المختلفة عن طريق الكتابة والمؤتمرات والندوات الدينية والثقافية. ولم تثمر كثيرا تلك الجهود المبذولة في جمع الأمة أو على أقل تقدير إيجاد قواسم مشتركة قد لا تعالج جوهر الصراع ولكن تجمع الأطراف المتخاصمة على أساس المصالح المشتركة والتنبيه على أن المعركة الحقيقية في ساحة أخرى ساهم العدو الحقيقي في ذكاء وتقنية عالية أن يجعل الحرب خارجها وفي بيت المختلفين من أبناء العمومة والخؤولة.
يتبع...
 2  3  4  5 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
أحسنت وأجدت    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
 
وبارك الله فيك يا أستاذ محمود، رأيك يهمني بكل تأكيد لأنك تمثل وجهة نظر الكثير من المسلمين، وخلاف الرأي عندي لا يفسد ولا يغضب. وأنا لست منزها من الخطأ أوالقصور والغفلة بل حتى الجهل في مسائل تغيب عني لاسيما وأنا أكتب كما ذكرت ما يقترب من الخواطر وألوان من الصور والمشاعر الإنسانية تجمعت في الذاكرة من سنين وهي تنثال بلارفق ولا رحمة بي أو بالقاريء.  أحاول بقدر ما يمكن وضعها في سياقها الصحيح، وبطريقة لا تفسد الغرض ولا تخرج عن رغبتي أن أكون على سجيتي في الكتابة كما أتحدث مع الأصدقاء بلا كلفة قد تقتل أجمل ما في الكتابة: الصدق والعفوية.
*صادق السعدي
29 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 1    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
 
   كنت مع كل سيارة مفخخة أوحزام ملغوم ينفجر في شارع أو سوق أومسجد أو حسينية.. فيحصد العشرات أو المئات من الضحايا، مذابح جماعية وقطع رؤوس وتمثيل بجثث الضحايا بطريقة لم يفعلها صهيوني متعصب في عدوه الفلسطيني، أنتفضُ ثم أغيب في حالة من اليأس والعدمية. أسئلة وصور وأحلام وانفعالات لا تحتملها عبارة. هل تحوّلت ساحة الجهاد من أرض فلسطين الى أرض العراق وبعدها الى أراض عربية أخرى؟! غليان داخلي، أختنق وتصبح الأشياء أمام عيني متشابهة مسطحة، وتسقطع جميع الأبعاد. مع من أتكلم وما فائدة الكلام؟ من يسمعني وما قيمة ماأقول وأثره لو كان هناك من يسمع؟
   أريد أن أكتب ، لكن ماذا أكتب وعن ماذا أتحدث. كيف أخوض  بحرا عميقا مظلما لا أعرف له ساحلا، ولا أظن أن له صاحبا وأنا لا أريد أن أغرق أو أقبر في بطن حوت كبير، أو أكون طعاما لأسماك صغيرة!
    يقولون إن الحمقى هم أكثر الناس جرأة وتهجما على الأشياء. لا شك أن في هذا الكلام قدرا كبيرا من الصحة. لأن الأحمق لا يدرك عواقب ولا نتائج ما يقول ويفعل، ولا يحسب حساب الخسائر مهما كانت وكيفما كانت.
   هل هي حماقة إذن أن نتكلم أو نبحث عن أسباب تعاستنا وفقرنا وتخلفنا وهزائمنا وضحالة ثقافتنا المؤسسة على تراث من السخف والغباوة والتعصب، وفقه لا صلة له بروح الواقع ولا سلم يصعد به الى الأفق الأعلى كما يتوهم صانعوه. وهمٌ بدأ من ورقة صفراء، وانتهى بركام هائل تلبّد ثم تحجّر.
   من ذلك الركام الحجري صُنعث عقلية المثقف، رجل الدين، ابن الشارع البسيط ورجل الدولة الحاكم المسلّط على رقاب العباد. وعلى ذلك تأسست ثقافة المجتمع في الدين والتربية والتعليم والإقتصاد والسياسة وإدارة الحكم... تغذت ونمت وكبرت.
إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ولا  تلين إذا كانت من الخشب
 
*صادق السعدي
29 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 2    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
 
وما دمت قد فتحت هذا الملف وقررت أن أكتب ما استطعت بلا تحفظ، أقول ما استطعت لأنني استطيع أن أقسو على أبناء جلدتي ومن أنتمي إليهم مذهبيا، لكن هل يمكن أن أقول كل ما أظن أنه يجب أن يقال، وما يمثل وجهة نظري بكل أمانة ووضوح في المذهب المخالف، وفي تجرد أتحرر فيه من كل خوف أو قلق من التهم الجاهزة المعلبة المحفوظة التي لا ينتهي مفعولها ولا صلاحيتها مهما تقادم الزمن، وتعاقبت الدهور: شنشنة نعرفها من أخزم!
   أكيد شهادة مجروحة، غير مقبولة. إذ لا وسط بين نقيضين.عدد لا يقبل القسمة بلا كسور، ونحن نريد أن نجبر الكسر، ونصحح الوضع. لماذا إذن بدأت إذإ كان الأمر كذلك؟ ما معنى هذه المحاولة البائسة في حالة مستعصية الحل والعلاج؟
    هذا ما كان، ولا ضير، فليست هي بأولة قارورة كسرت..
   لعلّ الكلام لا يستقيم في هذا الملف إاذ تركنا الإجابة على أهم سؤال يتردد دائما: ماهي الأسباب الحقيقية التي جعلت الشيعة تتخذ ذلك الموقف التاريخي من بعض الصحابة وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب. وهل هناك مبررات موضوعية لموقف الشيعة من عمر بالذات!
    هل هي مؤامرة خارجية يهودية مجوسية كما يرى المخالف؟ أم أن القضية خلاف داخلي سواء قلنا اجتهد فيه كل طرف من الصحابة، فأصاب البعض وله أجران، وأخطأ الأخر فكان له أجر واحد، أو اعتبرناه صراعا على السلطة بدأ بعد وفاة النبي، وتفاقم نتيجة الفتوح وتوسّع البلاد الإسلامية ونزاع الفاتحين على مغانم الفتح..
*صادق السعدي
29 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 3    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
 
   يعتقد كثير من الشيعة أنّ عمر هو المسؤول الأول عما حدث في السقيفة. إنه صانع ذلك الحدث، أما أبو بكر فكان مجرد واجهة لحدث كبير وتحول تاريخي ساهمت فيه نخبة من قريش وهيّأت له قبل وفاة النبي. وكانت محاولة الاغتيال الغامضة التي مرّ عليها المؤرخون مرور الكرام، ولم ير الرسول الكريم مصلحة في كشف المتآمرين خوف الفتنة، وأن لا يقول الناس إن محمد يقتل أصحابه، بداية في سلسلة الانقلاب على تراث النبي الذي همس سرا في أذن صاحبه حذيفة بن اليمان بأسماء من أرادوا اغتياله.
   من هؤلاء وما أهميتهم وخطورتهم حتى يخشى الرسول من التصريح بأسمائهم؟ لا شك أنهم من علية القوم، لهم أتباع ومناصرون.
   قراءة مختلفة ووجهة نظر قد يجهلها البعض وهم يبحثون عن تلك الأسباب والدوافع التي تبدو في نظرهم في غاية الغرابة والغباء.
   يرى المحب ما لا يرى المبغض، وقد تضيق عين المحب والمبغض وقد تتسعان، وكل له دوافعه:
ولستَ براء عيـب ذي الـودّ كلّـه      ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيـب كليلة      ولكنّ عين السخط تبدي المساويا
   ولا يظن البعض أن هذه الفكرة عن دور عمر في صناعة السقيفة وما ترتبت عليها من استحقاقات ومكاسب وأدوار في الحكم وصناعة القرار تفرد بها الشيعة في روايات موضوعة مكذوبة، بل شاركهم غيرهم في صياغتها ولو بطريقة أخف تحتمل العذر والتبرير في قرآءة المحب لا المبغض.
  يقول حافظ في عمريته الشهيرة:
وللسقيفة يوم أنت صاحبه      فيه الخلافة قد أرست مراسيها( شيدت أواسيها)
   وإذا كان الكثير من الشيعة يرون في عمر المؤسس لدولة الاغتصاب في الإسلام، وهي كبيرة عندهم، فإن الإعتداء على بيت الزهراء هو الجرح الغائر في الضمير الشيعي.
   وقد أنكر أغلب من أرّخوا لحياة عمر أن يكون الفاروق قد قام بمثل هذه الفعلة النكراء. بعضهم أنكر الحادثة أصلا. وآخرون قبلوا شطرا من الرواية وأنكروا ما فيه إدانة صريحة لعمر!
 
*صادق السعدي
29 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 4    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
   وهذا ديدن المؤرخ لتاريخ كتب في ظروف وأوضاع سياسية ومذهبية واجتماعية وحاكم أو أمير لا يرحم، ما كان بمقدور المؤرخ في ظلها أن يكون أمينا لقلمه، ولو فعل لأسقط التاريخ روايته. وكم مخطوط حرّفه النسّاخ، أو صحّفوا سهوا أو عمدا, واسقطوا ما لا يرضيهم، وأضافوا ما يحبون.
   والرواية في كل الأحوال موجودة في بعض المصادر السنية. ولا يلام من يشكك في ضعف سندها، أو وصف رواتها بالوضع والكذب لأنها مسقطة لعدالة عمر. فالاعتداء على النساء من الأفعال القبيحة في عرف العربي كان يترفع عنها حتى في الجاهلية. كيف والبيت بيت النبي، والمرأة بضعته الزهراء! والفاعل صاحب رسول الله! بل من خيار صحابته عند أكثرية المسلمين.
   ذكر البلاذري في كتابه أنساب الأشراف: أن أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه قبس فتلقته فاطمةُ على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرّقاً علي بابي? قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي، فبايع وقال: كنتُ عزمتُ أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن.
   والبعض لا ينكر مثل هذه الروايات وإن أنكر أن يكون عمر قد قام بالفعل باقتحام بيت فاطمة مما أدى الى كسر ضلعها واسقاط جنينها كما تزعم بعض الروايات الشيعية. لكنه يرى أنّ من حق الحاكم الشرعي استعمال القوة مع من يخرج على الإجماع، ويريد الفتنة مهما علت منزلته وسما مقامه.
 
يتبع...
 
*صادق السعدي
29 - مايو - 2012
الإيوان الذي بنيناه    كن أول من يقيّم
 
شكرا على التصحيح. أخطاء قد تبدو صغيرة ولكنها قد تذهب برونق الكلام. ليس من باب التبرير، لكن اجتمعت عليّ النظارة التي كتب فيها الإستاذ زهير قصيدة عصماء وعدم القدرة على التركيز. وقد نصحني الطبيب أن أخفف من الجهد. كيف ونحن في هذا العالم الذي لم أعد قادرا على الجزم فيه ولا معرفة الفرق بين الواحد والجماعة!
 
ونسأل الله حسن العاقبة
*صادق السعدي
31 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 5    كن أول من يقيّم
 
 
         هذه الصورة عن الخليفة عمر لم تؤسسها الذهنية الشيعية على أرضية من الوهم . فقد عرف الفاروق حتى في عهد النبي بالصرامة والشدة وسرعة الغضب: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. حالة تكررت في أكثر من موقف كما ذكر الرواة. أما في خلافته فإن الضرب بالدرة أشهر من أن نؤكدها بالأدلة التاريخية.
   فقد قال ابن الأثير في تاريخه: أقامت عائشة عليه-أبي بكر- النوح فنهاهن عن البكاء عمر فأبين، فقال لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة، فأخرج إليه أم فروة ابنة أبي قحافة فعلاها بالدرة ضربات فتفرّق النوح حين سمعن ذلك.
   وذكر البلاذري في فتوح البلدان: أن عمر بعث محمد بن مسلمة الانصاري ليحرق باب سعد بن أبي وقاص، وخص القصب الذي خصّه على قصره في الكوفة.
     وأجاز خالدُ بن الوليد الأشعثَ بن قيس بعشرة آلاف، فبلغ ذلك عمر، فقال: إن كان من ماله فهو سرف، وإن كان من أموال المسلمين فهي خيانة. وكتب الى أبي عبيدة أن ينزع عمامة خالد. وقاسمه أمواله وأمر بعزله.
   وكتب الى عمرو بن العاص الذي كان على خراج مصر: إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن لك حين وليت مصر. وأرسل إليه محمد بن مسلمة فقاسمه ماله، فغضب عمرو، فقال: إن زمانا عاملنا فيه ابن حنتمة هذه المعاملة لزمان سوء...
   وقد قال عثمان بن عفان الذي لا يشك أحد في محبته لعمر للثوار أثناء حصارهم لبيته:
   ولقد عبتم عليّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده وقمعكم بلسانه، حتى لنتم له على ما أحببتم وكرهتم. وقال بعد وفاة النبي:
   من قال إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا؛ وإنما رفع الى السماء كما رفع عيسى بن مريم)
   وبلغه كلام عن بعض الصحابة في شأن الخلافة من بعده فقال:
إنّ فلاناً وفلاناً قالا: "لو قد مات عمر، بايعنا علياً فتمت بيعته، فإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها"، وكذباً. والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر? فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنهما أهل أن يقتلا. وإني أقسم بالله، ليكفنّ الرجال أو ليقطعنَ أيديهم وأرجلهم وليصلبن في جذوع النخل)
 
*صادق السعدي
31 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 6    كن أول من يقيّم
 
 
   صورة رسمها الرواة، ليس بالضرورة أن نقبلها ولا بالضرورة أن نرفضها. قد نقرؤها بنظّارة سوداء قاتمة، فنجعل منها دليل إدانة لعمر، وتأكيدا لمزاعم الشيعة في إمكانية صحة الواقعة، وقد تكون دليلا من وجهة نظر أخرى على نزاهة عمر وشدته في الله، لا فرق بين قريب وبعيد.
    وقد لا يكون هذا ولا ذاك عندما لا نقرأ ونحن في سكرة الانتماء. إنسان يخطيء ويصيب، يغضب كما يغضب كل من خلقه الله من طين لا من جوهر سماويّ. محكوم بعوامل الوراثة والتربية وظروف البيئة والنشأة الاجتماعية. يعيش على الأرض لا في السماء، وبين البشر لا بين الملائكة. والأمر سهل بالنسبة لمن لا يرى العصمة لأحد من بعد النبي، لأنه لا يمس ركنا من أركان عقيدته كما هو الأمر بالنسبة للشيعة.
   السنة واقعيون! لهذا هم أكثرية! وأرجو أن لا يُفهم من هذه العبارة ما لا أقصد. لأنها الى المدح أقرب. لقد حكموا الدنيا لقرون، وذاقوا حلاوة الحكم ومرارته، ودفع الكثير منهم حياته ثمن كرسيّ الحكم. أما الشيعة فمن الطبيعي أن يكونوا مثاليين، بكّائين. يلعنون الحاكم الجائر، ولا يرون فيه إلا الشر والعدوان. وقد جرّب بعضهم الحكم الآن، فماذا قال: السياسة فن الممكن!
    ومن يظن أنّ هناك عدلا مطلقا فهو موهوم. ولو كان في هذا العالم عدل ما سميّ بعالم الشرور، ولما استحق الفناء! الرسول الكريم نفسه بكل مزاياه وفضله لم يكن قادرا- كما نقرأ في سيرته- على تحقيق العدل لا بين زوجاته في الحب، ولا بين صحابته في المال والعطاء! وقصة الأنصار وشكواهم بعد حنين معروفة. وعلى المال وحبّ النساء اقتتل الناس من قصة هابيل وقابيل الى المسلسل التركي فاطمة!
    قل في المدح ما تشاء، وتجنب الذم ما أمكن. لا بأس في ذلك، لأن حسن الظن في هذه الحالة أفضل من سوء الظن.
ولو حيز الحفاظ بغير عقل    تجنب عنق صيقله الحسـام
ولو لم يعــلُ إلا ذو محـلّ      تعالى الجيش وانحطّ القتام
ولو لم يـرع إلا مستحــقّ      لرتبتـــه أسامــهم المُســـام
وما كـل بمعــذور ببخــل      ولا كــل على بخــل يــلام
 
*صادق السعدي
31 - مايو - 2012
جدلية الحب والبغض 7    كن أول من يقيّم
 
 
 
    إنّها محاولة لإجابة على تلك الأسئلة الحائرة عن سبب الإرتماء في أحضان الكراهية أو الحب في موضوع واحد. الإنتقائية في القراءة وفي الأخذ والرد، وفي التعديل والتجريح. إنتقائية لا يلام عليها المحب، وقد يعذر فيها المبغض، في بحر متلاطم الأمواج، ظلمات بعضها فوق بعض..
    في جدلية البغض والحب لا يتسع الصدر لقراءة وسطية مخالفة لما هو موروث راسخ في الذهنيّتين. إنّ الإنتماء العقائدي في كل صوره وأشكاله، يعزز رسوخ الصورة الذهنية النمطية لا في عقل أصحابها فقط ، وإنما في وجدانهم ومشاعرهم. يصبح الإنتماء مع تكرار الخطاب وإستحضار المشهد - ومن منا غير منتمي بصورة أو بأخرى- حصنا حصينا، وملاذا آمنا، متعة، بل اللذة في قمة عرامتها عند رجل الدين والسياسي والمثقف..
   وإذا كنتَ قد تحررت من كل هذه الضغوط الهائلة- وهو أمر نادر- فإنّ لقمة العيش، الخوف من خسارات كبيرة: أسرتك، عشيرتك، محيطك الإجتماعي.. مجهول ينتظرك وقد قررت فجأة الخروج من صندوق العجائب الى واقع لا تعرف عنه شيئا، قد لا يوفر لك الأمان النفسي، فضلا عن الأمان الإجتماعي والإقتصادي.. إلا بشرط هوية جديد وإنتماء جديد. الخروج من حفرة، والوقوع في بئر! وفي الحالتين، تعود مقروصا من أذنيك الى صف القطيع!
   كان أحد قادة التنظيمات السرية في أوربا قبل عدة قرون مضت، يمتلك من الكارزما وقوة التأثير في أتباعه ما يجعله يداوي مرضاهم بدهان العقيدة! 
   الغريب أن هذا الرجل وعلى خلاف كل رجال الدين في التاريخ، لم يكن يعالج مرضاه إلا بطقوس العقيدة التي ينتمون إليها. لأن العقيدة – ولعله كان يتصوّر كذلك- هي أقوى جهاز مناعي عند الإنسان، وإن محاولة القضاء عليها يعني القضاء على الإنسان نفسه. كلنا أصحاب عقيدة بشكل أو بآخر، الفرق أنّها سماوية عند البعض وأرضية عند البعض الآخر، مثالية هنا ومادية هناك.
   حتى أؤلئك الذي هربوا من عقائدهم لأسباب خاصة، ارتموا في أحضان عقيدة أخرى لا تقل إشكالية عن عقيدتهم السابقة إن لم تكن أشكل في تناقضاتها.
 
*صادق السعدي
1 - يونيو - 2012
جدلية الحب والبغض 8    كن أول من يقيّم
 
 
   حتى لا نبتعد كثيرا عن الموضوع، نقرأ وجهة نظر مخالفة لرجل كان يرى في الصحابة بالأمس، ما يرى اليوم في علي وآل بيته، مع زيادة العصمة والوصية.. مبررا موقفه بقوله:
  ( فالقضية في تقديري متصلة بمصير الإنسان أمام خالقه وبدينه الذي يشكل ينبوع ممارسته العبادية اليومية عندما ترى نفسك وقد دنوت قاب قوسين أو أدنى من لهيب النار، وفجأة تكتشف حبل النجاة. أفلا يدعوك ذلك الى الجنون، الى قول أي شيء في حق من قادك الى هذه الهوة السحيقة، للهوه ولعبه... ثم يضيف بعد ذلك معللا وجهة نظره:
   أما الذي وجدوا في تلك المرويات التي أثرتها في كتابي، تحريضا بالصحابة والراشدين، فإنني لا أجد طريقا يقوى، ولا دليلا ينهض في وجه من يرفض الروايات، لا لضعف سندها ولا لرطانة متنها، وإنما فقط لأجل تعرضها للمقدسين. ما ذنب الرواية إذا جاءت بما يخاف المقدس.. متى رأى الذين يقدسون أشخاصهم بالعيان؟! حتى يقطعوا بأنهم كانوا على حالة أسطورية من التقوى والورع؟!
    إننا لم نتعرف عليهم إلا من خلال الروايات، فلماذا نقف في وجه الروايات المناقضة، علما بأن الرواية هي مصدرنا الوحيد لمعرفة رجال التراث! إنها رواية برواية..
    متى كانوا كبارا حتى نسقطهم؟!! أليسوا هم الذين أسقطوا أنفسهم؟! هل وجودهم كبارا وعمالقة في الأذهان المسحورة بكذب المؤرخين كاف لجعلهم كبارا وعمالقة في واقعهم التارخي.
   إنّ عقلي لم يعد يفهم هذه الفلسفة الوحدوية المجحفة، ولا ذائقتي بالتي تستسيغ هذه النغمة السياسوية. أي وحدة هذه التي تقوم على مذبحة الحق! وأي فتنة بدأت وانتهت؟! كيف أسكت وأنا أرى مجاميعهم تعقد الجلسات وتؤلف البحوث الطوال في تكفير أهل الولاية..)
   وحُقَّ لعقله أن لا يفهم، لأنّ الأزمة معقدة ومتشابكة وتاريخية. إنّها صورة عرضناها لوجهة نظر موجودة تقابلها وجهة نظر مضادة ربما أشد، ولكل مشروع وأهداف في السياسة والدين والإقتصاد والثقافة والنظم الإجتماعية..
 
*صادق السعدي
1 - يونيو - 2012
 2  3  4  5