أبو حنيفة وموسى الكاظم كن أول من يقيّم
على الضفة الشرقية من نهر دجلة تحتضن الرصافة قبر أبي حنيفة. ومع أن الأعظمية سنية المذهب، فالرصافة مصنفة على أنها ذات غالبية شيعية. وعلى الضفة الغربية من النهر نفسه يضمّ الكرخ المصنف مذهبيا لصالح السنة، ضريح الإمام موسى بن جعفر الكاظم. محاصصة قد تكون عادلة لكنها مقلوبة على رأسها، لأبي حنيفة الضفة الشرقية على كثرتها الشيعية، ولموسى الكاظم الجانب الغربي على أغلبيّته السنية. وعلى الضفتين جسر قديم حديث في رمزيته الجنائزية الحزينة.
على هذا الجسر سقط قبل أعوام قليلة خلت، أكثر من ألف قتيل وجريح بين زوار الإمام الكاظم. وجسر قديم آخر وقف عليه أنفار من الحمّالين، ليضعوا على الأرض جنازة وهم ينادون، من يريد حضور جنازة إمام الرافضة موسى بن جعفر؟!
جسرعلى نهر مهدد بالجفاف والإنقراض، جامع مانع يربط بين المتناقضات التي يصعب فهمها، فضلا عن إيجاد الحلول الناجعة لها. على الجسر بكاء، وعلى الجسر كان الغزل والغناء ولقاء المحبين. موضوع تغزّل به الرافضي والناصبي معا.
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديـم ولم أكــن سلوت ولكـن زدن جمـرا على جمــر
دخل علي بن الجهم على المتوكّل العباسي يشكو إليه عقوق أهله: لقد سمّوني عليا يا أمير المؤمنين!
أما الجواهري الذي نزعت هويته الوطنية لدوافع سياسية طائفية، فقد عاش في المنفى وقُبر في قلب الشام الموزع بين تاريخين يزاحم أحدهما الآخر في الهوية المذهبية بين قديم أموي، وحاضر علوي! الجواهري الذي بقي خارج السرب يغرد ويغني لبغداد والشام والقاهرة ... مات مطرودا حسيرا لأنه عاند وكابر وأراد أن يكون كما يقوده حسّه الشعري لا انتماؤه المذهبي لطرف دون طرف.
من يحمي اللامنتمي ويقبله على هذه الشبهة الخطيرة. اللامنتمي إنسان ملعون، شاذ، مريض نفسي، قلق، لا دين له ولا عقيدة، بوهيمي وعدمي... هذه صورة اللامنتي في عيون القريب والبعيد. مطرود من المحبة في قلوب الناس، ومحروم من نعيم الفردوس يوم القيامة.
لقد وقف الجواهري على الضفتين وتغنّى بدجلة ومائها ونخيلها، ولم يكن ينظر الى مقابر الرصافة من دفن بها، أبو حنيفة أم موسى الكاظم وهو ينشد هذا الشعر الجميل:
سلام على أرض الرصافة إنّها مراح ذوي الشكوى وسلوى ذوي الوجد
لها الله ما أبهى ودجلة حوالها تلـفّ كمــا التـفّ الســوار على الزنـــّـد
يعطـّـر أرجــاها النسيم كأنمـــا تنـفـّس فيهــا الروض عن عابــق النــدّ
هواؤك أم نشر من المسك نافح وأرضــك يا بغــداد أم جنــــة الخلـــــد
|