لا يحضر نصر حامد أبو زيد في ذاكرتي بوصفه مفكرا عربيا لامعا وحسب وإنما إنسانا ومثقفا وشجاعا من طراز فريد.. هذا ما تكشف لي أثناء لقائي الصحفي معه ومن خلال مجموعة اتصالات ورسائل الكترونية كان آخرها قبل أشهر وتحديدا بعيد منعه من دخول الكويت. عندما أجاب على رسالة مني بالقول: لا تخشى أنا أكثر قوة وكل ما حدث لا يؤثر فيني.
كان العام 2005 دمويا على المستوى العربي، حيث العنف والأحداث الإرهابية استشرت من العراق وانتشرت إلى أكثر من بلد. في أواخر العام زار أبو زيد دمشق عابرا بعد أن جاء من حلب التي شارك فيها بندوة حول محمد عبده. كنت أتوق لأن أعرف أين يسكن كي التقيه، لم أفكر في هذا الأمر من منطلق صحفي أبدا، وإنما كنت أود الاقتراب والتعرف على هذا الذي شغل الدنيا والعقول بفكره ومواقفه وأعجبتني كتاباته ومقالاته.
بعد أن أجابني موظف الاستقبال في الفندق الدمشقي قائلا: نصر حامد أبو زيد في الغرفة (1201)، لم أتردد في أن أهاتفه من ذلك الجهاز الموضوع على طاولة البهو الصغير. لحظات حتى سمعت صوته: نعم أنا نصر أبو زيد. عرفته بنفسي ليس كصحفي شاب وإنما كتلميذ سعودي في كلية الإعلام بجامعة دمشق وكمتتبع لكتاباته وطلبت أن التقيه، ولأن الوقت كان في المساء، طلب مني أن أعود صباحا في الساعة الحادية عشرة.
رجعت إلى كتبه المتناثرة في حجرتي الدمشقية منذ أيام وأعدت تحضير الأسئلة والأفكار والبحث والخربشة على هذه الفكرة أو اقتباس تلك المقولة، إلى أن غفوت في ساعة متأخرة من الليل، لأصحو باكرا وأجدني متسمرا في بهو فندق (الفردوس تور) قبل الموعد بعشرين دقيقة، وقبل أن تصل الساعة الحادية عشرة؛ اتصلت بغرفته فلم يرد أحد. فقلت ربما نسي الموعد؛ مفكرٌ مثل نصر حامد ابو زيد كيف سيلتفت لشاب لا يعرفه، وربما لدوافع أمنية لن يقابل الغرباء وخاصة أنه مهدد بالقتل باستمرار ودمشق قريبة من سخونة بغداد. ثم تركت هواجسي قرب هاتف البهو وسألت موظف الاستقبال، فأجاب: إنه الآن يتناول الإفطار.
سلمت عليه وأخبرته بقدومي وجلست وحيدا في البهو أنتظره. عندما نزل ببطء عبر الدرج الحلزوني، ذهبت لأسلم عليه، ففوجئت بأن بضعة رجال وسيدة قد جاؤوا للقائه، فانهار أملي ثانية في أن يتفرغ للقائي؛ إلا أن الدكتور بعد أن رحب بهم، اعتذر منهم جميعا، لأنه مرتبط بموعد مع صديق من السعودية. وقتها ارتفعت معنوياتي وسط الحيرة وعدم التصديق. ثم انزوينا على أريكتين قريبتين وبدأنا نتحدث ليتطور الحديث إلى نقاشٍ بدأ يكتشف فيه مدى اهتمامي المعرفي فيه ويتعرف على شاب سعودي لم يأت إلا من أجل الفكر المستنير الذي بداخله وليس لالتقاط صورة تزين مباهاةً جدار حجرة الضيوف!.
وبعد أن مرت ربع ساعة تقريبا، صارحت أبو زيد بنيتي أن أبدأ حوارا صحفيا معه. لم يسألني كالبقية لأي صحيفة، فقط قال لي ما رأيك أن نصعد عندي في الغرفة (1201) حيث الوضع أكثر هدوءاً. لم أصدق طلبه، وإذا بالغرفة التي تعرفت برهبة على أزرار الاتصال بها، ستفتح ذراعيها لزائر وصديق جديد. كانت الغرفة الصغيرة مطلةٌ على جبل قاسيون وكان البلور الزجاجي باردا في ذلك الشتاء التشريني، إلا أن سخونة النقاش والجدال والأفكار عبرت بنا مختلف الفصول في حوارٍ مسجلٍ امتد ساعة ونصف الساعة، انطلقت فيه من تلك اللحظة الزمنية أي بعد عشرة أعوام في المنفى وعن جديده البحثي مبتعدا عن الحديث في قضيته والتي استهلكت صحفيا، فضلا عن أنه كان يشمئز من تكرارها، منتقلا إلى محاور كنت أرى أنها مهمة؛ لأني التقطت في فكر أبو زيد قدرة كبيرة على تحليل الظواهر والخطابات الحالية وليس التاريخية فقط، ليكشف لي في الحوار ولأول مرة، بأنه تلقى عبوة ناسفة وليس تهديدا بالقتل عبر طرد ملغوم أرسل خطأً إلى الجامعة التي لا يدرس فيها في مدينة اوترخت الهولندية، رافضا بشدة طلب الشرطة هناك أن توضع له حراسة بعد أن رفض ان يحمل أي جواز سوى الجواز المصري رغم غضبه على مصر كما قال لي في ذلك اليوم. كان حوارا مؤثرا، اكتشفت فيه أنني أمام معلم وإنسان لا مفكر وحسب، يعتني بالشباب ويراهن عليهم ويمنحهم الحب والوقت.
ثم التقيته في اليوم التالي وأوصلته المطار وحيدا ولم تنقطع الاتصالات وإن تباعدت زمنيا، حيث كان يرد علي ويزودني بدراسات له وكنت أرسل له مقالا أو حوارا أو تقريرا لي، فيرد مسجلا إعجابه أو تاركا بلطف ملاحظته السريعة والثاقبة.
عندما عرفت بدخوله المستشفى، خفت عليه فهو لم يكن في أحسن الأحوال الصحية، رغم تحدي روحه الشجاعة لجسده وألف جسد. إلا أن نبأ موته كان صاعقا.. وتساءلت لحظتها: أي فيروس طائشٍ سيقنعنا برحيلك.. كيف تذهب أيها المعلم في لحظة قاتمة ونحن لا نزال ننتظر منك الكثير.. الكثير. سوف تحضر أيها الراحل الباقي في ذاكرتي وأنت تسجل انحيازك المطلق للعقل بابتسامتك الحنونة وضحكتك المازحة والمدوية في الغرفة (1201). وأخيرا، أي حزنٍ سيكفي لرحيلك وأي رثاءٍ وأنت قد رحلت!.