سبينوزا يصف الطبيعة الإنسانية     ( من قبل 3 أعضاء ) قيّم
رأي الوراق :     
هذه الفقرة هي جزء من مقال للأستاذ أحمد أغبال بعنوان : " مبادىء الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا "منشور في مدونته الخاصة . تمثل الطبيعة الإنسانية في نظر سبينوزا كيانا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى من حيث أنها تخضع جميعها لقوانين طبيعية. فكما أن بنيتنا العضوية والفيزيولوجية تخضع لهذه القوانين كذلك تخضع لها بنيتنا النفسية بما تنطوي عليه من انفعالات ومشاعر وأهواء ورغبات. ولذلك لزم التعامل مع الطبيعة الإنسانية ودراستها مثلما يدرس أي كائن طبيعي آخر. وأما المبدأ الأساسي الذي يتحكم في الكائنات الإنسانية فهو مبدأ الكاناتوس canatus principal أو قانون الشهوة الذي يمثل الدافع الحيوي وإرادة الحياة، وهو ما عبر عنه سبينوزا بقوله: "كل شيء يكافح من أجل الحفاظ على البقاء بقدر المستطاع وبقدر ما له من قوة". يقوم هذا المبدأ مقام المصادرة الأساسية التي تنبني عليها الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا. يقول بهذا الصدد: "ولما كان العقل لا يرغب في ما ليس موافقا للطبيعة، فإنه بقضي بأن يحب كل امرئ نفسه، وأن يسعى لما فيه مصلحته وإلى ما هو مفيد له بالفعل؛ ولا ويرغب إلا بما يفضي بالإنسان إلى مزيد من الكمال؛ ويقضي، بكل تأكيد، بأن يكافح كل فرد من أجل الحفاظ على وجوده بقدر المستطاع. والواقع، أن هذا الأـمر ضروري وبديهي مثلما هو بديهي أن الكل أكبر من الجزء" إن قانون الشهوة هو ما يجعل الإنسان كائنا أنانيا بامتياز. هذا هو تصور سبينوزا للإنسان: إنه أناني بطبعه. تلك بديهية لا تحتاج إلى برهان في نظره. إنها عبارة عن مبدأ قبلي يفرض نفسه بوصفه حقيقة متعالية عن ظروف الزمان والمكان. ومما يلزم عن هذا المبدأ أن يتصرف كل امرئ وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة. وبحكم طبيعته ونوازعه الشهوانية أصبح الإنسان مؤهلا – بالفطرة - لأن يكون لغيره عدوا. وإذا تصورناه وهو في حالة الطبيعة، حيث لا وجود للدولة والقانون، فإن وضعه لا بد أن يكون محكوما بالصراع. يصف سبينوزا الإنسان وهو في حالة الطبيعة بقوله: "..يتحدد الحق الطبيعي لكل إنسان حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم. وليس الجميع مؤهلا طبيعيا للتصرف وفقا لقوانين العقل السليم وقواعده، بل إن جميع الناس ولدوا، على العكس من ذلك، في حالة من الجهل المطبق، وقبل أن يتعلموا أسلوب الحياة الصحيح ويكتسبوا العادات الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتى وإن كانوا على قدر كبير من التربية. إلا أنهم يكونون في غضون ذلك مضطرين للعيش والحفاظ على وجودهم، بقدر المستطاع، بدافع الرغبة الشهوانية التي تكون مستقلة غير تابعة لغيرها[=متحررة من ضوابط العقل]. لم تمنحهم الطبيعة موجها آخر سواه، فحرمتهم من القدرة على العيش طبقا للعقل السليم. ولذلك لم يكونوا ملزمين بأن يعيشوا وفقا لأوامر العقل المتنور مثلما أن القط ليس مضطرا لأن يعيش طبقا للقوانين المتحكمة في طبيعة الأسد. ومن ثمة، فإن كل ما يعتقد الفرد الواقع تحت سيطرة الطبيعة بأنه نافع له، وسواء أكان منقادا في ذلك بالعقل السليم أو مدفوعا بقوة انفعالاته، يكون له الحق المطلق في طلبه والاستيلاء عليه بأنجع الطرق، وسواء أكان ذلك بواسطة القوة أو التحايل أو التوسل أو أية وسيلة أخرى. وبالتالي، فإنه لابد أن ينظر إلى كل من يَحُولُ دون تحقيق هدفه على أنه عدو له" في حالة الطبيعة يعيش الإنسان وفقا لمبدإ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين. ولم يكن بوسعه أن يتصرف في ضوء العقل السليم، لأن معظم تصوراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر. والسبب في ذلك أن الإنسان جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها. ومن قوانينها الأساسية أن لكل موجود حق مطلق على ما يقع في نطلق قدرته، وأن كل شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه بقدر ما له من قوة من غير أن يراعي في ذلك أي شيء آخر. هذا هو حال الإنسان في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الناس. ولذلك، فإن كل من يتصرف وفقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقه الطبيعي المطلق. وإذا كان ذكيا فإنه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، يسعى إلى السيطرة على كل ما يقع تحت قدرته، و"تمتد حقوق الفرد إلى الحد الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة [بالمتغيرات الطبيعية]" ولما كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسة، وحيث أن الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإن هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوة. لا حق في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمن له قدرة على ذلك. يمكن القول بعبارة أخرى: إنه بانتفاء القدرة ينتفي الحق. وبسبب جهل الإنسان بقوانين العقل انعدمت فيه الروح الخلقية. ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق. يقول سبينوزا: "من اللازم وصف حالة الطبيعة على أنها حالة لا وجود فيها لا للدين ولا للقانون، وبالتالي لا وجود فيها للخطيئة والذنب" ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر ولا بين العدل والجور. وبعبارة واحدة، لا وجود فيها لمعاني الأخلاق. وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم بولس الرسول الذي نسب إليه سبينوزا قوله بأنه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الآية الكريمة:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". يقول سبينوزا: "إن الحق والقانون الطبيعيين اللذان ولد الإنسان في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يٌحَرِّمَانِ إلا الأشياء التي لا رغبة لأي أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يٌحَرِّمَانِ العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أية وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية" ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحق. في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلا للأقوى. ولكن القوة لا تدوم، فالقوي اليوم ضعيف غدا. ومع خوار القوة تتعطل آليات الكاناتوس وتتقلص حدود الحق تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرا مستحيلا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالعقل باعتباره الوسيلة الكفيلة بضمان الأمن والبقاء للجميع. إن الاسترشاد بالعقل يعني الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات. ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الناس. يخبرنا العقل بأن التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل فرد. فإذا كان العقل يحث الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإن الغرائز الشهوانية تدفع كل فرد إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا. وإذا تغلبت الغرائز على العقل، أدى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الأفراد. نخلص من ذلك كله إلى القضية التالية: الشهوة تفرق الشمل والعقل يجمعه. إن للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنه يمثل الشرط الضروري لتأسيس المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية. وأما الرغبة الشهوانية والانفعالات فإنه من شأنها أن تقوض دعائم الاجتماع والمعاشرة والتآلف. يقول سبينوزا بهذا الصدد: "إنه طالما عانى الناس من الغضب والحسد أو من أي انفعال ينشأ عنه الحقد، يتشتت شملهم ويعارض بعضهم بعضا. وبذلك يكون الخوف منهم أعظم، لاسيما وأنهم أكثر قوة واحتيالا ودهاء من الحيوانات الأخرى. ولما كان الناس أكثر عرضة لهذه الانفعالات، فإنه من الطبيعي أن يكون بعضهم لبعض عدوا" الانفعالات، إذن، هي مصدر الصراع المدمر للوجود البشري. إن الصراع، بطبيعته المدمرة، مناقض لمبدإ الكاناتوس الذي تكمن وظيفته في الحفاظ على البقاء. وأما يجعل الإنسان قادرا على تجنب الخصومات والنزاع فهو الاسترشاد بالعقل. يكتسي العقل هنا دلالة أكسيولوجية؛ إنه القوة الدافعة للفرد نحو الآخرين، يدفعه إلى إقامة علاقات إيجابية معهم، ويضفي طابعا أخلاقيا على سلوكه إزاءهم، ويضمن، بالتالي، الاستقرار والأمن للمجتمع. |