البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الفلسفة و علم النفس

 موضوع النقاش : سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت    قيّم
التقييم :
( من قبل 9 أعضاء )

رأي الوراق :

 ضياء  
17 - فبراير - 2010
 
تنطلق فكرة هذا البحث من رغبة قديمة تدفعني ، بدون كلل ، إلى البحث والتساؤل ومعاينة التجربة الوجودية للإنسان ، في ماضيه وحاضره ، كما تتجلى في تاريخه وفي معاناته اليومية ، وكما تفصح عنها أدوات الثقافة من شعر وأدب وفلسفة وفنون وعلوم ، رغبة مني في الإدراك ، والإمساك بتلك المشاعر الخفية التي أعيشها في داخلي والتي تشكل المخيال والمخزون العاطفي الذي يرفد حياتي بالطاقة اللازمة للاستمرار لكنه ، في الوقت عينه ، يحدد وجهة مصيري وتفكيري .
والصورة التي أبحث عنها هي صورة البنت التي تعيش في داخلي ولا يراها الناس والتي بقدر ما هي عاطفية وخجولة ومتوحدة في عالمها الخاص ، بقدر ما هي عدوانية ومتسلطة وشديدة العناد .
هذه البنت القابعة في تلافيف نفسي لا عمر لها ولا تظهر إلا في حالات نادرة هي حالات التجلي العاطفي لغريزة الأمومة أو حالات الغضب المستطير ، فهي تعيش في عزلة وانطواء داخل قلعتها الحصينة التي بنتها من حولها كما تبني دودة الحرير شرنقتها بمزيج من الحكايات والأساطير الخاصة بها وبتاريخها الذي جاءت منه وتشعر حياله بالمحبة والولاء وهو يرفدها بمجموعة من المعارف والمثل البديهية التي لم ترها في مكان أو تتعلمها من أحد ويمنحها الشعور بأن ما تعرفه هو أزلي سرمدي لا يغير منه حال ولا يبدله زمن .
هذه الذات القابعة في تلافيف نفسي هي ذات حائرة ، وحيرتها ليست معرفية بقدر ما هي خوف وحذر غايته الحفاظ على هذه الواحة من الأمان الداخلي وهذا لأنها تشتاق ، تشتاق للخروج من عزلتها وتشعر بالوجد والانخطاف في كل مرة تجد نفسها فيها أمام تجليات الحب والجمال الباهر .
وبالرغم من محبتي لها وحرصي عليها لأنها حصني الأخير ، إلا أنني أعلم بأن لها دوراً سلبياً ومعيقاً في حياتي وكم من مرة حالت بيني وبين أشياء كثيرة كنت أحبها وأتمناها بقوة بدافع من كبريائها أو حذرها أو تعنتها أو مثاليتها الشديدة .
هي ليست إذن ذاتي المفكرة ، بل هي ذاتي الغريزية والعاطفية التي تتميز بردود فعل فطرية وعنيفة ومتعنتة وغير متوقعة في غالب الأحيان سواء في حبها أو كرهها او سخطها أو حذرها الشديد وبحيث تبدو قراراتها المجحفة والقاسية أحياناً اعتباطية وغبية وغير ملائمة للواقع ، مع هذا ، ورغم إدراكي لدورها ، فهي تنتصر علي في كل مرة لتفرض قوانينها وأحكامها التي تعيشها بالحدس والبديهة وترفض النقاش بها أو المساومة عليها بلغة العقل والمنطق .
وبدافع من رغبتي في فهم هذه البنت الفلاحة ، العنيدة والبدائية ، التي تعيش في نفسي ورغبتي في أن تكف عن التدخل في حياتي وقراراتي بهذا الشكل السلبي والمعيق لقدرتي على التطور والتكيف مع العالم المحيط بي قررت كتابة هذا البحث الذي قمت بتقصي معلوماته من قراءات متعددة ومتشعبة استخلصت منها ما نويت تقديمه لكم اليوم .
 1  2  3 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
فلسفة وشعر    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
 
يقول الشاعر الإنكليزي تينيسون ( Tennyson ) وهو من شعراء القرن التاسع عشر :
 
يا زهرة في جدار متصدّع
إنني انتزعتك من بين الشقوق
وأقبض عليكِ ، هنا في يدي ، بجذورك وكيانك كلّه
أيتها الزهرة الصغيرة ــ آه لو أستطيع أن أفهم
ماذا تكونين ــ جذورك وكيانك جملةً وتفصيلاً
إذاً لعرفت الله والإنسان .
 
ويقول جوته شاعر الألمان الأكبر :
 
سرت في الغابة وحيداً مع نفسي
ما كنت أبحث عن شيء يشغل بالي
رأيت تحت الظلال زهرة صغيرة
تضيءُ كالنجوم
كالعيون الجميلة
قلت : أقطفها ؟
قالت : أأوذى وأتحطَّم ؟
خلعتها من جذورها
             حملتها إلى الحديقة
                     عند المنزل الضيق
                              غرستها هناك
                                       في مكان هادىء
                                                 هي الآن تنمو
                                                          وتتألق ازدهاراً ...
 
وأما سبينوزا ، أشهر فلاسفة القرن السابع عشر فكان يقول : 
 
سأكتبُ عن الكائنات البشرية ، و كأنني أكتبُ عن الخطوط و السطوح و الاجسام الجامدة . وقد حرصتُ على ان لا اسخر أو العنَ أو أكرهَ الأعمال البشرية بل افهمها ، ولذلك نظرتُ الى العواطف .. لا باعتبار كونها رذائل و شرور في الطبيعة البشرية و لكن بوصفها خواص لازمة لها كتلازم الحرارة و البرودة و العواصف و الرعد و ماشابهها لطبيعة الجو . "
 
" على الرغم من انّني أجدُ أحياناً بطلان النتائج التي جمعتها بعقلي و تفكيري الطبيعي ، و لكن هذا لن يزيدني إلاّ اقتناعاً ، لأنّني سعيد في التفكير و جمع المعلومات و لا أضيّع أو قاتي في التحسّر و الحزن ، بل انفقها في السلام و الصفاء والسرور . "
ولنا عودة إلى سبينوزا لاحقاً .
 
*ضياء
17 - فبراير - 2010
العقل والقلب    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
 
هناك طريقان للمعرفة يجتمعان ويختلفان منذ الأزل ويتفاعلان فيما بينهما لبناء حياتنا العقلية هما : المعرفة الحدسية المباشرة المرتكزة إلى الشعور الباطن ، والمعرفة المنطقية التي نتوصل إليها بالتفكيروالاستدلال العقلي . تجلت هذه الثنائية المعرفية في فلسفتي أرسطو وأفلاطون كمثال ساطع لما يمكن إدراكه بالعقل ، وما يمكن معرفته عن طريق الكشف الصوفي وهو ما دعي بالعرفة الاستشراقية . غالباً ما يعبر الوعي ، في حياتنا اليومية ، عن إدراكه لهذه الازدواجية ذات التأثير المتبادل بثنائية " العقل والقلب " .
 
في الحالات العادية ، هناك توازن حاصل بين العقل المنطقي والعقل العاطفي . فالعاطفة تغذي وتزود عمليات العقل المنطقي بالمعلومات (الرغبات ) بينما يعمل العقل المنطقي على تنقية تأثيرات العقل العاطفي ويعترض عليها في أحايين كثيرة . غير أن المشاعر ضرورية للتفكير ، بل أن الرغبات والمشاعر كانت ولا زالت دافعنا الأول إلى التفكير . والتفكير هو أمر عارض ، بل هو ملكة مضافة إلى الوجود الطبيعي للإنسان ، فكيف نشأ التفكير ؟
 
 
*ضياء
18 - فبراير - 2010
الثقافي والفطري    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
 
عندما وجد الإنسان نفسه عارياً في الطبيعة لأول مرة ، ولم يكن له من وجوده سوى ذلك الجسد الثقيل بغريزته وطاقاته وفطرته الأولى كان عليه أن يتدبر أمره : أن يبحث عن قوته ، أن يحمي جسده ويعتني به ، وأن يتابع مراحل نمو ذلك الجسد وتغيراته وحاجاته منذ الولادة وحتى الموت . لم يكتف الإنسان بالفطرة والغريزة لفهم ومرافقة تطورات حياته في نموها وتبدلها بل أخذ يضيف إليها مما استنبطه بذكائه، فكان المسكن والملبس والطعام والعناية بالبدن وطرق تدبير الولادة والدفن والصيد والحرب … ثم عمد إلى تخزين هذه المعارف وحفظها في الذاكرة عن طريق المشاركة والتعلم والطقوس والحكايات والأساطير . هذه الإضافة التي نشأت بفعل الحاجة ، وتمحورت حولها ، هي معطى وجودي آخر ضروري مواز ومرافق لوجود الإنسان في البيئة والزمن ووسط غيره من أفراد المجموعة التي ينتمي إليها . بردنا الثقافة إلى عناصرها الأولى التي استلزمت نشأتها يمكننا تعريفها على أنها : المعرفة الغير فطرية التي استنبطها الإنسان بعقله المفكرأو اكتسبها عن غيره تلبية لحاجات وجوده الاجتماعي .
فالإنسان ليس مجرد كائن فيزيولوجي مادي تسيره غريزته ومكوناته الطبيعية الكامنة فيه والتي تتشابه لديه مع غيره من المجتمعات الحيوانية ، ولا يمكننا أن نفصل لدى الإنسان بين نشاطه ونتاجه المادي ، ونتاجه ونشاطه الذهني والعقلي . من الصعب كذلك أن نفصل ما بين الإنتاج الفكري والذهني من جهة ، والمكون العاطفي الوجداني في الذات المفكرة من جهة أخرى لأن الحالة الانفعالية كالإحساس بالجوع أو الخطر أو الحب أو الغضب كانت الدافع والمحرض الأول على التفكير ، وهي في غالب الأحيان موجهة للتفكير .
 
 
*ضياء
18 - فبراير - 2010
سبينوزا يصف الطبيعة الإنسانية    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
هذه الفقرة هي جزء من مقال للأستاذ أحمد أغبال بعنوان : " مبادىء الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا "منشور في مدونته الخاصة .
 
تمثل الطبيعة الإنسانية في نظر سبينوزا كيانا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى من حيث أنها تخضع جميعها لقوانين طبيعية. فكما أن بنيتنا العضوية والفيزيولوجية تخضع لهذه القوانين كذلك تخضع لها بنيتنا النفسية بما تنطوي عليه من انفعالات ومشاعر وأهواء ورغبات. ولذلك لزم التعامل مع الطبيعة الإنسانية ودراستها مثلما يدرس أي كائن طبيعي آخر. وأما المبدأ الأساسي الذي يتحكم في الكائنات الإنسانية فهو مبدأ الكاناتوس canatus principal أو قانون الشهوة الذي يمثل الدافع الحيوي وإرادة الحياة، وهو ما عبر عنه سبينوزا بقوله: "كل شيء يكافح من أجل الحفاظ على البقاء بقدر المستطاع وبقدر ما له من قوة". يقوم هذا المبدأ مقام المصادرة الأساسية التي تنبني عليها الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا. يقول بهذا الصدد:
"ولما كان العقل لا يرغب في ما ليس موافقا للطبيعة، فإنه بقضي بأن يحب كل امرئ نفسه، وأن يسعى لما فيه مصلحته وإلى ما هو مفيد له بالفعل؛ ولا ويرغب إلا بما يفضي بالإنسان إلى مزيد من الكمال؛ ويقضي، بكل تأكيد، بأن يكافح كل فرد من أجل الحفاظ على وجوده بقدر المستطاع. والواقع، أن هذا الأـمر ضروري وبديهي مثلما هو بديهي أن الكل أكبر من الجزء"[1]
إن قانون الشهوة هو ما يجعل الإنسان كائنا أنانيا بامتياز. هذا هو تصور سبينوزا للإنسان: إنه أناني بطبعه.  تلك بديهية لا تحتاج إلى برهان في نظره. إنها عبارة عن مبدأ قبلي يفرض نفسه بوصفه حقيقة متعالية عن ظروف الزمان والمكان. ومما يلزم عن هذا المبدأ أن يتصرف كل امرئ وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة.
وبحكم طبيعته ونوازعه الشهوانية أصبح الإنسان مؤهلا – بالفطرة -  لأن يكون لغيره عدوا. وإذا تصورناه وهو في حالة الطبيعة، حيث لا وجود للدولة والقانون، فإن وضعه لا بد أن يكون محكوما بالصراع. يصف سبينوزا الإنسان وهو في حالة الطبيعة بقوله:
"..يتحدد الحق الطبيعي لكل إنسان حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم. وليس الجميع مؤهلا طبيعيا للتصرف وفقا لقوانين العقل السليم وقواعده، بل إن جميع الناس ولدوا، على العكس من ذلك، في حالة من الجهل المطبق، وقبل أن يتعلموا أسلوب الحياة الصحيح ويكتسبوا العادات الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتى وإن كانوا على قدر كبير من التربية. إلا أنهم يكونون في غضون ذلك مضطرين للعيش والحفاظ على وجودهم، بقدر المستطاع، بدافع الرغبة الشهوانية التي تكون مستقلة غير تابعة لغيرها[=متحررة من ضوابط العقل]. لم تمنحهم الطبيعة موجها آخر سواه، فحرمتهم من القدرة على العيش طبقا للعقل السليم. ولذلك لم يكونوا ملزمين بأن يعيشوا وفقا لأوامر العقل المتنور مثلما أن القط ليس مضطرا لأن يعيش طبقا للقوانين المتحكمة في طبيعة الأسد. ومن ثمة، فإن كل ما يعتقد الفرد الواقع تحت سيطرة الطبيعة بأنه نافع له، وسواء أكان منقادا في ذلك بالعقل السليم أو مدفوعا بقوة انفعالاته، يكون له الحق المطلق في طلبه والاستيلاء عليه بأنجع الطرق، وسواء أكان ذلك بواسطة القوة أو التحايل أو التوسل أو أية وسيلة أخرى. وبالتالي، فإنه لابد أن ينظر إلى كل من يَحُولُ دون تحقيق هدفه على أنه عدو له"[2]  
في حالة الطبيعة يعيش الإنسان وفقا لمبدإ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين. ولم يكن بوسعه أن يتصرف في ضوء العقل السليم، لأن معظم تصوراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر. والسبب في ذلك أن الإنسان جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها. ومن قوانينها الأساسية أن لكل موجود حق مطلق على ما يقع في نطلق قدرته، وأن كل شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه بقدر ما له من قوة من غير أن يراعي في ذلك أي شيء آخر. هذا هو حال الإنسان في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الناس. ولذلك، فإن كل من يتصرف وفقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقه الطبيعي المطلق. وإذا كان ذكيا فإنه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، يسعى إلى السيطرة على كل ما يقع تحت قدرته، و"تمتد حقوق الفرد إلى الحد الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة [بالمتغيرات الطبيعية]"
ولما كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسة، وحيث أن الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإن هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوة. لا حق في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمن له قدرة على ذلك. يمكن القول بعبارة أخرى: إنه بانتفاء القدرة ينتفي الحق.
وبسبب جهل الإنسان بقوانين العقل انعدمت فيه الروح الخلقية. ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق. يقول سبينوزا:
"من اللازم وصف حالة الطبيعة على أنها حالة لا وجود فيها لا للدين ولا للقانون، وبالتالي لا وجود فيها للخطيئة والذنب"
ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر ولا بين العدل والجور. وبعبارة واحدة، لا وجود فيها لمعاني الأخلاق. وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم بولس الرسول الذي نسب إليه سبينوزا قوله بأنه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الآية الكريمة:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". يقول سبينوزا:
"إن الحق والقانون الطبيعيين اللذان ولد الإنسان في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يٌحَرِّمَانِ إلا الأشياء التي لا رغبة لأي أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يٌحَرِّمَانِ العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أية وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية"
ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحق. في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلا للأقوى. ولكن القوة لا تدوم، فالقوي اليوم ضعيف غدا. ومع خوار القوة تتعطل آليات الكاناتوس وتتقلص حدود الحق تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرا مستحيلا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالعقل باعتباره الوسيلة الكفيلة بضمان الأمن والبقاء للجميع.  
إن الاسترشاد بالعقل يعني الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات. ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الناس. يخبرنا العقل بأن التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل فرد. فإذا كان العقل يحث الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإن الغرائز الشهوانية تدفع كل فرد إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا. وإذا تغلبت الغرائز على العقل، أدى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الأفراد.
نخلص من ذلك كله إلى القضية التالية: الشهوة تفرق الشمل والعقل يجمعه. إن للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنه يمثل الشرط الضروري لتأسيس المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية. وأما الرغبة الشهوانية والانفعالات فإنه من شأنها أن تقوض دعائم الاجتماع والمعاشرة والتآلف. يقول سبينوزا بهذا الصدد:
"إنه طالما عانى الناس من الغضب والحسد أو من أي انفعال ينشأ عنه الحقد، يتشتت شملهم ويعارض بعضهم بعضا. وبذلك يكون الخوف منهم أعظم، لاسيما وأنهم أكثر قوة واحتيالا ودهاء من الحيوانات الأخرى. ولما كان الناس أكثر عرضة لهذه الانفعالات، فإنه من الطبيعي أن يكون بعضهم لبعض عدوا"
الانفعالات، إذن، هي مصدر الصراع المدمر للوجود البشري. إن الصراع، بطبيعته المدمرة، مناقض لمبدإ الكاناتوس الذي تكمن وظيفته في الحفاظ على البقاء. وأما يجعل الإنسان قادرا على تجنب الخصومات والنزاع فهو الاسترشاد بالعقل. يكتسي العقل هنا دلالة أكسيولوجية؛ إنه القوة الدافعة للفرد نحو الآخرين، يدفعه إلى إقامة علاقات إيجابية معهم، ويضفي طابعا أخلاقيا على سلوكه إزاءهم، ويضمن، بالتالي، الاستقرار والأمن للمجتمع.
 
*ضياء
18 - فبراير - 2010
في طريق البحث عن العقل (1 )    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
كانت أكثر الفلسفات السابقة على ديكارت من يونانية وإسلامية قد جعلت العقل من ملكات النفس وجعلت من النفس جوهراً متعالياً مفارقاً للمادة .  يشذ ديموقريطس وأتباعه عن هذه القاعدة لأنه قال بأن النفس مادة متحركة انفصلت عن الجسم الأزلي المتحرك الأول الذي هو العالم وأنها من أدق الجواهر وأسرعها حركة . لكن الفكر السائد في عصر ديكارت كان دينياً مغرقاً بالروحانيات وبالسؤال عن كيفية إحكام سيطرة الروح على البدن .
 
كان من الصعب على ديكارت أن يحل معضلة ثنائية الروح والبدن لكن الفكرة الثورية المركزية التي تمحورت حولها فلسفته كانت هي الوعي ، وأن العقل يعرف نفسه بشكل مباشر أكثر من معرفته لأي شيء آخر " أنا أفكر إذن أنا موجود " ، وأنه يعرف العالم الخارجي عن طريق أثر ذلك العالم في إدراكه الخاص . لذلك ، يجب على كل فلسفة أن تبدأ بدراسة عقل الفرد وذاته .
  
 أفكار رينيه ديكارت هذه كانت الأكثر انتشاراً  في الفترة التي عاش فيها سبينوزا  لأنه أعاد للعقل مكانته وجعل التفكير مساوياً للوجود ، أي أنه جعل من العقل والتفكير جوهر الوجود ، وفصل بين الفكر ـ الذي هو من ملكات الروح ـ والجسد . هذه الثنائية : عقل ومادة ، جسد وروح ، كانت المحور الذي بنى عليها تصوراته وكانت الغاية منها إحكام سيطرة العقل على البدن ، أي  بجعل أرواحنا تتحكم بأجسامنا عن طريق العقل ، وجعل من الغدة الصنوبرية  الموجودة في الدماغ مكان التقاء الروح بالبدن .
بالمقابل كان الإنكليزي توماس هوبز قد نفى وجود الروح والعقل معاً واعتبر الفكر نوعاً من الوهم وأن كل ما نعرفه هو وجود أجسام في حركة ، معتبراً حركتها غريزية فطرية ليس لها سوى هدف واحد : حب البقاء ، أي أنه لم يعترف إلا بوجود المادة ( كديموقريطس ) وقد مهد بذلك لمجيء دارون والفلسفات المادية الأخرى . قانون الطبيعة الأوحد هو القسوة وصراع البقاء . الإنسان والحيوان وكل الموجودات تقتل لكي تعيش ، وقوانين المجتمع هي مجرد ظلال لقوانين الغابة التي جئنا منها أي بأنه لا يوجد قوانين مبرمة ولا أحكام عادلة ولا أخلاق ولا عدالة ولا حتى ملكية خاصة . الحق الوحيد هو القوة والقدرة على مواصلة الحياة والدفاع عنها بكل السبل الممكنة بما فيها القتل والغدر والكذب والخديعة ... بالاختصار ، هوبز هو من قال بأن " الإنسان هو ذئب لأخيه الإنسان " وأنه لا بد بينهما من وسيط : الدولة أو القانون الوضعي الذي نشأ عنه العقد الاجتماعي .
 
 
*ضياء
20 - فبراير - 2010
في طريق البحث عن العقل (2 )    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
الجهل بقدرة الجسد :
 
كانت الفلسفة قد نسبت العقل والتفكير ، كما أسلفنا في التعليق السابق ، إلى قدرات الروح والنفس ، وكان الشغل الشاغل للدين والفلسفة هو كيفية إحكام سيطرة الروح على البدن لأنها جعلت منهما متضادين في الطبيعة .
أهم ما جاءت به فلسفة سبينوزا هو معارضتها لهذا التناقض وإعادة الاعتبار لما أسمته بذكاء الجسد : هناك بعض الأفعال التي تدهش النفس دون أن تكون قادرة على نسبتها لنفسها وهي من قدرات الجسد ، بشرط أن نعتبر الجهاز العصبي من مكونات هذا الجسد ، وبحيث أن أفعاله الذاتية تنم عما يجول في فكرنا . من هنا يمكن اعتبار اللاوعي نوعاً من " ذكاء الجسد " .
 
ينفي سبينوزا بشدة مبدأ تعارض النفس والجسد لأنهما بحسب فلسفته يجتمعان ليؤلفان الإنسان ولديهما هدف مشترك هو : المحافظة على البقاء .
 
لا يمكن لفعل النفس أن يكون مغايراً إذن لفعل الجسد  :
" إن النفس والجسم شيء واحد لا غير ، يـُتـَصـَوَّرَ تارة من جهة الفكر وطوراً من جهة الامتداد . يترتب على ذلك أن نظام الأشياء وترابطها يكون هو ذاته سواء تصورناه الطبيعة من جهة هذه الصفة أوتلك ، كما يترتب ، من هذا المنطلق ، أن نظام أفعال أجسامنا وانفعالاته موافق بالطبع لنظام أفعال النفس وانفعالاتها .
ورغم أن طبيعة الأشياء لا تسمح بالشك في هذا الموضوع ، إلا أنه يصعب باعتقادي حمل الناس على تأمل هذه النقطة بفكر غير منحاز ، اللهم إلا إذا أثبت هذه النقطة إثباتاً يقوم على التجربة ، سيما أنهم على يقين شديد من أن الجسم يتحرك تارة ويسكن أطواراً بأمر من النفس وحدها ، ويأتي أفعالاً أخرى عديدة تتوقف على إرادة النفس وحدها وعلى مهارتها في التفكير . في الحقيقة ، لم يبين أحد بعد ما يستطيع الجسم إداءه وما لا يستطيعه بقوانين الطبيعة وحدها ــ من حيث هي جسمانية فحسب ــ وبدون تكليف من النفس . وفعلاً ليس لأحد من المعرفة الدقيقة بتركيب الجسم ما يمكنه من تفسير جميع وظائفه . لست بحاجة إلى أن أشير هنا إلى ما يـُلاحظ في البهائم من بصير تفوق بصيرة البشر بكثير ، أو إلى ما يقوم به السائرون أثناء نومهم من أفعال لا يجرؤون على القيام بها في اليقظة . وهذا يكفي لإثبات أن الجسم قادر بقوانين طبيعته وحدها على أشياء كثيرة نحار بها النفس . وفضلاً عن ذلك ، لا أحد يعلم كيف تحرك النفس الجسم وما هي وسائلها ، وكم درجات الحركة التي تستطيع ، وبكم سرعة يمكنها أن تحركه ، وعليه فعندما يقول الناس أن أصل أفعال الجسم هذه أو تلك هي النفس التي لها سلطان على الجسم ، فهم لا يفقهون ما يقولون ، وكل ما في الأمر أنهم يعترفون ، بألفاظ مموهة ، بجهلهم للسبب الحقيقي للأفعال التي يتحدثون عنها بعد أن تملكتهم الدهشة ..." ( ص 164 ـ 165 ) كتاب " علم الأخلاق " لسبينوزا ترجمة : جلال الدين سعيد ـ تونس .

" قد يلقى مثل هذا الرأي حظوة عند ديكارت لأن هذا الأخير يسلم بأن النفس أو الفكر متحد خاصة بجزء معين من الدماغ هو تلك الغدة التي يطلق عليها اسم " الغدة الصنوبرية " فعن طريقها تشعر النفس بكل الحركات التي تحدث في الجسم وبالأجسام الخارجية ، أيضاً كما يمكن للنفس أن تحركها بمحض إرادتها في اتجاهات مختلفة ..". ص 354
" فهذا ما جاء على إثباته في الفصل الخمسين من الجزءالأول من " انفعالات النفس " حيث يستخلص أن النفس مهما كان ضعفها لا تكون عاجزة إذا أُحـْكـِمَ توجيهها في السيطرة علة أفعالها سيطرة كلية .... ماذا يقصد يا ترى باتحاد النفس بالجسم ؟ وما هو تصوره الواضح والمتميز لفكر شديد الارتباط بجزء صغير من الامتداد ؟ ..." ص 355
 
لا يشكل الوعي المكون الوجودي للإنسان كما قال ديكارت بل أن الإنسان بحسب سبينوزا هو وعي ورغبة ، وبحيث أن الوعي هو إدراك للرغبة وإدراك لنزوات وميول الجسد . فالنفس هي فكرة الجسد ، مما يجعل الفعل أحياناً سابقاً للتأمل ، ويكون بهما قوام الاستمرار ( Conatus ) : " يظن الناس أنفسهم أحراراً نظراً إلى وعيهم بأفعالهم الإرادية إلا أنهم لا يفكرون ، ولو بالحلم ، في الأسباب التي تجعلهم يرغبون ويريدون ، لأنهم يجهلون هذه الأسباب  ." يقول سبينوزا .
 
وبهذا يكون سبينوزا قد مهد لعودة فكرة اللاوعي التي ظهرت لأول مرة عند أفلاطون .
 
 
*ضياء
22 - فبراير - 2010
حصني الأخير    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
مساء الخير
 
, , , شدني كثيراً موضوع هذا البحث , ولكني وجدتُ صعوبةً في استيعاب افكاره الفلسفية من قراءة واحدة , وفي مقدمته استوقفتني عبارة ( حصني الأخير) عن (البنت ) التي (لايراها الناس) و (المتوحدة) , فهذه العبارة تعني انهيار حصونٍ سابقةٍ قد يكون كل منها يبدو في حينه بأنه الحصن الأخير ..
وهذه الشراكة بين ذاتين إحداهما مكونة من ( المعرفة الحدسية ) والأخرى من ( المعرفة المنطقية ) تجعلني أتساءل من منهما يجب أن تكون الحصن الأخير للثانية ؟؟ , , ,  بمعنى أن التي ستكون هي الحصن الأخير محكومٌ عليها بأنها الأقل أهميةً من الأخرى , فإن كان ( التفكير أمر عارض ) فالذات المنطقية هي الأولى في أن تكون الحصن الأخير  !
,,,,,,,,,,  أرحب بعودة الأستاذة ضياء وأتمنى أن تكون عودتها حافزاً لجميع الغائبين ( وأنا منهم ) للعودة لمجالس الوراق .  
 
*محمد هشام
23 - فبراير - 2010
عين الموضوع    كن أول من يقيّم
 
صباح الخير أستاذ محمد هشام : أشكر لك متابعتك لهذا الملف وأهلاً ومرحباً بك . لن يكون من السهل قراءة كل الأفكار الفلسفية الواردة في سياق العرض لأنني أنتقي منها حصرياً ما يضيئ موضوع البحث . أعترف مثلاً بأننا لن نفهم موقف سبينوزا في مسألة علاقة الفكر بالجسد دون العودة إلى فلسفته العامة غير أن الدخول في عرض فلسفته سيشتت الموضوع ويضخمه بدون فائدة ويستهلك مجهوداتي في هدف جانبي في حين أن من يريد يتعمق في فهم سبينوزا أو ديكارت أو غيرهما يستطيع أن يفعل هذا بمجهوده الشخصي .
 
وأما الجواب على سؤالك عن الشراكة بين " العقلين " اللذين هما وجهان لذات واحدة ، لكنني اضطررت للتعبير بهذا الشكل لتقريب الصورة من الذهن ، فهو عين الموضوع الذي نبحث فيه . أظن بأن الإجابة على سؤالك ستتنوع بحسب اختلاف الأفراد والشخصيات والتجارب المعاشة ، ولم يكن هدفي من تقديم الموضوع على هذه الصورة الحديث عن نفسي ، بل كان الهدف هو إخراج هذا المجهول ، الذي هو العقل الأسطوري ، من الظل إلى النور ، ومناقشة بعض الأفكار المهمة التي سوف ترد لاحقاً والمتعلقة بعلم النفس الفيزيولوجي الذي يحاول تفسير السلوك ، حتى في جانبه العاطفي ، من وجهة نظر علمية ومادية بحتة . سوف تتبدى لنا أشياء مذهلة خلال العرض لأن هذا العلم الجديد نسبياً ، قفز قفزات هائلة في العشرين سنة الأخيرة حتى أنه ، كأي مراهق ، ظنَّ بأنه استغنى عن أمه " الفلسفة " ، إنما هيهات .
 
كل ما أرجوه هو القليل من الصبر لأنني أكتب على إيقاع زمني الشخصي ، وهو بطيء جداً ولا يناسب إيقاع العصر الذي نعيشه والفرق بينهما كالفرق بين الميجانا وأم الزلف وأغاني عمرو دياب ، ولك مني كل التحية والشكر .
 
*ضياء
23 - فبراير - 2010
في طريق البحث عن العقل (3 )    كن أول من يقيّم
 
قبل فرويد ، كان أفلاطون هو أول من طرح السؤال حول ذلك النشاط الخفي للنفس الذي يجهله الإنسان لأن المعرفة عند أفلاطون هي تذكر وعودة إلى الداخل وتدرج في طبقات الوعي ( الداخلي ) بغاية الوصول إلى الأصل الذي جئنا منه ، إلى المعارف البديهية ، فكل إنسان يعرف لكنه لا يعرف بأنه يعرف ولا يرى من الحقيقة إلا ظلالها لأنه مكبل بالسلاسل التي هي الشهوات والرغبات .
 
 وكان لايبنز ( 1646 ـ 1716 ) قد تحدث عن التأثير الواضح لمجموعة من الإدراكات التي أسماها  ب " الانطباعات الخفية " تكون بمنتهى البساطة لكنها تؤثر على قرارتنا وبأن مجموعها هو ما يشكل قرارنا الواعي . لكن عبارة " اللاوعي " ظهرت لأول مرة ، قبل فرويد بزمن قليل ، لدى الفيلسوف الألماني نيقولاي هارتمان عام 1867 لدى صدور كتابه الذي يحمل عنوان " فلسفة اللاوعي " . حتى ذلك الحين ، لم تكن تلك الفكرة تنتمي إلى مجال الفلسفة بل إلى مجال الفيزياء الطبيعية حيث أن " اللاوعي " هو الذكاء الأعلى للطبيعة وهو مبدأ من مبادىء الفيزياء التي تفسر السلوك الحيواني والطريقة التي يتحرك بها الجسد بمعزل عن العقل والإرادة  والتي تدرس ردود الفعل الغريزية والمباشرة للجهاز العصبي بمعزل عن التفكير .
 
*ضياء
24 - فبراير - 2010
في طريق البحث عن العقل (4 )    كن أول من يقيّم
 
 
اللاوعي كفرضية علمية وفلسفية : 
 
لم يكن فرويد فيلسوفاً بل طبيباً متخصصاً بعلم الأعصاب ومعالجاً للأمراض النفسية ، وبالتحديد منها حالات الهيستيريا الشديدة ، ولم تكن أبحاثه وليدة التأمل النظري بل حصيلة تجاربه الطويلة
في هذا المجال . كان فرويد قد لاحظ الأمر المحير لدى بعض مرضاه العصبيين فتتبع سلوكهم وردود فعلهم واستنتج منها بأنهم ، على العموم ، لا يدركون دوافع أعمالهم ، وبأن هذه الدوافع مغيبة عن وعيهم لا إرادياً وأنها في الغالب سبب عدم توازنهم النفسي ، فلماذا يعاني هذا المريض مثلاً من هذا القلق القاتل في حالات عادية جداً لا تستدعي القلق ؟ فكان أن لاحظ وجود مجموعة من العوامل اللاواعية التي تشترك فيما بينها لتقوده لمثل هذا السلوك ، وكان عليه كطبيب فهم هذا العوامل وإيضاحها لتحرير المريض من خوفه وقلقه هذا هو ما دفعه إلى افتراض وجود نشاط عقلي لا واع وغير إرادي في الدماغ يؤثر على سلوك الإنسان .
 
على المستوى الفلسفي ، كانت هذه الفكرة تستتبع افتراض وجود كائن آخر داخل النفس يؤثر على الإنسان ويملي عليه سلوكه ، أو حيزاً مظلماً وحيوياً داخل النفس غير خاضع لسلطان العقل .
 
إن افتراض وجود إرادة لا واعية في المجال النفسي تؤثر على السلوك بنفس القوة التي يؤثر بها الوعي هدم كل الرؤية الميتافيزيقية التي جاء بها ديكارت ، الذي جعل من الوعي بالذات محور الوجود وبالإضافة إلى تعارضه مع فكرة الوعي والإرادة التي يرتكز عليها مبدأ الثواب والعقاب الدينيين ، وجد علم النفس نفسه بمواجهة " الأخلاق " ، أو " الأنا الأعلى الاجتماعية ، لأنه وجه إليها أصابع الاتهام كونها مسؤولة عن تكوين الشخصية وتعزيز حالة الشعور بالذنب  والعصاب النفسي .
 
واللاوعي عند فرويد هو مجموعة الحوافز والدوافع الغريزية التي تم كبتها وتغييبها في أعماق النفس لأنها تتعارض مع التربية والأخلاق الأسرية والاجتماعية . فالعقل الباطن لدى فرويد هو غيره لدى أفلاطون بل هو عكسه تماماً : إنه البؤرة المظلمة التي نخزن فيها كل ما هو مرذول وما لسنا بحاجة إليه لكي نحيا بل هو معيق ونخجل منه ويمكن أن يتسبب لنا بالمشاكل في حياتنا العائلية والاجتماعية لأنه يتعارض مع الأخلاق العامة بل ويتعارض مع المثال الأعلى الذي نتوق لكي نكونه . ومن هذه الغرائز يركز فرويد على الليبيدو الجنسي ( الإيروس ) الذي يشكل الطاقة الحيوية الأولى الفاعلة في حياة الإنسان ، لأنها الطاقة المجددة للحياة ، والذي هو محور أساسي في تشكل الشخصية ، وفي تشكيل المجموعات وتنظيمها ، لذلك جرى كبته غالباً لدى الفرد لحساب الجماعة ، ولذلك سعت كل الأخلاق والشرائع إلى السيطرة على هذه الطاقة ومن ثم تنظيمها وتقنين استخدامها  بما يتناسب مع المشروع الحضاري لكل مجموعة .
 
تنحو هذه الطاقة ، بالطبيعة ، إلى السيطرة على الآخر أو امتلاكه بغاية تحقيق الرغبة الجنسية ( المواضيع الجنسية متعددة جداً ولا تقتصر على المرأة والرجل البالغين جنسياً وغالباً ما تشمل المحرمات الدينية والاجتماعية ) وتتحول إلى طاقة عدوانية لا واعية بسبب الكبت أو الحظر على الموضوع الجنسي :" ليس الإنسان بذلك الكائن الطيب السمح ذي القلب الظمآن إلى الحب الذي يزعم الزاعمون بأنه لا يدافع عن نفسه إلا إذا هوجم ، وإنما على العكس كائن تنطوي معطياته الغريزية على قدر لا يستهان به من العدوانية . وعليه ، ليس القريب بالنسبة إليه مجرد مساعد وموضوع جنسي ممكنين وإنما أيضاء موضوع إغراء وإغواء . وبالفعل ، الإنسان نزَّاع إلى تلبية حاجاته العدوانية على حساب قريبه ، وإلى استغلال عمله بلا تعويض ، وإلى استخدامه جنسياً بدون مشيئته ، وإلى وضع اليد على أملاكه وإذلاله ، وإلى إنزال الألم به وقتله . من يجرؤ إزاء تعاليم الحياة والتاريخ أن يكذب المثل السائر ؟ .... الأهواء الغريزية للإنسان أقوى من الاهتمامات العقلية ... وجميع الجهود التي بذلتها الحضارة لم تجد حتى الآن فتيلاً ، وتحسب هذه الحضارة أن في مستطاعها أن تتلافى الشطط الفظ للقوة الغاشمة باحتفاظها لنفسها بالحق في الاحتكام إلى هذه القوة الموجهة عينها للمجرمين ، لكن القانون لا يستطيع أن يطال التظاهرات الأعظم حذراً وإرهاقاً وصفاء للعدوانية البشرية ... "(ص 73 ـ 74 ) " قلق في الحضارة" سيغموند فرويد ، ترجمة جورج طرابيشي ( دار الطليعة ، بيروت 1996 ) .
 
يقول الفيلسوف الألماني شيللر : " إن الجوع والحب ينظمان حركة عجلات هذا العالم " . فالجوع هو ممثل لتلك الدوافع الغريزية التي تريد الحفاظ على الفرد بينما ينزع الحب صوب " المواضيع " ووظيفته المحافظة على النوع البشري .
 
 
*ضياء
25 - فبراير - 2010
 1  2  3