سكرتير الدولة الإنجليزية فى الممالك الهندية لندن 1840م
من الروائع الخالدة التى عشنا عليها ،كنا صغاراً ونحبو فى مدينة العلم والأدب ونلتمس المتعة والخيال الجامح فى ألف ليلة وليلة ونهيم مع شهر زاد فى قصصها الخالدة .
كنا صغاراً نعدو وراء البائع المتجول فى القرى والنجوع ونعطيه بعض كيزان الأذرة أو حبات البطاطس أو البطاطا ،أو ربعة من شعير الأرز أو القمح ..ويعطينا بدلاً مما أعطيناه كتيبات صغيرة عن بعض قصص ألف ليلة وليلة . ونعشق شهرزاد ونشفق عليها بقلوب ملتاعة ودموع سخينة وحرصها على النجاة من مصير القتل . كان شهريار مثالاً للملك القاسى لاقلب له ولاروح ،فكأن قلبه قدّمن حجر صوان.
كنا نجلس أطفال الشارع ويقرأ أحدنا ونستمع له ويعترينا النشيج والأحزان والأسى ونخاف على شهر زاد أن تنتهى حكاياتها ثم يقتلها الملك الشرير .
أحببتُ شهرزاد وصار خوفى عليها يتزايد بمرور السنين .
أحببت النساء وتعلقت بهن وخفت عليهن من رجال قساة ميتى القلب . ولم تكن هذه الحكايات إلا جزءاً يسيراً مع حكايات جدتى التى ترويها لنا أنا وأخى الصغير وابن عم أبى ..كنا لاننام إلا على أنغام صوتها الحنون وهى تحكى عن ست الحسن والجمال والشاطر حسن وحكايات لاتنتهى ومعين لاينضب .
ومرت الأيام والسنون ،وكان الراديو أو المذياع كما أراد اللغويون الوسيلة الأشهر فى نشر مسلسل ألف ليلة وليلة وموسيقاه التى عشقتها والمقتطعة من متتالية شهر زاد للموسيقار الروسى العظيم ريمسكى كورساكوف ..والذى دفعتنى موسيقاه إلى تعلم العزف على البيانو فى سنواتى الخضراء .
ما إن يأتى الشهر الفضيل رمضان إلا ونستمع بلهفة وشوق إلى مسلسل ألف ليلة وليلة وتنتهى الحلقة وننام ونصحو فى انتظار الحلقات الأخرى وما تسفر عنه الأحداث .
ومرت بى السنون ،وتدفقت فىّ ثقافات متنوعة وأفكار كثيرة وأخذتنى القراءة من عوالم الصبية ،لعب الكرة أو السهر فى أحاديث صبيانية لاتسمن ولاتغنى من جوع أو حب بنت الجيران ،إلى عوالم الدهشة وسماوات الخيال وروعة العشق ودموع العاشقين وأشعار الخالدين ونثر المنفلوطى الفخيم .
وأنام وأصحو على كتاب أبحث عنه فى مكتبة والدى التى لم يجد لها مكاناً وبعيداً عن الأيدى الجاهلة بقيمتها إلا فى حضير على السطوح ،وهى غرفة مبنية من الخشب والطين ، فكم قرأت منها من مجلات أدبية رصينة كالرسالة ومختارات البارودى وأشعاره وشوقى وحافظ والنواسى وفقه الشافعية والأم وبعض أعداد كتب للجميع وتفسير النسفى وابن عباس وتفاسير أخرى وكتابات محمد عبده ...وكتب طه حسين والعقاد والمازنى ..ومجلدين من حكايات الف ليلة وليلة ..عشت فى دنيا غير الدنيا وعالم غير العالم ..وحصدت ثقافات لاحصر لها وتاه العقل فى ثقافات كثيرة ودراسات وأبحاث ابن عم والدى الدكتور المرحوم /محمد الدسوقى النويهى وصديقه الحميم والذى ظل بعد وفاته فى 1980م يتحدث عنه وعن كتاباته وأبحاثه حديث الخبير ،حتى وفاته فى 1990م.
وعشقت حكايات شهر زاد وتألمت معها وكنت أشفق عليها ونضوب حكاياها وتعرضها للموت ..لكن الحياة جديرة بأن تعاش ،فكانت شهر زاد أول من علمنى حب الحياة والحرص عليها والصبر على المكاره من أى صنف ونوع. وتظل أذنى تستمع حكايات ألف ليلة وليلة من الراديو وصياح الديك وتثاؤب الممثلة البارعة التى نسيت اسمها وهى تقول:
ويمتد بى العمر وتنقضى سنوات طويلة وتأخذنى الحياة وتصبح كتب القوانين وأبحاثها هى الهم الأكبر، ولكن لا أنسى كتبى ومكتبتى الأدبية ومتابعة المرور على المكتبات .
وفى عام 1986م عثرت على كتاب هو "الوقوع فى دائرة السحر ..ألف ليلة وليلة فى نظرية الأدب الإنجليزى للدكتور /محسن جاسم الموسوى ..طبعة وزارة الثقافة والإعلام العراقية .
ما أعظم وما أروع هذا البلد العظيم .عراق روحى .وبغداد قلبى وبصرة عقلى .
كانت الإصدارات الكثيرة والمجلات الرصينة والكتب المترجمة والأبحاث الأدبية والفكرية هى الزاد لكل طالب أدب وعلم .
الأقلام والمورد والأدب الشعبى والموسوعة الصغيرة .......بقروش معدودة تجمع آداباً وأفكاراً لاتقدر بمال .
[hide]null[/hide]وأنتظر هذه الإصدارات بشوق واشتياق ولهفة ..ولا أنسى العم المظلوم الدكتور النويهى وهو يتحدث عن العراق حديث العاشق الولهان ..بل كان شقيقى الذى يلينى "أنور "من عشاق العراق وعاش فيها سنوات طويلة ،وله فيها ذكريات لاتموت . شاهد بعينه الحرب العراقية الإيرانية ثم عاد إلى مصر ولم يستقر له بال فعاود السفر إلى العراق وشاهد وعاش مأساة الحصار ..وبكينا معاً يوم سقطت بغداد فى أيدى الغاصبين ،لعنة الله عليهم وحرر عراقنا من هذه النجاسة وطهرها منها ،وأصبت بنوبة قلبية حادة دخلت على إثرها العناية الفائقة والتى مازال تأثيرها ينخر فى صدرى حتى اللحظة ورغم تركيب دعامات وتوسيع لبعض الشرايين .
أقرأ كتاب النابغة الدكتور الموسوى ورغم وقوعى فى السحر منذ شببت عن الطوق ،إلا أنه زادنى وقوعاً وهياماً وعشقاً..فعاودت القراءة من جديد للرواية الأم سيدة الروايات والحكايات على مر الزمن .
وخرجت ابنتى بسمة إلى الدنيا ..وفى حبوها ..عبثت بمكتبى ولها صورة نادرة وهى فى السنة الأولى من عمرها ،تجلس أمام الكتب المرصوصة على الأرض بجوار المكتبة التى ضاقت عن حملها .
وكبرت بسمة وفى حوالى الرابعة من عمرها صارت تعبث بكتب المكتبة ولم أجد مفراً سوى الحرص على زيارتها ،بصحبتى، للمكتبات والمعارض الثقافية ..وحرصت على شراء المجلات وكتب الأطفال ،فكان لها مكتبة جميلة وظريفة ممتلئة بالكتب المصورة والمجلات الراقية وكتب المكتبة الخضراء وأعمال كامل الكيلانى ويعقوب الشارونى وآخرين وأخريات . ودخلت ابنتى بسمة المدرسة وتنقلت عبر مراحلها المختلفة ..وذات يوم ...عدتُ عصراً ووجدتها بحجرة المكتبة تنتقى كتاباً ولمحتها تقرأ فى أحد المجلدين "ألف ليلة وليلة" . فتبسمت ضاحكاً وقلت لها:مرة واحدة ألف ليلة وليلة!!
وسرحت بفكرى ..هاهى الحفيدة تقرأ راويات وحكايات قرأها أبوها ومن قبله جدها .. هذا هو التراث الذى يتجدد عبر السنين ولاتزول قيمته ولاتبهت آثاره .
خشيت على ابنتى من قراءة حكايات ألف ليلة وليلة بألفاظها التى لاتتفق مع سنوات عمرها الطفولى ،فقلت لها : سأشترى لك مجلدات ألف ليلة وليلة كلها .
وفى صباح اليوم التالى ،ذهبت إلى مكتبة دار الهلال بطنطا واشتريت لها النسخة المعدلة بألفاظ لاتخدش الحياء "أربعة مجلدات مزادنة بصور جميلة وكتابة واضحة وطبعة أنيقة " فكانت تصطحبها معها إذا كنا فى سفر طويل تقرأها بدهشة وانبهار ،وتحكى لنا بعض قصصها .
فكانت الضحكة تدفعنى إلى أن أقول لها : احك لنا ياشهرزاد النويهى .
ومنذ فترة قصيرة ..دخلت غرفتها فوجدت هذه النسخة بمجلداتها الأربعة .
وفى سنة 1997م .. قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ..كتاب الذخائر ..بنشر هذه الرواية الأم بالعنوان الثابت فى المداخلة الأولى . بدءاً من العدد 11 وحتى العدد 18 ..تم نشرها كاملةً ..رغم الصياح المخجل والثورة الزاعقة لمدعى الفضيلة وحراس القيم المزيفين .
وها هى الرواية الأم الخالدة ..كاملةً ،لدىّ ، كلما ادلهمت بى الأمور وزاد ضيق النفس ..أسعى وراء أحد مجلداتها الثمانية . فهى أعظم عمل روائى سردى على مر العصور ، بل هى إلياذة وأوديسة العرب .
منهومان لايشبعان طالب علم وطالب مال .. حقاً وصدقاً .. فمن أبتلى بهذا النهم ،فلن يشبع أبداً،لكن قد ينفد المال، أما العلم فهو باقِ ،تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل . فالقراءات فى كل المعارف نهم يشتد أواره والظمأ الذى لاينتهى والعقل يسع كل شىء .
فالليالى قد نالت الكثير من الدراسات ..ففى سنة 1941م ناقشت سهير القلماوى بحثها الهام عن "ألف ليلة وليلة فى الشرق والغرب " تحت إشراف الدكتور طه حسين .
فتأثير الليالى لم يسلم منه قارىء أو مستمع سواء فى الغرب أو الشرق .
وفى سنة 1994م قامت مجلة فصول بنشر ثلاثة مجلدات ممتازة عن ألف ليلةوليلة .
وفى صفحة الغلاف أن هذه الأعداد مهداة إلى سهير القلماوى رائدة دراسات ألف ليلة وليلة . كما أن نجيب محفوظ قد استلهم رواية هامة من ألف ليلة وليلة ..تعتبر من درر أعماله الروائية .
كان اليقين الثابت بداخلى ،عظمة هذا العمل الإبداعى الفذ، هو مجموع ذاكرة جماعية للعقل العربى فى أزهى عصوره وتأثيره ملأ الدنيا وشغل الناس .
وتأتى سنة 2005م ويصدر مجلدٌ ضخمٌ بعنوان "الرواية الأم ..ألف ليلة وليلة والآداب العالمية ..دراسة فى الأدب المقارن" للأستاذ ماهر البطوطى.. عن مكتبة الآداب بالقاهرة فى 408صفحة من القطع الكبير .
وأغوص فى عوالم ألف ليلة وليلة وأطير مع السندباد البحرى ورحلاته السبع وحكاية التفاحات الثلاث ومعروف الإسكافى وقمر الزمان وزوجة الجوهرى ..
حكايات لاحصر لها .....إلخ
أحلام وأشواق ولهاث وخيال وحكمة وتجارب ودراسات عن طبائع البشر
...ولقد طالعت " الوقوع في دائرة السحر..." لأستاذنا عبد الرؤوف النويهي من قبل أن يشارك أستاذنا صادق السعدي بقصيدته الرائعة ، وسحرت بما طالعته سحرا .. سحرتني ذكرياته مع " ألف ليلة وليلة " ، تلك الليالي التي رافقتنا فتية، وكهولا، ثم شيوخا، وما زال سحرها الحلال يستولي على عقولنا وقلوبنا معا . لقد ردد قلم النويهي، بأسلوبه الجذاب، إيقاع " ألف ليلة وليلة " على نفوسنا؛ ممثلة بنفسه الحساسة الشاعرة الصادقة ، والتي يعبر عما فيها قلم مداده فيه من سحر الجمال ما فيه .
ولما نشر الأستاذ السعدي قصيدته " الليلة الثانية بعد الألف " ، وقعت بين سحرين تظاهرا علي؛ فأرتج على لساني برتاج من الإعجاب والانبهار ، ولم أتمكن سوى من المشاركة في التقييم . فشكرا للنويهي وللسعدي، وبورك نبض قلبيهما الشاعرين .
هذا من طيب أصلك وكريم منبتك. سبقتني بتحية لاقبل لي بمثلها، فأنت السابق بالحسن والاحسن. جمال التعبير، وعذوبة الألفاظ ، وعمق المعنى، وصدق المشاعر، وطيبة القلب، وإعتدال في الرأي في زمن قلّ فيه الاعتدال، واختلط الحابل بالنابل من الاقوال والأفعال، وليست هذه بالاولى، ولا عجبا من الدهر وآخر الفتن وضروب المحن. فقد كسر سعد سيفه قبل قرون، وظنها ما وعد به على لسان الخاتم. والدهر سجال، ونحن رجاله الحمقى ، وسيوفه العمياء. نبطش بها في ظلام الغفلة، وغيبوبة السكر. وصدّقنا أن لا غالب ولا مغلوب.من يعيد المارد المسحور بعد ارتفاع الغبرة وانكشاف الدخان الى قمقمه مرة أخرى. وقد أكملت شهرزاد لياليها، وقررت التوقف عن الكلام بعد أن أسكرت شهريار، وانفضت حفلة السمر، وإنتهت الحكاية.