فما هذه الشهرة التي أحبها الناس !
أليس هي أن تكون معروفاً لدى أناس لا تعرفهم أنت!
أليست الشهرة هاتكاً للستر ، كاشفاً للأمر ، لقوم مجهولين لك ، يتهامسون عليك ، وينبشون في أسرارك ، ويخدشون في أستارك ، وكل واحد منهم يبدي رأيه فيك وفي حياتك ؟
أليست الشهرة تجعل منك موضوعاً فارغاً ساخراً، ويرى الناس من حقهم أن يشرحوك حياً أمام الملأ، يتناولونك بالنهش والتمزيق ، ويرون أن من حقهم أن يجردوك حتى من ملابسك الداخلية في الطريق العام، لأنك ـ برأيهم ـ رجل عام !!
ليس من حقك الستر ، و لابد أن تعرض للناس حقيقتك العارية ، قال الشاعر :
العيب في الجاهل المغمور مغمـور وعيب ذي الشهرة المشهور مشهور
أليس الذي يحب الشهرة و يحب لنفسه هذا الوضع السيئ غير مريض أو مجنون ؟ بلى و لا ثالث لهما ، حيث ينزل عن ملكيته لنفسه ، يصبح مملوكاً لأناس لا يمتون إليه بصلة ، يتصرفون في أمره كما يشاء ويصورونه لأنفسهم و للمجتمع كما يريدون ، يتناولون ذاته بالتشويه، ويتكلمون فيه كما يحلو لخيالهم السقيم أو السليم !!
فصغائر الرجل الكبير كبائـر وكبائر الرجل الصغير صغائر
ناهيك عن عدم وجود من يغبطه على هذه الشهرة ، بل كل الناس يحسدونه عليها ، فمن الحماقة بعد هذا أن يسعى المرء إلى الشهرة و هو عالم بعواقبها السيئة .
إن المشهور رجل باع الحرية واشترى العبودية باختياره، باع حريته في أن يذهب حيث يشاء ، ويتصرف كما يريد ، باع حريته في أن يراقب الناس لا أن يراقبوه ، باع حريته في أن يطلق لسانه فلا يحاسب على قوله من قبل الناس ، ويكون هو السائل لا المسؤول !!
لماذا تباع هذه الحرية إذن ، وما قيمة الشهرة عند رجل عاقل بعد كل هذا ؟!
من ناحية أخرى فإن الشهرة لا تصاحب إلا أصحاب الامتيازات في كل مهنة أو حرفة لأن الشهرة مقرونة بالثروة والمال، فالطبيب المشهور، والمحامي المشهور ، والمهندس المشهور ، والكاتب المشهور ، والمطرب المشهور ، والفنان المشهور ، وحتى المهرج إذا ذاع صيته ، جمع بصيته المال الوافر ، والثروة المادية الكبيرة .