الأدب العربي بين أمسه وغده 10 كن أول من يقيّم
رأي الوراق :     
وهذه الخصومة السياسية دفعت صحف الأحزاب المختصمة إلى التنافس فافتنت في ما جعلت تنشر من الفصول ، وإذا الأدباء يستعرضون الأدب القديم يحيونه حياة جديدة بالنقد والتحليل. وإذا هم يستعرضون الآداب الأوربية الحديثة يذيعونها ناقدين ومحللين ومترجمين ، وإذا هم بعد هذا كله يرقون إلى إنشاء الدراسات التي تطول حتى تصبح كتباً تستقل بنفسها وتقصر حتى تصبح فصولاً تنشر بالصحف والمجلات ، ثم يجمع بعضها إلى بعض فإذا هي أسفار قيمة يجد فيها القارئ نفعاً ولذة ومتاعاً . فهذا نوع جديد من الأدب عرفه الأوربيون منذ زمن بعيد ولم نعرفه نحن إلا في هذا العصر الحديث . ثم ننظر فإذا تمثيل شعبي ينشأ فجأة يصور حياة الثورة وما استتبعته من تطور الأخلاق وتغير القيم ، وإذا نحن نشغف بهذا التمثيل الشعبي ، ولكنا نشهده للهو وقطع الوقت ولا نرقى به إلى مرتبة الأدب الرفيع ، فيشعرنا ذلك بأن للتمثيل مكانة أدبية يجب أن تعرف له في مصر . وإذا نحن ننشئ فرقة للتمثيل ، وإذا القصص التمثيلية توضع لها حينا وتترجم لها أحيانا ، وإذا أدبنا التمثيلي قد نشأ متواضعا ولكنه نشأ على كل حال . وكل هذا لا يكفينا ، فقد قرأنا القصص الأوروبي طويله وقصيره ومتوسطه، وقرأناه في اللغات المختلفة وسألنا أنفسنا شاعرين بذلك أو غير شاعرين : ما بالنا لا نقص في لغتنا كما يقص الأوروبيون والأمريكيون في لغاتهم ؟ ثم حاولنا مقلدين أول الأمر ، مبتكرين بعد ذلك ، وإذا نحن نبلغ من الإجادة في هذا الفن الجديد حظّا عظيما ، وإذا قصصنا يشيع في الشرق العربي ثم ينقل إلى الغرب الأوربي ، وإذا قصصنا يختلف في موضوعه وأغراضه ومذاهب الكتاب فيه على نحو ما يختلف القصص الأوروبي في هذا كله . وإذن فنحن قد دُفعنا شاعرين أو غير شاعرين إلى أن نسمو بأدبنا العربي إلى مكانة الآداب الحية الكبرى ، وبلغنا من ذلك حظا ليس به بأس وإن لم نبلغ من ذلك ما نريد. ومتى بلغ الناس ما يريدون ! والشيء الذي ليس فيه شك هو أن أيسر الموازنة بين أدبنا هذا الحديث الذي لا نكاد نرضى عنه أو نقنع به ، وبين أدبنا ذلك القديم الذي فتنّا به فتونا ، يدل على أننا قد وثبنا بالأدب العربي وثبة لم يكن القدماء يحلمون بها ولم تكن تخطر لهم على بال . وقد كان العصر العباسي عصرا ممتازا في التاريخ الأدبي من غير شك ولكن عصرنا نحن أشد منه امتيازاً وأكثر منه خصبا وأعظم منه استعدادا للبقاء . على أن هناك تطوراً آخر لأدبنا الحديث أعظم خطراً وأبعد أثراً من كل ما قدمت ، وهو الذي سيوجه الأدب في المستقبل القريب إلى غاياته التي لا يستطيع عنها تحولا أو انصرافا فيما أعتقد . ولهذا التطور الخطير وجهان : أحدهما يتصل بأشخاص الأدباء ، والآخر يتصل بالموضوعات التي يطرقها الأدباء . فأما الوجه الأول فنستطيع أن نتبينه في سهولة ويسر إذا نظرنا إلى حافظ وشوقي والمنفلوطي من جهة وإلى العقاد والمازني وهيكل من جهة أخرى . فقد كان الثلاثة الأولون لا يعيشون لأدبهم وإنما يعيشون بأدبهم . أريد أنهم كانوا يتخذون الأدب وسيلة إلى الحياة وإلى حياة لا تمتاز بالاستقلال . كان كل واحد منهم في حاجة إلى حماية تكفل له ما يحب من العيش والمكانة . ولا بد له من " مِسين " كما يقول الأوربيون ، يحميه ويعطيه ويحوطه بالرعاية والعناية ، ويدفع عنه العاديات والخطوب . أما الثلاثة الآخرون فثائرون على هذا النوع من الحياة ، مبغضون لهذا النوع من الأدب ، يكبرون أنفسهم أن يحميهم هذا العظيم أو ذاك ، ويكبرون أدبهم أن يرعاه هذا القوي أو ذاك . هم يعيشون أولا ويعيشون أحراراً ، ثم ينتجون أولا وينتجون أحراراً . وهو يأبون أن يؤدوا عن إنتاجهم الأدبي حساباً لهذا أو ذاك . هم مستقلون في إنتاجهم الأدبي بأدق معاني هذه الكلمة وأكرمها . وقد تقول إنهم ينتجون للجمهور ، فهم مدينون للجمهور بحياتهم الأدبية . ولكن الجمهور هذا شيء شائع مجهول لا يستطيع أن يعبث بحرية الأديب ولا أن يعرض كرامته لما لا يحب . وكل إنسان في بيئة متحضرة إنما يعيش للجمهور وبالجمهور ، كما أن الجمهور نفسه يعيش لكل إنسان وبكل إنسان . فالظاهرة الخطيرة في أدبنا الحديث هي هذه الكرامة التي كسبها الأدباء لأنفسهم ولأدبهم والتي مكنتهم من أن يكونوا أحراراً فيما يأتون وفيما يدعون . أما الوجه الثاني لهذا التطور فهو أن هذه الحرية نفسها قد فتحت للأدباء أبوابا لم تكن تفتح لهم حين كان الأدب خاضعا للسادة والعظماء .وقد أثرت ظروف التطور الإنساني في توجيه هذه الحرية . فقد كان الأدباء القدماء يؤثرون السادة والعظماء بما ينتجون ، فأصبح الأدباء المحدثون يؤثرون أنفسهم ويؤثرون الفن ويؤثرون الشعب بما ينتجون . وكذلك عكف الأدباء على أنفسهم فحللوها وعرضوها ، واستخرجوا من هذا التحليل علماً كثيراً ومتاعاً عظيماً . وكذلك فرغ الأدباء لفنهم فجودوه كما يريدون وكما يستطيعون وكما يريد الفن ، لا كما يريد هذا السيد أو ذاك . وكذلك عكف الأدباء على الشعب ، فجعلوا يدرسونه ويتعمقون درسه ، ويعرضون نتائج هذا الدرس ، ويظهرون الشعب على نفسه فيما ينتجون له من الآثار . وهذا كله قد رفع الدب إلى الصدق والدقة ، وجعله إنسانيًّا لا فرديًّا ، ووضعه حيث وضعت الآداب الحية الكبرى نفسها بحكم التطور الذي دفعتها إليه ظروف الحياة الحديثة . فإذا أردنا أن نتبين الاتجاهات التي سيُدفع إليها الأدب العربي غداً ، بعد أن عرفنا اتجاهات الأدب العربي في ماضيه القريب والبعيد ، وبعد أن رأيناه يحيا بين أيدينا في حاضره الذي نشهده الآن ، فقد يخيل إليَّ أننا نستطيع أن نستنبط هذه الاتجاهات من بعض الحقائق الواقعة . وأول هذه الحقائق الواقعة هو هذا الاستقلال الذي كسبه الأدباء لأنفسهم ولأدبهم . فهم قد أخذوا بحظ من الحرية . وهم لن يكتفوا بما أخذوا ، ولكنهم سيمعنون في استقلالهم وحريتهم حتى يرتفعوا عن كل رقابة مهما يكن مصدرها ، وحتى يتعرضوا ـ وقد تعرضوا بالفعل ـ لبعض الأذى في سبيل هذه الحرية . |