البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : الأدب العربي بين أمسه وغده    قيّم
التقييم :
( من قبل 1 أعضاء )

رأي الوراق :

 ياسين الشيخ سليمان 
27 - سبتمبر - 2008
بسم الله الرحمن الرحيم
الأدب العربي بين أمسه وغده
    " الأدب العربي بين أمسه وغده " ، بحث نشره عام (1364هـ - 1945م)   دكتور طه حسين بك ، كما كان يلقب وقتها، في العدد الأول من المجلد الأول من مجلة "الكاتب المصري"[1] التي كان يرأس تحريرها في ذلك الحين . ولما كان هذا البحث ذا أهمية من جهة موضوعه ، وذا أهمية كذلك من جهة حرفة مؤلفه ؛ فقد رأيت أن نشره في الوراق ، بعد ثلاثة وستين عاما من نشره أول مرة يجعل من يطلع عليه يتبين حال الأدب العربي اليوم ، وهل هي كما تنبأ بها طه حسين ، ويتبين قبل ذلك نظرة طه حسين إلى الأدب العربي وتاريخه وإلى الآداب الأخرى .
   وقد قمت بنقل نص البحث من العدد الأول من مجلة " الكاتب المصري " ، فلدي نسخة منه . وسوف أقوم بنشره بعون الله في الوراق على دفعات . أما التعليقات الواردة في الحواشي فهي من إعدادي .


[1] صدرت هذه المجلة بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية  في تشرين اول عام   1945عن دار الكاتب المصري بالقاهرة ، وكانت هذه الدار مملوكة لعائلة يهودية مصرية . وقد أسس المجلة طه حسين ، ثم انقطعت عن الصدور في أيار من عام 1948 . في هذا الرابط توجد اعداد المجلة المذكورة للتحميل http://www.al-kalimah.com/data/2008/7/1/EgyptianWriter.html
 
 1  2 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
الأدب العربي بين أمسه وغده 9    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
وقد ظفرت مصر منذ ثورتها في أعقاب الحرب بحظ من حرية التفكير والتعبير لم تعرفه من قبل، واشتدت فيها الخصومات حول المثل العليا في السياسة والاقتصاد والأدب والفن . فكان هذا كله أشبه شيءٍ بالحطب الجزل يلقى في النار المضطرمة فيزيدها تلظياً واضطراماً. وقد صدمت مصر بألوان من الكوارث في حياتها السياسية حدّت من حرية الرأي والقول بين حين وحين، ولكنها زادت العقل المصري قوةً و أيداً، لأنها علمته العكوف على نفسه، وفتقت له ألواناً من الحيل للتعبير عما كان يريد أن يعبر عنه. ولست أدري أكان من النافع أم غير النافع لمصر أن تتعثر في حياتها السياسية،  ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن هذه الأزمات السياسية التي وقفت الإنتاج الأدبي شيئاً ما، قد أنضجت هذا الأدب العربي ومنحته صلابةً و مرونةً في وقت واحد، علّمته كيف يثبت للخطوب، وكيف ينفذ من المشكلات.
   ولم تكن مصر منفردةً بهذا التطور العنيف ولا بهذه الأزمات التي كانت تكبو بها مرةً وتنهض بها مرةً أخرى، وإنما كان هذا كله حظاً شائعاً لبلاد الشرق العربي كله تقريبا، فجرى التطور الأدنى متوازناً شيئاً ما، ولكن مصر امتازت بمكانها من السبق في السياسة و في الاقتصاد، وبما أتيح لها من الثروة التي مكنتها من الإسراع إلى نشر التعليم على اختلاف فروعه. ويكفي أن نلاحظ أن مصر أنشأت جامعتين في أقل من ربع قرن، ونشرت التعليم الثانوي في جميع عواصم الأقاليم، ونشرت التعليم الابتدائي جميع المدن، ونشرت التعليم الأولي في كثير جدأ من القرى . } وقد أدى {ذلك إلى تنوع هذا التعليم واختلاف فروعه ، وإلى ما أنشئ من المؤسسات المختلفة التي تعنى بهذا الفرع أو ذاك من فروع المعرفة وإلى إرسال الشباب إلى العواصم الأوربية الكبرى، واستدعاء الأساتذة من هذه العواصم على اختلافها. كل هذا جعل مصر مركزاً خطيراً من مراكز الثقافة العالمية في الشرق. وكل هذا فتح للأدباء أبواباً من التفكير وشق لهم طرقاً إلى الإنتاج ما كانوا ليعرفوها لو جرت الأمور في مصر على ما كانت تجري عليه أثناء الاحتلال وقبل إعلان الاستقلال وإصدار الدستور.
   ثم صدم العالم صدمته الثانية ، وكانت الحرب العالمية الأخيرة، وذاقت مصر من مرارتها غير قليل، واصطلت بعض نارها ست سنين. وكان أهم ما مس الأدب من هذا كله فرض الرقابة على الإنتاج العقلي. ولست أدري إلى أي حد ضاق الأدباء بهذه الرقابة، ولكن الذي أعلمه هو أن هذه الرقابة لم تمنعنا من الإنتاج الأدبي الخالص. ولعها صرفت بعضنا عن الأدب السياسي فاضطرته إلى إنتاج آخر لعله أن يكون أبقى وأجدى. ولأضرب لذلك مثلاً الأستاذ العقاد ، فقد صرفته ظروف الحرب عن عنفه السياسي وقتا ما . ولست أعرف أضاق بذلك أم لم يضق، ولكني
أعلم أنه دفع إلى ألوان جديدة من البحث والتفكير ، وأنتج كتبا ما أشك في أن قراءه يؤثرون أيسرها على أدبه السياسي كله. وجملة القول أن الأدب العربي الحديث خضع أثناء ربع قرن لمؤثرات كثيرة مختلفة دفعته إلى تطور خطير من جميع نواحيه: دفعته إلى التطور في شكله و في موضوعه، ودفعته إلى التطور سعة وعمقاً وتنوعاً واختلافاً. ويكفي أن نستعرض الفنون التي يمارسها الأدباء لنتبين صدق هذا التقدير ؛ فقد أدركنا هذا القرن وأدبنا العربي ينقسم إلى شعر ونثر. وكان شعرنا قديما يحاول التجديد وكان نثرنا كتبا يسيرا و فصولا تنشرها الصحف، بعضها يمس السياسة، وبعضها يمس الحياة اليومية وبعضها شؤون الاجتماع، وقليل منها كان يفرغ للأدب الخالص فراغاً تاماً. وكان عندنا تمثيل نستعير قصصه من أوروبا ولا نكاد نجيد عرضه على النظارة، ولعلنا كنا نسيء إلى فن التمثيل أكثر ما كنا نحسن إليه. وكنا نحاول النقد فتذهب فيه مذاهب القدماء، وكان الشباب يريدون أن يجددوا هذا النقد فلا يظفرون إلا بالإعراض والإنكار . وقد حاول بعضنا أن يحدث في الأدب فنَّا جديداً ، فحاول المويلحي رحمه الله أن ينشئ قصة فانشأ مقامة طويلة، وحاول حافظ رحمه الله أن يتحدث إلى سطيح فلم يصنع شيئاً.
    أما بين الحربين فقد دُفع أدباؤنا إلى الأعاجيب . وكان أول هذه الأعاجيب هذه الخصومات السياسية التي يسرت اللغة تيسيراً غريباً ، ومنحت العقول حدة رائعة ونفاذاً بديعاً ، واستطاعت أن تشغل الجماهير وتعلمهم العناية بالأمور العامة والاهتمام لها والتفكير المتصل فيها . وأحدثت أو قُل أحيت في النثر العربي فن الهجاء الذي أتقنه الجاحظ وقصر فيه من جاء بعده من الكتاب . فقد أصبح هذا الهجاء السياسي من أهم الألوان لأدبنا العربي الحديث ، فيه الحدة والعنف وفيه المتعة واللذة ، وفيه التنوع والاختلاف بتنوع الأمزجة واختلافها ، وفيه الإيجاز والإطناب ، وفيه التصريح والإشارة .
   على أن هذه الخصومة السياسية لم تمس النثر وحده ، وإنما ردت إلى شعرائنا الشيوخ شيئاً من شباب ، فاضطرمت نفس حافظ وشوقي رحمهما الله واستطاعا أن يتصلا بالجمهور بعد أن كانا قد بعدا عنه شيئاً. وهذا الشباب الذي رُد إلى شوقي في أعقاب الحرب العالمية الأولى دفعه إلى تقليد الشعراء التمثيليين الأوروبيين فأنشأ شعرا تمثيليا قد نرضى عنه أو لا نرضى عنه ، ولكن كثيراً منه فتن الذين قرءوه وسمعوه في دور التمثيل .
*ياسين الشيخ سليمان
30 - سبتمبر - 2008
الأدب العربي بين أمسه وغده 10    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
   وهذه الخصومة السياسية دفعت صحف الأحزاب المختصمة إلى التنافس فافتنت في ما جعلت تنشر من الفصول ، وإذا الأدباء يستعرضون الأدب القديم يحيونه حياة جديدة بالنقد والتحليل. وإذا هم يستعرضون الآداب الأوربية الحديثة يذيعونها ناقدين ومحللين ومترجمين ، وإذا هم بعد هذا كله يرقون إلى إنشاء الدراسات التي تطول حتى تصبح كتباً تستقل بنفسها وتقصر حتى تصبح فصولاً تنشر بالصحف والمجلات ، ثم  يجمع بعضها إلى بعض فإذا هي أسفار قيمة يجد فيها القارئ نفعاً ولذة ومتاعاً . فهذا نوع جديد من الأدب عرفه الأوربيون منذ زمن بعيد ولم نعرفه نحن إلا في هذا العصر الحديث . ثم ننظر فإذا تمثيل شعبي ينشأ فجأة يصور حياة الثورة وما استتبعته من تطور الأخلاق وتغير القيم ، وإذا نحن نشغف بهذا التمثيل الشعبي ، ولكنا نشهده للهو وقطع الوقت ولا نرقى به إلى مرتبة الأدب الرفيع ، فيشعرنا ذلك بأن للتمثيل مكانة أدبية يجب أن تعرف له في مصر . وإذا نحن ننشئ فرقة للتمثيل ، وإذا القصص التمثيلية توضع لها حينا وتترجم لها أحيانا ، وإذا أدبنا التمثيلي قد نشأ متواضعا ولكنه نشأ على كل حال . وكل هذا لا يكفينا ، فقد قرأنا القصص الأوروبي طويله وقصيره ومتوسطه، وقرأناه في اللغات المختلفة وسألنا أنفسنا شاعرين بذلك أو غير شاعرين : ما بالنا لا نقص في لغتنا كما يقص الأوروبيون والأمريكيون في لغاتهم ؟ ثم حاولنا مقلدين أول الأمر ، مبتكرين بعد ذلك ، وإذا نحن نبلغ من الإجادة في  هذا الفن الجديد حظّا عظيما ، وإذا قصصنا يشيع في الشرق العربي ثم ينقل إلى الغرب الأوربي ، وإذا قصصنا يختلف في موضوعه وأغراضه ومذاهب الكتاب فيه على نحو ما يختلف القصص الأوروبي في هذا كله . وإذن فنحن قد دُفعنا شاعرين أو غير شاعرين إلى أن نسمو بأدبنا العربي إلى مكانة الآداب الحية الكبرى ، وبلغنا من ذلك حظا ليس به بأس وإن لم نبلغ من ذلك ما نريد. ومتى بلغ الناس ما يريدون !
    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن أيسر الموازنة بين أدبنا هذا الحديث الذي لا نكاد نرضى عنه أو نقنع به ، وبين أدبنا ذلك القديم الذي فتنّا به فتونا ، يدل على أننا قد وثبنا بالأدب العربي وثبة لم يكن القدماء يحلمون بها ولم تكن تخطر لهم على بال . وقد كان العصر العباسي عصرا ممتازا في التاريخ الأدبي من غير شك ولكن عصرنا نحن أشد منه امتيازاً وأكثر منه خصبا وأعظم منه استعدادا للبقاء .
   على أن هناك تطوراً آخر لأدبنا الحديث أعظم خطراً وأبعد أثراً من كل ما قدمت ، وهو الذي سيوجه الأدب في المستقبل القريب إلى غاياته التي لا يستطيع عنها تحولا أو انصرافا فيما أعتقد . ولهذا التطور الخطير وجهان : أحدهما يتصل بأشخاص الأدباء ، والآخر يتصل بالموضوعات التي يطرقها الأدباء . فأما الوجه الأول فنستطيع أن نتبينه في سهولة ويسر إذا نظرنا إلى حافظ وشوقي والمنفلوطي من جهة وإلى العقاد والمازني وهيكل من جهة أخرى . فقد كان الثلاثة الأولون لا يعيشون لأدبهم وإنما يعيشون بأدبهم . أريد أنهم كانوا يتخذون الأدب وسيلة إلى الحياة وإلى حياة لا تمتاز بالاستقلال . كان كل واحد منهم في حاجة إلى حماية تكفل له ما يحب من العيش والمكانة . ولا بد له من " مِسين " كما يقول الأوربيون ، يحميه ويعطيه ويحوطه بالرعاية والعناية ، ويدفع عنه العاديات والخطوب . أما الثلاثة الآخرون فثائرون على هذا النوع من الحياة ، مبغضون لهذا النوع من الأدب ، يكبرون أنفسهم أن يحميهم هذا العظيم أو ذاك ، ويكبرون أدبهم أن يرعاه هذا القوي أو ذاك . هم يعيشون أولا ويعيشون أحراراً ، ثم ينتجون أولا وينتجون أحراراً . وهو يأبون أن يؤدوا عن إنتاجهم الأدبي حساباً لهذا أو ذاك . هم مستقلون في إنتاجهم الأدبي بأدق معاني هذه الكلمة وأكرمها .
   وقد تقول إنهم ينتجون للجمهور ، فهم مدينون للجمهور بحياتهم الأدبية . ولكن الجمهور هذا شيء شائع مجهول لا يستطيع أن يعبث بحرية الأديب ولا أن يعرض كرامته لما لا يحب . وكل إنسان في بيئة متحضرة إنما يعيش للجمهور وبالجمهور ، كما أن الجمهور نفسه يعيش لكل إنسان وبكل إنسان . فالظاهرة الخطيرة في أدبنا الحديث هي هذه الكرامة التي كسبها الأدباء لأنفسهم ولأدبهم والتي مكنتهم من أن يكونوا أحراراً فيما يأتون وفيما يدعون .
   أما الوجه الثاني لهذا التطور فهو أن هذه الحرية نفسها قد فتحت للأدباء أبوابا لم تكن تفتح لهم حين كان الأدب خاضعا للسادة والعظماء .وقد أثرت ظروف التطور الإنساني في توجيه هذه الحرية . فقد كان الأدباء القدماء يؤثرون السادة والعظماء بما ينتجون ، فأصبح الأدباء المحدثون يؤثرون أنفسهم ويؤثرون الفن ويؤثرون الشعب بما ينتجون . وكذلك عكف الأدباء على أنفسهم فحللوها وعرضوها ، واستخرجوا من هذا التحليل علماً كثيراً ومتاعاً عظيماً . وكذلك فرغ الأدباء لفنهم فجودوه كما يريدون وكما يستطيعون وكما يريد الفن ، لا كما يريد هذا السيد أو ذاك .
   وكذلك عكف الأدباء على الشعب ، فجعلوا يدرسونه ويتعمقون درسه ، ويعرضون نتائج هذا الدرس ، ويظهرون الشعب على نفسه فيما ينتجون له من الآثار . وهذا كله قد رفع الدب إلى الصدق والدقة ، وجعله إنسانيًّا لا فرديًّا ، ووضعه حيث وضعت الآداب الحية الكبرى نفسها بحكم التطور الذي دفعتها إليه ظروف الحياة الحديثة .
   فإذا أردنا أن نتبين الاتجاهات التي سيُدفع إليها الأدب العربي غداً ، بعد أن عرفنا اتجاهات الأدب العربي في ماضيه القريب والبعيد ، وبعد أن رأيناه يحيا بين أيدينا في حاضره الذي نشهده الآن ، فقد يخيل إليَّ أننا نستطيع أن نستنبط هذه الاتجاهات من بعض الحقائق الواقعة . وأول هذه الحقائق الواقعة هو هذا الاستقلال الذي كسبه الأدباء لأنفسهم ولأدبهم . فهم قد أخذوا بحظ من الحرية . وهم لن يكتفوا بما أخذوا ، ولكنهم سيمعنون في استقلالهم وحريتهم حتى يرتفعوا عن كل رقابة مهما يكن مصدرها ، وحتى يتعرضوا ـ وقد تعرضوا بالفعل ـ لبعض الأذى في سبيل هذه الحرية .
*ياسين الشيخ سليمان
30 - سبتمبر - 2008
الأدب العربي بين أمسه وغده 11    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
   ومن هذه الحقائق الواقعة أن التعليم ينتشر انتشاراً هائلاً ، ينشأ عنه كثرة القراء من جهة ، واختلاف هؤلاء القراء في حظوظهم من الثقافة من جهة أخرى . وسيكون لهذه الحقيقة تأثير خطير ، في الأدب ، فسيحرص بعضهم على كثرة القراء وانتشار آثاره } آثارها { ، وسيضطر إلى ملاحظة هذه الكثرة كما كان الأدباء القدماء يلاحظون سادتهم ومواليهم . وسيضعف أدب هؤلاء حتى يصل إلى الابتذال أحياناً ، ولعلنا نشهد بعض ذلك منذ الآن . وسيحرص قوم آخرون من الأدباء على كرامة الفن وجودته أكثر مما يحرصون على انتشاره وشيوعه ، فيجودون أدبهم ويحفلون بهذا التجويد ، ثم يرسلون أدبهم إلى القراء غير حافلين بالرضا أو السخط من الفقر والثراء .
   وهؤلاء هم قوام الحياة الأدبية ، وهم هداة الناس وقادتهم إلى الحق والخير والجمال .
   وهناك حقيقة واقعة رابعة ، وهي أننا نعيش في عصر السهولة والسرعة ، في عصر الراديو والسينما والصحف اليومية والمجلات اليسيرة والجمهور القارئ الضخم والمواصلات السريعة ، وكل هذا سيعرِّض الأدب والأدباء ، وقد أخذ يعرضهم بالفعل ، لمحنة قاسية ، فسيلتجئ الراديو والصحف والمجلات إلى الأدباء ، وسيتعجلهم في الإنتاج ، وسيضطرهم إلى السرعة ، وسيحول بينهم وبين الأناة التي تمكنهم من التجويد ، وسيجدون أنفسهم بين اثنتين : إما أن يستجيبوا للراديو والصحف والمجلات فيضعف فنهم ويبتذل بعض الشيء ، وإما أن يمتنعوا عليها فيشقّوا على أنفسهم ويخلوا بين الجمهور وبين أصحاب الأدب الرخيص . وأكبر الظن أنهم سيلائمون بين هذا كله ، فيؤثرون الفن بالإنتاج الهادئ البطيء الذي يحتفلون به ويفرغون لتجويده ويذيعونه في الناس متى أرادوا هم لا متى أراد الناس ، ويقدمون إلى الجمهور من طريق الراديو والصحف والمجلات أدبا يسيرا ، مهما يكن من يسره فلن يكون من الرخص والابتذال بحيث يصبح خطرا على الجمهور .
   وهناك حقيقة واقعة خامسة ، وهي ان هذه الثقافات الكثيرة التي تصل إلى أدبنا الآن من كل وجه ستوجه كتابنا اتجاهات مختلفة ، فمنهم من يساير الثقافة الإنجليزية ، ومنهم من يساير الثقافة اللاتينية ، ومنهم من يذهب مذهب الروسيين في الأدب ، ومنهم من يذهب فيه مذهب الأمريكيين . ويوشك هذا الاختلاف أن يفسد الأمر على أدبنا العربي لولا أن أدبنا ليس بدعاً في ذلك من الآداب الكبرى . فكل أدب خليق بهذا الاسم يأخذ ويعطي ويتلقى الثروة من كل وجه . والمهم أن يحتفظ الأدب بشخصيته ويحرص على مقوماته ، ويحسن الموازنة بين عناصر الثبات والاستقرار وعناصر التحول والتطور . وسيوجد بين أدبائنا من يتطرّف في هذه الناحية أو تلك ، ولكن ستوجد بين أدبائنا هذه الصفوة التي تعرف كيف تلائم بين مصادر الثروة الأدبية على اختلافها ، وكيف تستخلص منها هذا الرحيق الذي تقدمه غذاء للعقول وشفاء للقلوب والنفوس .
   وهناك حقيقة واقعة سادسة ، وهي التي أريد أن أختم بها هذا البحث الطويل ، وهي أن الحياة الإنسانية على اختلاف بيئاتها تتجه الآن اتجاهات شعبية لا فردية . ومن طبيعة هذه الاتجاهات الشعبية أن تستغرق كل شيء وتلتهم كل شيء . ومن طبيعة الأدب الرفيع والفن الجميل أن يمتاز ويأبى الفناء في أي قوة مهما تكن . فسيمتحن الأدباء فيما يحرصون عليه من الامتياز ، وسيتعرضون إما للعزلة المؤذية او الخلطة التي تدعو إلى الابتذال . ولكنهم سيلائمون في أدبنا العربي كما لاءم زملاؤهم في الآداب الأخرى بين امتياز أدبهم الرفيع وطموح الشعوب إلى أن تستغرق كل شيء . وسيكون أدبهم الرفيع الممتاز مرآةً صافيةً صقيلةً رائعة ً لحياة الشعب ، يرى فيها الشعب نفسه فيحب منها ما يحب ويبغض منها ما يبغض ، ويدفعه حبه إلى التماس الكمال ، ويدفعه بغضه إلى التماس الإصلاح . ويُنظر الأدب العربي الحديث فإذا هو في مستقبل أيامه كالآداب الحديثة الكبرى ، قائد الشعوب إلى مثلها العليا من الخير والحق والجمال .
                                                                                                                                                               طه حسين
 


 
 
*ياسين الشيخ سليمان
30 - سبتمبر - 2008
كل عام وأنتم بخير    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
وبعدُ :
فذلك البحث الطويل الذي نقلته لكم يمكّن من يشاء أن ينسخ منه ما يريد نسخه ، فقد بحثت في الشبكة عنه قبل أن أكتبه بنفسي فلم أجد إلا جزءاً منه في إحدى المواقع ، وما وجدت هذا البحث إلا مصورا تصويرا في الموقع الذي كنت قد وضعت لكم رابطه . وإني لأرجو أن أكون قد قدمت شيئا ذا فائدة يشجع على البحث والتفكير ومن ثم التعليق عليه بما يفيد وينفع .
أستودعكم الله تعالى ، وكل عام وأنتم بخير .
*ياسين الشيخ سليمان
30 - سبتمبر - 2008
شكري وعرفاني    كن أول من يقيّم
 
ولك الشكر أستاذ ياسين ، موضوعك القيم وكلماتك الصادقة الودودة ، ولنا عودة لمناقشة بعض نقاط هذا الموضوع في وقت لاحق بإذن الله . أشكرك أيضاً كل الشكر على معايدتك اللطيفة وأتقدم منك ومن عائلتك الكريمة بأحر التمنيات والرجاء إلى الله أن يحفظكم ويرعاكم ويزيدكم من فضله ، كباراً وصغاراً ، دمتم بخير جميعاً وكل عام وأنتم بأحسن حال .
*ضياء
30 - سبتمبر - 2008
موضوع مميز    كن أول من يقيّم
 
مووووووووووووووووووووووووووضوع مميز شكرا لك
 
اوراق
4 - أكتوبر - 2008
يوم في حياة العميد طه حسين    كن أول من يقيّم
 
في ذكرى العميد

يوسف ابو رية
في الأيام الأخيرة من شهر تشرين الأول، ومنذ أربع وثلاثين سنة بالضبط، كنت أقبع في هذه الظهيرة الخريفية وحيدا في غرفة شبه مظلمة (كم أعشق هذه الدرجة من النور). فتح أبي الباب بحرص، ظل لفترة حائرا، يلهي نفسه بالبحث بين أشياء الغرفة، وألقى عليَّ النبأ الحزين.
- صاحبك تعيش أنت
.
- من؟

- طه
حسين.
رفعت عينيَّ إلى رسمه المعلّق على الجدار (نقلته عن صورة شهيرة له) وكان
خليطا من الماء واللون.
كانت البلاد تعيش حالة الحرب (*)، فالجنود عبروا إلى الضفة
الشرقية للقناة، وتأجل فتح الجامعات، وحالي مثل بلادي، في مفترق الطرق. حصلت على الثانوية، وفي انتظار الخروج من حيز بلدتي الصغيرة إلى حلم القاهرة الذي يخايلني منذ البكر.

هذه هي القاهرة أخيرا، ما بالها حزينة رغم انتصارها؟
إنني ارحل بين شوارعها المترقبة إلى حي "أم المصريين" لأنضم إلى جماعة من أهل، سبقوني إلى هناك.
ما هذه الحياة الفقيرة؟ هل هذا هو المصير
المنتظر؟
أبداً... أبداً
...
فأين ما رأيت إذاً من مشاهد الأفلام؟
على هذه
المدينة الكبيرة أن تتوقف قليلا عن لهاثها، وتنحني لضيفها القادم، ولكنها لم تعرني التفاتة واحدة، عليها أن تتزين وترشّ العطر على جسدها الممدد على شاطئ النيل. لم ألمح طرفا من عينيها يجفل، وهذا الحادث الكوني الذي عاش في تلافيف عقلي لم يعن لها شيئاً بالمرة، سأقهرك أيتها القاهرة – المقهورة، سأجدع شظية من أنفك لتصيري شبيهة بصنمك المعبود.
اكتفيت بتمضية الليلة في مقاومة سهد الفراش مع أبناء بلدتي،
واستيقظت صباحا ألملم عظامي المحطمة من برد الشرفة.

هذه هي الجامعة اذاً...

هناك في آخر
الأفق يبدو برج الساعة، وهنا في المقدمة قبة القاعة. جامعة يتيمة باكية، رحل عنها أبوها المؤسس.
رفعت على طرفي بوابتها الحديد لافتة من قماش أبيض كُتب عليها بخط
عريض كلمة توفيق الحكيم: "لقد غادرت روحك مصر، بعدما عادت الروح الى مصر".

ادخل القاعة...
فتصادفني وجوه المشاهير. انقذني يا الهي، ولا تجعل روحي تصعد من
مكمنها قبل أوانها.
رجال الأدب جميعا، ورجال الفن، ورئيس الوزراء مرتديا الزي
العسكري، والوزراء، وكبار المقرئين، وأعلام الصحافة والاذاعة والتلفزيون.
قلت
لنفسي: اثبت.
ورددت الكلمة التي واجهت بها أبي حين استنكر رغبتي في حضور
الجنازة.
- لست أقل منهم، هم تلاميذه وأنا كذلك
.
كم أنا حزين لضياع حلمي
بالجلوس بين يديه، لأقول له: يا سيدي العميد لقد طالعت كتبك جميعا، ولا انسى أبدا فضلك العظيم في تشكيل رؤيتي للعالم، فأنت البداية، ومثال الارادة ضد العجز فيك تلخص الوطن حين أراد الخروج من الظلمة الى النور.

الآن...
هذا أنت جسدا ملفوفا في
كفن يرفعك تلاميذك على الأكتاف ليمرقوا من باب الجامعة حيث تسير الجنازة ما بين كلية الهندسة وحديقة الأورمان، ثم نمر بتمثال نهضة مصر، والتفت الى وثبة الأسد – الانسان ورغبته الأبدية للانعتاق من صلاة الحجر، واليد الحانية لتلك الفلاحة الفارهة تحثه على القيام.
الآن نسير كتلة بين أسوار كوبري الجامعة ومياه النيل
بيننا على الجهتين تتأمل ذاتها، واتشجع فأرفع صورتك التي خطتها يدي الطفلة، وتكون هي والنعش فوق رؤوس المشيعين.
عن النهار اللبنانية
*حرب أكتوبر 1973

*ضياء
5 - أكتوبر - 2008
أدب العمى..    كن أول من يقيّم
 

ترك طه حسين طريقته الخاصة في الكتابة، وأسلوبا كنا نسمع أساتذتنا في اللغة العربية يقولون إنه مليء بالمحسنات البديعية والإطناب، ومهما قيل في أسلوب صاحب«الأيام» فالواجب أن يضاف عليه: مستحيل التقليد. وأحلم دائما أن أجد وقتا لكي أعود فأقرأ«أديب» أو«دعاء الكروان» مرة أخرى، ففي قراءة طه حسين تشعر بنفسك تنزق في جبل من العشب دون أن تدرك بأنك تسقط نحو القمة، وعندما يكون الأسلوب مستحيل التقليد يكون متفردا، وإذا كان متفردا فتلك هي العبقرية.
وكلما فكرت في طه حسين فكرت في الثاني، خورخي لويس بورخيس. ولا أعرف علاقة بين الرجلين سوى فقدان البصر، وللأسف لم يتفرغ الدارسون كثيرا لكي يتحدثوا عن أدب العمى وخصوصياته، وعلى الأخص منهم المهتمون بالتحليل النفسي في النقد الأدبي، وهم قليلون على أية حال، أو كانوا قليلين، لأن الذين ظهروا منهم انطفأوا سريعا بعد زوال مرحلة الإعجاب بمدارس التحليل النفسي في الغرب.
الكاتب الأعمى سجين التاريخ، ربما لأن العمى نفسه هو شكل آخر للسجن، سجن الذات، لذلك يسعى الأعمى إلى فتح كوة في عقله لكي يطل منها على التاريخ. كان طه حسين معجبا غاية الإعجاب بشاعر المعرة أبي العلاء، وكتب عنه رسالة جامعية هي«رحلة أبي العلاء»، ومنذ ذلك الوقت بقي يسكن بجوار أعمى معرة النعمان لا يبارحه، حتى كتب عنه كتابا أسماه«مع أبي العلاء في سجنه». وقد اختلق في هذا الكتاب العجيب لقاءات مطولة مع الشاعر المتشائم الناقم على زمانه، إلى درجة أنه تخيل نفسه يدخل عليه في خلوته، تلك الخلوة التي طالت أكثر مما يجب وجعلته يقول بيتيه الشهيرين:
أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن الخبر النبيت
لفقدي ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيث
وبهذا أصبح أبو العلاء أول من صور العمى سجنا، ولكنه أضاف إليه سجنين آخرين، هما الإقامة الجبرية الطوعية في بيته، ووجود نفسه الطموحة داخل جسم خبيث غير مقبول اجتماعيا.
وما فعله طه حسين فعله أستاذه قبله بقرون. ففي «رسالة الغفران» فتح المعري كوة على التاريخ، ولكنه تاريخ من نوع آخر، تاريخ المستقبل. إذ كتب، على شكل رسالة مطولة إلى ابن القارح، مشاهداته في الدار الآخرة، فوضع بعض من يعرفهم من الشعراء والكتاب في جهنم، ووضع آخرين في الفردوس، وأطلق لخياله العنان فصور لنا حواراته مع من رآهم في الجانبين، ونقل على ألسنتهم أسباب وجودهم هنا أو هناك، وطبيعة الآثام أو الحسنات التي جعلتهم في ذلك الموقع. وظلت تلك الرسالة فريدة من نوعها في تاريخ الأدب العالمي، حتى إن النقاد يقولون إن الكوميديا الإلهية للشاعر دانتي، التي صور فيها نبي الإسلام في هيئة لا تليق، كانت نسخا لرسالة المعري، التي ترجمت بالطبع إلى اللغات الأخرى.
أما بورخيس، الأديب الأرجنتيني، فقد وجد ضالته في الفيلسوف العربي ابن رشد وفي كتاب العرب «ألف ليلة وليلة»، وفتح لنفسه، كما فعل طه حسين والمعري، كوة على التاريخ والغيب لكي يجد متنفسا له في سجن العمى. اختلق بورخيس، صاحب «كتاب الرمل»، حوارات مع شخوص ألف ليلة وليلة ومع فيلسوف قرطبة الذي حاربه الغزالي في«تهافت الفلاسفة». وكما فعل المعري، الذي رحل إلى الدار الآخرة، أي العالم اللامتناهي، انحشر بورخيس في اللامتناهي هو الآخر، فكتب عن المكتبة اللانهائية وكتاب الرمل الذي لا تنتهي صفحاته أبدا.
والثلاثة معا نموذج قوي لعلاقة الأدب بالعمى، حيث تتسع منطقة اللاوعي لدى صاحبها وتمنحه مقدرة أكبر على استنطاق التاريخ وإعادة قراءة الماضي بوصفه حاضرا، فلعل كل واحد من هؤلاء كان يسعى للقبض على الزمن الهارب والرؤية إلى الماضي كتجربة شخصية له.
 إدريس الكنبوريhttp://www.almassae.press.ma/
 
 
 
 
*abdelhafid
29 - مارس - 2009
 1  2