 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم2 كن أول من يقيّم
المسلمون نقلوا وترجموا وناقشوا روائع تراث الحضارات القديمة ونجحوا في تعليمه وتسليمه للشّعوب الأخرى. كثير من تراث الحضارات القديمة ضاعت أصولها وبقيت الأصول العربية وهذه أكبر خدمة تاريخيَّة يتمتع بها المثقفون في جميع أنحاء العالم. المنهج الْعِلْمي كما مارسه المسلمون في بحثهم عن الحقيقة قادهم للانفتاح على المخزون الإنساني المذخور في علوم الحضارات الأخرى فدارت عجلة البحث عن الحكمة فأبدعت العقول في تَرْجَمَة المُهم من علوم الإغريق والفرس والهند..مع نقد مُتوازن لها، وتطوير مُبْدِع فيها، وتطبيق ميداني لمضامينها. ولولا جهود المسلمين في تحمُّل عناء التَّرْجَمَة لما سلمت للبشرية الكثير من الكنوز الفِكْرِيَّة التي ضاعت أصولها، وظلت ترجمتها العربية أحياناً كنُسخ أخيرة وصلت لنا مليئة بالحِكمة ونجت من الضَّياع. رغم أنَّ إنكار هذه الإسهامات غير ممكن إلا أنَّ الغرب عموماً يتجاهل هذه الأيادي البيضاء ولا يعترف بها أمام أبنائه. في دراسة "لجيمس لون" في قطاع التَّعْلِيْم (Loewn, 1995, p. 45) اكتشف جيمس أنَّ كل الكتب الدِّراسيَّة التي قام بفحصها في أمريكا بيَّنت له أنَّ مناهجهم الدِّراسيَّة تتغافل عن الثَّناء على عطاء الحضارة الإسلامية إذ قام المسلمون بتَرْجَمَة وحفظ الحكمة اليونانيَّة، وتطويرها عبر تدعيمها بأفكار من الصِّين، والهند، وأفريقيا ثم تمرير المحصلة العِلْمِيَّة لأوربا عبر أسبانيا. والأسوأ من هذا كما يقول الباحث جيمس أنَّ المناهج الدراسيَّة الغربيَّة في مدارسهم تُصوِّر للطّالب أنَّ التَّقدم هو الذي قام به الغرب فقط حديثاً وأنَّ المدنيَّة ظهرت مع بداية جهود الأوربيين. هذه المغالطات دفعت الباحث إلى أن ينشر كتابه تحت عنوان أكاذيب علَّمني إياها المُعَلِّم وهو من الكتب الأكثر مبيعاً. ساعد الوعي بأهميَّة تطبيق الفنون الإدارية وتنظيم حركة الحياة في المؤسَّسات على نمو المدارس، وتطور المعاهد العلمية والعملية المُتقدِّمة، وانتشار البيمارستانات في معظم المدن الإسلاميَّة في عصور ازدهارها. ومن هنا فلا نستغرب عندما نعلم أنَّ أول مستشفى بالمعنى الحقيقي في أوربا بُنى في أوائل القرن الثَّاني عشر للميلاد في إنجلترا وقد نُقلت الفكرة عن العرب أثناء الحروب الصَّليبية. المسلمون أول من أنشأ المستشفيات التَّخصصية ونظَّموا أجنحة لكبار السِّن وأمراض الشَّيخوخة ووضعوا في كل مستشفى مطبخ كبير لإطعام المرضى (الفنجري، 2001 م). كانت المؤسسات بجميع اختصاصاتها الصِّحيَّة، والتَّعليميَّة، والاجتماعية، وغيرها لا تخلو في الغالب من قاعة كبيرة للاجتماعات العامة أو غيرها وبجانبها قاعات للكتب أو للمحاضرات فكانت ممارسة هذه الأخلاقيات الحضاريَّة من بناء المكتبات مُلحقة بالمؤسسات العامَّة أكبر هدية قدَّمتها الأمَّة المسلمة في عصور ازدهارها للبشريَّة قاطبة فتوسعت دائرة الثَّقافة والمعرفة وبدأ السَّائل والمحروم يتعلَّم العلوم. وعلى ضوء هذه الممارسات الرَّاقية التَّطبيقيَّة في ربط العلم بالحياة نشطت أوربا وقامت ببناء نهضتها فبدأت بعمليَّة الاقتباس ثم التَّطوير والإضافة. | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |
 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 3 كن أول من يقيّم
طبَّق المسلمون ولا سيَّما الأوائل منهم معاني تدل على تحرير وتكريم المرأة فليس في تاريخ البشريَّة تراجم نسائية تُضارع ربع ما كتبه ويملكه المسلمون عن سير النِّساء الثَّقافيَّة في القرون الماضيَّة. الأدلَّة التَّارِيخِيَّة لمساهمات المرأة الماديَّة والعِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة لخدمة الْعِلْم والمعرفة أكبر شاهد صدق على ذلك. نجد في القرن الواحد والعشرين محاولات جادَّة مُضنية تقوم بها المرأة في الدِّيانات الأخرى كي تكون المرأة عالمةً دينية يَسمع لها الناس ويُسْمح لها في الفتوى وهي وظائف احتكرها "الرّجل الأبيض" في كل الدّيانات المُحَرَّفة ومنها اليهوديَّة والنَّصرانية. في المقابل قامت المرأة المسلمة مع الرّجل جنباً إلى جنب بالتّصدي لهذه المهام منذ العصر الإسلامي الأول. مارس المسلمون لمدة قرون التّعلم والتّعليم والمرأة تأخذ الإجازة (الشّهادات العِلْمِيَّة)، وتُعطي الإجازة في ميادين عِلْمِيَّة مُختلفة دون حَرج وهذا أمر لم يظهر في أي نظام تعليمي عبر الْتَّارِيْخ البشري إلا حديثاً. يكتُبُ أهل التَّاريخ في سنة 930 هـ = 1423 م أجازت زينب الشويكية الطَّالب عبدالرحمن الكِلِّسي وأَذِنَتْ له في رواية بعضٍ من مرويّاتها (ابن العماد، ج 10، ص 240). كان الرِّجال يشدُّون الرِّحال إلى الأقاليم البعيدة لأخذ الْعِلْم من النِّساء – أميرات العِلْم – في زمن كان فيه غير المسلمين يحتقرون فيه المرأة. هذه المفاخر لا يَكتب الغرب عنها كلمة حق في حين أنَّ قصة لأميرةٍ عربية قد لا تكون قصة صادقة يكتبون عنها بالتَّفاصيل، مهما ضَعف الدَّليل، وبملايين النُّسخ يبيعونها تشويهاً لصورة المسلمين، ولمبادئ الدِّين، كما هو حال كتاب جين ساسون (Sasson, 2001). تطبيق مفهوم المساواة والتًّسامح والعدالة من أهم عوامل إزدهار الأمم. كانت مؤسسات التَّعليم الإسلاميَّة بجميع تخصصاتها هي أول من يُنادي ويُطبق مُنطلق "النّاس في العِلْمِ سواء" وهي كلمة عظيمة قالها أبو داود راوي الأحاديث النَّبويَّة. تجاوز المسلمون عقبة الحقد العنصري من كُرهِ الأبيض لأخيه الأسود. هذا الدَّاء مازال يُهدِّد إلى اليوم المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة الغربيَّة فوضع طبقة السُّود وضيعة، ووضع طبقة البيض رفيعة. هذا الأمر لمسناه بأنفسنا، وشاهدناه بأعيننا في دراستنا وعملنا في الولايات المتَّحدة حيث عشنا بضعة سنين بغرض الدِّراسة. وإلى اليوم فإنَّ عُلَمَاء أصول التَّربية يشيرون إلى دور المسلمين مثل مالكم إكس في تخفيف حِدَّة هذا المرض المزمن (McNergney & Herbert, 2001, p. 152). قبل أن يطرح الغربيون فكرة "ديمقراطيَّة التَّعليم"، كانت المُؤَسَّسَات الإسلامية التَّعْلِيْمِيَّة مفتوحة أبوابها منذ أكثر من 1000 سنة لكل لون وجنس وطبقة فدرس في "المدارس الإسلامية قسطنطين الأفريقي الذي درس الطِّب في جامعة القرويين في فاس بالمغرب ثم عاد إلى بلاده وتفرَّغ لترجمة كتب الطِّب الإسلامي إلى اللاَّتينيَّة. ومنهم البابا سلفستر الثَّاني الذي قضى في أشبيلية ثلاث سنوات يدرس العلم" (فنجري، 2001 م). في الْمَدَاَرِس الإسلامية درس الفقير مع الغني مع الأسود وكان للفائقين منهم منزلة عظيمة. مجانية التَّعْلِيْم من أهم القيم الإنسانية التي مارسها المسلمون في مدارسهم ولهم فضل السَّبق في ترسيخ قواعدها وتوفيرها حتى لغير المسلمين. لقد درس في مدارس بغداد والقاهرة والأندلس طائفة من النَّصارى بالمجان. | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |
 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 4 كن أول من يقيّم
قدَّم المسلمون مجموعة من الأسس التربويَّة والإداريَّة التَّنظيميَّة في تاريخ التَّعْلِيْم العالي والتي مازالت الجامعات إلى اليوم تستفيد منها: حرِّية المُعَلِّم في التَّدريس وحرِّية الطَّالب في اختيار الأستاذ والمادة التي يريد أن يدرسها، والتَّخصُّص الْعِلْمي المُتمثل في تعميق البحث الْعِلْمي الدَّقيق، وبناء المكتبات العامَّة، ووقف الأوقاف لدعم رواتب العاملين في الْمَدَاَرِس، وعدم الخوف من الخوض في العلوم واكتشاف الجديد وعمل التَّجارِب المعمليَّة. أخذت لغات العالم مِن اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الكثير من المفردات التي تُستخدم في ميدان العِلْم والفنون والتَّنمية الاقتصادية. تحتوي اللّغة الإنجليزية على سبيل المثال على الأقل على عشرات الكلمات العربية الأصيلة أو التي استخدمها المسلمون وعلموها لغيرهم مثل كلمة مناخ، وقطن، وسكر، وليمون، وجبل طارق، والجبر. من الرّتب العسكرية الغربيَّة كلمة أميرال (Admiral) وهي كلمة عربية تعني أمير الماء. حزمة الورق يُقال لها رزمة أي مجموعة أوراق مضمومة بعضها إلى بعض استخدمت في الغرب بنفس المعني (Ream) (Sardar and Malik, 1997, p. 80) هذه بعض الأَمْثِلَة لكلمات إنجليزية أصلها عربي: Alchemy, alcohol, algebra, almanac, candy, cotton, gazelle, Gibraltar, giraffe, henna, jar, jasmine, kohl, lemon, safari, sesame, sofa, spinach, wadi and zero.
يطلق على الأستاذ الذي بلغ مرتبة عالية chairman أي رَئِيسُ الجَلْسَةِ أو اللّجْنَةِ والتَّرْجَمَة الحرفيَّة لها "أستاذ كرسي" والعرب كانوا يقولون "للعُلَمَاء: الكراسي، مجازاً لأنَّ مكان العالِم هو الكرسي" (زاير، 1997، ص 45). وقِيل أنَّ أول من جلس على كرسي للوعظ هو يحي بن معاذ بن جعفر أبو زكريا الرَّازي المتوفى سنة 258 هـ = 871 م وكان ذلك في مصر ثم قلَّده عُلَمَاء بغداد وعُلَمَاء المدن الأخرى (الزَّبيدي، إتحاف السَّادة، ج1 ص 585، 729). قال ابن بطُُّوطة أنَّ المدرسين والمعلمين في الجامع الأموي في دمشق كانت لهم حلقات للتَّدريس في فنون العلم وأنَّ الُمحَدِّثين كانوا يجلسون على كراسي مرتفعة لتعليم طلاَّبهم علم الحديث النَّبوي الشَّريف (ص 63). | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |
 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 5 كن أول من يقيّم
للمسلمين فضل السَّبق في تفتيق علوم ومسائل واكتشافات علميَّة جديدة مثل عِلْم العمران البشري (عِلْم الاجتماع) وفروعه مثل عِلْم الأنثروبولوجيا حيث كَتب المسلمون بتوسُّع عن وصف الشُّعوب وبيئاتهم وعاداتهم وفق أسس عِلْمِيَّة وأخلاقيات إنسانية. في عِلْم الرِّياضيات برع المسلمون بتأصيل مسائل هذا الْعِلْم ومن شدَّة ارتباط هذا الْعِلْم مازالت الأرقام المستخدمة في الغرب اليوم يسمونها الأرقام العربية عِلْماً بأنَّ المسلمين وضعوا فكرة استخدام الصفر كعدد، وحلوا مسائل ومعادلات مُتقدِّمة في الرِّياضيات. من العلوم التي أبدعها المسلمون ولم يقلدوا بها من سبقهم عِلْم الحديث النَّبوي الذي يشهد بدقَّته حتى غير المسلمين مثل الأمريكية نابيا أبات والألماني موتزكي حتى أنَّ موتزكي في دراساته الأكاديميَّة توصل إلى فكرة صلاحية منهج المُحدِّثين وأنَّه يمكن استخدامه أحياناً في خدمة المناهج البحثيَّة المعاصرة في حقل التَّاريخ (mALEK, 1997, P. 99-102). وهو عِلْم يهتم بجمع الرِّوايات التَّارِيخِيَّة وفق ضوابط جرَّبها الْعُلَمَاء وكتبوا من أجلها مئات المجلدات التي ما زالت بين أيدينا. تفرَّع من هذا الْعِلْم عِلم المعاجم التَخَصُّصِيَّة وعلم الطَّبقات الذي لم تعرف له الشُّعوب الأخرى مثيلاً كما قال روزنثال. ومن ثمار علم الحديث أيضاً نشوء حركة تُسمَّى الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِ كما تفرَّع من عِلْمِ الحديث مناهج المحدِّثين في توثيق وقبول الرُّواة والرِّوايات. يعتقد بعض الغربيين أنَّ هذه المناهج الجيدة يمكن استخدامها إلى اليوم في عَمَلِيَّة تحقيق الرِّوايات التَّارِيخِيَّة فهو منهج عِلْمي على درجة عالية من الدِّقة. عِلْمُ الْطَّبَقاَت الذي يتتبع أعلام الْعُلَمَاء والعالمات في كل عصر على حدة من الفنون التي لم تُعرف من قبل فهو أسلوب نبع من تفكير ابتكاري إسلامي. | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |
 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 8 كن أول من يقيّم
كتب سارتون – المؤرخ الغربي الشَّهير الذي تصدَّى لدراسة تاريخيَّة شاقَّة جداً في رصد تاريخ العلم عالمياً – عن عطاء الحضارة الإسلاميَّة: "كان العرب أعظم معلمين في العالم وأنَّهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النُّمو والارتقاء.. إنَّ عملية خلق حضارة جديدة ذات صفة دوليَّة وقدر موسوعي خلال أقل من قرنين من الزَّمان.. لهي من الأمور التي يتعذَّر شرحها شرحاً كاملاً.. " (الفنجري، 2001 م). كان الغربيون يتذمرون من شغف أبنائهم المثقَّفين بحب الكتب العربية، ولأنَّهم أهملوا اللَّغة اللاَّتينية، وتركوا الافتخار بدينهم النَّصراني وأقبلوا على علوم المسلمين. عُرِفَ المسلمون بحب الْعِلْمِ والأمانةِ والتَّسامحِ والنَّظافة والعمل في الصِّناعات الْنَّافِعَة المبدعة مما جعل التَّطلع إلى فرصة التَّعامل الْعِلْمي والتجاري والاجتماعي معهم والاحتكاك بفكرهم غاية ينشدها الأوربيون لفترة طويلة من الزَّمن. واعترافاً بفضل العلوم الإسلاميَّة الإنسانيَّة فقد تكونت في معظم الدُّول المتقدِّمة مراكز لدراسة التَّراث الإسلامي وإعادة تقييمه. وقرَّرت هيئة اليونسكو إحياء ذكرى بعض علماء المسلمين على مستوى العالم فقامت في كل من روسيا وأمريكا وفرنسا وأسبانيا احتفالات بمناسبة العيد الألفي لابن سينا وأخرى للعيد الألفي للرَّازي وذكرى ابن رشد والبيروني، وفي أمريكا أصدرت هيئة تسمية تضاريس القمر التَّابعة لأبحاث الفضاء نشرة بإطلاق أسماء بعض علماء المسلمين الرُّواد على تضاريس القمر وعلى محطات الهبوط على سطحه. تقديراً لفضلهم (الفنجري، 2001 م). | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |
 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 9 كن أول من يقيّم
الرِّحْلَةُ العِلْميَّة في تراثنا وشبهات المستشرقين الاستشراق حركة ثقافة واسعة لها الكثير من الايجابيات وعليها سلبيات قد تفوق ايجابياتها بكثير كما أنها حركة تنشط مع زيادة المطامع الأجنبية بالسَّيطرة على الدُّول الضَّعيفة في الشَّرق. المستشرقون هم طائفة من الباحثين غير المسلمين من تخصصات شتى ويمثلون حركة تدَّعي أنها حركة عِلْمِيَّة تدرس تراث الشَّرق بأسلوب مُنظَّم وتُشكِّك بكل أو بعض ثوابت الأديان. ومن ضمن حملات التَّشكيك أنهم ينتقدون حركة الرّحْلات العلمية في التَّاريخ الإسلامي ويربطون دوافعها بحب المال والسَّعي الدَّائب نحو المكاسب السِّياسية وأنَّها لم تكن أبداً لدوافع إنسانية ثقافيَّة نبيلة. لم تكن الرِّحْلَة العِلْمِيَّة في طلب الْعِلْمِ في مجملها لأهداف ماديَّة ومكاسب سياسيَّة كما يزعم بعض المستشرقين بل كانت في مجملها اتِّباعاً لأوامر الشَّرع بالسَّعي في مناكب الأرض واتباعاً لمنهج السَّلف الصَّالح الّذين كانوا يدوِّنون الحديث النَّبوي الشَّريف ويتنافسون في الحصول على أسانيده العالية. "قَالَ أَحْمَد: طَلَبُ الإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ مَضَى.. كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيُشَافِهُوا الصَّحَابَةَ" (فتاوى ابن تيميَّة ج 18، 36، بتصرّف، الذَّهبي، ج11، ص 311). مثالبنا التي ينتقدنا بها الغرب هي مناقبنا التي نفتخر بها في تراثنا التَّربوي وهو الأمر الذي سنتوسع في ذكره في الفصل القادم. ومن الأدلَّة الدّاحضة لمزاعم المستشرقين الآنفة الذِّكر أن عُلَمَاءنا لم يُوَرِّثوا القصور والأموال بل تَركوا لنا ميراث الْعِلْم. وبمراجعة سيرة العظماء في تاريخنا الإسلامي نجد أنَّ الكثير من علمائنا كان يقف أمام طغيان الأمراء ولا يشتري رضاهم بسخط الله سُبحانه. ومن قذائف الحق التي يستعين بها المؤمن في ردِّه على شبهات المستشرقين أنَّ اللُّصوص والكذَّابين لا يمكن أن يتركوا تُراثاً علمياً عميقاً ينفع النَّاس إلى يومنا هذا فكيف نظن أنَّ الرِّحْلات العِلْمِيَّة كانت لمطامع مادية؟ الكاذب قد يخدع قوماً يوماً ولكنَّه لا يخدع كلَّ النَّاس دوماً؟ يبدو أنَّ طغيان المادية يجعل بعض الغربيين يُفسِّر الْتَّارِيْخ دون الالتفات إلى المعاني الرُّوحية السَّامية أو المُسلمات العقلية الواضحة. لم يكن الْعُلَمَاء حفنة من الكذابين أو النَّفعيين أو السَّطحيين كما يمكن أن تُفسَّر كتابات جولد تسيهر وتلميذه جوزيف شاخت وليون بورشيه وغيرهم عندما يتحدثون عن اختلاق الأحاديث النَّبويَّة. ذكر الدكتور نور الدَّين عتر شبهة بعض المستشرقين في القدح بمنزلة الرِّحْلات العِلْمِيَّة في تمهيده لكتاب الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِِ للبغدادي كما ذكر المقدسي عن المستشرق سنوك أنَّه يعتقد أنَّ انتشار تعليم المذاهب الفقهيَّة الأربعة يعود سببه إلى عوامل جغرافيّة وسياسيّة إذ أنَّ هذه الْمَدَاَرِس حازت على رضا الأُمراء فلقد كانت تخدم مصالحهم (Makdisi, 1981, p. 4). لقد قادهم هذا المسلك إلى تبنّي نظرية الألماني جوزيف شاخت وقوامها أنَّ تراثنا الفقهي وجهود جميع عُلَمَاء الحديث النَّبوي والحركة العلميَّة والجهود التَّعليميَّة كانت مجرد تلفيق وأنَّ تراثنا يتكون من كومة تراكمات فكريَّة لا قيمة علميَّة لها ظهرت نتيجة صراعات سياسيَّة استدعت ابتكار أحاديث وهميَّة، وبناء مسائل قانونية واهية لدعم توجُّهات الحكام عبر العصور المُتتالية وحدثت هذه الأحداث بعد سنة (104 هـ = 722 م) على حسب نظريتهم التي تكتسح الدِّراسات الأكاديميَّة الغربيَّة وآمن بها للأسف بعض المسلمين . | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |
 | أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 10 كن أول من يقيّم
لقد قادهم هذا المسلك إلى تبنّي نظرية الألماني جوزيف شاخت وقوامها أنَّ تراثنا الفقهي وجهود جميع عُلَمَاء الحديث النَّبوي والحركة العلميَّة والجهود التَّعليميَّة كانت مجرد تلفيق وأنَّ تراثنا يتكون من كومة تراكمات فكريَّة لا قيمة علميَّة لها ظهرت نتيجة صراعات سياسيَّة استدعت ابتكار أحاديث وهميَّة، وبناء مسائل قانونية واهية لدعم توجُّهات الحكام عبر العصور المُتتالية وحدثت هذه الأحداث بعد سنة (104 هـ = 722 م) على حسب نظريتهم التي تكتسح الدِّراسات الأكاديميَّة الغربيَّة وآمن بها للأسف بعض المسلمين. إذا كان بعض المستشرقين ينظرون إلى المال والغنى كوجهين لعملة واحدة فإنَّ الشَّافِعِيّ شيخ الرَّحالة يربط الغنى بالقناعة فيقول: رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِنى فلا ذا يراني على بابـهِ فصرتُ غنياً بلا درهمٍ
| | فصرتُ بأذيالِها مُتْمَسِكْ ولا ذا يراني به مُنهمِـكْ أمُرُّ على النَّاسِ شبه الملـكْ
| كيف يتزلَّف الكُّل للملوك والأمراء والسَّلاطين وفي ضميرهم صدى هذه الأبيات النَّابضة للشَّافعي: إِنَّ الملوكَ بلاءٌ حيثما حَلُّــوا ماذا تُؤَمِّلُ من قومٍ إِذا غَضِبوا فاستغْنِ باللّهِ عن أبوابِهمْ كرماً
| | فلا يكن لكَ في أبوابِهمْ ظـــلُّ جاروا عليكَ وإِن أرضيتهمْ مَلُّوا؟ إِنَّ الوقوفَ على أبوابِهـم ذُلُّ
| إنَّ من يتصفَّح سيرة سلفنا الصَّالح أمثال أئمة الفقه الأربعة يتَّضح له حتماً أنهم لم يتحوَّلوا عن مبادئهم قيد أنملة وحتى النَّفَس الأخير من أنفاسهم الزَّاكية رغم ضغوط الحياة المعيشيَّة والْسِّيَاسِيَّة. ماذا كان نتيجة ثباتهم على المبدأ؟ كانت النَّتيجة المنطقيّة أنَّهم كسبوا حبَّ النَّاس لهم، وماتوا وعلى رأسهم تيجان الكرامة، ونهل الْعُلَمَاءُ من ينابيعهم وسرى سنا الخلود في السَّماء يهتف بأسمائهم. ومِن الأدلَّة الدَّامغة على بطلان شبهات المستشرقين في موضوع الرِّحْلات العِلْمِيَّة أنَّ كُتب الفِقه التي بين أيدينا تتعامل مع موضوع أخذ المال مقابل تعليم القرآن بحذر شديد والأصل أن يكون التَّعْلِيْم لوجه اللّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إلا إذا اقتضت ضرورات الحياة ومصلحة العمل راتباً خاصاً للمعلم. مَنْ كان يريد الدُّنيا لا ينتقد نفسه فيناقش مسائل تُدينه وتكون حُجَّة عليه بل الأجدر به أن يُطالب في كُتبه بضرورة تقديم الأموال والهدايا لعُلَمَاء الدِّين نظير جهودهم. | *د يحيى | 19 - مايو - 2008 |