البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : التاريخ

 موضوع النقاش : أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 1    كن أول من يقيّم
 د يحيى 
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالَم:
تكشف التَّربية المُقارنة عن رصيد الأمم الحضاري وتدرس عناصر إنتاجياتها الأصيلة وأوجه الاقتباس والإبداع والإضافة التي قامت بها الشُّعوب في ميادين العِلْمِ والمعرفة والثَّقافة والفنون. يؤكد المتخصِّصون في أصول التَّربية الغربية اليوم على أنَّ الحضارة الإسلاميَّة التي ظهرت بداية في أرض العرب وكوَّنت ثقافة عالمية تمتاز بقدرة فائقة على هضم العلوم وإعادة صياغتها والإضافة عليها ونقلها للآخرين. هذه هي الحضارة التي تعلَّم منها الأوربيون وفيما بعد استفادت منها الثَّقافة الأمريكيَّة وشيدت من لبناتها المتينة المتماسكة صروح العلم على أراضيها. صناعة الورق تعلَّمها العرب من الصِّينيين ثم حمل المسلمون هذه الصَّنعة لأوربا. الإسهامات الواسعة للمسلمين في التَّربية لها الكثير من الأَمْثِلَة منها الثَّورة المعرفية التي قاموا بها في تطوير عِلْم الرِّياضيات والتي لعبت دوراً تعليمياً عالمياً كما يقول خبراء التَّربية الغربيَّة (Ornstein & Levine, 2000, p. 86-87, Momin, 2001).
قبل انتشار صناعة الورق في أسبانيا ومن هناك إلى سائر العواصم الأوربيَّة كانت القراطيس المصريَّة المصنوعة من ورق البردي تصل إلى بلاد الرُّوم والدُّول النَّصرانية في أوربا وعليها صورة لكلمات التَّوحيد "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ" (سُوْرَةُ آل عِمران: 18). القراطيس المصرية البردية وعليها آية التَّوحيد هي التي استخدمها البابوات ورجال الدِّين في الكنائس لفترة ليست بالقصيرة وذلك لكتابة عقائدهم. "وفي الخزائن الأوربية اليوم بعض بقايا من القراطيس البرديَّة المطرَّزة بآية التَّوحيد منها منشور البابا يوحنَّا الثَّامن كتب سنة 876 محفوظ في دار الكتب بباريس" (زيَّات، 1992، ص 70).
تهدف الفقرات التَّالِية إلى التَّعريف بطائفة من الميادين التَّربوية التي استفادت من إسهامات المسلمين الحضارية:
وضع المسلمون علم أصول الفقه كمنهج علمي أصيل للتَّفكير تمّ استنباطه من قواعد الدِّين الإسلامي ليضبط حركة الاجتهاد، وطرائق تنظيم العلاقات، وتوجيه الحركات، وتعمير الحياة وهو منهج علمي إيماني شامل لا يُضاهيه في إحاطته ودقته أي منهج عقلي وضعه الفلاسفة قديماً وحديثاً. لقد قمنا بعرض معالم منهج التَّفكير العلمي في الإسلام في هذا الفصل "مُنطلقات" فلا نحتاج لبيانه هنا مرة أخرى. تأثر الغرب بطرف من هذا المنهج وهو الجزء الخاص بعمل التَّجارب والخوض في دراسة علوم الشُّعوب الأخرى ومعرفة أهميَّة العلوم الطَّبيعيَّة.
 1  2 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم2    كن أول من يقيّم
 
المسلمون نقلوا وترجموا وناقشوا روائع تراث الحضارات القديمة ونجحوا في تعليمه وتسليمه للشّعوب الأخرى. كثير من تراث الحضارات القديمة ضاعت أصولها وبقيت الأصول العربية وهذه أكبر خدمة تاريخيَّة يتمتع بها المثقفون في جميع أنحاء العالم. المنهج الْعِلْمي كما مارسه المسلمون في بحثهم عن الحقيقة قادهم للانفتاح على المخزون الإنساني المذخور في علوم الحضارات الأخرى فدارت عجلة البحث عن الحكمة فأبدعت العقول في تَرْجَمَة المُهم من علوم الإغريق والفرس والهند..مع نقد مُتوازن لها، وتطوير مُبْدِع فيها، وتطبيق ميداني لمضامينها. ولولا جهود المسلمين في تحمُّل عناء التَّرْجَمَة لما سلمت للبشرية الكثير من الكنوز الفِكْرِيَّة التي ضاعت أصولها، وظلت ترجمتها العربية أحياناً كنُسخ أخيرة وصلت لنا مليئة بالحِكمة ونجت من الضَّياع. رغم أنَّ إنكار هذه الإسهامات غير ممكن إلا أنَّ الغرب عموماً يتجاهل هذه الأيادي البيضاء ولا يعترف بها أمام أبنائه. في دراسة "لجيمس لون" في قطاع التَّعْلِيْم (Loewn, 1995, p. 45) اكتشف جيمس أنَّ كل الكتب الدِّراسيَّة التي قام بفحصها في أمريكا بيَّنت له أنَّ مناهجهم الدِّراسيَّة تتغافل عن الثَّناء على عطاء الحضارة الإسلامية إذ قام المسلمون بتَرْجَمَة وحفظ الحكمة اليونانيَّة، وتطويرها عبر تدعيمها بأفكار من الصِّين، والهند، وأفريقيا ثم تمرير المحصلة العِلْمِيَّة لأوربا عبر أسبانيا. والأسوأ من هذا كما يقول الباحث جيمس أنَّ المناهج الدراسيَّة الغربيَّة في مدارسهم تُصوِّر للطّالب أنَّ التَّقدم هو الذي قام به الغرب فقط حديثاً وأنَّ المدنيَّة  ظهرت مع بداية جهود الأوربيين. هذه المغالطات دفعت الباحث إلى أن ينشر كتابه تحت عنوان أكاذيب علَّمني إياها المُعَلِّم وهو من الكتب الأكثر مبيعاً.
ساعد الوعي بأهميَّة تطبيق الفنون الإدارية وتنظيم حركة الحياة في المؤسَّسات على نمو المدارس، وتطور المعاهد العلمية والعملية المُتقدِّمة، وانتشار البيمارستانات في معظم المدن الإسلاميَّة في عصور ازدهارها. ومن هنا فلا نستغرب عندما نعلم أنَّ أول مستشفى بالمعنى الحقيقي في أوربا بُنى في أوائل القرن الثَّاني عشر للميلاد في إنجلترا وقد نُقلت الفكرة عن العرب أثناء الحروب الصَّليبية. المسلمون أول من أنشأ المستشفيات التَّخصصية ونظَّموا أجنحة لكبار السِّن وأمراض الشَّيخوخة ووضعوا في كل مستشفى مطبخ كبير لإطعام المرضى (الفنجري، 2001 م). كانت المؤسسات بجميع اختصاصاتها الصِّحيَّة، والتَّعليميَّة، والاجتماعية، وغيرها لا تخلو في الغالب من قاعة كبيرة للاجتماعات العامة أو غيرها وبجانبها قاعات للكتب أو للمحاضرات فكانت ممارسة هذه الأخلاقيات الحضاريَّة من بناء المكتبات مُلحقة بالمؤسسات العامَّة أكبر هدية قدَّمتها الأمَّة المسلمة في عصور ازدهارها للبشريَّة قاطبة فتوسعت دائرة الثَّقافة والمعرفة وبدأ السَّائل والمحروم يتعلَّم العلوم. وعلى ضوء هذه الممارسات الرَّاقية التَّطبيقيَّة في ربط العلم بالحياة نشطت أوربا وقامت ببناء نهضتها فبدأت بعمليَّة الاقتباس ثم التَّطوير والإضافة.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 3    كن أول من يقيّم
 
طبَّق المسلمون ولا سيَّما الأوائل منهم معاني تدل على تحرير وتكريم المرأة فليس في تاريخ البشريَّة تراجم نسائية تُضارع ربع ما كتبه ويملكه المسلمون عن سير النِّساء الثَّقافيَّة في القرون الماضيَّة. الأدلَّة التَّارِيخِيَّة لمساهمات المرأة الماديَّة والعِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة لخدمة الْعِلْم والمعرفة أكبر شاهد صدق على ذلك. نجد في القرن الواحد والعشرين محاولات جادَّة مُضنية تقوم بها المرأة في الدِّيانات الأخرى كي تكون المرأة عالمةً دينية يَسمع لها الناس ويُسْمح لها في الفتوى وهي وظائف احتكرها "الرّجل الأبيض" في كل الدّيانات المُحَرَّفة ومنها اليهوديَّة والنَّصرانية. في المقابل قامت المرأة المسلمة مع الرّجل جنباً إلى جنب بالتّصدي لهذه المهام منذ العصر الإسلامي الأول. مارس المسلمون لمدة قرون التّعلم والتّعليم والمرأة تأخذ الإجازة (الشّهادات العِلْمِيَّة)، وتُعطي الإجازة في ميادين عِلْمِيَّة مُختلفة دون حَرج وهذا أمر لم يظهر في أي نظام تعليمي عبر الْتَّارِيْخ البشري إلا حديثاً. يكتُبُ أهل التَّاريخ في سنة 930 هـ = 1423 م أجازت زينب الشويكية الطَّالب عبدالرحمن الكِلِّسي وأَذِنَتْ له في رواية بعضٍ من مرويّاتها (ابن العماد، ج 10، ص 240). كان الرِّجال يشدُّون الرِّحال إلى الأقاليم البعيدة لأخذ الْعِلْم من النِّساء – أميرات العِلْم – في زمن كان فيه غير المسلمين يحتقرون فيه المرأة. هذه المفاخر لا يَكتب الغرب عنها كلمة حق في حين أنَّ قصة لأميرةٍ عربية قد لا تكون قصة صادقة يكتبون عنها بالتَّفاصيل، مهما ضَعف الدَّليل، وبملايين النُّسخ يبيعونها تشويهاً لصورة المسلمين، ولمبادئ الدِّين، كما هو حال كتاب جين ساسون (Sasson, 2001).
تطبيق مفهوم المساواة والتًّسامح والعدالة من أهم عوامل إزدهار الأمم. كانت مؤسسات التَّعليم الإسلاميَّة بجميع تخصصاتها هي أول من يُنادي ويُطبق مُنطلق "النّاس في العِلْمِ سواء" وهي كلمة عظيمة قالها أبو داود راوي الأحاديث النَّبويَّة. تجاوز المسلمون عقبة الحقد العنصري من كُرهِ الأبيض لأخيه الأسود. هذا الدَّاء مازال يُهدِّد إلى اليوم المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة الغربيَّة فوضع طبقة السُّود وضيعة، ووضع طبقة البيض رفيعة. هذا الأمر لمسناه بأنفسنا، وشاهدناه بأعيننا في دراستنا وعملنا في الولايات المتَّحدة حيث عشنا بضعة سنين بغرض الدِّراسة. وإلى اليوم فإنَّ عُلَمَاء أصول التَّربية يشيرون إلى دور المسلمين مثل مالكم إكس في تخفيف حِدَّة هذا المرض المزمن (McNergney & Herbert, 2001, p. 152). قبل أن يطرح الغربيون فكرة "ديمقراطيَّة التَّعليم"، كانت المُؤَسَّسَات الإسلامية التَّعْلِيْمِيَّة مفتوحة أبوابها منذ أكثر من 1000 سنة لكل لون وجنس وطبقة فدرس في "المدارس الإسلامية قسطنطين الأفريقي الذي درس الطِّب في جامعة القرويين في فاس بالمغرب ثم عاد إلى بلاده وتفرَّغ لترجمة كتب الطِّب الإسلامي إلى اللاَّتينيَّة. ومنهم البابا سلفستر الثَّاني الذي قضى في أشبيلية ثلاث سنوات يدرس العلم" (فنجري، 2001 م). في الْمَدَاَرِس الإسلامية درس الفقير مع الغني مع الأسود وكان للفائقين منهم منزلة عظيمة. مجانية التَّعْلِيْم من أهم القيم الإنسانية التي مارسها المسلمون في مدارسهم ولهم فضل السَّبق في ترسيخ قواعدها وتوفيرها حتى لغير المسلمين. لقد درس في مدارس بغداد والقاهرة والأندلس طائفة من النَّصارى بالمجان.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 4    كن أول من يقيّم
 
قدَّم المسلمون مجموعة من الأسس التربويَّة والإداريَّة التَّنظيميَّة في تاريخ التَّعْلِيْم العالي والتي مازالت الجامعات إلى اليوم تستفيد منها: حرِّية المُعَلِّم في التَّدريس وحرِّية الطَّالب في اختيار الأستاذ والمادة التي يريد أن يدرسها، والتَّخصُّص الْعِلْمي المُتمثل في تعميق البحث الْعِلْمي الدَّقيق، وبناء المكتبات العامَّة، ووقف الأوقاف لدعم رواتب العاملين في الْمَدَاَرِس، وعدم الخوف من الخوض في العلوم واكتشاف الجديد وعمل التَّجارِب المعمليَّة.
أخذت لغات العالم مِن اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الكثير من المفردات التي تُستخدم في ميدان العِلْم والفنون والتَّنمية الاقتصادية. تحتوي اللّغة الإنجليزية على سبيل المثال على الأقل على عشرات الكلمات العربية الأصيلة أو التي استخدمها المسلمون وعلموها لغيرهم مثل كلمة مناخ، وقطن، وسكر، وليمون، وجبل طارق، والجبر. من الرّتب العسكرية الغربيَّة كلمة أميرال (Admiral) وهي كلمة عربية تعني أمير الماء. حزمة الورق يُقال لها رزمة أي مجموعة أوراق مضمومة بعضها إلى بعض استخدمت في الغرب بنفس المعني (Ream) (Sardar and Malik, 1997, p. 80) هذه بعض الأَمْثِلَة لكلمات إنجليزية أصلها عربي:
Alchemy, alcohol, algebra, almanac, candy, cotton, gazelle, Gibraltar, giraffe, henna, jar, jasmine, kohl, lemon, safari, sesame, sofa, spinach, wadi and zero.

يطلق على الأستاذ الذي بلغ مرتبة عالية chairman أي رَئِيسُ الجَلْسَةِ أو اللّجْنَةِ والتَّرْجَمَة  الحرفيَّة  لها "أستاذ كرسي" والعرب كانوا يقولون "للعُلَمَاء: الكراسي، مجازاً لأنَّ مكان العالِم هو الكرسي" (زاير، 1997، ص 45). وقِيل أنَّ أول من جلس على كرسي للوعظ هو يحي بن معاذ بن جعفر أبو زكريا الرَّازي المتوفى سنة 258 هـ = 871 م وكان ذلك في مصر ثم قلَّده عُلَمَاء بغداد وعُلَمَاء المدن الأخرى (الزَّبيدي، إتحاف السَّادة، ج1 ص 585، 729). قال ابن بطُُّوطة أنَّ المدرسين والمعلمين في الجامع الأموي في دمشق كانت لهم حلقات للتَّدريس في فنون العلم وأنَّ الُمحَدِّثين كانوا يجلسون على كراسي مرتفعة لتعليم طلاَّبهم علم الحديث النَّبوي الشَّريف (ص 63).   
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 5    كن أول من يقيّم
 
للمسلمين فضل السَّبق في تفتيق علوم ومسائل واكتشافات علميَّة جديدة مثل عِلْم العمران البشري (عِلْم الاجتماع) وفروعه مثل عِلْم الأنثروبولوجيا حيث كَتب المسلمون بتوسُّع عن وصف الشُّعوب وبيئاتهم وعاداتهم وفق أسس عِلْمِيَّة وأخلاقيات إنسانية. في عِلْم الرِّياضيات برع المسلمون بتأصيل مسائل هذا الْعِلْم ومن شدَّة ارتباط هذا الْعِلْم مازالت الأرقام المستخدمة في الغرب اليوم يسمونها الأرقام العربية عِلْماً بأنَّ المسلمين وضعوا فكرة استخدام الصفر كعدد، وحلوا مسائل ومعادلات مُتقدِّمة في الرِّياضيات.
من العلوم التي أبدعها المسلمون ولم يقلدوا بها من سبقهم عِلْم الحديث النَّبوي الذي يشهد بدقَّته حتى غير المسلمين مثل الأمريكية نابيا أبات والألماني موتزكي حتى أنَّ موتزكي في دراساته الأكاديميَّة توصل إلى فكرة صلاحية منهج المُحدِّثين وأنَّه يمكن استخدامه أحياناً في خدمة المناهج البحثيَّة المعاصرة في حقل التَّاريخ (mALEK, 1997, P. 99-102). وهو عِلْم يهتم بجمع الرِّوايات التَّارِيخِيَّة وفق ضوابط جرَّبها الْعُلَمَاء وكتبوا من أجلها مئات المجلدات التي ما زالت بين أيدينا. تفرَّع من هذا الْعِلْم عِلم المعاجم التَخَصُّصِيَّة وعلم الطَّبقات الذي لم تعرف له الشُّعوب الأخرى مثيلاً كما قال روزنثال. ومن ثمار علم الحديث أيضاً نشوء حركة تُسمَّى الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِ كما تفرَّع من عِلْمِ الحديث مناهج المحدِّثين في توثيق وقبول الرُّواة والرِّوايات. يعتقد بعض الغربيين أنَّ هذه المناهج الجيدة يمكن استخدامها إلى اليوم في عَمَلِيَّة تحقيق الرِّوايات التَّارِيخِيَّة فهو منهج عِلْمي على درجة عالية من الدِّقة. عِلْمُ الْطَّبَقاَت الذي يتتبع أعلام الْعُلَمَاء والعالمات في كل عصر على حدة من الفنون التي لم تُعرف من قبل فهو أسلوب نبع من تفكير ابتكاري إسلامي.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 6    كن أول من يقيّم
 
كانت كتابات الغزالي وابن رشد ومن قبلهما ابن سينا لعدَّة قرون مناهج دراسيَّة يتعلَّم منها الغربيون في جامعاتهم وانكب المفكِّرون الغربيون ردحاً من الزَّمن إبان العصور الوسطى إلى عصر النَّهضة يتتلمذون عليها، وينقلون منها، ولا يرون الحجَّة في غيرها. وعن أحد مشاهير نوابغ الإسلام نجد أنَّ الدَّوائر العِلْمِيَّة العالمية مثل الموسوعة البريطانية تعتبر كتاب القانون في الطِّب لابن سينا أبرز كتاب تاريخي دُرِّس في الجامعات شرقاً وغرباً لمدة مئات السِّنين. وبلغ الحال بالأوربيين إلى درجة أنَّهم كما يقول نويبرجر في كتابه عن تاريخ الطِّب إنَّ الأوربيين كانوا "ينظرون إلى كتاب القانون كأنه وحي معصوم يزيدهم إكباراً له تنسيقه المنطقي الذي لا يُعاب ومقدماته التي كانت تبدو لأبناء تلك العصور كأنها القضايا المسلمة والمقرَّرات البديهيَّة" (فضلي، 2001 م). "وعندما كانت أوربا في عصور الظَّلام.. وكان البحث العلمي يُعتبر كُفْراً والاختراع ممارسة للسِّحر والشَّعوذة والعلماء يُحَرَّقون أحياء.. كانت العلوم الإسلامية تتطوَّر بسرعة مذهلة.. ففي الطِّب اخترع المسلمون التَّخدير لأول مرة وسموه (المرقّد) واكتشفوا الدَّورة الدَّموية واخترعوا خيوط الجراحة من أمعاء الحيوانات.. واكتشفوا الكثير من الأمراض كمرض الحساسية ومرض الحصبة والأمراض النَّفسية والعَصبية. وفي علم طبِّ الأعشاب اكتشفوا ألوف النَّباتات التي لم تكن معروفة وبينوا فوائدها وقد قفز المسلمون بالجراحة قفزة هائلة ونقلوها من مرحلة (نزع السِّهام ) عند الإغريق إِلى مرحة الجراحة الدَّقيقة والجراحة التَّجميليَّة" (الفنجري، 2001 م).  
من الجانب الاقتصادي فبضع كلمات نبويَّة عن فضل الصَّدقة الجارية فتحت آفاقاً رحبة وأصَّلت أبواباً واسعة في تشييد مؤسسات التَّعْلِيْم وغيرها فكانت الأوقاف الإسلاميَّة الخيريَّة والوصايا والصَّدقات من الرِّجال والنِّساء حتى أنَّ قصص السَّيدة أم المقتدر وبدر بن حسنويه ونظام الملك في دعم الحركة العلميَّة أصبحت معالم تاريخيَّة. انهمرت أموال المحسنين لتأمين التَّعليم للمُحتاجين فكانت الأوقاف والهبات من ميادين التَّنافس لرعاية الْعِلْمِ بأسلوب مُبتكر منظَّم يكفل كرامة الفقير، ويسد حاجة المجتمع، ويُحقق طموحات المُستقبل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (رواه مسلم). "قال العلماء: معنى الحديث أنَّ عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثَّواب له إلا في هذه الأشياء الثَّلاثة لكونه كان سببها، فإنَّ الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصَّدقة الجارية وهي الوقف …  وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه وبيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والتَّرغيب في توريثه بالتَّعليم والتَّصنيف والإيضاح، وأنَّه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع" (صحيح مسلم بشرح النَّووي، كتاب الوصيَّة، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته). 
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 7    كن أول من يقيّم
 
يؤكد الفنجري (2001 م) بعد دراسة واسعة للتُّراث الإنساني على أنَّه "ولأول مرَّة في تاريخ العلم ابتدع المسلمون مبدأ تفرُّغ العلماء.. أي إجرِّاء الرِّزق الدَّائم عليهم حتى يتفرَّغوا للعلم … وهو مبدأ جاءت به تعاليم الإسلام في قوله تعالى: "فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ.."{122}" (سُوْرَةُ التَّوْبَةِ). ولقد ذكر ابن جبير في رحلته للمشرق الإسلامي أنَّ المتفرغ للمذاكرة والتَّدريس له وقف معلوم "جِراية معلومة" والإنسان الذي ينال مثل هذه المعونة الماليَّة عادة يبدأ يومه بعد أداء صلاة الفجر مباشرة حيث يقرأ القرآن في جماعة من رواد المسجد ثمَّ يستند إلى سَاريَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِد "ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن. وللصِّبيان أيضاً على قراءتهم جراية معلومة" (ص، 180).
التَّارِيخ الإنساني من قبل ألف سنة يُسجِّل بمداد من نور أنَّ الأوقاف كنظام اقتصادي وخيري أمدّ الحركة التَّعْلِيْمِيَّة بعناصر البقاء والرّخاء ونقولها بكل ثقة أنَّ التَّارِيخ البشري القديم كله لم يشهد حركة شعبية ضخمة لرصد الأوقاف للأغراض التَّعْلِيْمِيَّة لتأمين التَّعليم المجَّاني للمحتاجين ولقد شاركت المرأة بنصيب كبير في تمويلها مالياً وأنى لنا شواهد عالمية في هذا الباب والمرأة لم يحق لها في أغلب الحضارات القديمة وإلى عهد قريب أن تتصرف بالعقار والمال بل لم يكن لها حق التَّصرف في شئون نفسها من زواج وميراث. ومازالت النّقوش الرَّشيقة، والمنشآت الأنيقة من الآثار الباقية للمساجد والْمَدَاَرِس في الأندلس وتركيا ومصر والشَّام والهند وإيران والهند والمغرب تحكي حقيقة هذا العطاء المتميز الذي تألق وتكاتف في سبيل إتمامه الخطاطون والفنانون والمهندسون المسلمون.
لقد انتشرت الكثير من مؤسسات التَّعْلِيْم في البلاد الإسلامية حتى وصلت إلى الأندلس وسالرنو في جنوب إيطاليا، وصقلية وبعد ذلك عرف الغرب بعض آفاق التَّربية الإنسانيَّة، ومعنى التَّعْلِيْم العالي والمجاني، وأخذ بمبدأ حُرِّية البحث والابتكار العِلمي، وأهمية التَّخصص وكيفية تخريج الْعُلَمَاء ووسائل إعدادهم وفق أُسس حضارية راقية. هذا الالتقاء والاقتباس والتَّمازج الحضاري لا يمكن للغرب أن ينكره أو يتجاهله فالتَّرجمات المكثفة لكتب المسلمين مثل ابن رشد وابن سينا والرَّازي والغزالي منذ بضعة قرون من الأدلة القطعية على أنَّ الكتب الإسلاميَّة كانت المراجع الأساسيَّة والمناهج العِلْمِيَّة لجامعات الغرب لمدة عدَّة قرون حتى سُمِّي كتاب القانون في الطِّب لابن سينا بالإنجيل عند الغرب لروعته وسبقه وأصبح أكثر وأشهر كتاب طبي عرفه واستخدمه الشَّرق والغرب في الْتَّارِيْخ العالمي. مجموعة كتب علميَّة إسلامية تتلمذ عليها الغرب لعدَّة قرون ولقد كانوا يدرسونها في جامعاتهم (الفنجري، 2001 م) مثل كتاب الحاوي في الطِّب للرَّازي وكتاب التَّصريف في الجراحة للزَّهراوي، وكتاب (الجامع الكبير) في طب الأعشاب لابن البيطار، وكتب الجغرافيا للإدريسي وابن حوقل وكتاب الجبر للخوارزمي وكتاب الحيل النافعة لأولاد موسى بن شاكر، والحيل الهندسية للجزري وكتاب المناظر لابن الهيثم.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 8    كن أول من يقيّم
 
كتب سارتون – المؤرخ الغربي الشَّهير الذي تصدَّى لدراسة تاريخيَّة شاقَّة جداً في رصد تاريخ العلم عالمياً – عن عطاء الحضارة الإسلاميَّة: "كان العرب أعظم معلمين في العالم وأنَّهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النُّمو والارتقاء.. إنَّ عملية خلق حضارة جديدة ذات صفة دوليَّة وقدر موسوعي خلال أقل من قرنين من الزَّمان.. لهي من الأمور التي يتعذَّر شرحها شرحاً كاملاً.. " (الفنجري، 2001 م).
كان الغربيون يتذمرون من شغف أبنائهم المثقَّفين بحب الكتب العربية، ولأنَّهم أهملوا اللَّغة اللاَّتينية، وتركوا الافتخار بدينهم النَّصراني وأقبلوا على علوم المسلمين. عُرِفَ المسلمون بحب الْعِلْمِ والأمانةِ والتَّسامحِ والنَّظافة والعمل في الصِّناعات الْنَّافِعَة المبدعة مما جعل التَّطلع إلى فرصة التَّعامل الْعِلْمي والتجاري والاجتماعي معهم والاحتكاك بفكرهم غاية ينشدها الأوربيون لفترة طويلة من الزَّمن.
واعترافاً بفضل العلوم الإسلاميَّة الإنسانيَّة فقد تكونت في معظم الدُّول المتقدِّمة مراكز لدراسة التَّراث الإسلامي وإعادة تقييمه. وقرَّرت هيئة اليونسكو إحياء ذكرى بعض علماء المسلمين على مستوى العالم فقامت في كل من روسيا وأمريكا وفرنسا وأسبانيا احتفالات بمناسبة العيد الألفي لابن سينا وأخرى للعيد الألفي للرَّازي وذكرى ابن رشد والبيروني، وفي أمريكا أصدرت هيئة تسمية تضاريس القمر التَّابعة لأبحاث الفضاء نشرة بإطلاق أسماء بعض علماء المسلمين الرُّواد على تضاريس القمر وعلى محطات الهبوط على سطحه. تقديراً لفضلهم (الفنجري، 2001 م).
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 9    كن أول من يقيّم
 
الرِّحْلَةُ العِلْميَّة في تراثنا وشبهات المستشرقين
الاستشراق حركة ثقافة واسعة لها الكثير من الايجابيات وعليها سلبيات قد تفوق ايجابياتها بكثير كما أنها حركة تنشط مع زيادة المطامع الأجنبية بالسَّيطرة على الدُّول الضَّعيفة في الشَّرق. المستشرقون هم طائفة من الباحثين غير المسلمين من تخصصات شتى ويمثلون حركة تدَّعي أنها حركة عِلْمِيَّة تدرس تراث الشَّرق بأسلوب مُنظَّم وتُشكِّك بكل أو بعض ثوابت الأديان. ومن ضمن حملات التَّشكيك أنهم ينتقدون حركة الرّحْلات العلمية في التَّاريخ الإسلامي ويربطون دوافعها بحب المال والسَّعي الدَّائب نحو المكاسب السِّياسية وأنَّها لم تكن أبداً لدوافع إنسانية ثقافيَّة نبيلة.
لم تكن الرِّحْلَة العِلْمِيَّة في طلب الْعِلْمِ في مجملها لأهداف ماديَّة ومكاسب سياسيَّة كما يزعم بعض المستشرقين بل كانت في مجملها اتِّباعاً لأوامر الشَّرع بالسَّعي في مناكب الأرض واتباعاً لمنهج السَّلف الصَّالح الّذين كانوا يدوِّنون الحديث النَّبوي الشَّريف ويتنافسون في الحصول على أسانيده العالية. "قَالَ أَحْمَد: طَلَبُ الإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ مَضَى.. كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيُشَافِهُوا الصَّحَابَةَ" (فتاوى ابن تيميَّة ج 18، 36، بتصرّف، الذَّهبي، ج11، ص 311).  مثالبنا التي ينتقدنا بها الغرب هي مناقبنا التي نفتخر بها في تراثنا التَّربوي وهو الأمر الذي سنتوسع في ذكره في الفصل القادم. ومن الأدلَّة الدّاحضة لمزاعم المستشرقين الآنفة الذِّكر أن عُلَمَاءنا لم يُوَرِّثوا القصور والأموال بل تَركوا لنا ميراث الْعِلْم. وبمراجعة سيرة العظماء في تاريخنا الإسلامي نجد أنَّ الكثير من علمائنا كان يقف أمام طغيان الأمراء ولا يشتري رضاهم بسخط الله سُبحانه.
ومن قذائف الحق التي يستعين بها المؤمن في ردِّه على شبهات المستشرقين أنَّ اللُّصوص والكذَّابين لا يمكن أن يتركوا تُراثاً علمياً عميقاً ينفع النَّاس إلى يومنا هذا فكيف نظن أنَّ الرِّحْلات العِلْمِيَّة كانت لمطامع مادية؟ الكاذب قد يخدع قوماً يوماً ولكنَّه لا يخدع كلَّ النَّاس دوماً؟ يبدو أنَّ طغيان المادية يجعل بعض الغربيين يُفسِّر الْتَّارِيْخ دون الالتفات إلى المعاني الرُّوحية السَّامية أو المُسلمات العقلية الواضحة. لم يكن الْعُلَمَاء حفنة من الكذابين أو النَّفعيين أو السَّطحيين كما يمكن أن تُفسَّر كتابات جولد تسيهر وتلميذه جوزيف شاخت وليون بورشيه وغيرهم عندما يتحدثون عن اختلاق الأحاديث النَّبويَّة. ذكر الدكتور نور الدَّين عتر شبهة بعض المستشرقين في القدح بمنزلة الرِّحْلات العِلْمِيَّة في تمهيده لكتاب الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِِ للبغدادي كما ذكر المقدسي عن المستشرق سنوك أنَّه يعتقد أنَّ انتشار تعليم المذاهب الفقهيَّة الأربعة يعود سببه إلى عوامل جغرافيّة وسياسيّة إذ أنَّ هذه الْمَدَاَرِس حازت على رضا الأُمراء فلقد كانت تخدم مصالحهم (Makdisi, 1981, p. 4).
لقد قادهم هذا المسلك إلى تبنّي نظرية الألماني جوزيف شاخت وقوامها أنَّ تراثنا الفقهي وجهود جميع عُلَمَاء الحديث النَّبوي والحركة العلميَّة والجهود التَّعليميَّة كانت مجرد تلفيق وأنَّ تراثنا يتكون من كومة تراكمات فكريَّة لا قيمة علميَّة لها ظهرت نتيجة صراعات سياسيَّة استدعت ابتكار أحاديث وهميَّة، وبناء مسائل قانونية واهية لدعم توجُّهات الحكام عبر العصور المُتتالية وحدثت هذه الأحداث بعد سنة (104 هـ = 722 م) على حسب نظريتهم التي تكتسح الدِّراسات الأكاديميَّة الغربيَّة وآمن بها للأسف بعض المسلمين .
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 10    كن أول من يقيّم
 
لقد قادهم هذا المسلك إلى تبنّي نظرية الألماني جوزيف شاخت وقوامها أنَّ تراثنا الفقهي وجهود جميع عُلَمَاء الحديث النَّبوي والحركة العلميَّة والجهود التَّعليميَّة كانت مجرد تلفيق وأنَّ تراثنا يتكون من كومة تراكمات فكريَّة لا قيمة علميَّة لها ظهرت نتيجة صراعات سياسيَّة استدعت ابتكار أحاديث وهميَّة، وبناء مسائل قانونية واهية لدعم توجُّهات الحكام عبر العصور المُتتالية وحدثت هذه الأحداث بعد سنة (104 هـ = 722 م) على حسب نظريتهم التي تكتسح الدِّراسات الأكاديميَّة الغربيَّة وآمن بها للأسف بعض المسلمين.
إذا كان بعض المستشرقين ينظرون إلى المال والغنى كوجهين لعملة واحدة فإنَّ الشَّافِعِيّ شيخ الرَّحالة يربط الغنى بالقناعة فيقول:
رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِنى
فلا ذا يراني على بابـهِ
فصرتُ غنياً بلا درهمٍ

 
فصرتُ بأذيالِها مُتْمَسِكْ
ولا ذا يراني به مُنهمِـكْ
أمُرُّ على النَّاسِ شبه الملـكْ

كيف يتزلَّف الكُّل للملوك والأمراء والسَّلاطين وفي ضميرهم صدى هذه الأبيات النَّابضة للشَّافعي:
إِنَّ الملوكَ بلاءٌ حيثما حَلُّــوا
ماذا تُؤَمِّلُ من قومٍ إِذا غَضِبوا
فاستغْنِ باللّهِ عن أبوابِهمْ كرماً

 
فلا يكن لكَ في أبوابِهمْ ظـــلُّ
جاروا عليكَ وإِن أرضيتهمْ مَلُّوا؟
إِنَّ الوقوفَ على أبوابِهـم ذُلُّ

إنَّ من يتصفَّح سيرة سلفنا الصَّالح  أمثال أئمة الفقه الأربعة يتَّضح له حتماً أنهم لم يتحوَّلوا عن مبادئهم قيد أنملة وحتى النَّفَس الأخير من أنفاسهم الزَّاكية رغم ضغوط الحياة المعيشيَّة والْسِّيَاسِيَّة. ماذا كان نتيجة ثباتهم على المبدأ؟ كانت النَّتيجة المنطقيّة أنَّهم كسبوا حبَّ النَّاس لهم، وماتوا وعلى رأسهم تيجان الكرامة، ونهل الْعُلَمَاءُ من ينابيعهم وسرى سنا الخلود في السَّماء يهتف بأسمائهم.
ومِن الأدلَّة الدَّامغة على بطلان شبهات المستشرقين في موضوع الرِّحْلات العِلْمِيَّة أنَّ كُتب الفِقه التي بين أيدينا تتعامل مع موضوع أخذ المال مقابل تعليم القرآن بحذر شديد والأصل أن يكون التَّعْلِيْم لوجه اللّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إلا إذا اقتضت ضرورات الحياة ومصلحة العمل راتباً خاصاً للمعلم. مَنْ كان يريد الدُّنيا لا ينتقد نفسه فيناقش مسائل تُدينه وتكون حُجَّة عليه بل الأجدر به أن يُطالب في كُتبه بضرورة تقديم الأموال والهدايا لعُلَمَاء الدِّين نظير جهودهم.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 11    كن أول من يقيّم
 
عجباً لأمر المستشرقين فهم يُعيبون على غيرهم ما يفعلونه هم فمن يتمعَّن في سيرتهم فإنَّه يجد الرَّجل منهم يتقلَّد المناصب، ويلهث خلف المادَّة على حساب الْعِلْمِ والحقِ والعدلِ. كثيرٌ من المستشرقين عملوا في الجيوش الغازية للدُّول الفقيرة وكانوا يُعينون المُعتدين في مخابراتهم وأبحاثهم خدمة لجشع المحتلين. هذا وِلْيَم مُوِير (ت 1323 هـ = 1905 م) مُستشرق بريطاني، أمضى جلّ حياته في خدمة الحكومة البريطانية، بالهند، ودخل البنغال وعمل في الاستخبارات، وكان سكرتيراً لحكومة الهند سنة 1865- 1868م، ثم عُيِّن مديراً لجامعة ايدنبرغ سنة 1885 – 1902 م، وكتب عن الإسلام والشُّعراء فهل كانت دراساته بحثاً عن الحق أم خدمة لفهم العدو الضَّعيف وطمعاً في مراكز أكاديمية وسياسيَّة لا تخلو من المطامع الماديّة!! دخل الإنجليز وغيرهم الأراضي الإسلامية في القرن الماضي بحجة الدِّراسات التاريخية والبحث عن آثار القدماء وكانت الحقيقة أن العلماء كانوا ينقبون عن النّفط وبعدما عرفوا الثَّروات الباطنة قاموا بتقسيم الأراضي الإسلامية، والسَّيطرة على المقدرات، وتحالفت أوربا لتحقيق مآربها. مَنْ هو الذي يحق له أن يعيب الآخر إن كنتم صادقين؟ وصدق المثل العربي الذي يقول "رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّتْ".  لقد كانت رحلات معظم المستشرقين للشَّرق لإثبات بربريَّة أهل المشرق وتضخيم نقائصهم وتبرير محاولة نهب ثرواتهم أو لنشر دينهم النَّصراني المحرَّف أما اليهود فهدفهم معروف سلفاً وخلفاً.
إنَّ شبهات المستشرقين لا تصمد مع قذائف الحق وإنَّ المعايب والمثالب التي يذكرونها تتحول بفضل الله عزَّ وَجَلَّ إلى مناقب ومكاسب نفتخر بها كمنجزات مثل الرِّحْلَة في طلب الْعِلْمِ التي أثمرت عِلْماً جليلاً جديداً في سِجلِّ العلوم ألا وهو عِلْم الحديث النَّبوي الشَّريف إضافة إلى علوم أخرى. ولقد شهد بعض المستشرقين – ومعهم أدلتهم ودراساتهم - بدقَّة وصحَّة منهج أهل الحديث في جمع الأحاديث والرِّحْلَة من أجل الحفاظ عليها. إنَّ دراسات نابيا أبات وموتزكي واسبوزيتوا وغيرهم تدل على أن شبهات ليون بورشيه وسنوك لم تُقبل حتى عند المستشرقين أنفسهم.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
 1  2