البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : التاريخ

 موضوع النقاش : تراثنا 1    قيّم
التقييم :
( من قبل 1 أعضاء )

رأي الوراق :

 د يحيى 
19 - مايو - 2008
الثَّروة التُّراثِيَّة:
وردت كلمة التُّرَاث في القرآن الكريم مرة واحدة فقط وذلك في قوله سُبْحَانَهُ: "وَتَأْكُلُونَ التُّرَاث أَكْلاً لَّمًّا {19}" (سُوْرَةُ الفَجْرِ). وهي كلمة تعني لغةً الميراث والصِّلة الجزئية بين طرف وآخر. والتُّراث يرد بمعنى ما يُخَلِّفه الإنْسان لورَثَتِهِ وهو المعنى المعروف. إنَّنا نقصِد بالتُّرَاث هنا كل موروث ناتِج من فكر ونشاط بشري مُكتسب يتوارثه المسلمون ، ومعظمه ظهر في ظل الحضارة الإسلامية المترامية الأطراف جغرافياً، والممتدة على أزمنة مختلفة، في شعوب وأعراق مُتنوعة.
مدلول التُّرَاث الواسع كما نراه، والعميق كما يمكن أن نُدركه، يحتوي على صور ِنتاجية متعدِّدة نجدها مبثوثة في نتاج العلوم العقليِّة والنَّقليِّة والْتَّطْبِيْقِيَّة والفنِّية والصِّناعيَّة إلى غير ذلك مما تتواصل الأجيال تلو الأجيال في نقله ودراسته بصورة معنويّة كالعلوم والآداب، أو مادِّية كالمباني والآثار. وبعبارة موجزة فإنَّ التُّراث هو كل ما ورثناه من سعي الأسلاف.
هذا التُّرَاث البشري المتراكم عبر الأزمنة المُتطاولة منه ما قد يتَّفق مع مبادئ الدِّين الحنيف فيوافقه ولا يُخالفه فهو الأصيل المحمود وغيره دخيل مذموم ينبغي ردّه بالحسنى، ونقده بالحكمة وبإشراف أهل الاختصاص. التُّرَاث بمعناه العام يتَّسع مضمونه التَّربوي ليتضمن نتاج شريحة الْعُلَمَاء كأفراد ومذاهب وتيارات، وفي نفس اللَّحظة يندرج في النَّسيج التُّرَاثي عطاء عامَّة أفراد الشُّعوب في جميع المضامير- المادية والمعنوية - التي لها علاقة بمجرى التَّربية والتَّعْلِيْم طالما أنَّها تشكَّلت وانصهرت في ضوء مبادئ الإسلام.
التُّرَاث من الرَّحابة بمكان بحيث يتَّسِع لجميع الشَّرائح والطَّوائف والفصائل التي ساهمت في المسيرة الإسلاميَّة المتواصلة فالبعض أحسن وأصاب في جوانب معينة، والبعض انحرف وأخطأ في جوانب أخرى.
لعبت ينابيع العروبة دوراً عظيماً في تشكيل تراثنا الإسلامي، كيف لا؟ والعرب الأوائل طلائع الفتح الإسلامي الكريم الكبير في تاريخنا وهذا لا يعني أنَّ تراثنا عربي خالص لا أثر لغيره فيه ،أو أنَّه نشأ بمعزل عن إسهامات غير العرب. العروبة وعاء، والدَّاء في أن نتصور أن الوعاء في حد ذاته نهاية المطاف، ومن الخطأ أن نقبل من العروبة ما مِن شأنه أن يُقَلِّص المعاني الإسلامية من تصورات زائغة عن الحق تنحو منحى اعتبار العروبة فيصل الأمور كلها، وأنَّ النَّسب أساس الولاء والبراء. قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَمَنْ ادّعَى دَعْوَى الْجَاهِلّيةِ، فَإِنّهُ مِنْ جُثَى جَهَنّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله وَإِنْ صَلّى وَصَامَ؟ فَقَالَ وَإِنْ صَلّى وَصَامَ. فَادْعُوا بِدَعْوَى الله الّذِي سَمَاكُم المُسْلِمِينَ المُؤْمِنينَ عِبَادَ الله" (رواه التِّرمذي، قال التِّرمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. المجلَّد الرَّابع: 3- باب ما جاء مثل الصَّلاة والصِّيام والصّ‍َََدقة. الحديث رقم: 3023).
إنَّ الإسلام يُجِلُّ وشائج العقيدة ويجعلها أساس التَّناصر، ويحارب العصبيَّة العرقيَّة؛ لأنها أساس التَّناحر. ترفض التَّربية الإسلاميَّة النَّعرة العرقيَّة الجاهليَّة لأن العزَّة كلَّها، فكراً وعملاً، في اتباع موكب الإسلام .
ولقد كانت معركة بدر الكبرى من أقوى تطبيقات معاني العقيدة. يومها وقف العربي المسلم فحارب قبيلته المُشْرِكة ليكون الميزان الإيماني هو الفيصل النهائي. من هذا المنطلق العادل ظهر أفضل مجتمع بشري عَرَفَهُ التَّارِيخُ الإنساني – في قيمه وواقعه وذلك في المدينة المنوَّرة على ساكنها أفضل الصَّلوات، وأتمّ السَّلام. وهنا تكمن الخصوصية الحضارية لتراثنا حيث تَرجم المسلمون في كثير من الأحيان تعاليم الدِّين، فتركوا لنا نماذج رائدة تُشجِّع على الاقتداء بها، وتربية النَّاشئة عليها.
 1  2  3 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
تراثنا 2    كن أول من يقيّم
 
وفي عجالةٍ يمكننا الإشارة إلى وظيفة التُّرَاث الإنساني فنقول إنَّه يتراكم في ذاكرة التَّارِيخ ليمثِّل الزَّاد الثَّقافي العِلْمي الخصب لأهل الأبصار، ويمد بخبراته التَّربية المعاصرة ومقاصدها برصيد استراتيجي من شأنه تأصيل وتوسيع نطاق العمل في هذا الحقل. من هنا ارتبط التُّرَاث بالتَّربية لدرجة يصعب فيها الفصل بينهما. ولهذا الاعتبار وغيره من الاعتبارات فإنَّ الأمُّة التي تحترم تُراثها - المتمثل بحصيلة العلوم والفنون والآداب والقِيم - ثم تعمل على تنميته، والنُّهوض به لاستئناف المسيرة الحضارية هي الأمُّة المُحصَّنة عَملياً وفِكرياً من اجتياح الغزو التَّغريبي، والقادرة على مواجهة حملات "العَولمة"، ومقاومة حركات "الأمركة"، ومناهضة الاستبداد مهما كان اسمه أو رسمه وهذا أضعف الإيمان. أما أكمل الإيمان، وأفضل الإحسان فإنَّه يكون بتفعيل التُّرَاث الذي ازدهر بجهود القدامى وتقديمه عالمياً كنموذج عملي حضاري يُعزِّز رصيد المبادئ الإنسانية، ويثري الحياة الروحية والعِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة للجنس البشري كله.
**الثَّروة التَّراثية الإسلاميَّة ذات قيمة شديدة الأهميَّة فمنها كانت انطلاقة أوربا ثم بعدها أمريكا نحو العِلْمِ والمعرفة والفن، فأضافوا للمعرفة كمّاً هائلاً وبرزوا في ميادين لم يُسبقوا إليها ونحن في الشَّرق قد نجهل معظمها لا لعجزٍ فينا، ولكن لتقصيرٍ منا فهي مُنجزات لا مُعجزات. إنًََّ البصمة الإسلاميَّة على صفحات الفكر والثَّقافة العالمية من الأمور المعروفة لأهل الاختصاص، ولسوف نتناول موضوع أثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالم بالدِّراسة والتَّحليل في عدَّة أماكن وبصورة مُتنوعة في بحثنا هذا.
يجب أن يكون إحياء الصَّالح من تراثنا التَّربوي من استراتيجياتنا نحو انطلاقتنا الكبرى لتعود الأمَّة المسلمة شاهدة على سائر الأمم في هذه الدُّنيا وفي الآخرة. قال تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (سُوْرَةُ البقرة: الآية 143). إنَّ استئناف مسيرة الأمة الحضاريَّة عبر استلهام الرَّصيد التُّراثي مسؤولية فِكرية جَسيمة، كما أنَّها فضيلة دينية عظيمة تستدعي همَّة عالية، وتضحية مُتواصلة، ونية صادقة، وعقليَّة مُجتهدة، وتعاون ومثابرة من أجل دراسة واستثمار تراث خير أمَّة أخرجت للنَّاس جميعاً.
التُّراثُ مستودع واسع مُتنوع يُنمي الفكر ويساعد على معرفة لماذا وكيف وصلت الشُّعوب إلى ما هي عليه الآن، وكيف كسبت وحقَّقت المُنجزات، وكيف كان منهج السَّابقين في التَّربية والتَّعليم، كما أنَّ التُّراث يعطينا الخلفية الْتَّارِيْخية الكافية لمسائل قد نناقشها اليوم ولا نعلم جذورها. من غير هذا التُراث لا يمكن تقدير جهد السَّابقين في تطوير العلوم والتَّغلب على مصاعب الحياة وهو في النَّهاية من المتطلبات المهمة في مرحلة إعداد المعلمين والمربين الفضلاء لأن التُّراث يعطينا هوية من سار في هذه المهنة قبلنا.  
نقد التُّراث بمعنى تحليله وتتبُّع مواطن القوَّة وأماكن الضَّعف من أهم النَّتائج الفكرية التي يمكن تحصيلها من الدِّراسة المنهجية لجوهر التُراث. هذه الثَّروة التُّرَاثية غير المُنظَّمة بحاجة إلى آليات وأدوات فِكْرِيَّة تُسهِّل عَمَلِيَّة تنظيمها واستيعابها واستقرائها، وتضبط مسارها، وتحُدِّدَ معالم الإفادة من مِشكاتها، وتكشف مُشكلاتها التي قد تظهر في بعض شُعَبِهِا، وهو ما نحاول أن نجلِّيه في كتابنا هذا على أمل أن يتواصل المسلمون عبر الزمن في نقل التُّرَاث النَّافع كمصدر إلهام في عالم التَّربية والإصلاح كي يكون لنا فيه السَّلامة من كل رذيلة، وندعو به الأمم إلى كل فضيلة.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
تراثنا 3    كن أول من يقيّم
 
أهميّة دراسة التُّراث
يتَّفق عُلَمَاء التَّربية على أنَّ التَّارِيْخ يمثِّل أصلاً مهماً من أصول التَّربية فلذلك لا يكاد يخلو كتاب من الكتب التي تدرس أساسيات التَّربية، من ذكر أسماء بعض رُواد التَّربية والتَّعْلِيْم قديماً ويتوغل البعض في شرح مضامين أفكارهم. والحق أنَّ الحضارة السُّومرية والمصرية واليونانية والرُّومانية … من الحضارات العريقة التي لعبت دوراً مهماً في دفع عجلة التَّعْلِيْمِ، وإرساء أساليب التَّربية، وبيان أنماط التَّعامل مع الآخرين. تكمن القيمة العِلْمِيَّة للتُّراث الفكري في أنَّه وعاء يمكن أخذ الحِكمة منه حاضراً ومستقبلاً ؛لأنَّه يحتوي على دقائق أخبار السَّابقين، ولطائف فضائل الماضين. ولعل تجربة اليابان الشَّاملة في القرن الماضي لاستلهام ماضيها لبناء حاضرها من دون أن تخرج من إهابها من الدروس المهمة والدَّالة على بقاء قوة التُّرَاث روحياً وفكرياً في ضمير الأمم.
*إنَّ ظهور نظام الكتابة زمن السُّومريين في العراق وعند المصريين أعطى عَمَلِيَّة التَّعْلِيْم أهمية كبرى وفي القرن الخامسَ عشرَ بدأت تنشط مسيرة الطِّباعة فإذا بالتَّعْلِيْم يصبح حاجة ضرورية في المجتمعات المدنية عالمياً وفي هذا القرن أخذ الحاسب الآلي يصوغ بعض أهداف التَّربية ويُحَدِّد كيفية التَّعلم بأنماط جديدة … وهكذا نجد أنَّ الحاجة إلى إعداد الإنسان لمواجهة التَّوجهات الجديدة والتَّغيرات الحياتية المستمرة سمة من سمات الْتَّارِيْخ البشري.
إنَّ التَّارِيْخ في أحداثه المستمرة حركة متغيرة (دِيناميكية)، لا كتلة جامدة (استاتيكِيَّة) ومِن ثمَّ فإنَّ التُّرَاث البشري وعاء مُتجدد متوقد، يتغير تِباعاً ولا يتوقف أبداً طالما أنَّ الإنسان يعيش في هذه الحياة فاعلاً ومتفاعلاً.
إنَّ وقائع الْتَّارِيْخ السَّارة والأليمة تُعَدُّ مدرسة واسعة من شأنها أن تدفع الإنسان إلى التَّقدم إذا أحسَنَّا الاستفادة من دروس الأمس وعبره. يقول الغزالي في كتابه (الحكمة) في مخلوقات الله عز وجل عن نعمة الكتابة "وبها تخلد في الكُتبِ العلوم والآداب، ويعلم النَّاس ذكر ما يجري بينهم في الحساب والمعاملات، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وَدَرَسَت العلوم وضاعت الفضائل والآداب وعظُم الخَلل الدَّاخل على النَّاس في أمورهم بسبب عدمها" (ص 2).
  في نفس هذا المعنى يقول ابن خلدون في مقدِّمته الخالدة "اعلم أنَّ فنَّ الْتَّارِيْخ فن عزيز المذهب، جمُّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياساتهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدِّين والدُّنيا".
**من الأخطاء التي وقعت في عَمَلِيَّة تدوين الأخبار وتوثيق الْتَّارِيْخ عالمياً أنّ بعض المؤرِّخين دوَّنوا الْتَّارِيْخ السِّياسي وأهملوا تدوين الجانب الاجتماعي منه، فاهتموا بِسِير الملوك أكثر من تدوين حياة المفكرين أو المفكرات ولم يَصِفُوا الحياة الاجْتِمَاعِيَّة لعامة النَّاس.
*د يحيى
19 - مايو - 2008
تراثنا 4    كن أول من يقيّم
 
تراثنا الإسلامي، ولله الحمد، لم ينزلق في هذا المزلق في كثير من الأحيان فإنَّنا نجد تراجم الفقراء من الْعُلَمَاء إلى جانب تراجم الأثرياء من المحسنين إلى جانب تراجم النِّساء المُبدعات كلها في كتاب تاريخي يُوثِّق منجزاتهم دون غضاضة.
يؤمن توماس كارليل (1795-1881م) الأديب الإنجليزي المرموق صاحب كتاب الأبطال بأنَّ الْتَّارِيْخ في حقيقته يحتوي على سِيرة الأبطال الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث ولكن يصعب قبول مقولته على هذا الإطلاق من دون بعض القيود إلا أنَّ المرء قد يتَّفق معه في أنَّ الْعُلَمَاء، قادة الفكر، في تاريخ الأمم والشُّعوب ويمثلون معالم مهمة في الْتَّارِيْخ ولكنهم قطعاً لا يمثلون الْتَّارِيْخ بأكمله وسوف تظل سيرتهم محل دراسة واستفادة وموضع إعجاب وإكبار.
إنَّ الوقوف أمام نِتاج السَّابقين من رجال الفكر ورواد التربية بغرض الاعتبار والاستبصار خُلُقٌ نبيل حث عليه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَاب" (سُوْرَةُ يوسف: 111) وقوله سُبْحَانَهُ: "فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176}" (سُوْرَةُ الأعراف) .وبذلك يُزوِّد المسلم نفسه بثقافة ثرية. وفي سورة الأنعام قال جلَّ ثناؤه: "قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}"، وفي سورة الروم قال الحقُّ سُبْحَانَهُ يحثُّ عباده: "قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ {42}".
 ولأنَّ العِلْم رديف العمل فإنَّ أحداث الماضي لا تُروى لمجرد الاستماع والتَّسلي، بل الغرض الأسمى وراء استعراض سيرة الماضين الصَّالحين هو الاقتداء بمحاسنهم، وينبغي للبشر كافةً أن يعلموا ذلك ؛لقوله سُبْحَانَهُ:"أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ {90}" (سُوْرَةُ الأنعام).
ولقد ورد في الحديث النَّبوي الشَّريف أنَّ بني إسرائيل هلكوا لما قَصُّوا ؛أي انشغلوا عن العمل بالرِّواية والسَّرد بغرض التَّسلية والسَّمر، لا للاستفادة منها فكان الهلاك والدَّمار مآلهم. قال ابن الأثير في النّهاية في غريب الحديث والأثر: (إنَّ بني إسرائيل لَّما قَصُّوا هَلَكوا)، وفي رواية (لَّما هَلَكُوا قَصُّوا)؛ أي اتَّكلوا على القَول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكِهم، أو بالعكس، لما هلكوا بتركِ العمل أخْلَدوا إلى القصَصِ.
يقول أمير الشُّعراء:
اقرأ الْتَّارِيخ إذ فيــه العبر

 
ضــاع قوم ليس يدرون الخبر

**إن دراسة الفكر الجيد في تاريخ البشر يهبنا الآراء الْنَّافِعَة، ويطلق مواهبنا التي تنير جنبات الحياة بالعمل الهادف والْتَّارِيْخ بعد ذلك كله  مصباح للصَّلاح، وشعاع للعقل يهدي إلى الهُدى، وينهى عن الهوى.
إنَّ صياغة القوانين التَّربوية وما يلحق بها من سياسات ونظم إدارية تضبط مسيرة المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة لا تتم بمعزل عن فهم ثقافة المجتمع، وثقافة المجتمع لا بد أن تحتوي على تراث السَّابقين فهي حلقة من سلسلة استحكمت وتكاملت حلقاتها وحركاتها، أولها يقود إلى آخرها. الأمة التي تُعلِي من شأن العِلْم وتشجِّع العمل الجاد، وتمدح الكدح هي الأُمَّة التي تُفلح وتنال مُرادها ؛لأنَّها واصلت السَّعي فوصلت، وزرعت فحصدت.
 من هنا تأتي أهمية دراسة التُّرَاث التَّربوي؛ للاسترشاد به مع غيره من المصادر في صياغة الفلسفة التَّربوية لبناء الذَّات والمجتمع ورسم السِّياسات التَّعْلِيْمِيَّة المستقبليِّة على أسس صالحة صلبة.
المصدر : تراثنا التربوي: ننطلق منه ولا ننغلق فيه
د/ بدر ملك ، و د/لطيفة الكندري
*د يحيى
19 - مايو - 2008
بارك الله فيك يا دكتور يحيى    كن أول من يقيّم
 
من أجمل ما قرأت شعراً يحث على استبصارالتاريخ والتراث، قول الشاعر:
 
ومَنْ وَعَى التاريخَ في صدْرِهِ ** أضافَ أعماراً إلى عُمْرِهِ 
 
فحقيقة العمر الذي يحياه الانسان يتمثل في لحظته الآنية، وفيما يستطيع المرء أن يسترجعه من عمره الفائت.
ولو أراد أحدنا أن يكتب سيرته الذاتية بأدق تفاصيلها لمَا استطاع أن يستكمل منها إلا مجلدات محدودة العدد، هي عمره الحقيقي الذي وَعَى أحداثه.
ويروى أن بعض الناس كانوا يسجلون العمرَ على قبورهم بما يوازي أيام السعادة التي عاشوها!
ولذلك فمن قرأ تاريخ أمة ما، واستبصر تراثها، ووعَى كل ذلك في صدره أضافَ ما وعاه إلى عمره.
 
تحية إلى د.يحيى المصري الحلبي
 
*عمر خلوف
19 - مايو - 2008
النكبة الفكرية 1    كن أول من يقيّم
 
             ماموقِفُنا مِن النَّكبات الفكريَّة ؟.
الْتَّارِيْخ الإسلامي فيه مواقف انتكاسٍ، وساعات ضعفٍ، وليس من الحكمة تضخيمها أو غض الطَّرف عنها وتجاوزها دون أخذ العبر والعظات منها إذا كان ذلك ممكناً مأموناً وكلٌ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ. يدل الاستقراء الصَّحيح الحكيم لتاريخ الإسلام على أنَّ الالتزام العام بأحكام الإسلام له صلة وثيقة بازدهار الفكر الإسلامي وأن التَّفريط في التَّمسك بتعاليم الدِّين فيه انحدار رهيب لواقع المسلمين. حبنا لتاريخنا وتُراثنا لا يعني عدم الاعتراف بنقد بعض مساراتنا الْتَّارِيْخيَّة بموضوعيَّة دون مبالغة وتضخيم، ومن غير تشويه وتحطيم.
من أجلِ المواقف الفِكْرِيَّة قُتل سعيد بن جبير، وسُجِن من سُجِن، وضايق السَّلاطينُ الْعُلَمَاء بسبب أفكارهم العِلْمِيَّة فتعرضوا للأذى ومن يقرأ سِيرة أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والبويطي، وابن الجوزي، والسَّرخسي، والطَّبِيْب الحاذق ابن رشد، وغيرهم يجد أنَّ بعضهم قد طُرد من بلده، وبعضهم عُذِّب بالضَّرب، وبعضهم مات ظُلماً في ظُلمة السجون بفعل فساد السَّاسة ممن حَكموا البلاد، وتحكَّموا في العباد. للأسف الشَّديد، كانت عَمَلِيَّة تصفية الحسابات جسدياً سَوءة تدلُّ على التَّخلُّفِ السِّياسي، والتَّسلط الفردي، والبطش العسكري. هذه العوامل وغيرها من أهم أسباب انهيار الحضارة الإسلاميَّة وكما قال القرطبي "الجور والظلم يخرِّب البلاد، بقتل أهلها وانجلائهم عنها، وترفع من الأرض البركة" (الجزء 9، تفسير سُوْرِة الرَّعد، الآية: 41).
في العصر الحديث مجموعة من العلماء لقُوا مصرعهم على أيدي بعض قادة المسلمين. هذا شأن الْعُلَمَاء ومصيرهم، فكيف بحال البُسطاء .. سمل الأعين، وخنق الرِّقاب، وخصي العبيد، وتشويه الجثث، وقطع الأيدي عدواناً أمْرٌ مُرٌّ مَرَّ به تُراثُنا ولا يمكن محوه من ذاكرة الْتَّارِيْخ عند المسلمين وغيرهم قديماً وحديثاً.
*د يحيى
23 - مايو - 2008
النكبة الفكرية 2    كن أول من يقيّم
 
بَيَّنَ مُحَمَّد رضا (ت 1369 هـ = 1950 م) موقف المؤرِّخ المسلم، ومسؤولية الباحث الأمين إِزاءَ هذا الأمر فقال: "المؤرِّخ يستطيع أن يستعرض الحوادث وأن يستنتج منها ما يبني حُكمه عليه كالقاضي النَّزيه، وليس من شأنه أن يلتمس المعاذير ويميل كل الميل مع قوم دون آخرين. فإنَّ من عَدَّ السَّيئات حسنات، والأغلاط في حكم الصَّواب جرياً وراء إحساسه وعواطفه، أو خشية الرَّأي العام، أو البيئة، أو لإشباع شهوة في نفسه، أو للتَّظاهر بالْعِلْمِ، أو الصَّلاح لا يُعدّ في نَظرنا مؤرِّخاً، بل مُتحيزاً، أو مُغرِضاً. وقد تصدَّى قوم لتدوين سير بعض السَّلف فنزَّهوهم عن جميع الهفوات معتبرين ذلك تَعبداً، وصلاحاً، ونسكاً، غاضين الطَّرف عن الحوادث المؤلمة التي ترتبت عليها. وهذا فضلاً عن كونه مخالفاً مخالفة صريحة للتَّاريخ ولآراء المعاصرين من السَّلف الصَّالح الذين هم أعرف من غيرهم بالدِّين وأصوله، وبأساليب الحكم في زمانهم، وأسباب السَّخط العام، فإنَّه مضيع للفائدة المرجوة من الْتَّارِيْخ وما فيه من عبر يعتبر بها الخلف. ومن المؤرِّخين من يتصدَّى للطَّعن، واللَّعن، وتشويه الحقائق، وتشويه للمحاسن بدافع التَّعصب لرأي، أو لكي يعدُّ من أرباب العقول الرَّاجحة. وهؤلاء ينفثون سمومهم ولا يدركون مغبَّة ما تخطُّه أقلامهم الجامحة من إفك وبهتان" (عثمان بن عفان ذو النورين، 2001 م، مُقَدِّمة الكِتاب).
إنَّ المتتبع للحركة الفِكْرِيَّة وتقلباتها في تاريخ العالم الإسلامي يجد فترات من الرُّكود تتمثل في إغلاق باب الاجتهاد عن طوائف كثيرة، ونشأت في عصور الانحطاط والرُّكود فترات ضعف وتشرم حتى في أداء الصلاة كانت كل طائفة تصلى منفردة عن الأخرى في مسجد واحد، والمُسلمة قد لا تُزوج من رجل مسلم لأنَّه يتمذهب بمذهب معين من المذاهب الفقهيَّة الأربعة المشهورة. ولقد شاعت البدع والخرافات التي يمارسها النَّاس عند قبور الصَّالحين وفي قصور السَّلاطين، وتمجيد التَّقليد قد تَرَسَّخ في النَّفوس ولولا جهاد مَن ثبت على الحق من الْعُلَمَاء المجتهدين في الثَّورة على هذا التُّرَاث الجامد لساد التَّقليد كتبنا التُّرَاثية كلها ولأصبحت عِصمة الأولياء عقيدة في كل عصر، والتَّسليم المطلق لسيادة العلماء شريعة في كل أمر وهذا من شأنه أن يجعل التُّراث قيداً في عنق الأمَّة يخنق العقل ويُسَفِّه الفكر ويمنعه من محاولات التَّجديد والحركة والابتكار.
مَن يستعرض حال المسلمين يرى أنَّ التَّعصب للمذاهب الفقهيَّة وغيرها في بعض الفترات الْتَّارِيْخيَّة لعب دوراً عظيماً في تفرِّق الجماعة المسلمة المُتضامنة، وتشويه مسيرة الْمَدَاَرِس التَّعْلِيْمِيَّة. قام التَّقليد الجامد بتمزيق شمل الأمة وهو الأمر الذي ساقنا إلى الضَّعف والتَّمزق إضافة إلى جملة أمور أخرى أسهمت أيضاً في الانحطاط الذي يحيط بواقع الأمَّة اليوم.
*د يحيى
23 - مايو - 2008
النكبة الفكرية 3    كن أول من يقيّم
 
قال ابن تيمية في فتاويه واصفاً آفة التَّعصب للمعلمين والمرشدين "أَمَّا تَرْجِيحُ بَعْضِ الأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلَ مَنْ يُرَجِّحُ إمَامَهُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِهِ، أَوْ يُرَجِّحُ شَيْخَهُ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ .. فَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَرَاتِبِ الأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ وَلا يَقْصِدُونَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ تَهْوَى نَفْسُهُ أَنْ يُرَجِّحَ مَتْبُوعَهُ فَيُرَجِّحَهُ بِظَنِّ يَظُنُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى تَحَاجِّهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (مجموع الفتاوى، ج20، ص 293).
لقد انحرفت القيم والموازين التي أقامتها التَّربية الإسلامية الصَّحيحة في ميدان تهذيب النَّفس، وتحصيل العلم، ورُقي المجتمع، وضاعت قيم تعظيم العمل، وتقدير البحث الحر الجاد فغلبت على الفكر الإسلامي جدلية اليونان الميتافيزيقية، وصوفيَّة الغلاة الانعزالية، والسِّياسة الفردية المُتسلِّطة القائمة على الإرهاب، وغابت المفاهيم الكليَّة لتطبيق مبادئ العدل وتشجيع عطاء المرأة في خدمة العلم والمجتمع وحركة الحضارة، واستحكمت الخلافات المذهبيَّة الحادَّة، وحلت مُناقشة الجزئيات الثَّانويَّة الضيِّقة محل الاتجاهات الشَّاملة العميقة في فهم الدِّين والحياة فضعف الوعي الإسلامي (المبارك، 1970 م، ص 39) الصَّحيح في المجتمع المسلم وفَقَدَ تدريجياًّ قيادة الفكر العالمي بعد أن كان يقود الأمم لمدة عدة قرون مُتطاولة في ميادين والسِّياسة والثَّقافة. كي تستأنف الأمة مسيرتها لا بدَّ من تصويب المفاهيم العامة التي شاعت فأفسدت الأوضاع.   
إلى منتصف القرن العشرين وكثير من المجتمعات المسلمة تسحق حقوق الإنسان فكان الإنسان الأسود البشرة عبداً عند الأمراء والأثرياء يسومونه سوء العذاب بعد أن يتحايل تُجَّار الرَّقيق في سرقة الأطفال من إفريقيّة ثمَّ يبيعونهم في أماكن أخرى دون أدنى شفقة، وكانت المرأة سَوْءَةً لا يُسمح لها بالتَّعلم، وكانت الدِّماء قد تسيل في حروب لا معنى لها بين قبائل المسلمين وكل فريق يرفع راية الدِّين، لا لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل بل لِيَمْحَقَ المُخَالِفِين .. كانت مؤسَّسات التَّربية والتَّعليم بصورة أو بأخرى إما تُسَوِّق وتُسوِّغ وإما تستر وتُمرِّر الكثير أو القليل من هذه المساوئ السَّائدة من خطف وسرقة وقتل وظلم. إنَّ دراسة الحقائق التُّرَاثية الأليمة بصورة واعية لا تزوير فيها أو تحوير قد تعصم الأمة من نكبات كثيرة جديدة، أو على الأقل قد تُقلِّل من احتمالات تكرار الكوارث.
تَعرَّضَ الفكر الإسلامي وما زال للعديد من الهجمات الشَّرسة، والضَّربات المستمرة المتمثلة في مكائد اليهود المأجورة، والحملات النَّصرانية المشهورة، وموجات العَلمانية "اللادينية" المسعورة، وهي كلّها رغم اختلاف توجهاتها ومناهجها وفلسفاتها التَّفصيليَّة تتفق على أمر واحد وهو توجيه أجهزة الإعلام والتّعليم نحو "تجفيف الينابيع" وتشويه التراث الإسلامي وتحريفه بأوسع معانيه وأقوى أركانه كي ينشأ الفتيان والفتيات بمعزل عن الثقافة الإسلامية. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في مُحكمِ التَّنزيلِ "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120}" (سُوْرَةُ البقرة). إذا كانت الآية تُخاطب النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة فغيره من البشر أولى بالحذر إذا أراد النصر.
*د يحيى
23 - مايو - 2008
النكبة الفكرية4    كن أول من يقيّم
 
على أنَّ أشدّ الهجمات وأقساها هي هجمات أبناء المسلمين ممن جهلوا عظمة الدِّين الإسلامي وراحوا يهاجمون بجهلهم قلعة الإسلام باسم حرِّية الفكر تارة ،وباسم التَّقدم تارة أخرى ،كما أنَّ ظُلم الطَّواغيت واضطهادهم للعُلَمَاء واستكانة المجتمعات كان حصاده مُرّاً دَمَّر حال أمة الإسلام. لاَ جَرَمَ أنَّ العلمانية بصورتها الأصيلة كما ظهرت في باطنها وظاهرها انسلال من ربقة الإسلام؛ لأنَّها تفصل الدِّين عن تنظيم شؤون المجتمع، وتريد أن تضع أهواء النّاس فوق القيم خضوعاً لضغوط ما يُسمونه "التَّقدم".
يقول المفكّر مُحَمَّد رضا في كتابه (مُحَمَّد رسول الله) :"إنَّ الأجانب قد درسوا حالتنا الاجْتِمَاعِيَّة وما وصلنا إليه من انحطاط وجهالة وخور في العزائم وأخيراً حكموا بأنَّ هذا راجع إلى جوهر ديننا وتعاليمه لينفِّروا منه، ويصدونا عنه لئلا ترجع إلى الإسلام شوكته الأولى وعِزَّه القديم. وقد اغتر بكلامهم بعض قصار النَّظر من المسلمين فعززوا آراءهم وطعنوا على الدِّين طعنات شتى زاعمين أنهم مصلحون. وهم في الحقيقة مفسدون يخرِّبون بيوتهم بأيديهم. ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد بل حلَّلوا المحرمات ونشروا الفساد وروَّجوا الضَّلال وتعلَّقوا بمظاهر المدنيَّة الغربيَّة من خمور وفجور ولهو وخلاعة وإباحيَّة وما دروا أن عُلَمَاء أوربا وعقلاءهم ساخطون ناقمون على انتشار الفساد وقد صرَّحوا مراراً أنَّ هذه المساوئ مُنذرة بسقوط الأمم، ومؤذنة بخرابها مع أنَّها الآن في غاية القوة والمنعة". يصف مُحَمَّد رضا واقع الفكر الإسلامي في القرن الماضي قائلاً "إلاَّ أنَّ معاول الهدم أقوى أثراً وأسرع فعلاً من مجهودات المصلحين" (بتصرّف).
لقد بلغ بالعلمانيين (اللادينيين) في الدِّيار الإسلامية أنَّهم دَرَّسوا تُراثنا بمناهج هزيلة لتُجسِّد النَّقائص، ووضعوها في قوالب منفِّرةٍ لتُمثِّل التَّناقض، وعرضوها بصورة باهِتةٍ في الوقت الذي قدَّموا التُّرَاث الغربي في أبحاثهم ومُنتدياتهم بصورة جملية برَّاقة مع زخم إعلامي هائل لتلميع دُعاته فقاموا بعملهم هذا بترويج المذاهب الكاسدة، والعقائد الزائفة وليس هذا غرض دراسة الفكر التَّربوي للباحث المُنصِفِ. كان الأليق بهؤلاء أن يدرسوا التُّرَاث من المصادر الأصيلة، وبقلوب باحثة عن الحق، وعقول قويمة، ومناهج سليمة، ليُكْتَب لهم النَّجاح في أكمل نماذجه. وقديماً قال المتنبي:
 
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أشَدُّ مَضَاضَةً

 
عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّد
*د يحيى
23 - مايو - 2008
حال أجدادنا المسلمين 1    كن أول من يقيّم
 
                       المُسلمون شَيَّدُوا صُرُوح العلوم
لقد نقل المسلمون الميادين العلمية إلى آفاق رحبة استفادت ومازالت تستفيد منها الإنسانيَّة. وقاموا بتشييد صَرح العلوم، وحازوا على قَصَبَ السَّبقِ في تَعليم الإناث، وتأسيس الْمَدَاَرِس والمكتبات لعامة النَّاس، وتنشيط الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِ، والعِناية بتعليم الْعُمْيَانِ ووضع أساسيات إنسانيَّة كفلت انطلاقة تطبيقيَّة للتَّربية الخاصَّة للمعاقين ممن يواجهون العوائق والتَّحدِّيات الحِسية. جميع هذه المنجزات - وغيرها أكثر وأعمق - في تراثنا التَّربوي كانت ضمن المساهمة الإنسانيَّة الإيجابيَّة المُتميِّزة في التُّرَاث العالمي. شيَّد المسلمون صُروح العلوم وتراثهم الخصيب يُثبِت حقيقة هذا الأمر بالأدلَّة المُتواترة...
المُنصف الذي يستقصي طرفاً من تراثِنا الفِكري الوافر، سيعلم عظمة شأن المسلمين الذين نبغوا في علوم شتى كالجبر والصَّيدلة والطِّب والجغرافيا والفلك والتَّرْجَمَة وعِلْمِ الحيل والكيمياء ثم يرى براعتهم في نشر الْعِلْمِ بعد الفهم، شَرقاً وغَرباً عبر بوابات الْمَدَاَرِسِ التي بنوها في آسيا وأفريقيا وأوربا. قام المسلمون الأوائل بالتَّفتيش عن الْعِلْمِ في كل مكان فلم يُهملوا عِلْمَ السَّابقين من الأمم فأخذوا فكرة الإسطرلاب من اليونان، وطوَّروا في وظائفه وتصنيعه ليعمِّروا الحياة بعلوم راقية تخدمهم أيضاً في أمور دينهم. وبذلك العطاء وضعوا منهج الإسلام في التَّفكير الْعِلْمِي في موضع التَّنفيذ وتحولت النُّصوص الشَّرعية إلى خطاب عملي يسير على هديه خبراء التَّربية والتَّعْلِيْم في الحضارة الإسلاميَّة. كان المعلمون يُطالبون طلابهم بالتَّخصُّص ثم التَّعمق في هذه العلوم دون الإخلال بالضَّوابط الأخلاقيَّة كي يكون الْعِلْمُ مصدر تعميرٍ وهناء، لا تدمير وشقاء.
*د يحيى
23 - مايو - 2008
حال أجدادنا المسلمين2    كن أول من يقيّم
 
 
كانت ثقافات العالم تبني مناهجها الدِّراسيَّة على قاعدة العلوم السَّبعة الحرَّة (Seven liberal Arts) وهي تشتمل على النَّحو, والبلاغة, والمنطق, والحساب, والهندسة, والفلك, والموسيقى. هذا المنهج عرفه اليونان وتوسع به الرُّومان وسار عليه رجال الدِّين في أوربا في فترة العصور الوسطى وأضافوا إليها العلوم الدِّينيِّة. كانت هذه المناهج  تُدَرّس للطَّبقة الأرستقراطية كما كان هذا الأمر سائداً من قبل (Clabaugh & Rozycki, 1990, p. G7). وبما أنَّ الإسلام لا يخص ولا يحتكر الْعِلْم في طبقة المُختصين في العلوم الدِّينية فإنَّ العلوم التي عرفها المسلمون وشيَّدوا صروحها كانت أرحب في نطاقها من منهج العلوم السَّبعة الحرَّة كما عرفها وطبَّقها الأوربيون في القرون الوسطى.
درس المسلمون علم الأوائل وهي "علوم الأمم السَّابقة من هند وفرس ويونان، وتشتمل على الفلسفة، والطِّب، والرِّياضيات، والهندسة، والفلك وتعرف بعلوم الحكمة أو العلوم العقلية، ويُعْرَفُ أصحابها بالحكماء، تمييزاً لها عن علوم القرآن، والحديث، والفقه، التي تعرف بالعلوم النَّقلية ويُعرف أصحابها بالعلماء" (الترمانيني، 2001 م).
قام المسلمون بجميع طبقاتهم بتشييد العلوم لهدف واضح وهو توحيد الله سُبْحانه ثم عمارة الأرض من دون الإخلال بمبدأ تطبيق مكارم الأخلاق. لم يُدمِّروا البيئة للحصول على منافع سريعة آنية، ولم يَنسوا القيم الأخلاقية في نشر الْعِلْمِ واستخدامه في دائرة الواقع، ولم تكن العلوم المادِّية الدُّنيوية غاية علومهم. لَقَد ذمَّ القرآن الذين "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ {7} أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ {8} أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {9} ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون {10} اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {11} (سُوْرَةُ الرُّوم). وهكذا تُصبح مسألة التَّوحيد المركز الحضاري الذي تتمحور حوله العلوم وتقوم عليه صروحه، وإلا كبا الفِكر، وانحرف المسار، وأصبحِ الْعِلْمُ المادي يقود الإنسانَ والمجتمعَ نحو الإلحادِ، والإلحاد يقود إلى الفساد، والفساد يعني خسارة الدُّنيا والآخرة.
لقد شيَّد المسلمون صرح العلوم ومن أول يوم من تاريخ الإسلام فقام كل من الرَّجل والمرأة، والأبيض والأسود، والغني والفقير، والأعمى والبصير فأسسَّوا أركانها في حقل العلوم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة ولهذا تختلف مُكونات ومُنتجات الحضارة الإسلامية عن سائر الحضارات. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ {24}" (سُوْرَةُ هُود).
*د يحيى
23 - مايو - 2008
 1  2  3