وردت كلمة التُّرَاث في القرآن الكريم مرة واحدة فقط وذلك في قوله سُبْحَانَهُ: "وَتَأْكُلُونَ التُّرَاث أَكْلاً لَّمًّا {19}" (سُوْرَةُ الفَجْرِ). وهي كلمة تعني لغةً الميراث والصِّلة الجزئية بين طرف وآخر. والتُّراث يرد بمعنى ما يُخَلِّفه الإنْسان لورَثَتِهِ وهو المعنى المعروف. إنَّنا نقصِد بالتُّرَاث هنا كل موروث ناتِج من فكر ونشاط بشري مُكتسب يتوارثه المسلمون ، ومعظمه ظهر في ظل الحضارة الإسلامية المترامية الأطراف جغرافياً، والممتدة على أزمنة مختلفة، في شعوب وأعراق مُتنوعة. مدلول التُّرَاث الواسع كما نراه، والعميق كما يمكن أن نُدركه، يحتوي على صور ِنتاجية متعدِّدة نجدها مبثوثة في نتاج العلوم العقليِّة والنَّقليِّة والْتَّطْبِيْقِيَّة والفنِّية والصِّناعيَّة إلى غير ذلك مما تتواصل الأجيال تلو الأجيال في نقله ودراسته بصورة معنويّة كالعلوم والآداب، أو مادِّية كالمباني والآثار. وبعبارة موجزة فإنَّ التُّراث هو كل ما ورثناه من سعي الأسلاف. هذا التُّرَاث البشري المتراكم عبر الأزمنة المُتطاولة منه ما قد يتَّفق مع مبادئ الدِّين الحنيف فيوافقه ولا يُخالفه فهو الأصيل المحمود وغيره دخيل مذموم ينبغي ردّه بالحسنى، ونقده بالحكمة وبإشراف أهل الاختصاص. التُّرَاث بمعناه العام يتَّسع مضمونه التَّربوي ليتضمن نتاج شريحة الْعُلَمَاء كأفراد ومذاهب وتيارات، وفي نفس اللَّحظة يندرج في النَّسيج التُّرَاثي عطاء عامَّة أفراد الشُّعوب في جميع المضامير- المادية والمعنوية - التي لها علاقة بمجرى التَّربية والتَّعْلِيْم طالما أنَّها تشكَّلت وانصهرت في ضوء مبادئ الإسلام. التُّرَاث من الرَّحابة بمكان بحيث يتَّسِع لجميع الشَّرائح والطَّوائف والفصائل التي ساهمت في المسيرة الإسلاميَّة المتواصلة فالبعض أحسن وأصاب في جوانب معينة، والبعض انحرف وأخطأ في جوانب أخرى. لعبت ينابيع العروبة دوراً عظيماً في تشكيل تراثنا الإسلامي، كيف لا؟ والعرب الأوائل طلائع الفتح الإسلامي الكريم الكبير في تاريخنا وهذا لا يعني أنَّ تراثنا عربي خالص لا أثر لغيره فيه ،أو أنَّه نشأ بمعزل عن إسهامات غير العرب. العروبة وعاء، والدَّاء في أن نتصور أن الوعاء في حد ذاته نهاية المطاف، ومن الخطأ أن نقبل من العروبة ما مِن شأنه أن يُقَلِّص المعاني الإسلامية من تصورات زائغة عن الحق تنحو منحى اعتبار العروبة فيصل الأمور كلها، وأنَّ النَّسب أساس الولاء والبراء. قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَمَنْ ادّعَى دَعْوَى الْجَاهِلّيةِ، فَإِنّهُ مِنْ جُثَى جَهَنّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله وَإِنْ صَلّى وَصَامَ؟ فَقَالَ وَإِنْ صَلّى وَصَامَ. فَادْعُوا بِدَعْوَى الله الّذِي سَمَاكُم المُسْلِمِينَ المُؤْمِنينَ عِبَادَ الله" (رواه التِّرمذي، قال التِّرمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. المجلَّد الرَّابع: 3- باب ما جاء مثل الصَّلاة والصِّيام والصَََّدقة. الحديث رقم: 3023). إنَّ الإسلام يُجِلُّ وشائج العقيدة ويجعلها أساس التَّناصر، ويحارب العصبيَّة العرقيَّة؛ لأنها أساس التَّناحر. ترفض التَّربية الإسلاميَّة النَّعرة العرقيَّة الجاهليَّة لأن العزَّة كلَّها، فكراً وعملاً، في اتباع موكب الإسلام . ولقد كانت معركة بدر الكبرى من أقوى تطبيقات معاني العقيدة. يومها وقف العربي المسلم فحارب قبيلته المُشْرِكة ليكون الميزان الإيماني هو الفيصل النهائي. من هذا المنطلق العادل ظهر أفضل مجتمع بشري عَرَفَهُ التَّارِيخُ الإنساني – في قيمه وواقعه وذلك في المدينة المنوَّرة على ساكنها أفضل الصَّلوات، وأتمّ السَّلام. وهنا تكمن الخصوصية الحضارية لتراثنا حيث تَرجم المسلمون في كثير من الأحيان تعاليم الدِّين، فتركوا لنا نماذج رائدة تُشجِّع على الاقتداء بها، وتربية النَّاشئة عليها. |