بل نقل عن غيره كن أول من يقيّم
أخي الدكتور صبري أبو حسين حفظه الله ذكر الأخفش الخليل، غير المرة التي ذكرت، عشر مرات أخرى في ما وصلنا من كتابه "العروض". وفي هذه المرات كلها لم يصرح الأخفش بأنه سمع من الخليل، أو حدثه، أو قال له ...إلخ، ولكن إشاراته لعلم الخليل كانت من نوع : (وكان الخليل لا يجيز..، وكان الخليل يزعم.. ، وإنما خرج في قول الخليل من ..، وكان الخليل ـ زعموا ـ لا يجيزه)، وأخيرا قوله: " وقد أخبرني من أثق به عن الخليل أنه قال.." . وقال أبو الطيب اللغوي في مراتب النحويين: "وكان الأخفش أسنّ من سيبويه، أخبرنا عبد القدوس بن أحمد: قال أخبرنا المبرد قال: كان الأخفش أسنّ من سيبويه، ولكن لم يأخذ عن الخليل، وهو الذي تكلم على كتاب سيبويه وشرحه وبيّنه، وهو معظّم في النحو عند البصريين والكوفيين". صحيح أن هناك روايات تربط بين الخليل والأخفش ولكنها تبدو ضعيفة نحو قول المرزباني (ت 384 هـ) في المقتبس: "سأل الأخفش الخليل: لم سميت الطويل طويلا ؟ قال لأنه تمت أجزاؤه. قال: فالبسيط ؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل. قال: فالمديد ؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه..." إلى آخر ذلك من قائمة البحور. وهو لم يسند في الرواية لأحد، وكأنه كان شاهدا لهذا الحوار الممتع بين الاثنين. لذلك فقد بدا ابن رشيق ( ت 456 هـ) أكثر منهجية من المرزباني بنقله الرواية نفسها عن الزجاج أن ابن دريد أخبره عن أبي حاتم عن الأخفش أنه سأل الخليل ...إلخ. وقد ورد في المحكم سبب تسمية كل بحر عن الزجاج بلفظه هو لا لفظ الخليل أو الأخفش، وكذلك أورد الدماميني في الغامزة أسبابا أخرى لتسمية هذه البحور. وهنا أقول إذا كان الخليل هو صاحب تلك الأسماء، التي خص الأخفش بالجواب عنها، لم إذن لم يأخذ الآخرون بأسباب تسميته حرفيا؟ وذكر صاحب نظرية المؤامرة الباحث محمد حسين آل ياسين ما أورده صاحب طبقات النحويين وهو يتحدث عن علي بن نصر الجهضي حيث يقول بعد إسناد الرواية: "سمعت الأخفش يقول: نفذ من أصحاب الخليل في النحو أربعة: سيبويه والنضر بن شميل وعلي بن نصر ومؤرج السدوسي". ويقول الباحث: والرواية بهذه الصورة تعطينا دليلا آخر على أن الأخفش لم يكن في عداد أصحاب الخليل ولا من تلاميذه، لأنه لو كان لعد نفسه واحدا ممن نفذ منهم على أقل الفروض. والآن، فإن علم الأخفش بالعروض إن لم يكن وصله مباشرة عن طريق سيبويه، فلا شك أنه أخذه عن غير واحد من تلاميذ الخليل الآخرين، كابن مناذر الذي رؤي في مسجد البصرة ومعه دفتر فيه كتاب العروض بدوائره، وغير هذا التلميذ كثر. ألم يذكر الأخفش في كتابه العروض قوله: " وأما مفعولن فجاءت مع فاعلاتن لخفة هذا الشعر ولأن اللفظ به يشبه اللفظ بالغناء، وإنما حذف من الوتد ، وقال بعضهم: حذف الأول لأن أول الأوتاد يحذف للخرم . وقال بعضهم : لا، بل حذف الثاني، لأنه وسط فكان أقوى له ، والأول يلي السبب، ويلي موضع الاعتدال، وحذف الأول أقيس. وهذان الرأيان ثانيهما للخليل ( الذي أشار إليه ببعضهم ). وأما صاحب الرأي الأول فهو الذي يؤيده الأخفش ولا نعلم من هو، لكننا نستدل من ذلك على أن علم العروض كان قد نضج واكتمل في زمن الخليل، واتسع للنقاش بمخالفة العروضيين له. |