صاحب السعادة     ( من قبل 2 أعضاء ) قيّم
عفوية الإنسان وبساطته التي تكمن فيها إنسانيته الصافية وتبنى عليها علاقته الحقيقية الدافئة بالأحياء والأشياء، وكذلك انتماؤه إلى الأسرة الآدمية الواحدة انتماء لا تغطيه وحول الغباء والادعاء والافتعال، تضيع كلها ضياعاً تاماً لدى عشاق الألقاب والنعوت (التفخيمية) التي يهيم بها غراماً معظم الناس في ديارنا، ويشعرون بالغبن إذا هي لم تصحب أسماءهم وأسماء من يرغبون في تعظيم شأنهم من ذوي العلم والأدب. أن تلصق هذه الألقاب بـ(المقنفشين) الفارغين من الناس لا بأس.. إذ إن هؤلاء الفارغين يتوهمون أن في اللقب ما يرفع من شأن حامله وأن فيه تعويضاً من الفراغ الذي يدور فيه، أما أن تلصق بأسماء هي أكبر من كل لقب، ومن كل مانحي الألقاب والأوصاف فذلك هو العجب، يا أخا العرب!.. وإليك هذه الحكاية الصغيرة، والمعبرة على الرغم من صغرها: ماركوني آغا في مكتبي عدد من صحيفة أحتفظ به لطرافة خبر وارد فيه على صورة تدل على ما للألقاب الفارغة الجوفاء من قيمة في نظر بعض (المثقفين) الذين يعملون في وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، أما الخبر الذي أشير إليه، فهو عن احتفال العالم في عام مضى بذكرى مولد عمر الخيام، مكتوباً على الصورة التالية ومطبوعاً ضمن إطار مزدوج الخطوط لافت للنظر: (يحتفل العالم غداً بمرور تسع مائة عام على مولد الشاعر الشهير عمر بك الخيام! والمعروف أن عمر بك الخيام هو شاعر (الرباعيات) المترجمة إلى جميع لغات العالم والمنشورة في كل بلدان الأرض، كما أنه من كبار علماء الرياضيات في التاريخ). وما ذكرت هذا الخبر منشوراً على هذه الصورة إلا وضحكت وأنا أتصور أنه ليس من المستبعد أن نقرأ أو نسمع في يوم لاحق العبارات التالية: - في مثل هذا الشهر من العام 1860 أصدر الشاعر والروائي الشهير فكتور بك هيغو رواية (البؤساء). - نستمع الآن إلى قصيدة (دع عنك لومي) لصاحب السعادة أبي نواس.. تليها قصيدة (عيد بأية حال عدت يا عيد) التي أبدعها صاحب العزة أبو الطيب المتنبي!. - صدرت في أوائل هذا الأسبوع طبعة جديدة وصورة من (الكوميديا) الشهيرة لشاعر إيطاليا الأفخم الخواجا دانتي!. - ما أجمل الخواطر والمشاعر الواردة في ديوان (التأملات) لشاعر فرنسا الكبير الفونس باشا لامارتين!. - من حوالي خمسماية عام اكتشف الوجيه الإيطالي غاليليو أفندي أن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس!. - يعلم أبناء الأرض جميعاً أن اكتشاف اللاسلكي قد تم على يد العالم الإيطالي ماركوني آغا!!. - تعرض في هذا العام وفي أكثر من ثلاثين بلداً من بلدان الأرض مسرحية (روميو وجولييت) لصاحب المقام الرفيع، سوبر ستار الشعراء وليم بك شكسبير!. - حولت الدولة الفرنسية منزلاً بحي (مونبارناس) في باريس إلى موقع أثري ألحقته بمديرية الآثار، تخليداً لذكرى (الأستاذ) جبران خليل جبران الذي أقام في هذا المنزل يوم كان يدرس فن الرسم بباريس!. وفي موضوع غرامنا بالألقاب مما هو أقرب وأعجب، فاسمع واطرب: يعقوب بك: في إحدى المناطق اللبنانية أسرة (وجيهة) كل أفرادها بكوات بحيث يستحيل أن تسمع اسم أي من أفراد هذه الأسرة إلا مصحوباً بلقب (بيك) أيا كان الناطق بهذا الاسم، وأية كانت صلة القربى بين هذا وذاك، وفي كل الظروف والأحوال. من ذلك أن الأب عندما ينادي صغيره يوسف مثلاً يناديه قائلاً: ( يا يوسف بك) فيترك (يوسف بك) اللعبة التي يلهو بها ويجيب أباه قائلاً: (نعم يا خليل بك!!!). وقد يسأل الجد عن حفيده يعقوب، فتجيبه ابنته قائلة: (يعقوب بك رضع ونام في السرير!!). وتطغى نشوة العز على أفراد العائلة فيخلعون ألقاب التفخيم على ممتلكاتهم من الماشية والطيور.. فيسأل أحدهم زوجته عن البيك الرصاصي، أو البيك الهندي أو البيك الرومي -وهي جميعاً من فصائل الديوك- فتطمئنه زوجته إلى أن البيك الذي يسأل عنه (رابخ) في الحوش.. أو لاط في الخم!!.. عن مجلة المجلة العدد 1445- حكايات جورج جرداق |