الثقافة الإسلامية 4 كن أول من يقيّم
- في الفلسفة : كان أثر المسلمين في التفكير الفلسفي لأوربا عظيماً ، وكانت أسبانيا هي مركز تأثير الفلسفة الإسلامية على الفكر الأوربي الغربي؛ لأن أوربا لم تعرف فلاسفة الشرق إلا عن طريق الأندلس، حيث أشرف ريموند أسقف طليطلة على ترجمة أعمال الفارابي وابن سينا والغزالي وغيرهم. والعرب هم الذين حفظوا فلسفة كبار فلاسفة اليونان وعلى ما سطروه في كتبهم ولاسيما أرسطو، وأوصلوا هذا التراث إلى الغرب وهكذا فاتصال العقلية الأوربية الغربية بالفكر العربي هو الذي دفعها لدراسة الفلسفية اليونانية . وقد قرر روجر بيكون أن معظم فلسفة أرسطو ظلت عادمة الأثر في الغرب لضياع المحفوظات التي حوت هذه الفلسفة أو لندرتها وصعوبة تذوقها حتى ظهر فلاسفة المسلمين الذين قاموا بنقل فلسفة أرسطو وشرحها وعرضها على الناس عرضاً شاملاً. ومن فلاسفة الأندلس الذين كان لهم أعمق الأثر في الفكر الأوربي: ابن باجه ، وابن الطفيل، وابن رشد . ويعدّ ابن رشد الشارح الأعظم لفلسفة أرسطو، وكان أول من أدخل فلسفة ابن رشد إلى أوربا (ميخائيل سكوت) سنة 1230م . ولم يأت منتصف القرن الثالثَ عشرَ حتى كانت جميع كتب هذا الفيلسوف قد ترجمت إلى اللاتينية . ولم ينتصف القرن الخامسَ عشَر حتى صار ابن رشد صاحب السلطان المطلق في كلية بارو بإيطاليا والمعلم الأكبر دون منازع(6). ويبدو أثر ابن رشد واضحاً في خروج كثير من الغربيين على تعاليم الكنيسة وتمسكهم بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس المشاهدة والتجربة . وقد ظهر أثر آراء ابن رشد واضحًا في فلسفة القديس توما الأكويني (1125-1274م) حتى إن الفصول التي كتبها توما في العقل والعقيدة وعجز العقل عن إدراك الأسرار الإلهية ليست إلا مقابلاً لما كتبه ابن رشد في باب (فصل المقال )فيما بين الحكمة والشريعة ومن الاتصال، وبلغ تأثر توما بفلسفة ابن رشد أن كتاب (الخلاصة) لتوما يحوي بعض مذاهب إسلامية الأصل ، مما يثبت أن الأثر الذي تركه ابن رشد في عقلية الغرب لم يكن إلا لشروح كتابات أرسطو، وإنما كان أبعد وأعمق من ذلك بكثير(7). ويعد الفيلسوف الألماني المعاصر كانت Kant من أكبر تلاميذ ابن رشد. يقول جوستاف لوبون عن ابن رشد إِنه : كان الحجة البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، لما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473م أمر بتدريس مذهب هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو(8). وكان للفيلسوف الصوفي محيي الدين بن عربي (560هـ / 1164م – 638هـ / 1240م) أثر كبير في عقول النساك والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده . يرى الأستاذ آسين بلاسيوس الأسباني أن نزعات دانتي الصوفية وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محيي الدين بن عربي بغير تصرف كثير . ومن المعلوم أن أول الفلاسفة الصوفيين من الغربيين هو جوهان أكهارت الألماني، فقد نشأ في القرن التالي لعصر ابن عربي، ودرس في جامعة باريس، وهي الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم ، وأكهارت يقول كما يقول ابن عربي : " إِن الله هو الوجود الحق ولا موجود سواه ، وإن الحقيقة الإلهية تتجلى في جميع الأشياء ولا سيما روح الإنسان التي مصيرها إلى الاتصال بالله من طريق الرياضة والمعرفة والتسبيح ، وإن صلة الروح بالله ألزم من صلة المادة بالصورة ، والأجزاء بالكل ، والأعضاء بالأجسام(9). وقد اقتبس الفيلسوف المتصوف الأسباني – رايموندلول – من ابن عربي ولاسيما في كتابه (أسماء الله الحسنى)؛ لأنه كان يحسن العربية ، وعاش بعد ابن عربي بقرن واحد ، وجعل أسماء الله مئة ، وهي لم تعرف بهذا العــدد في الديانـــة المسيحية قبل ذاك . |