الثقافة الإسلامية 2 كن أول من يقيّم
ولم تكن هناك وسيلة لتعرف أوربا الفلسفة اليونانية إلا عن طريق الثقافة الإسلامية؛ لأن التراجم اللاتينية لأفلاطون وأرسطو لم تنقل أو تترجم من الأصل اليوناني مباشرة، وإنما أخذت من التراجم العربية، وأضيف إليها ماكتبه المعاصرون المسلمون مثل ابن رشد وابن سينا في الفلسفة الإسلامية . ثم ينتهي رينيه جينو بقوله :" هذا جزء من كل من أثر الثقافة الإسلامية في الغرب، ولكن الغربيين لايريدون أن يقولوا به؛ لأنهم لا يريدون الاعتراف بفضل الشرق عليهم، ولكن الزمن كفيل بإظهار الحقائق(3). وقد كان تأثير الثقافة الإسلامية على أوربا تأثيراً عميقاً في شتى نواحى الحياة وفيما يتصل بالمعارف والعلوم والفنون . 1- في الأدب : قامت صلة وثيقة بين طائفة من عباقرة الشعر في أوربا بأسرها ، خلال القرن الرابعَ عشرَ الميلادي وما بعده وموضوعات الأدب العربي والثقافة الإسلامية على وجه لايقبل التشكيك . ونخص بالذكر من هؤلاء بوكاشيو وبترارك ودانتي وهم من أعلام النهضة الايطالية ، وشسر الكاتب الانجليزي الشهير ، وسرفانيتس الأسباني ، وإلى هؤلاء يرجع الأثر والتأثير البارز في قيام النهضة الأوربية في أوربا . ففي سنة 1346م كتب بوكاشيو حكاياته التي سماها (الليالي العشرة)، وحذا فيها حذو ليالي ألف ليلة وليلة التي كانت منتشرة حكاياتها في مصر والشام ، وقد ضمن حكاياته مئة حكاية على غرار ألف ليلة وليلة ،وأسندها إلى سبع سيدات وثلاثة رجال من الذين اعتزلوا في بعض ضواحي المدينة؛ فراراً من مرض الطاعون . وفرضوا على كل منهم حكاية يقصّها على أصحابه في كل صباح لقضاء وقت الفراغ وقتل الملل ، وقد ملأت هذه الحكايات أقطار أوربا واقتبس منها الكاتب الإنجليزي) وليم شكسبير( موضوع مسرحية )العبرة بالخواتيم. كذلك اقتبس منها (ليسينج) الألماني مسرحية (ناتان الحكيم). وكان شوسر إِمام الشعر الحديث في اللغة الإنجليزية من أكبر المقتبسين من بوكاشيو في زمانه ؛ لأنه التقىاه حين زار إيطاليا ونظم بعد ذلك قصصه المشهورة باسم (قصص كانتربري). وكانت صلة دانتي(4) بالثقافة الإسلامية وثيقة؛ لأنه أقام في صقلية في عهد الملك فردريك الثاني، الذي درس الثقافة الإسلامية في مصادرها العربية الأصيلة . وقد لاحظ أحد المستشرقين أن الشبه قريب جدًا بين وصف الجنة في كلام الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي (1164-1240م) في مؤلفه الكبير (الفتوحات المكية( وأوصاف دانتي لها في الكوميديا الإلهية . وقد كان دانتي يعرف شيئاً غير قليل من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاطلع -على الأرجح - من هذا الباب على قصة الإسراء والمعراج ومراتب السماء ، ولعله اطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، واقتبس من كل هذه المصادر معلوماته عن العالم الآخر التي أوردها في الكوميدا الإلهية وأكبر القائلين بالاقتباس على هذا النحو هو عالم من أمة الأسبان انقطع للدراسات العربية : وهو الأستاذ آسين بالسيوس(5Asin Palacion ). وقد عاش بترارك في عصر الثقافة الإسلامية بإيطاليا وفرنسا ، ودرس العلم بجامعتي مونبلييه وباريس بفرنسا وكلتاهما قامتا على تلاميذ علماء المسلمين في الجامعات الأندلسية . أما سرفانتيس فقد عاش في الجزائر بضع سنوات وألف كتابه (دون كيشوت) بأسلوب لا يشك من يقرأه في اطلاع كاتبه على العبارات العربية والأمثال التي لاتزال شائعة بين العرب حتى هذه الأيام . وقد جزم برسكوت Prescott صاحب الاطلاع الواسع على تاريخ الأسبان بأن فكاهة (دون كيشوت) كلها أندلسية في اللباب . أما عن الشعر ، فقد قال دانتي إِنّ الشعر الايطالي ولد في صقلية بفضل الشعر العربي وبتأثير منه ، ولقد شاع نظم الشعر بالعامية في إقليم بروفانس في جنوب فرنسا ، وانتشر الشعر في ذلك الإقليم على يد الشعراء الجوالين الذين عرفوا باسم (التروبادور) . وواضح أن الأوربيين اشتقوا هذا الاسم من كلمة طروب العربية . وقد وجدت في أشعار الأوربيين بشمال الأندلس كلمات عربية وأشارات لعادات إسلامية . . |