وأهم من كتب عن تيماء واصفًا مبانيها وآثارها ومزارعها وسكانها الأستاذ الشيخ حمد الجاسر في كتابه ( في شمال غربي المملكة ) ومن قبله موسل وفلبي ، وقال فلبي: إن أبرز أسرها عندما زارها سنة 1371هـ/1977م أسرة آل رمَّان بن هتيمي التي تولت إمارتها من سنة 1281هـ/1864م إلى سنة 1369هـ/1950م .
وقد زرتها سنة 1398هـ/1977م وكنت حينها في طريقي إلى دمشق وكتبت عن تاريخها وآثارها ضمن كتابي ( المدن والأماكن الأثرية في شمال وجنوب الجزيرة العربية ) المطبوع بالرياض سنة 1404هـ/1984م ، واطلعت من آثارها على أطلال سورها وقصر زللوم وبئر هدَّاح .
والمدينة ذات شوارع ضيقة وتدل أحجار خرائبها الضخمة المتناثرة على أنها كانت مليئة بالعمران كما قال امرؤ القيس في شعره السابق ذكره .
ويطل عليها من الناحية الجنوبية الغربية تل مرتفع قال عنه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إنه بالنسبة لتيماء كجبل سَلْع للمدينة المنورة ، وحصن مرحب بالنسبة لخيبر (9) ويوجد بقمته ركام من الأحجار يسميه السكان قصر السموءل ، وتحكي المؤرخات العربية أن السموءل بن عاديا الذي عاش بالتاريخ الجاهلي كان له بتيماء قصر يسمى (الأبلق) وفيه قالت ملكة تدمر قولها المشهور:" تمرد مارد وعز الأبلق "، وذلك عند ما غزتهما وصعب عليها احتلالهما ، و ( مارد ) هو حصن دومة الجندل بشماليّ المملكة العربية السعودية .
وجاء في شعر الأعشى مادحًا شريح بن السموءل:
بالأبلق الفرد من تيماء منـزله
حصن حصين وجار غير غدَّار(10)
وزعم بعض المؤرخين أن السموءل كان إسرائيليًّا ، على دين موسى عليه السلام كما رأى البعض الآخر ومنهم الأستاذ حمد الجاسر أنه كان عربيًّا قحطانيًّا (11) ، وذهب بعض المستشرقين إلى أنه شخصية وهمية اخترعها أهل الأخبار لما سمعوا من أقاصيص مذكورة في التوراة . (12)
ولي بحث في الموضوع سبق أن نشر بجريدة الرياض ( العدد : 548 في 7 من رمضان 1403 هـ ) حول شخصية السموءل أوضحت فيه بالأدلة العلمية أن ( سموى إل ) اسم لقبيلة تيماء لورودها في عدة نقوش ثمودية تيماوية مجاورة لقبيلة ماسا ، نشرها البروفسر فريدرك وينيت في كتابه سالف الذكر . (13)
وأقول إنه لو صح وجود شخصية تسمى السموءل قد حكمت تيماء فهو دون شك عربي لا إسرائيلي ، لأنه يصعب على يهودي دخيل على بلاد العرب أن يتملكها وفيها ملوكها وزعماؤها وقبائلها ذات المنعة والقوة المشهورة عبر التاريخ .
وتتواتر الأخبار التي تفيد أن تيماء قد سكنها اليهود إلى جانب قبيلة طيئ العربية ، كما سكنوا غيرها من الأماكن الحجازية كخيبر والعلاء ويثرب ، وتفيد تلك الأخبار أنهم قد وفدوا إلى الحجاز في القرن الأول للميلاد عندما هاجم تيتوس الروماني أورشليم ، أما البعض الآخر فيقول إن فرارهم من فلسطين كان عندما احتل بخت نصر الملك البابلي فلسطين . (14 )
ومن الأماكن التي زرتها في تيماء وما حولها : قصر بن رمان أحد أمراء تيماء السابقين ، وقصر الرُّضَم وهو ملىء بالنقوش الثمودية التي سبق أن نسخها وصورها كل من هوبروفلبي ، ويقع بشمالها جبل غنيم وهو يرتفع عن سطح البحر 4000 قدم ، ويوجد فيه من النقوش الثمودية واللحيانية ما قد يكون أقدم من الكتابات السبئية والمعينة الموجودة في معين وصرواح ومأرب باليمن والمعروفة بالمسند والتي مرت بمراحل من التحسُّن والتطوُّر .
ويبدو من الآثار الموجودة على قمة هذا الجبل وصور الأصنام وأطلال المباني ومعبد ثمودي لصنم تيماء المسمى ( صُلم هجَّام ) وغير ذلك من الآثار ؛ أن حصنًا قد شيد على قمته لما يتمتع به من الحصانة والشموخ والاستراتيجية ومن يدري فقد يكون هو حصن ( الأبلق ) الذي يقول فيه السموءل :
لنا جبـل يحتـله مـن نجــيره
منيـع يرد الطـرف وهو كليل
هو (الأبلق) الفرد الذي شاع ذكره
يعـز على مـن رامه ويطـول
رسا أصله تحت الثـرى وسمـا به
إلى النجـم فرع لا يُنال طويل
ومطلع قصيدة السموءل:
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه
فكـل رداء يرتــديه جميـل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها
فليس إلى حسـن الثناء سـبيل
وهي طويلة وبليغة ولها شهرتها لدى مؤرخي الأدب العربي .
أحمد حسين شرف الدين