البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : اللغة العربية

 موضوع النقاش : العربية القديمة    قيّم
التقييم :
( من قبل 3 أعضاء )
 د يحيى 
19 - فبراير - 2008

سكان البلاد العربية الأقدمون واللغة التي كانوا يتكلمون بها وتطوراتها

محب الدين الخطيب
لقد كان من نصيب عصرنا الحاضر استنباط النظريات المعقولة والآراء المبنية قواعد علمية في السكان الأقدمين للبلاد التي تنطق الآن باللغة العربية ولا سيما في آسيا الغربية: فالعيلاميون والأثوريون والآراميون وبنو عامر وأنسالهم من القحطانيين وغيرهم؛ كل هؤلاء جالت في عروقهم دماء واحدة ، وتناسلت أدمغتهم وقلوبهم من أرومة واحدة ، وهي الأرومة السامية. وكانوا كلما بارك الله في عددهم يتوسعون في البلاد ، إلا أنهم ظلوا أبناء جنسية واحدة حريصة على أنسابها ، وأبناء بلاد واحدة لا تفصل بين قبائلهم فيها أرض أجنبية. وكلما انفردت طائفة منهم عن أختها زادت حاجات الزمان والمكان كلمات جديدة على لهجتها فافترقت بذلك عن اللغة الأولى ببعض المفردات وبشيء من صفات التلفظ بها ؛ ومع ذلك فإن مجموع لهجات هذه الشعوب السامية ظلت محافظة على أصلها الجامع بينها. فجميع هؤلاء السكان هم من دم واحد ، قد اتصلت أنسابهم ، وتجاورت مساكنهم ، واجتمعت أقطارهم ، وتشابهت لهجاتهم ، فليس ثمة من تفاوت إلا بمقدار ما يؤثر اختلاف الحاجات على مفردات تلك اللهجات ، واختلاف الأقاليم على ألوان البشرة ، كما هي الحال الآن في سكان هذه البلاد نفسها. سَمِّ هؤلاء الأقدمين من سكان البلاد العربية الحاضرة (ساميين) إذا شئت ، أو (عمالقة) إن أردت، أو بما ترى من الأسماء ، فالعناوين لا تغير الحقائق. ولكنك لا تستطيع بحال من الأحوال أن تنكر عليهم تلك الحقيقة الناصعة ، والقضية الثابتة المقررة ، وهي أنهم جميعاً أبناء أسرة واحدة ، متحدرة من أرومة واحدة ، ومتوطنة أو متنقلة في أقطار متصلة تتألف منها ساحة واحدة لا يفصلها على الخريطة فاصل غريب عنها. كذا شاء الله أن نكون: فنحن أمة واحدة إن لم يكن أبناؤها إخوة من أب واحد فهم عمومة يرجعون بعد ذلك إلى أصل واحد. وكذا شاء الله أن نكون: جيراناً نتلقّى عن خريطة بلادنا درس اتصالنا واجتماعنا في وطن واحد.وكذا شاء الله أن ننطق بلسان مهما تعددت لهجاته ـ قبل الأنبياء وبعد الأنبياء فإنه كان ولا يزال ابن لغة واحدة ، منذ وجدنا في أزل الآزال إلى أن نبيد في أبد الآباد. هذا شأن اللغة السامية الأولى أمّ لهجاتنا الغابرة في زمن النشوء ، وشأن لغتنا العربية الحديثة أمّ لهجاتنا الحاضرة في زمن النشور ، وهذا أيضاً شأن المتكلمين بهما من عصر البداية إلى دور التمام: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ! أتى على سكان الأوطان العربية ـ من شمالها إلى جنوبها ـ حينٌ من الدهر لم يكونوا ينطِقون بهذه اللغة العربية التي نتكلم بها اليوم ، ولا كانوا يعرفون اللغة السبأية ، ولا اللغة الآرامية ، التي تسمى أيضاً الكلدانية والسريانية ، ولا اللغة الفنيقية ، ولا شقيقتها العبرية ، ولا اللغة النبطية ، ولا شيئاً من اللغات المتفرعة عن ذلك كله. ولم يكونوا قد اخترعوا القلم المسند في اليمن ، ولا الخط المسماري في العراق ، ولا الهيروغليفي في مصر ، ولم يُوجِدوا الأبجدية الفنيقية ثم السريانية والعبرية والنبطية والصفوية في ربوع الشام.
كان أجدادنا في أقدم عصورهم يتكلمون بلغة واحدة انقرضت بجملتها لا بمفرداتها ، فلم يعد يتكلم بمجموعها أحد من ذراري أولئك الأجداد: إن المواد الاشتقاقية الأكثر مفردات هذه اللغة السامية الأولى لا تزال موجودة إلى يومنا هذا ، غير أنها متفرقة فيما تفرع عنا من اللغات ـ أو اللهجات ـ السامية ، سواء في ذلك ما بقي منها حيّاً نضيراً ـ وفي مقدمته لغتنا العربية الشريفة ـ وما انطوى خبره مع العصور الأولى فلم يعد يلفظ به إلا عند قراءة ما نقش منه على الأحجار والآثار.ولأجل أن يعرف جمهور الناطقين بالضاد كيف كانت أجدادهم واحدة ، ثم أوجدت بينها حاجات الزمان والمكان اختلافاً في بعض المسميات ، وتفاوتاً في صفات التلفظ بها ، إلى أن عادت اللغة العربية فحلت محل جدتها السامية ، في أنها اللغة العامة للجميع ؛ نورد لهم بعض الأمثلة القريبة المأخذ ، وهي تنطق بأفصح لسان دالة على مبلغ القرابة فيما بين اللغات السامية كما تدل على قرابة الأمم التي كانت تتكلم بها.خذ لك كلمة (أب) التي بمعنى الوالد ، فإنها من المواد الأصلية التي توجد في كل اللغات السامية ، وذلك مما يدل على وجودها في اللغة الأولى المنقرضة ، فورثتها عنها اللهجات التي تفرعت منها. وغاية ما في الباب أن لفظ (أب) يختلف قليلاً في بعض اللهجات عنه في البعض الآخر: فالمتكلمون بالآرامية العراقية كانوا يلفظون هذه الكلمة بألف مفتوحة بعدها باء مشدودة مفتوحة أيضاً وفي آخرها ألف ملساء. وهذا التشديد في حرف الباء عارض لتوالي الفتحتين. أما المتكلمون بالآرامية الشامية فليفظونها بألف ممدودة بعدها باء مخففة مضمومة وفي آخرها ألف ملساء أيضاً.
و(الأنف) في العربية والبابلية بلفظ واحد ومعنى واحد، وكذلك في العبرية والسريانية ، إلا أنها قد سقطت منها النون فيهما.و(العنب) في العربية والبابلية بلفظ واحد ومعنى واحد. وورد في العبرية والسريانية ساقطاً منه النون أيضاً.وكلمة (خنع) العربية ـ ومعناها خضع وذل ـ يقابلها عند الكلدانيين (كنع) بمعنى خزي. وهذا اللفظ نفسه كان العبريين والفنيقيين بمعنى ركع ووطئ ، ومنه (أرض كنعان)؛ أي الأرض السفلى ، يقابلها (أرض أرام) أي البلاد العالية. وبالعربية (الأرم) بمعنى الحجارة تنصب علماً في المفازة. وهذه المادة أخت (ورم) العربية أيضاً بمعنى انتفخ ، يقابلها بالعبرية والفنيقية (روم) بمعنى ارتفع.
وفي باب العدد كلمة (الثامن) بالعبرية ، فإنها باللغتين المصرية والفنيقية تلفظ (أشمون) أي الثامن. وكلمة (ثلاث) العربية فإنها بالسريانية (تلات) وبالعبرية (شلاش) ومثل ذلك كثير.
وعلى ذكر إبدال الثاء العربية بالتاء بالسريانية وبالشين في العبرية نقول: إن كلمة (الثدي) موجودة بمعنى واحد في عدة لغات سامية ، غير أن السريان يقولون( تدا) والعبريين يقولون (شدا) . وفعل (يثب) العربي ورد في السرياني بلفظ (يتب) وبالعبري (يشب) ولذلك يسمي العبريون الأثوريون (أشوريين) وقد يأتي في السريانية عكس ذلك أحياناً: عوضاً عن أن يبدلوا الثاء العربية تاء كما تقدم يبدلون التاء العربية ثاء ، ومن ذلك قولهم (أثا) بمعنى (أتى) أي جاء ، وقد ورد هذا اللفظ في الرسالة الأولى التي أرسلها بولس ـ حواري السيد المسيح عليه السلام ـ إلى أهل كورنتس في قوله (16 : 22) : (ماران أثا) .
وكان العرب يسمون يوم الجمعة (العروبة) وهو بالسريانية (عروبتا) وبلغة الأنباط (أربا). و(القسور) بالعربية يقابله بالفنيقية (قشور) أي قوي شديد .
ومن إبدال السين شيناً فعل (سأل) بالعربية فإنه ورد بالسريانية والعبرية بلفظ (شال). و(السبط ) بمعنى ابن الابن وابن البنت يوجد في العربية والمصرية القديمة ولغات سامية أخرى. قال العلامة أحمد باشا كمال رحمه الله عليه: إن هذه اللفظة وجدت في نصائح (بتاح حتب) ووجدت على جدران مقبرة (أمست) بمعنى ما جاءت له في العربية.و(صهر) بمعنى طبخ وأذاب وردت في اللغتين العربية والمصرية بمعنى واحد. و(البيعة) بمعنى المعبد في العربية. وردت في المصرية في ورق أبوت 1 10/16 المؤشر عليه برقم 10221 في متحف انكلترا وفسروها بمعنى الجبانة ، ولكن أحمد كمال باشا يرجح أنها بمعنى المعبد كما دلّ عليه السياق.ومادة (زبر) و(ذبر) و(سفر) كلها واحدة بمعنى كتب. قال أحمد كمال باشا : إنها قد تنوع لفظها في العربية وفي النصوص المصرية. قال : وهذا القلب والإبدال في الحروف له أصول متبعة في اللغتين المصرية والعربية ، والسبب فيه تعدد القبائل ولهجاتها.
وبالعربية (نسع) بمعنى ذهب في الأرض. وهذا الاشتقاق وارد في العبرية ، ومثله الفنيقي لفظاً ومعنى. وقد ورد في سفر التكوين (11 : 2) : « ولما نسعوا من المشرق وجدوا بقعة في أرض شنعارفأقاموا فيها ».واتفقت التوراة واللغة الكلدية على تسمية (الجبابرة) المعروفين بكبر الأجسام باسم (كبرو) أو (جيبور). ووردت كلمة الجبابرة في الأصل العبري من التوراة في آية التكوين بلفظ (نوفل) أو (نيفليم) . وهذه المادة تفيد في العربية الغنيمة والزيادة والشدة والعظم ، فالعرب تسمى البحر نوفلاً ، وتسمي بعض أولاد السباع نوفلاً ، قال ابن عباد: والنوفل الشدة.وإن اسم الفنيقيين أنفسهم عنوان صريح ، ودليل صحيح ، على ما بينهم وبين العرب وسائر الساميين من أواصر القرابة: فإن مادة (فنق) العربية تدل على معنى الترفه والتدلل ، ويقول العلامة الفاضل السيد يوسف دريان إن هذا الفعل جاء في اللغة الآرامية والعبرية شقائق اللغة الفنيقية . وهذا المعنى ـ أي الترفه والتدلل ـ ملازم لمعيشة أهل التجارة كالفنيقيين.و(قسا) من القسوة بالعربية ، وهو في السريانية والفنيقية والعبرية (قشه) بمعنى توعر وصَلُبَ وقسا ، ومنه (قاسيون) جبل دمشق المشهور.
وعلى ذكر (دمشق) نقول: إن لفظ (الدم) بالعربي موجود بلفظه ومعناه في السرياني والعبري والفنيقي. وكذلك كلمة (سقى) بالعربي تلفظ (شقه) باللغات السامية الأخرى. ويظنون أن من اجتماع لفظي (دم) و(شقه) يتركب اسم مدينة (دمشق) ، ويشيرون بذلك إلى حادثة قتل قاين (قابيل) أخاه هابيل وما يقال من وقوعها في دمشق. قال القديس (هيرونيم) في تفسيره لسفر عاموس (1 : 5) وفي زكريا (9 : 1) : « معنى دمشق : شراب الدم » .
وعلى ذكر قاين وهابيل ننقل عن تاريخ سورية للحبر العلامة يوسف الدبس (عدد 18) أن معنى كلمة (قاين) قنية وثمرة. وقد وردت في الكتابات القديمة في نينوى وبابل بمعنى من يقتني عبداً. وربما كانت منها كلمة (قن) بالعربية بمعنى الرقيق. قال: وفسر الربيُّون (هابيل) بمعنى البخار أو (الهبلة) بلغة العامة ، وبمعنى الباطل والغم والحداد ، وفي العربية (هبلته أمه) بمعنى ثكلته ، لأن مقتل هابيل كان لذويه علة الغم والحداد. وقال (أوبر Oppert) في كتابه (الدروس الآثورية : ص 35) : إن هابيل ربما كان مشتقاً من فعل (حبل) العربية فيكون بمعنى وليد. وإن (هابال) و(هيبال) و(أبال) و(هبلو) باللغة الأثورية بمعنى (ابن) . قال العالم (سيلام): « إن كل اللغات السامية أضاعت كلمة (هبلو) بمعنى إبن الأثورية » . ولفظ (حبل) العربي أخو لفظ (هبلو) الأثوري من حيث تلازمها المعنوي.
و(الرُّهام) في العربية بمعنى العدد الكثير ، و(راهام) بالعبرية والفنيقية ولغات أخرى سامية بمعنى الجماعة والجمهور ، ومنه اسم (ابراهيم) عليه السلام فإنه مركب من كلمتي ( أب رهام) ومعناه (أبو الجمهور) .وقد ورد اسم ابراهيم في القرآن في 69 موضعاً ، منها 33 بلفظ (ابراهام) بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان ، و36 موضعاً بلفظ (ابراهيم ) بالياء.
ومن الألفاظ التي لا تزال باقية في أكثر اللغات السامية ـ والعربية في جملتها ـ الألفاظ التي في بداية التوراة وهي (برا) بمعنى أوجد و(رواح) بمعنى الريح والروح القدس ، و(يوم) التي تدل على مدة من الزمن ؛ كأن هذه الألفاظ مشتركة في ألسنة أكثر السلائل السامية.
وهناك ألفاظ في بعض اللغات السامية ركبت تركيباً مزجياً بعد نحت أجزائها ، فصارت إلى شكل يظن الإنسان ـ قبل التأمل فيه ـ أنه ليس بينه وبين غيره من مواد اللغات السامية الأخرى علاقة اشتقاقية. مع أن الأمر على خلاف ذلك. ومن الأمثلة على هذا كلمة (عَدْمِش) السريانية بمعنى (حتى الآن) . فمن ذا الذي يظن أن لهذا اللفظ علاقة باللغة العربية؟
إن كلمة (عدمش) مركبة من أربع كلمات:
(عد) : بمعنى حتى
(م) : وهي مختصرة من (ما) الموصولة
(ش) : وهي منحوتة من (هاشعا) ، أما (ها) فحرف تنبيه وإشارة وأما (شعا) فمعناها (الساعة).
قلنا إن (عد) بمعنى حتى ، وهما حرفان متفقان في المعنى ومتقاربان في اللفظ. ومع ذلك فإن في العربية (عتى) وهي في لغة هذيل وثقيف بمعنى حتى. وقد نص القاضي البيضاوي وغيره في تفسير الآية 35 من سورة يوسف على أن قوله تعالى : « ليسجننه حتى حين » قرئ في بعض القراءات « عتى حين ». وفي النهاية لابن الأثير (مادة عتا) : وفي حديث عمر رضي الله عنه بَلَغَهُ أن ابن مسعود يقرئ الناس « عتى حين» يريد « حتى حين » فقال عمر رضي الله عنه: « إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل ، فأقرئ الناس بلغة قريش » ، كل العرب يقولون حتى إلا هذيلاً وثقيفاً يقولون عتى. انتهى
والكلمات الثلاث الأخرى وهي (ما) الموصوله و(ها) التنبيه والإشارة و(شعا) التي بمعنى ساعة مما لا يحتاج إلى بيان. فهذه الكلمات الأربع لما ركبت ونحتت ومزجت انتقلت إلى شكلها الغريب الذي أشرنا إليه.
**وبعد ، فهذا غيض من فيض: أوردناه على سبيل التمثيل فقط ؛ لأن هذا الموضع لا يتسع للبسط والإفاضة. أما استقصاء الموضوع على هذا النحو فلا يتيسر إلا لأهل الاختصاص في معرفة اللغات السامية الجديرة بأن يكون لها معجم لغوي لمقارنة الكلمات العربية بما يشاركها ـ من حيث الاشتقاق ـ في اللغات السبأية والفنيقية والعبرية والسريانية الشامية والسريانية العراقية والمصرية القديمة والحبشية والسقطرية ولغة الأنباط في جنوب فلسطين وسائر اللغات السامية.
وما أشد افتقار العربية إلى معجم مفصل كهذا المعجم ، تقارن فيه الكلمات المتشابهة في جميع اللغات السامية ؛ إذن لاستطاع الناطقون بالضاد اليوم أن يشاهدوا بأعينهم كيف أن لهذه اللغات السامية كلها أصلاً واحداً وهو السامية الأولى التي بادت. وحينئذ ينفتح باب جديد لوضع معجم عربي تحليلي تنكشف به عن مواد لغتنا الشريفة طبقات وأستار ما زالت تتراكم عليها منذ ألوف السنين فتحجب أسرار جمالها وجمال أسرارها.
ولعل القراء قد علموا مما تقدم أن اللغة السامية القديمة لم تضمحل من الوجود بإهمال أبنائها التكلم بها ، أو باضمحلال المتكلمين بها. وحكاية الواقع هي أن المتكلمين بها كان عددهم في بادئ الأمر قليلاً ، وكانوا أشبه بقبيلة واحدة تسكن منطقة غير واسعة وتتكلم بلغة واحدة ؛ فإذا مضت عليهم العصور تكاثروا وتشعبت من القبيلة الأولى قبائل متفرعة عنها تضيق بهم بلادهم ، فإذا مرّ عليهم وهم في هذه الحال نحو عشرة قرون هاجرت فئة منهم مبتعدة عن موطنها الأول إلى أن تحط رحالها في مكان تستطيبه ، وهناك تتوطن وتتناسل ، وتتبدع أسماء جديدة لمسميات جديدة لم تكن موجودة قبل نزوحها عن الموطن الأول ، فتكون الأسماء الجديدة خاصة بها دون قومها الأولين. ومن أعظم ما تتفاوت فيه الفروع اللغوية التي ترجع إلى أصل واحد تباينها في تركيب اللفظ الواحد من ألفاظ متعددة على طريقة المزج والنحت كما رأيت في وضع السريانيين كلمة (عدمش) لمعنى (حتى الآن). ولا ينكر تأثير الإقليم على اللهجة وكيفية النطق وصفة المنطق ، يضاف إلى ذلك تأثير لغة من يختلطون بهم من أهل الوطن الجديد بعد مجاورنهم لهم فيه. كل هذا مما يدعو إلى حدوث شيء من الاختلاف بين لغة الراحلين ولغة قومهم  المتخلفين في الوطن الأول. وكلما مضت عليهم عصور أخرى ازداد الإختلاف ولكن ليس إلى الحد الذي يخرج اللغة عن أصلها.
وربما عقدنا فصلاً في أحد الأعداد الآتية من (الزهراء) لهجرات الأمم السامية ، وتحقيق موطنها الأول ، والأوقات التي هاجرت فيها.
وإن ما قيل في لغات المهاجرين يقال في لغة المتخلفين ، فإن ما أدخلته الحاجة على اللغة السامية الأولى من الأسماء الجديدة للمسميات الجديدة ربما كان أكثر عدداً مما دخل من ذلك على اللغات المتفرعة عنها ، لأنها أعرق منهن في القدم ، وأشد منهن توغلاً في أودية المعاني ، وأرسخ منهن نظاماً في فنون البيان وضروب الفصاحة وأساليب اللغة وأدوات زينتها وبدائع حلاها.
فالإرتقاء التدريجي الذي انتهجت تلك اللغة الأولى سبيله عشرات الألوف من السنين أخرجها من شكلها الإبتدائي الذي كان فيه ، وأوصلها إلى مرتبة عالية من مراتب الجمال والكمال. ولذلك نقول: إن اللغة السامية الأولى باقية ولكن بمادتها ، وأنها اضمحلت من حيث الشكل الذي نظن أنه كان لها قبل زمن التاريخ.

مجلة الزهراء ، ج1 ، م1 ، المحرم 1343هـ [1924 م] ، ص 12 ـ 20 .

 1  2 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
عن بعض مصادر النقوش العربية (2)    كن أول من يقيّم
 

تيمـاء

لمحة تاريخية وآثارية
(تابع )
 
     وأهم من كتب عن تيماء واصفًا مبانيها وآثارها ومزارعها وسكانها الأستاذ الشيخ حمد الجاسر في كتابه ( في شمال غربي المملكة ) ومن قبله موسل وفلبي ، وقال فلبي: إن أبرز أسرها عندما زارها سنة 1371هـ/1977م أسرة آل رمَّان بن هتيمي التي تولت إمارتها من سنة 1281هـ/1864م إلى سنة 1369هـ/1950م .
     وقد زرتها سنة 1398هـ/1977م وكنت حينها في طريقي إلى دمشق وكتبت عن تاريخها وآثارها ضمن كتابي ( المدن والأماكن الأثرية في شمال وجنوب الجزيرة العربية ) المطبوع بالرياض سنة 1404هـ/1984م ، واطلعت من آثارها على أطلال سورها وقصر زللوم وبئر هدَّاح .
     والمدينة ذات شوارع ضيقة وتدل أحجار خرائبها الضخمة المتناثرة على أنها كانت مليئة بالعمران كما قال امرؤ القيس في شعره السابق ذكره .
     ويطل عليها من الناحية الجنوبية الغربية تل مرتفع قال عنه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إنه بالنسبة لتيماء كجبل سَلْع للمدينة المنورة ، وحصن مرحب بالنسبة لخيبر (9) ويوجد بقمته ركام من الأحجار يسميه السكان قصر السموءل ، وتحكي المؤرخات العربية أن السموءل بن عاديا الذي عاش بالتاريخ الجاهلي كان له بتيماء قصر يسمى (الأبلق) وفيه قالت ملكة تدمر قولها المشهور:" تمرد مارد وعز الأبلق "، وذلك عند ما غزتهما وصعب عليها احتلالهما ، و ( مارد ) هو حصن دومة الجندل بشماليّ المملكة العربية   السعودية .
وجاء في شعر الأعشى مادحًا شريح بن السموءل:
بالأبلق الفرد من تيماء منـزله
     حصن حصين وجار غير غدَّار(10)
     وزعم بعض المؤرخين أن السموءل كان إسرائيليًّا ، على دين موسى عليه السلام كما رأى البعض الآخر ومنهم الأستاذ حمد الجاسر أنه كان عربيًّا قحطانيًّا (11) ، وذهب بعض المستشرقين إلى أنه شخصية وهمية اخترعها أهل الأخبار لما سمعوا من أقاصيص مذكورة في التوراة . (12)
     ولي بحث في الموضوع سبق أن نشر بجريدة الرياض ( العدد : 548 في 7 من رمضان 1403 هـ ) حول شخصية السموءل أوضحت فيه بالأدلة العلمية أن ( سموى إل ) اسم لقبيلة تيماء لورودها في عدة نقوش ثمودية تيماوية مجاورة لقبيلة ماسا ، نشرها البروفسر فريدرك وينيت في كتابه سالف الذكر . (13)
وأقول إنه لو صح وجود شخصية تسمى السموءل قد حكمت تيماء فهو دون شك عربي لا إسرائيلي ، لأنه يصعب على يهودي دخيل على بلاد العرب أن يتملكها وفيها ملوكها وزعماؤها وقبائلها ذات المنعة والقوة المشهورة عبر التاريخ .
     وتتواتر الأخبار التي تفيد أن تيماء قد سكنها اليهود إلى جانب قبيلة طيئ العربية ، كما سكنوا غيرها من الأماكن الحجازية كخيبر والعلاء ويثرب ، وتفيد تلك الأخبار أنهم قد وفدوا إلى الحجاز في القرن الأول للميلاد عندما هاجم تيتوس الروماني أورشليم ، أما البعض الآخر فيقول إن فرارهم من فلسطين كان عندما احتل بخت نصر الملك البابلي فلسطين . (14 )
     ومن الأماكن التي زرتها في تيماء وما حولها : قصر بن رمان أحد أمراء تيماء السابقين ، وقصر الرُّضَم وهو ملىء بالنقوش الثمودية التي سبق أن نسخها وصورها كل من هوبروفلبي ، ويقع بشمالها جبل غنيم وهو يرتفع عن سطح البحر 4000 قدم ، ويوجد فيه من النقوش الثمودية واللحيانية ما قد يكون أقدم من الكتابات السبئية والمعينة الموجودة في معين وصرواح ومأرب باليمن والمعروفة بالمسند والتي مرت بمراحل من التحسُّن والتطوُّر .
 
     ويبدو من الآثار الموجودة على قمة هذا الجبل وصور الأصنام وأطلال المباني ومعبد ثمودي لصنم تيماء المسمى ( صُلم هجَّام ) وغير ذلك من الآثار ؛ أن حصنًا قد شيد على قمته لما يتمتع به من الحصانة والشموخ والاستراتيجية ومن يدري فقد يكون هو حصن ( الأبلق ) الذي يقول فيه السموءل :
لنا جبـل يحتـله مـن نجــيره
        منيـع يرد الطـرف وهو كليل
هو (الأبلق) الفرد الذي شاع ذكره
        يعـز على مـن رامه ويطـول
رسا أصله تحت الثـرى وسمـا به
        إلى النجـم فرع لا يُنال طويل
ومطلع قصيدة السموءل:
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه
        فكـل رداء يرتــديه جميـل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها
        فليس إلى حسـن الثناء سـبيل
وهي طويلة وبليغة ولها شهرتها لدى مؤرخي الأدب العربي .
     أحمد حسين شرف الدين
* من منشورات المجمع اللغوي العربي بالقاهرة
*ضياء
24 - فبراير - 2008
مراجع المقالة السابقة (تيماء : لمحة تاريخية وآثارية )    كن أول من يقيّم
 
1-     كحالة ، عمر رضا : جغرافية شبه جزيرة العرب ص 129 ط 2 مطبعة الفجالة الجديدة القاهرة 1384هـ/1964م .   
عاتق غيث البلادي : معجم معالم الحجاز : 2/72 دار مكة للطباعة والنشر والتوزيع 1399هـ/1979م .
2-             ياقوت الحموي : معجم البلدان : 4/70 .
الإصطخري : مسالك الممالك ص 22. جواد علي : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : 1/193 ، 1/93 ط 3 ، دار العلم بيروت 1980م .
أحمد أمين : فجر الإسلام ، ص 1 ، بيروت 1969م .
3-             أبو عبيد البكري : المسالك والممالك ص 93 نشر ذات السلاسل للنشر والتوزيع 1397هـ/1977م.
4-             الهمداني ، الحسن بن أحمد : صفة جزيرة العرب ص 395 ، منشورات اليمامة 1394هـ/1977م.
5-             خلاصة الوفا بمدينة المصطفى : ص 452 وما بعدها ، مطابع الجامعة - جدة 1403هـ/ 1974م .
6-     كانت تبدأ من دمشق فعمَّان فمعان فالعلاء فتيماء فالمدينة المنورة ، وقد توقفت في الحرب العالمية الأولى ، انظر ( الدولة العثمانية وغربي الجزيرة العربية) تأليف نبيل عبد الحي رضوان جدة 1403هـ/1983م .
7-     الدكتور عبد العزيز صالح : تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة ص22 مكتبة الإنجلو المصرية 1988م .
الدكتور السيد عبد العزيز سالم ص 57،دار النهضة العربية- بيروت 1971م.
8-             حتِّي ، فيليب : تاريخ العرب المطول : 1/49 ترجمة الأستاذ محمد مبروك نافع، القاهرة 1935 .
تاريخ الشعوب الإسلامية ص 98 ، بيروت 1948م .
ألويس موسل : شمال نجد ، Mosil, Aluis Northern Nejd P. 86.132.225 .
9- عبد القدوس الأنصاري ،: بين التاريخ والآثار ، ص 311 .
10- حمد الجاسر : في شمال غرب الجزيرة العربية ص 345 دار اليمامة بالرياض 1390هـ/1970م .
11- المصدر نفسه ص : 334 ، 337 .
12- جواد علي : المصدر السابق : 6/579 .
13- المصدر نفسه : 6/578 .
14- المصدر نفسه .
 
*ضياء
24 - فبراير - 2008
العاميات والفصحى    كن أول من يقيّم
 
هذا من المواضيع المحببة إلى نفسي، وهو بحر لا ينضب من المتعة اللغوية. وحاولت الإبحار في هذا البحر - ولست متخصصاً فيه - بدافع من المتعة في استنباط معاني الكثير من الكلمات المستعملة في اللغات العامية. وقد كتبت منذ فترة كلمة مختصرة عن بعض الظواهر اللغوية في العامية العراقية الجنوبية، اسمحوا لي إدراجها هنا. وأطلب من الأساتذة المتخصصين في هذا الشأن العذر، وليتهم يصححون لي ما قد يجدون من ابتعاد عن الصواب.
 
مرة اخرى عن اللهجة العراقية الدارجة
 
اللهجات المحلية هي نتاج تفاعل اللغات التي تحدثت بها الجماعات التي سكنت منطقة ما، وتحمل أصداء لغات الأقوام المتعاقبة. ويمكن القول بأن مختلف اللهجات المحلية العراقية (في الجنوب على الأخص)، هي عربية عامية بجذور آرامية وبابلية (أكدية)، مطعمة بتعابير وكلمات أصلها من اللغات السومرية والايرانية واللهجات الكردية والتركية والهندية وحتى الصينية. لكن اللغات ذات التأثير الرئيسي والمباشر هي الآرامية والأكدية، إذ نلمس حتى بقايا قواعد اللغة الآرامية في الكثير من الاستعمالات العامية.
حتى نقبل بما سبق، يتعين التأكيد على ما يلي:
أولاً، ، اللغة الأساسية لغالبية سكان بلاد ما بين النهرين (وشرق حوض المتوسط ومساحات من شمال الجزيرة العربية كذلك) عشية دخول الاسلام هي الآرامية، وهي لغة التفاهم بين مختلف الأعراق. ويمكن القول أن السريانية والمندائية وآرامية اليهود البابليم (التي تسمى التلمودية نسبة إلى التلمود البابلي، وهي من نفس جذر المندائية: آرامية جنوب العراق)، بالاضافة الى البابلية الحديثة هي فروع الآرامية التي غطت كامل بلاد الرافدين. ولوعدنا الى فترة الحكم الفارسي الأخميني، لرأينا أن الحكام الجدد، بعد قضائهم على الامبراطورية الكلدانية، استعانوا باللغة الآرامية فأصبحت لغة التفاهم في الامبراطورية المترامية الأطراف، ولغة الدبلوماسية مع الدول المجاورة. عندها تطورت اللغة الآرامية تلك وأصبحت تعرف بالآرامية الامبراطورية. كذلك تعقدت الخارطة الدينية، وكانت المسيحية واليهودية والمندائية والمانوية والمجوسية الزرادشتية هي الأديان السائدة في وسط وجنوب العراق الى جانب أديان اخرى أقل تأثيراً. فعلى سبيل المثال انتشر سكن الصابئة المندائيون في مناطق وسط وجنوب العراق، وحتى إلى الشمال من بغداد، حيث عثر على آثار ونصوص مندائية في مناطق تكريت وديالى، الى جانب مدن نفّر وبابل وميسان وغيرها من مدن الجنوب. ولا يمكن تناسي الكثير من القبائل العربية التي سكنت جنوب ووسط العراق، وتحدث قسم منها اللهجات العربية، واستعمل آخر الآرامية (مثل المناذرة وسكان الحضر والأنباط وجميعهم عرب).
ثانياً، لم تكن لغة القبائل العربية غريبة على سكان وادي الرافدين، فهي قريبة الى الآراميات ولذلك يعتقد الكثيرون أن سكان العراق لم يلقوا صعوبة في "اعتناق" العربية بعد اعتناق الاسلام. ومع ذلك نجد اشارات وفيرة الى أن الكثير من سكان الأرياف في العراق لم يتحدثوا العربية حتى بعد قرون من الحكم الاسلامي (الجاحظ في البيان والتبيين).
 
*ثائر
1 - مارس - 2008
العاميات والفصحى 2    كن أول من يقيّم
 
تتمة:
دخلت العامية العراقية (ولنركز على عامية الجنوب)، كلمات سومرية كثيرة، مثل الزنبيل، الكلمة التي وصلت بعيداً، حتى الى أثيوبيا. وجاءت كلمة عربية فصيحة هي "كرسي" من السومرية أيضاً. ودخلت كلمات مثل حانوت وملاّح (ملاح السفينة) وسكّان (مقود)، ونفط وكبريت، ونعناع وكراث وعنب، وغيرها الكثير من الأكدية الى اللغات الاخرى.
ومع ذلك فالثقل الأساسي في اللهجة العراقية الدارجة هو للغات الآرامية. يستعمل العراقيون كلمة زغيرون، فما هي قصتها؟ كلمة صغير العربية صارت زِغِير، وللتحبب صغّرت أكثر الى زغيّر (إزغَيّر، على عادة العراقيين في استخراج حروف علة ثانوية، وهي عادة آرامية أيضاً). لكن ذلك لا يكفي، بل استعملوا التصريف الآرامي للتصغير الواو والنون لتصبح الكلمة: إزغيرون، إيغالاً وإمعاناً في التصغير، كعادة العراقيين في المبالغة. وكل الأسماء المنتهية بالواو والنون (سعدون، حمدون، والاسم المندائي زهرون) هي على هذه الشاكلة، تصغير. ومقابل كلمة صغير نجد في اللغة الآرامية زعورا (في بلاد الشام على الخصوص). ولثمر الزعرور صلة بهذه الكلمة لصغره، وعند قلب الراء نوناً، وهو أمر يحدث كثيراً في الآراميات، نحصل على كلمة زعنون التي يستعملها البعض للدلالة على الشيء الصغير. وكلمة زعطوط المعروفة حتى في لغة مخطوطات البحر الميت (قمران) والتي تعني طفل أو صبي، يافع، هي من زعطا، زوطا وغيرها من أشكال كلمة صغير في الآراميات المختلفة، ومنها اشتقت كذلك كلمات مثل زيطا (الطائر المعروف في العراق) لصغر حجمه.
ودخلت كلمة رب، ربّا اللغة العربية من الأكدية عبر الآراميات، وهي تعني هناك كبير وسامي، جبار، مرتفع. وفي العامية العراقية نسمع كلمة مربرب أي سمين، وأصلها أرامي كذلك (وقد خُففت في المندائية الى مرورب، أي مُعظّم ومبجل، مثلاً في الكلام عند وصف الخالق)، وهناك الرابية والربية، لأنها بنيت على قمة مرتفعة. ويستعمل اليهود (وكذلك المندائيون) كلمة ربّي التي تقوم مقام الاستاذ أو الكاهن الأعلى مرتبة، أي الأكبر، والشيء ذاته يقال عن كلمة مُربّي العربية، فهي مشتقة من نفس الكلمة.
ونذكر أن السِيان، وهو بركة الماء الراكد الوسخ، هو كلمة آرامية تعني: الطين، ويقولون في المندائية لِبنا دِ سيانا، أي لِبنة من الطين، وهي إلى جانب القصب، مادة البناء الرئيسية في جنوب العراق لآلاف السنين.
والبعض من الأسماء المتصلة بالألوان آرامية الأصل، فالسمّاق ثمر النبات الذي يؤكل مع الكباب، جاء من سماقا-سموقا الآرامية، وتعني اللون الأحمر. والورقة تعود الى يوراقا، اللون الأخضر لون الأشجار، ومرض اليرقان مرتبط بهذا اللون أو قريبه الأصفر (يرقانا، ويسمى بالعامية كذلك أبو صفار). وتجيئ هنا كلمة هور وجمعها الأهوار، فهي من هوارا الآرامية-المندائية، وتعني اللون الأبيض. ويمكن فهم ذلك، عند تصور القصب والبردي وهو يزهر في الربيع، وعندما تنعكس أشعة الشمس على المساحات الشاسعة من الماء. والتعبير الثاني عن اللون الأبيض، لبن، هو الصيغة المشتركة في اللغات التي تسمى عنوة لغات سامية (والعلم الحديث يتحدث عن عائلة اللغات الأفروآسيوية).
*ثائر
1 - مارس - 2008
العاميات والفصحى 3    كن أول من يقيّم
 
تتمة:
وبمناسبة الحديث عن الأهوار وأهل الأهوار، فأن لهجتهم هي أقرب الى اللغة المندائية وآرامية جنوب العراق، وهم يستعملون تعابير مندائية كثيرة. وقد ذكر لي أحد سكان مدينة العمارة، أنه سمع "العُربيات" وهن يأخذن منتجات الألبان من لبن رائب (روبا) وقشطة (قيمر) الى السوق في العمارة، وقد استعملن تعبير "فرواه ماري"، وهو تعبير مندائي صرف يقابل الحمد لله (وماري تعني سيدي). وينبهنا بعض الكتاب الباحثين إلى الاهزوجة الجنوبية الشعبية "هاي وهوي وهيّه" التي هي في الأصل اهزوجة دينية توحيدية موغلة في القدم تعود إلى الفترة البابلية. ونقع على أثرها في الآراميات (ومنها المندائية) وهو: "هيا-هيو-يهيا" وتعني [الخالق] حيا يحيا سيحيا، أو كان ويكون وسيكون.
أخيراً نأتي على كلمة شروﮒ، شرﮔـاوي، فقد تشير إلى الشرق، (ومن الصعب نسبتها الى شروﭙـّاك، المدينة السومرية حسبما قرأت في مكان ما، فتشابه كلمتين في الصوت لا يعني شيئاً، مثل شكسبير والشيخ زبير). من جانب آخر، فإن تسمية المعدان (مفردها معيدي) قد يكون لها علاقة بكلمة الشرق فعلاً: فالكلمة الدالة على الشرق في المندائية مادنا (ونعرف أن حرف العين مفقود في اللغة المندائية، اسوة باللغة الأكدية الأم)، فهل جاءت كلمة معدان من هذه الكلمة؟
ختاماً لا يمكن نسيان تأثير اللغات الايرانية على لغات بلاد الرافدين في العصرين القديم والحديث، مع أن الكثير من المفردات اقتبستها اللغات الايرانية من الأكدية، وعادت بعد قرون ودهور لتدخل الى العربية ككلمات إيرانية، مثل كلمة فردوس (وقد استعملت في الآﭭستا الفارسية، وأصلها بابلي، كما دخلت لغات أوربية مثل اللاتينية واليونانية بعد أن اقتبسها اليهود فالمسيحيون).
*ثائر
1 - مارس - 2008
 1  2