البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1    كن أول من يقيّم
 د يحيى 
15 - فبراير - 2008
 
المحاضرات في اللغة والأدب
اليوسي
أجل آثار اليوسي التي تنيف على أربعين أثراً أدبياً ما بين رسالة وكتاب. وهي في كثير من فصولها أشبه بالرحلة، سجل فيها اليوسي تنقلاته ومشاهداته في بلاد المصامدة عام 1095هـ الموافق 1684م قال الشيخ عبد الحي الكتاني: (وكتابه المحاضرات عجيب في بابه، غريب في ترتيبه وأسلوبه، وكأنه في ترجمة نفسه، ألفه بسبب ما كان وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عبد القادر الفارسي رحمهم الله لما افتتح التفسير بالقرويين)
 
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثاً نافعاً، فأنبت به في قلوب عباده زهراً ناضراً وثمراً يانعاً.
زهر من العلم والعرفان مـؤتـلـق            في الطرس والنفس يستهدي بألـوان
وثمر يجـتـنـيه الأذكـياء بـتـش              مير ولا يجتنيه الـفـدم والـوانـي
للـه در كـرام فـاو فـائزهـــم          قدْماً بحلب درور منـه مـلْـبـان
وبابتنـاء مـبـان مـنـه سـامـية               لا يبتني مثلها في دهره الـبـانـي
هذا هو المجد في الدارين والشرف ال              محض الذي ما به في فضـل ثـان
"فاعكف عليه" مع الآناء مـعـتـنـياً         ولا يكن لك عن تـطـلابـه ثـان
واعلم بأنك لن تحظى بـصـهْـوتـه           حتى تجوز المدى في كـل مـيدان
ما لم تسنح علـيه كـلـمـا شـجـر             يرجى الجني منه أرضي وعَبْـدان
وتبذل النفس بعد المـال مـطـرحـاً           لكـل تـرفـيه أرواح وأبـــدان
وتغتـرب بـرهة فـي كـل آلـفة                من ذات قربى وأوطـان وإخـوان
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم.
أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر:
والليالي كما علمت حبالى            مقْرِبات يلدن كل عجيبه
 وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً              ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإن للعاقل على مرور الجديدين علماً جديداً حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك:
أراني حـيثـمـا أخـطُ           أجد ما لـم أجـد قـطُّ
وإن الدهر حبلـى كُـلّ         ما حين لـه سـقـط
لقد سـايرتـه طـفـلاً           إلى أن مسنـي وخـط
فلـم ينـفـك يشـتــد             على المرء ويشـتـط
ولم يأل إذا استـعـلـى         يوم الهون أو يسـطـو
له فـي كـل إذن مـن           بنـي أبـنـائه قـرط
وفـي كـل قـذال وس          مة بالنـار أو شـرط
وقد يحنـو ويسـتـأنـي        وقد يحبو لمن يعطـو
سمـاء ديمة تـأتـــي           بزهر زهرها رُقـط
فحمـر ومـصـفـر              وموفـور ومُـنْـقَـطُّ
ومـجـدود ومـحـروم          ومستعمل ومـنـحـط
ومـنـقـاد ومـعـوج            وكز الخلق أو سـبـط
قضاء مـبـرم مـمـن           إليه الحـل والـربـط
إلـهٌ أمـره الأمـــر             ومنه الرفع والـحـط
ومنه اليسر والـعـسـر                ومنه القبض والبسـط
له فـي كـلِّ مــا يومٍ           شؤون منه تـخـتـط
وذو الفهـم لـه عـلـم          جديد حيثمـا يخـطـو
ففكر واعتبـر تـعـلـم          علوماً دونها الضـبـط
وتدرك غير ما في الصح             ف يوماً خلد الـخـط
وسلم وأرض بالمـقـدو               ر لا يذهب بك السخط
ولا تبرم إذا الـمـولـى        يشدّ الحبل أو يمـطـو
فما ترجو من الرضـوا               ن أنْ تَرْضَى له شرط
 1  2  3  4  5 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه23    كن أول من يقيّم
 
واعلم أن الناس في هذا الباب ثلاثة: رجل كان أصيلاً ثم قام هو أيضاً يشيد بنيانه ويحوط بستانه، كالذي قبله، فهذا أكرم الناس وأولاهم بكل مفخر، وفيه كان قوله صلى الله عليه وسلم: "الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ" كما مرّ، والذروة العليا في هذا الصنف هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أصيلاً بحسب النبوءة من عهد إبراهيم وإسماعيل، ثم لم تزل أسلافه في شرف وسؤدد، ومجد مخلد، معروفاً ذلك لهم عند الناس، وأنهم أهل الحرم، وجيران الله، وسَدَنَةُ بيته، مع إكرام الضيف، وإعمال السيف، وغير ذلك من المفاخر العظام، والمآثر الجسام، وقد اختصهم الله بين العرب بالاحترام والتوقير، وجعل لهم رحلة الشتاء والصيف آمنين لا يعرض لهم لص ولا مغير، فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف كما أخبر به تعالى في كتابه، وذكر ذلك بعض بني أسد فقال:
زعمتهم أن اخوتكم قـريش          لهم إلف وليس لكـم إلافُ
أولئك آمنوا جوعاً وخـوفـاً           وقد جاعت بنو أسد وخافوا
أي أخطأتم في هذا الزعم، لأنكم لستم مثلهم، وقولهم: إلاف مصدر على فعال، يقال آلفته مؤالفة وإلافاً وتآلفاً، وليس من آلفته الشيء إيلافاً كالذي في القرآن.
ثم لما جاء المصطفى صلى الله عليه وسلم رد بدر شرفهم فجراً، وجدول كرمتهم بحراً، بل جعلهم قرار كل مجد، ومركز كل حمد، وقد أكمل به الله تعالى الدين، فكذلك أكمل به سائر المحامد والمحاسن، قال صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ لأتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلاقِ" وهو صلى الله عليه وسلم لبنة التمام، فشرفت به قريش خصوصاً والملة كلها عموماً صلى الله عليه وسلم، ومجد وعظم، وقد بين صلى الله عليه وسلم هذا كله مع الإشارة إلى التدريج السابق بقوله: "إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ ولدِ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ ولدِ إسْمَاعِيلَ بَني كِنَانَةَ، واصْطَفَى مِنْ بَنِي كنَانَةَ قُرَيْشاً، واصْطَفَى منْ قُرَيْشٍ بَني هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي منْ بَني هَاشِمٍ".
ورجل لا أصل له ينتمي إليه، ولا حسب يُعَرِّجُ عليه، ولكن انتهض في اقتناء المآثر، واقتناص المفاخر، حتى اشتهر بمحاسن الخلال، وصار في عداد أهل الكمال، وأنشد لسان حاله فقال:
وبنفسي شرفت لا جدودي
فهذا أحرى أن يشرف بوصفه وحاله، وأن يشرف به من بعده، وأن يكون هو أساس بيته، وعرق شجرته.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه24    كن أول من يقيّم
 
وكان بعض الملوك استدعى رجل ليستوزره، فقال له الرجل: أيها الملك إنه ليس لي في هذا سلف، فقال له الملك: إني أريد أن أجعلك سلفاً لغيرك، وأصاب هذا الملك، فإنه لو توقف كل بيت على بيت قبله لكان من التسلسل الباطل، فالله تعالى يخرج الحي من الميت ويحيي الأرض بعد موتها، ذلك تقدير العزيز العليم، فلم يزل الشرف يتجدد ويحدث بالعلم والولاية والجود وسائر الأوصاف.
وقد ارتفع الوضعاء بالشعر كما اتضع الرفعاء به، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ منَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةٌ" وفي رواية: "لَحُكْماً".
فمن الأول: المُحَلَّقُ وهو عبد العزيز بن حنتم الكلابي، وكان رجلاً خاملاً مُقَّلاً من المال، فلما مر به الأعشى ذاهباً إلى سوق عُكاظ قالت له أمه: إن أبا بصير رجل مجدود في شعره، وأنت رجل خامل مقل، ولك بنات، فلو سبقت إليه وأكرمته رجونا أن يكون لك منه خير، فبادر إليه وأنزله ونحر له وسقاه الخمر، فلما أخذت منه الخمر اشتكى له حاله وحال بناته، فقال له ستكفي أمرهن، فلما أصبح قصد إلى السوق فأنشد قصيدته التي أولها:
أرقت وما هذا السهاد المـؤرق              وما بي من سقم وما بي معشق
إلى أن انتهى فيها إلى قوله في المُحلَّق:
نفى الذمَّ عن آل المُحلَّـق جـفـنةٌ             كجابية السيح العراقي تـفـهـق
ترى القوم فيها شارعين وبـينـهـم          مع القوم ولدان مع النـاس دردق
لعمري لقد لاحت عـيون كـثـيرة             إلى ضوء نار في يفاع تـحـرق
تشب لمقرورين يصـطـلـيانـهـا               وبات على النار الندى والمحـلَّـق
وضيعَيْ لبان ثـدي أم تـحـالـفـا              بأسحم داج عَوْضُ لا نـتـفـرق
ترى الجود يجري سائراً فوق جمره                كما زان متن الهندوانـي رونـق
فما أتم القصيدة إلاّ والناس يسعون إلى المحَلَّق يهنونه، والأشراف يتسابقون إلى بناته، فما باتت واحدة منهن إلاّ في عصمة رجل أفضل من أبيها بكثير.
ومن ذلك بنو أنف الناقة، كانوا يتأذون بهذا الاسم ويكرهون ذكره، حتى تعرض بعضهم للحطيئة فأكرمه فمدحهم، وقلب الاسم مدحاً، وفي ذلك يقول:
سيري أمامُ فإن الأكثرين حصـاً              والأكرمين إذا ما ينسبـونَ أبـا
قوم إذا عقدوا عقداً لـجـارهـم                شاءوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا
أولئك الأنف والأذناب غـيرهـم               ومن يسوي بأنف الناقة الذنـبـا
فصاروا يفتخرون به ويتبجحون بذكره، فهذا كله شرف متجدد بسبب من الأسباب، وقد يزداد الشريف شرفاً بذلك كما وقع لهرم بن سنان المري فإنه كان من سادات قومه، ولكن أخوه خارجة بن سنان أسود منه وأشهر، فلما وقع لزهير من المدائح ما وقع في هرم ازداد شرفاً وشهرة حتى فاق أخاه في ذلك، بل لا يكاد اليوم أخوه يذكر، إلى غير هذا مما يكثر.
ومن الثاني بنو نمير، كانوا من جمرات العرب المستغنين بقوتهم وعددهم عن طلب حلف، وكانوا يفتخرون بهذا الاسم ويمدون به أصواتهم إذا سئلوا، إلى أن هجا جرير عبيد بن حصين الراعي منهم بقصيدته التي يقول فيها مخاطباً له:
فغضَّ الطرف إنك من نمير          فلا كعباً بلغت ولا كلابـا
ولو وضعت شيوخ بني نمير                على الميزان ما عدلت ذبابا
فسقطوا ولم يرفعوا بعد ذلك رأساً، حتى كانوا لا يتسمون بهذا الاسم، فإذا قيل للواحد منهم من أنت؟ قال: عامريّ.
ومن أظرف ما وقع في ذلك أن امرأة مرت بقوم منهم فجعلوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فالتفتت إليهم وقالت: قبحكم الله بني نمير، ما امتثلتم أمر الله إذ يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا منْ أبْصَارِهِمْ) ولا قول جرير إذ يقول:
فغضَّ الطرف إنك من نمير *....
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه25    كن أول من يقيّم
 
ومن ذلك بنو العجلان، كانوا يتفاخرون بهذا الاسم لأن جدهم إنما قيل له العجلان لتعجيله القرى للضيفان حتى هجاهم النجاشي فقلب الاسم ذماً، وفي ذلك يقول:
قُبَـيِّلَة لا يخـفــرون بـــذمة           ولا يظلمون الناس حَـبّة خـردل
ولا يردون الـمـاء إلاّ عـشــية                إذا صدر الوُرَّاد عن كلِّ منـهـل
تعاف الكلاب الضاريات لحومـهـم           وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
وما سمي العجلانَ إلاّ لـقـولـهـم             خذ القَعْبَ واحلب أيها العبد واعجل
 
فتنكروا من هذا الاسم، وجعل الواحد منهم إذا سئل يقول: كعبي مخافة أن يسخر منه ولهم معه في ذلك قصة مشهورة بين يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم قد يفيض شرف الإنسان حتى يستطيل على من قبله من سلفه فتَحْيا رسومهم بعدما كانت دائرة، وتعمر ربوعهم بعدما كانت غامرة، والذروة العليا أيضاً فيمن عاد شرفه على من قبله هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما مرّ شرحه.
وقد أشار إليه ابن الرومي بقوله:
قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم               كلاّ لعمري ولكن منـه شـيبـان
تسمـو الـرجـال بـآبـاءٍ وآونَةٍ                تسمو الرجال بأبـنـاءٍ وتَـزْدان
وكم أبٍ قد علا بابن ذُرى حسـب            كما علت برسول اللـه عـدنـان
وادعى هذا الوصف أبو الطيب فقال:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي              وبنفسي افتخرت لا بحدودي
أما شرفه هو في بابه فلا ينكر، وأما شرف قومه به فالشعر أعذبه أكذبه، وإلاّ فالحكم على الشيء فرع تصوره، نعم، كان من عادة العرب أنه إذا نبغ شاعر في قوم اعتزوا به، واحتموا عن الشعراء، فلو تحقق لأبي الطيب قوم لكانوا كذلك.
ورجل له أصل وقديم شرفٍ ثم لم يبنه ولم يجدده، وهو إما أن تخفى عوامله فلم يبن ولم يهدم، مع أنه بالحقيقة من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمراد أن يرجع إلى غمار الناس فلا يحدد المآثر، ولا يخرج إلى المعايب، فهذا لا فضيلة له إلاّ مجرد النسب والفخر العظاميّ كما مر، وإما أن يهدمه بملابسة ضد ما كان أولاً، فهذا بمنزلة من هدم الدار ثم حفر البقعة أيضاً فأفسدها، فهذا مذموم بما جنى على نفسه وبما جنى على حسبه ونسبه والذروة العليا في هذا الصنف اليهود والنصارى ونحوهم، فقد هدموا أنسابهم وأحسابهم بشر الخصال، وهو الكفر، نسأل الله العافية.
ومن هذا النمط من يخلف آباءه الصالحين بالفسق وكثرة الرغبة في الدنيا والكبر والدعوى وغير ذلك من القبائح كما هو شأن كثير من أولاد الصالحين في زماننا نسأل الله العافية، وفي هذا الصنف قيل:
لئن فخرت بآباء لهـم شـرف         لقد فخرت ولكن بئس ما ولدوا
وقال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافـهـم               وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب
وقال الآخر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهـم               والمنكرون لكل أمر منكـر
وبقيت في خَلْفٍ يزيِّن بعضُهم               بعضاً ليست مُعْوِرٌ عن مُعْوِرِ
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 26    كن أول من يقيّم
 
الرابع- قد يقال فيما ذكرناه من النسب: إنه من النسب الطويل وهو عيب ويذم بضده وهو النسب القصير قال الشاعر:
أنتم بنو القصير، وطولـكـم          باد على الكبراء والأشراف
والنسب القصير هو أن يقول: أنا فلان ابن فلان، فيعرف لكون أبيه أو جده الأدنى من الأعيان، والطويل هو ألاّ يعرف إلى رأس القبيلة.
والجواب أولاً أننا لم نذكر النسب افتخاراً حتى يعرض على هذا المقياس، وإنما ذكرناه لاحتياج إليه في المصالح الدينية والدنيوية عند أهله وثانياً أن كون الإنسان من الأعيان أمر إضافي كما مرّ أنه قد يكون من أعيان عشيرته أو قومه وهو الأغلب، وقد يكون من أعيان عمارته أو إقليمه أو جيله، وهو عزيز الوجود، ولا شك أن شرف الإنسان واشتهاره باعتبار عشيرته أو قومه إنما يعرف فيهم ولا يضيره ألاّ يعرفه غيرهم، لأن سادات العرب لا يعرفهم العجم، ولا العكس، وكذا فيما بين العرب غالباً، وقال الشاعر:
طويل النجاد رفيع العما              د ساد عشيرته أمردا
وقال الآخر:
ليس العبيّ بسيد في قومه           لكنّ سيد قومه المتغابي
ولم يخرج عن هذه الإضافة الملوك كما قال النابغة:
وللحارث الجفنيّ سيد قومـه         ليبتغين بالجيش دار المحارب
وقالت هند بنت عتبة رضي الله عنها لمن قال لها في ابنها معاوية رضي الله عنه: أرجو أن يسود قومه: ثكلته إن كان لا يسود إلاّ قومه، وذلك أنها سمعت قبل ذلك من الكهان أنها تلد ملكاً اسمه معاوية في قصة مشهورة.
إذا تقرر هذا فالمنتسب معروف النسب قصيره، بحمد الله في قومه، وهو من صميمهم، وإنما رفعه ليعرف على ما تشعب عنه من الفصائل والبطون، وليعرف انقطاعه عند دخول القرى وغير ذلك من الفوائد التي مرت.
وأما ذكري لما مرّ من الكنى فلجريانها على ألسنة فضلاء مع التفاؤل ورجاء تحقق ما له معنى منها.
 
 
أما أبو علي، وهو كنية الحسن المشهورة، فكناني بها شيخ الإسلام الإمام الهمام أستاذنا وقدوتنا أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي رضي الله عنه وعنا به.
وكنت وردت عليه في أعوام الستين والألف بقصد أخذ العلم، فامتدحته بقصيدة قدمتها بين يدي نجواني، فانبسط إليّ بحمد الله، وافتتحنا بكتاب التسهيل فلما قرأنا الخطبة دخل مسروراً فكتب إليّ:
أبا علي جزيت الخير والنعـمـا               ونلت كل المنى من ربنا قسمـا
يا مرحباً بك كل الرحب لا برحت            قرائح الفكر منك تجني حكمـا
ولم أزل بحمد الله أتعرف بركة دعائه وإقبال قلبه إلى الآن، نسأل الله تعالى أن لا يزايلنا فضله ورحمته حتى نلقاه آمين.
وقال ابن عمنا الفاضل البارع أبو سعيد عثمان بن علي اليوسي رحمه الله من أبيات:
نمسي عشية قيل مرّ أبو علي               مثل الرياح إذا تمرّ بأَثْـأَبِ
ولم يزل الشيخ رضي الله عنه يأمرني بذلك إلى أن توفاه الله في رسائله ومخاطبته وعند ذكري.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه27    كن أول من يقيّم
 
وأما البواقي فكناني بها فضلاء من الإخوان في رسائلهم: ونحوت في ذلك منحى السيد خير النساج وكان اسمه محمد بن إسماعيل، فلما وقعت عليه المحنة وألقي عليه شُبه خير مملوك لرجل نساج فقبض عليه وأدخله ينسج ويخاطبه بهذا الاسم، فلما كشفت عنه المحنة وخرج ترك هذا لاسم على نفسه، فقيل له: ألا ترجع إلى اسمك؟ فقال: ما كنت لأغير أو لأترك اسماً سماني به رجل مسلم.
واعلم أن لهذا السيد في التزام هذا الاسم المذكور أوجهاً منها: أنه تسليم لأنه شاهد فعل الله تعالى، فلما ألقى الله تعالى عليه الاسم لم يبق له اختيار في التعرض له.
ومنها: أنه يستشعر من مولاه تعالى أنه أدبه بجعله عبداً مملوكاً وتسميته باسمه، وضربة المحبوب تستلذ. ومنها: أنه يتذكر العبودية وذلتها، وهذه الطائفة قد صارت الذلة شرابهم ونعيمهم.
ومنها: أنه يذكر به العقوبة فيذكر الهفوة ليتحرر منها.
ومنها: أنه يبقى عليه الاسم ليبقى عليه ذكر الهفوة والعقوبة هضماً لنفسه وإرغاماً لها.
ومنها: التفاؤل بهذا اللفظ فإنه على أصله، وهو ضد الشر، وعلى أنه مخفف من التشديد فهو ذو الخير، وكيف أترك أنا كنية كناني به رجل من أفاضل المسلمين ولا سيما إن تضمنت معنى حسناً.
لله الأمر من قبل ومن بعد
رؤيا والد المؤلف ودعوة أستاذه
ولما كان القصد في هذا الموضوع إلى ذكر المحاضرات بنوادر الفوائد مما اتفق لي خصوصاً أو لغيري عموماً وجب أن ينخرط في سلك ذلك ما وقع في شأني حال الولادة لأنه أول الرحلة إلى هذه الدار مع ما انضاف إليه مما يكون له مصداقاً أو يرجى خيره ويذكر على وجه التبرك والتفاؤل أو التحدث بالنعم، وفيه مسرة المحب ومساءة البغيض فأقول: إني أرجو أن أكون إن شاء الله تعالى رؤيا والدي ودعوة أستاذي؛ أما رؤيا الوالد فاعلم أن أبي مع كونه رجلاً أمياً كان رجلاً متديناً مخالطاً لأهل الخير محباً للصالحين زَوّاراً لهم، وكان أُعْطِيَ الرؤيا الصادقة وأعطي عبارتَها، فيرى الرؤيا ويعبرها لنفسه، فتجيء كَفَلَقِ الصبح، وكان مما رأى وتواتر الحديث به عنه في العشيرة رحمه الله أن قال: رأيت عينيْ ماء إحداهما لي، والآخر لعلي بن عثمان، وهو والد ابن عمنا الأديب البارع أبي سعيد عثمان بن علي رحمه الله، غير أن عين علي كنا نسقي بها في بلدنا وعيني خرجت إلى ناحية أخرى.
وزعموا أنه قال: وكانت العين التي هي لي أقوى ماء وأكثر فيضاً ثم فسر ذلك بمولودين ينتفع بهما.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه28    كن أول من يقيّم
 
 فولد أبو سعيد المذكور فانتفع ونفع حتى مات رحمه الله، وظهر أنه العين المذكورة لأبيه، وولدت أنا أيضاً، وقد كان لي أخوان أسن مني فماتا أميين رحمهما الله، فأرجو أن أكون تلك العين، وقد اتفق خروجي عن البلد كما قال رحمه الله، وكنت بعد ذلك حين ارتحلت في طلب العلم إلى ناحية السوس الأقصى غيبت عن الوالد رحمه الله أعواماً لا يدري أين أنا؟ فلما قفلت حدثني رحمه الله فقال: لما ضقنا من غيبتك رأيت كأن الناس يتجارون خلف فرس أشقر ليقبضوه، فجئت إليه أنا فأمسكته بلجامه، فلما استيقظت قلت للناس: إن الحسن ابني سيأتي وأجتمع به فكان ذلك، والفرس الأشهب عند المعبرين اشتهار بشرف وذكر، وقد حصل لي ذلك بحمد الله، نسأل الله سبحانه أن يكمل ذلك لنا وله ولسائر الأحباب بالفوز يوم الحشر والرضوان الأكبر، بجاه نبيّه المصطفى المبعوث إلى الأسود والأحمر، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه المجلين في كل مفخر.
وأما دعوة أستاذي، وهو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فهي تلك بعينها، وكان من حديثي معه في ذلك أنه لما تهيأ للتشريق في حجته الثانية أرسل إلي في حاجة أقضيها له مما يتعلق بسفره ذلك، وأنا إذ ذاك بالزاوية البكرية، فقضيت ذلك بحمد الله وسافرت به إليه حتى بلغته، فلقيني بترحيب، ورأيت منه بحمد الله إقبالاً خارجاً عن المعتاد حتى إنه متى ذكرت ذلك إلى اليوم يغشاني خجل وإشفاق على نفسي، وأقمت معه حتى شيعته لوجهته إلى أن جاوزنا سجلماسة بمرحلة، فرجعت إلى داري، ولما كنت ببعض الطريق ألهمت الدعاء له فاتخذت الدعاء له بعد أوراد الصبح وردا، فلما قفل من الحج ذهبنا إليه لنسلم عليه، فخلوت به يوماً وجعلت أطلب منه وأطلب، فقال لي رحمه الله: أما الدعاء فإني في سفرتي هذه ما دخلت مقاماً ولا مزارة، ولا توجهت إلى الدعاء لأحد إلاّ جاء بك الله تعالى في لساني أولاً، ثم لا أدعو لك إلاّ بهذا الدعاء: اللهم اجعله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، قال: حتى كنت أتعجب في نفسي وأقول: سبحان الله! بماذا استحق هذا الرجل هذا؟ ولمل صنفت القصيدة الدالية في مدحه وتهنئته بالحج أدخلها إليه ولده الفقيه الناسك الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد فخرج إلي وقال: يقول لك الشيخ: جعلك الله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، وشمساً يستضيء بها أهل المشرق وأهل المغرب، وهذا اللفظ يحتمل الدعاء والخير، نسأل الله تعالى أن يحقق لنا نحن وللمسلمين ذلك آمين.
ومن هذا ما كلمه جماعة من فقراء العرب وأنا حاضر معهم فقال لهم يشير إليّ هذا شمسكم، هذا ضوءكم، وهذا كله أصرح مما حكى تاج الدين بن عطاء الله عن شيخه القطب العارف أبي العباس المرسي رضي الله عنهما قال: جاء الشيخ مرة من سفر، فلقيناه فدعا لي وقال: فعل الله لك وفعل، وبهاك بين خلقه قال: ففهمت يعني من قوله وبهاك بين خلقه أني مراد بالظهور إلى الخلق.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه29    كن أول من يقيّم
 
وأعلم أن مواطأة دعوة الشيخ رضي الله عنه لرؤيا الوالد، مع كونه لم يحضر لذلك ولم ينقل إليه، من عجيب الاتفاق. قد ذكرت هنا ما وقع في الحديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له: يا رسول الله عليه أخبرنا عنك فقال لهم: "أنا دعوة أبي إبراهيم عليه السلام، ورؤيا أمي".
تنبه أيها الناظر، فإياك أن يختلج بفهمك، أو يخطر بوهمك، أني أنزع بهذه الحكاية قصداً إلى المحاكاة، معاذ الله، فإن درجات الأنبياء لا تنبغي لغيرهم، ولا يصل أحد إلى مزاحمتها، فكيف بسيد الأنبياء؟ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وعلى آله وعلى آل كل ثم إياك أيضاً أن تتوهم أن لا نسبة ولا نسب ولا شبهة ولا شبه فتقع في الغلو من الطرف الآخر، وقد قال صلى الله عليه وسلم "خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا" ولا بد لهذا من تقرير فنقول: 
إن الله جل اسمه، وهو الذي لا مثل له ولا نظير، ولا شبه ولا وزير، قد شرع لعباده التعلق بأسمائه الحسنى، ثم شرع لهم أيضاً التخلق بها في الجملة حتى إذا علمنا مثلاً أن الله تعالى حليم انتهض العبد في التحلي بالحلم فيكون حليماً، كذا إذا علمنا أنه تعالى عليم أو وهاب أو صبور أو شكور انتهض العبد في الاتصاف بالعلم وبالجود وهكذا حتى يكون عليماً وهاباً ومعلوم أن حلم العبد ليس كحلم الله وهكذا، ولكن له به نسبة هي توجب قرب العبد من الله تعالى في المعنى ومن هذا حديث "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلىّ صُورَتِهِ" أي خلقه حيّاً عالماً قديراً، وليس كالجمادات والحيوانات العجماوات، وبهذا تأهل لأن يكون عبد الحضرة دونها.
ثم إن العباد المختارين يرضون لرضى الله، ويغضبون لغضبه، ويشتدون لأجله، ويلينون لأجله، وهكذا في سائر الأحوال و الأفعال، قال تعالى في أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم: (أشدّاءُ عّلى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وقال أيضاً: (أذِلّةٍ عَلى المُؤمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلىَ الكَافِرِينَ) وهو مسايرة ومشايعة في الأفعال والأحوال، وذلك شأن عبيد الملك، وإذا كان هذا في حق الله تعالى ففي حق الأنبياء أقرب وأيسر، فلا إشكال في صحة تعاطي أوصافهم وأخلاقهم وأفعالهم وسائر أحوالهم وإن لم تكن في ذلك مشابهة ولا مزاحمة للنبوءة، بل اتباع واقتباس وشبه توجب لصاحبها أيضاً القرب منهم، ولهذا قيل في الوارث: إنه من كان على قدم النبي صلى الله عليه وسلم أي متحققاً في الاقتداء به قولاً وفعلاً وحالاً، وقال صلى الله عليه وسلم: "الرُّؤْيّا الصالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَةٍ وترجمة ابن الجوزي أرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوءةِ" فقد علم من لفظ الحديث أن الرؤيا الواقعة من غير النبي لعموم لفظ الصالح قد أخذت بنسبة من النبوءة، فهي منها غير أنه لقلة النسبة لا تقع بها مزاحمة، وقال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: مثل ما أعطي الأنبياء مثل زق مملوء ماء أو عسلاً، ومثال ما أعطي الأولياء كلهم مثال قطرات تقطر من ذلك الزق، فانظر في هذا المثال فإن القطرات هي من ماهية ما في الزق قطعاً، ولكنها لقلتها جدّاً لا تقع بها مزاحمة، ولم يزل أهل الدين من العلماء العاملين والمجاهدين السالكين والواصلين العارفين يأخذون أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من أحوال الأنبياء عموماً وحال نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصاً، وهذا هو الشأن كله.
وقد يقع لهم مما هو في معنى الاقتباس والإشارة والتمثيل ما يزيد على هذا كما قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه لأبي عمران موسى ابن يدراسن الحلاّج حين توجه إليه: "فإن أمن العرب" فأنت موسى وأنا شعيب، وإن موسى لما بلغ شعيباً أمن.
ومن هذا ما وقع له رضي الله عنه في القرآن وقد دخل عليه رجل من أهل الإنكار والمصحف بين يديه فقال للرجل: ارفع المصحف وافتحه وانظر إلى أول ورقة منه فإذا فيها: (الّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ).
ومن هذا النمط كان رضي الله عنه يقول: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه30    كن أول من يقيّم
 
وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في شأن ابن عطاء الله الفقيه جد الشيخ تاج الدين: إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم ثقيف جاءه ملك الجبال فقال له: ما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، قال فكذلك صبرنا لجد هذا الفقيه لأجل هذا الفقيه يعني تاج الدين إلى غير هذا مما يكثر.
فما وقع من الحكاية بعد أن يكون قصد به اقتباس وضرب من المناسبة يكون كل شيء مما مرّ، وإلاّ فهو استطراد للعلم وتذكير بفائدة، وقد يقال على أنه مما مرّ، فأين منزلتك أي هذا المتشبع بما لم يعط من درجات الشيخين المذكورين ونحوهما حتى يصح منك ما صح منهم؟ فنقول: إذا انفصلنا من جانب النبوءة بخير فقد خرجنا عن مضيق الممتنع إلى فضاء لجائز، وهو رحب، ومن تشبّه بقوم فهو منهم كما قيل:
لم أكن للوصال أهلاً ولكن           أنتمُ بالوصال أطعمتموني
لله الأمر من قبل ومن بعد
تقلبات الدهر
 
 
كان الشيخ الصالح أبو محمد الحسين بن أبي بكر رحمه الله ينشدنا كثيراً تحريضاً على جميل الصبر، وتعريفاً بتقلبات الدهر، ونحن إذ ذاك صبيان قول الشاعر:
ثمانية تجري على الناس كلهم              ولا بد للإنسان يلقى الثمانيه
سرور وحزن واجتماع وفرقة               ويسر وعسر ثم سُقْمٌ وعافيه
ونحو قول أبي الطيب:
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة         وميْتٌ ومولـود وقـالٍ ووامـق
فهذه أحوال تعرض لابن آدم على التوارد، لا يسلم منها في الجملة، ولا تنحصر لبقاء العز والذل والقوة والضعف والحركة والسكون، وغير ذلك مما لا يحصى، وكثير منها يصلح رده إلى ما ذكر بضرب من التأويل، ولو اشتغلنا بتفصيل ذلك وشرحه لغة واصطلاحاً لطال واحتاج إلى ديوان وحده أو أكثر، فلنقتصر على الإجمال مع الإلمام.
فالأول وهو السرور والحزن فنقول: هما مترتبان على المحاب والمكاره، ومن المحبوب فوات المكروه ومن المكروه فوات المحبوب، والإنسان لا يخلو من أن يظفر بمحبوب فيسر به أو يفوت فيحزن، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم يوماً في البيت يعمل عملاً فنظرت إلى وجهه صلى الله عليه وسلم، وهو يتهلل أو كما قالت، فقلت يا رسول الله أنت والله أحق بقول أبي كبير، تعني الهذلي:
ومُبَرَّأٍ من كلِّ غُـبَّـر حـيضة          وفساد مرضعة وداءٍ مُغْـيِلِ
وإذا نظرت إلى أسِرَّة وجهـه                برقت كبرق العارض المتهلل
قالت: طرح ما في يدي وأخذني وقبل ما بين عيني وقال صلى الله عليه وسلم: يا عامر ما سررت بشيء كسروري بك. وقد ذكر القصة في الإحياء، وقال صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر، وقد قدم عليه جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه فعانقه: لا أدري بمَ أُسَرّ أبفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟ وقال صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم: "العَيْنُ تَدْمَع، وَالْقَلْبُ يَحْزَن، وَلا نَقُول إلاّ مَا يُرْضي رَبَّنَا، وإنّا بِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزونُونَ".
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه31    كن أول من يقيّم
 
ثم الإنسان في أيام دهره لا يكاد يخلو من سوء، فإن الدنيا دار بلاء ومحنة، ولا سيما في حق المؤمن الذي هي في حقه سجن، فقد قال الله تعالى: (وَلْنَبْلُوَنَّكُمْ حتّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ). وقال الله تعالى: (الم، أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلْيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا وَلْيَعْلَمَنّ الكَاذِبِينَ) وقال تعالى: (وَلْنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَمَرَاتِ) وقال تعالى: (لَتُبْلَونَّ في أمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَلْتَسْمعُنَّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَذِينَ أَشْركُوا أذى كَثِيراً) إلى غير ذلك.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أشَدَّكُمْ بَلاءً الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ".
وقال الشيخ أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه: أصلت لنفسي أصلاً فلا أبالي بعده، وهو أني قدرت أن هذا العالم كله شر، ولا يلقاني منه إلاّ الشر، فإن لقيني الخير فنعمة مستفادة، وإلاّ فالأصل هو الأول.
ومن غريب ما اتفق في هذا المعنى أن بعض الملوك نظر في كتاب الحكمة فإذا فيه: إن الدهر لا يخلو من المصائب، وإنه لا يصفو فيه يوم من كدر فقال: لأكذبن هذا. وأعد ليلة لسروره. وأحضر فيها كل ما يحتاج، وكانت عنده جارية حظية هي مجمع لذته، ومنتهى أنسه، فأحضرها لذلك، وأمر أن تصرف عنه الصوارف وتقطع عنه الأشغال ليتفرغ لمتعته وأنسه، ويقضي الأرب كله من هوى نفسه، فحين أمسى كان أول ما قرب للجارية العنب، فأخذت حبة وجعلتها في فيها فغصت بها، وكان ذلك آخر العهد بها.
فلم يرَ الملك أمرّ من تلك الليلة، ولا مصيبة ولا هما ولا حزناً أفظع مما فيها فسبحان القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
مقام الشكر ومقام الصبر عند الصوفية العارفين.
   هذا ومتى تأمل العبد أحواله، واستقرى عوارضه، وجد لطف الله تعالى أغلب، ونعمته عليه أوسع، قال تعالى: (الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) وقال تعالى: (وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصوهَا)، وفي الخبر: "يَقُولُ الله تَعَالَى: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبي".
ولا يشك العاقل أن أيام البلاء أقل من أيام العافية، وأوقات العسر أقل من أوقات اليسر وهكذا.
وقد قال الله تعالى في قصة آل فرعون: (فَإذَا جَاءتْهُمُ الحَسَنَة قَالُوا لَنَا هَذِهِ) الآية. ثم لا يخلو وقت من لطف، ولذا قال أئمة التصوف رضوان الله عليهم: العارف من عرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية.
ثم المؤمن كما في الحديث كله بخير، إن أصابه الخير شكر الله تعالى فكان له خيراً، وإن أصابه شر صبر فكان خيراً له.
وقال بعض العارفين: الناس كلهم في مقام الشكر، وهم يحسبون أنهم في مقام الصبر. وبيان هذا من أوجه: الأول- أن موجب الشكر وهو النعمة أغلب، والحكم للأغلب.
الثاني- أنه ما من شر وبلاء يصيب العبد إلاّ وفي مقدور الله تعالى من البلاء ما هو أفظع منه قد صرفه الله تعالى، فيجب الشكر على الاقتدار على ما وقع.
الثالث- ما يفيده البلاء من رياضة النفس وتشجيعها للنوائب وإخماد سَوْرَتِها والنجاة من طغيانها وما يجر إليه من البلاء ديناً ودنيا، وتربية العقل بتعريفه تقلبات الدهر وفتح البصيرة في الأمور وهذه الأوجه عامة في المؤمن وغيره.
الرابع- ما يحصل بالبلاء في الدنيا من مزيد المعرفة بالله تعالى وقهره وقوته وبطشه وفي الآخرة من الأجر العظيم.
الخامس- ما يحصل للنفس من الخشوع لخالقها والانفكاك عن المعصية.
السادس- سلامة ثوابه من شوب الرياء وما يفسده إذ لاحظ للنفس فيه فهو خير قد دخل عليها بلا تعمل، فالشكر عليه أحق، إلى غير ذلك من الفوائد التي يطول تعدادها، فمن علم ذلك كان البلاء عنده محل الشكر فصار في مقام الشكر على كل حال.
لله الأمر من قبل ومن بعد .
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه32    كن أول من يقيّم
 
الشجرة الخضراء
في المدينة الحالية: سجلماسة
كان بسجلماسة أيام ارتحلنا إليها للقراءة زمان الصبا شجرة يقال لها الشجرة الخضراء مشهورة في تلك البلاد وفي سائر بلاد القبلة، وهي قدر الزيتونة أو السدرة الكبيرة، وورقها يقرب من ورق السدر، وسبب شهرتها أنها غريبة الشكل دائمة الخضرة وغريبة في محلها لأنها في البلد وليست من شجر البلد، وهي منفردة ليس معها شجر أصلاً، وكانت نابتة خارج سور المدينة الخالية بينه وبين النهر قبالة الرصيف الذي يعبر عليه لناحية الزلاميط، ويقال: إن ذلك باب من أبواب تلك المدينة، والله أعلم.
ثم إن الأستاذ الفاضل أبا يزيد عبد الرحمن بن يوسف الشريف بعث إليها جماعة من الطلبة فقطعوها، وكان ذلك يوم الخميس، وكنت جئت من ناحية المراكنة ذلك اليوم قصداً إلى سوق الخميس، فلما بلغت إلى الشجرة وجدت الطلبة حين بلغوا إليها بقصد قطعها فقعدت حولها أنظر، فلما انفصل أهل السافلة من السوق وكانت طريقتهم كان كل من يمر فيراها تقطع يصيح ويتأسف ويقول: ما فعلت لكم المسكينة؟ وكان أهل سجلماسة لما استغربوا أمرها يزورونها، ولا سيما النساء، فيكثرون عليها من تعليق الخيوط ويطرحون الفلوس أسفلها، وربما تغالت النساء في تعظيمها والتنويه بشأنها حتى يسمينها باسم امرأة صالحة كالسيدة فاطمة ونحو ذلك، فلهذا أمر الأستاذ المذكور بقطعها وكأنه يرى أنها صارت ذات أنواط كما قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه، فذكرناها نحن للتنبيه على ذلك، فإن عوام الناس أكثروا عليها منذ عقلنا حتى كانوا ينسبون إليها من ترهات الأراجف نحو قولهم: قالت الشجرة الخضراء: هذا زمان السكوت، من قال يموت، فليعلم الناظر أنها إنما هي شجرة لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ومثلها أحق أن يقطع.
ومن هذا نسيت شجرة بيعة الرضوان حتى لم يثبت عليها الصحابة الذين كانوا تحتها فضلاً عن غيرهم، وذلك مخافة أن تعبد.
 وسمعت الفاضل الناسك البكري بن أحمد بن أبي القاسم بن مولود الجاوزي رحمه الله يحدث عن أسلافه أن شيخ المشايخ أبا القاسم الغازي رضي الله عنه ونفعنا به كان يقول لهم: إنه نزلت عليه القطبانية تحت شجرة ببلد أجاوز، فيقولون له: يا سيدنا لِمَ لمْ ترنا تلك الشجرة، فيقول خفت أن تتركوا السبع وتعبدوا النغورة أي مغارته أي يتركونه فلا ينتفعون به ويشتغلون بالشجرة.
وكانت بقرب تاغية مقام الشيخ أبي يعزي شجرة من أحجار يقال له: البقرة، وكل ذلك حقيق بالإزالة، غير أن العالِم سيفُه لسانُه، وما وراء ذلك إنما هو لأهل الأمر، ومن له قدرة على الأمر.
نعم، التبرك بآثار الصالحين مع صحة العقيدة لا بأس به، وله أصل في فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يدير راحلته حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم أدارها ويتحرى الأماكن التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم، وذلك مذكور في الصحيح وفيه قيل:
خليلي هذا ربع عزة فاعقـلا          قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكمـا               ذنوباً إذا صليتما حيث صلت
ورأيت في بلاد المصامدة وخصوصاً بلاد رجراجة من هذا كثيراً بقي عندهم موروثاً خلفاً عن سلف عندما يدورون على صلحائهم زائرين، ولما حضرت معهم في الدور في هذه السفرة التي بدأت فيها هذه الأوراق، وذلك سنة خمس وتسعين وألف لم أوافقهم في فعل كثير مما يفعلون من ذلك مخافة أن يتخذني العوام حجة فيتغالون في ذلك، ومع ذلك لم أخل نفسي من التبرك بأمور قريبة لا بأس فيها.
وفي بلاد المغرب مواضع اشتهرت بآثار الصالحين ووقع التغالي فيها، منها شالة في رباط سلا، فلا يعرف لها إلاّ أنها مزارة يزورها الناس ويتبركون بمن فيها، ولم يظهر فيها بهذا العهد إلاّ يحيى بن يونس، وهو مشهور عند الناس، ولا تعرف له ترجمة، وملوك بني عبد الحق، وهم معروفون، ولا بأس بهم، وكل ما يذكر فيها مما سوى ذلك ويوجد في بعض الأوراق المجعولة من الأخبار فلا يعرف له أصل ولا يعول عليه.
ومنها ميسرة في بلاد ملوية حيث مدفن الشيخ أبي الطيب بن يحيى الميسوري، ويقال لها تامغروات قد اشتهرت عند الناس، وتوجد فيها أخبار وأحاديث في الأوراق وألسنة الناس، وسألت عن ذلك بعض أولاد الشيخ المذكور وهو الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي طاهر عند نزولنا عليه فقال: ما ثبت عندنا في هذا الموضع إلا أنه كان رابطة لأسلافنا يتعبدون فيه، فقلت له: نعم الوصف هذا، فإن متعبد الصالحين حقيق أن يتبرك به، فهذا أيضاً غاية ما يثبت في الموضع وما وراء ذلك لا يلتفت إليه.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
 1  2  3  4  5