البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1    كن أول من يقيّم
 د يحيى 
15 - فبراير - 2008
 
المحاضرات في اللغة والأدب
اليوسي
أجل آثار اليوسي التي تنيف على أربعين أثراً أدبياً ما بين رسالة وكتاب. وهي في كثير من فصولها أشبه بالرحلة، سجل فيها اليوسي تنقلاته ومشاهداته في بلاد المصامدة عام 1095هـ الموافق 1684م قال الشيخ عبد الحي الكتاني: (وكتابه المحاضرات عجيب في بابه، غريب في ترتيبه وأسلوبه، وكأنه في ترجمة نفسه، ألفه بسبب ما كان وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عبد القادر الفارسي رحمهم الله لما افتتح التفسير بالقرويين)
 
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثاً نافعاً، فأنبت به في قلوب عباده زهراً ناضراً وثمراً يانعاً.
زهر من العلم والعرفان مـؤتـلـق            في الطرس والنفس يستهدي بألـوان
وثمر يجـتـنـيه الأذكـياء بـتـش              مير ولا يجتنيه الـفـدم والـوانـي
للـه در كـرام فـاو فـائزهـــم          قدْماً بحلب درور منـه مـلْـبـان
وبابتنـاء مـبـان مـنـه سـامـية               لا يبتني مثلها في دهره الـبـانـي
هذا هو المجد في الدارين والشرف ال              محض الذي ما به في فضـل ثـان
"فاعكف عليه" مع الآناء مـعـتـنـياً         ولا يكن لك عن تـطـلابـه ثـان
واعلم بأنك لن تحظى بـصـهْـوتـه           حتى تجوز المدى في كـل مـيدان
ما لم تسنح علـيه كـلـمـا شـجـر             يرجى الجني منه أرضي وعَبْـدان
وتبذل النفس بعد المـال مـطـرحـاً           لكـل تـرفـيه أرواح وأبـــدان
وتغتـرب بـرهة فـي كـل آلـفة                من ذات قربى وأوطـان وإخـوان
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم.
أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر:
والليالي كما علمت حبالى            مقْرِبات يلدن كل عجيبه
 وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً              ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإن للعاقل على مرور الجديدين علماً جديداً حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك:
أراني حـيثـمـا أخـطُ           أجد ما لـم أجـد قـطُّ
وإن الدهر حبلـى كُـلّ         ما حين لـه سـقـط
لقد سـايرتـه طـفـلاً           إلى أن مسنـي وخـط
فلـم ينـفـك يشـتــد             على المرء ويشـتـط
ولم يأل إذا استـعـلـى         يوم الهون أو يسـطـو
له فـي كـل إذن مـن           بنـي أبـنـائه قـرط
وفـي كـل قـذال وس          مة بالنـار أو شـرط
وقد يحنـو ويسـتـأنـي        وقد يحبو لمن يعطـو
سمـاء ديمة تـأتـــي           بزهر زهرها رُقـط
فحمـر ومـصـفـر              وموفـور ومُـنْـقَـطُّ
ومـجـدود ومـحـروم          ومستعمل ومـنـحـط
ومـنـقـاد ومـعـوج            وكز الخلق أو سـبـط
قضاء مـبـرم مـمـن           إليه الحـل والـربـط
إلـهٌ أمـره الأمـــر             ومنه الرفع والـحـط
ومنه اليسر والـعـسـر                ومنه القبض والبسـط
له فـي كـلِّ مــا يومٍ           شؤون منه تـخـتـط
وذو الفهـم لـه عـلـم          جديد حيثمـا يخـطـو
ففكر واعتبـر تـعـلـم          علوماً دونها الضـبـط
وتدرك غير ما في الصح             ف يوماً خلد الـخـط
وسلم وأرض بالمـقـدو               ر لا يذهب بك السخط
ولا تبرم إذا الـمـولـى        يشدّ الحبل أو يمـطـو
فما ترجو من الرضـوا               ن أنْ تَرْضَى له شرط
 1  2  3  4 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 13    كن أول من يقيّم
 
وقال الآخر:
وحبب أوطان الرجال إليهـم         مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتـهـم         عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
 وهذا المعنى كثير شهير. ومن الأسباب في ذلك أنها أول بقعة ذاق فيها النعمة وأول جهة ألف منها الرفق وآنس الإحسان، وفي الحديث: "جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبّ مَنْ أحْسَنَ إلَيْهَا" ولك في الحديث وجهان: أحدهما لطيف، وهو أن القلوب الطاهرة عن الهوى، الصافية من رعونات النفس، الزاهرة بأنوار المعرفة جبلت على حب الله تعالى لأنه هو المحسن إليها لا غير. والثاني ظاهري وهو أن القلوب من حيث هي جبلت على الميل إلى المحسن من حيث هو، ولا شك أن كل محسن دون الله تعالى لا أثر له، وإنما هو جهة يرد منها إحسان الله تعالى، ومع ذلك يحب، فكذا تربة الإنسان أول جهة ورد منها عليه الإحسان الإلهي، فيحبها قبل غيرها من الترب حباً متمكناً كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى          فصادف قلباً خالياً فتـمـكـنـا
وقال الآخر:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى             وحنينـه أبـداً لأول مـنـزل
ومن أسباب المحبة والحنين حب من كان فيها من ذوي القرابة والأحباب وتذكارهم عند تذكارها، وقد قيل: إن قوله صلى الله عليه وسلم في أحد: "جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ" إن المراد من كان فيه من الأصحاب كحمزة ومن معه رضي الله عنهم، وقال المجنون:
أمرّ على الديار ديار ليلـى            أُقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبـي          ولكن حب من سكن الديارا
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 14    كن أول من يقيّم
 
وقال الآخر يخاطب وطنه:
تقسم فيك الترب أهـلـي وجـيرتـي           ففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي
وهذا سبب ذكر الديار والمنزل والأوطان ولا ينحصر ما قيل في ذلك، وسنلم بشيء منه إن شاء الله في هذا الكتاب؛ ثم إذا انتسب إلى البلد ذهب قوه، وتنوسيت أسلافه، فصار النسب مجهولاً لا باعث على حفظه ولا حامل على تعرفه وهذا بخلاف أهل البادية فإنهم يحفظون أنسابهم إذ لا ملجأ لهم في الانتساب غير قومهم فيبقى الأب الأول محفوظاً وبحفظه وذكره ما بينه وبينهم من سلسلة النسب، وإنما كان ذلك فيهم لوجهين: أحدهما أنه لا قرار لهم في باديتهم فينتسبوا إليه، بل منازلها عندهم سواء. الثاني أنهم خالصون غالباً من كثير الشوب، فكل واحد غالباً ينازل قومه، إذ لا حاجة بهم إلى التمدن في باديتهم اكتفاء بالحاضرة، فكل حي فيها يعيشون وحدهم، ومتى خالطهم غيرهم لم يزل معروفاً بكونه ملصقاً، وقد يكون من القرى ما يكون كذلك، لانقطاعه عن الاختلاط وعدم التمدن فيمكنهم حفظ أنسابهم أيضاً.
ومن هذا حفظت قلايش أنسابها مع كونها في قرية، وكذا الخزرج في طيبة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكذا نحوها، وقد يكون في المدائن من يحفظ نسبه أيضاً، ولا سيما من له نسب مخصوص كالعلوية، أو من يكون في محلة منعزلة في المصر فيكون كالقرية السابقة.
الثالثة أن يعلم أن حفظ الأنساب ليس خصوصية للعرب وإن كان لهم مزيد اهتمام بها ومزيد ارتفاع الهمة، وكنت أنا قبل أن أخالط قومي أظن ذلك وأقول: إن العجم إنما هم كالمعزى ليس بين الأم وبين ولدها عهد إلاّ أن يرعى فيذهب حيث شاء، وأما الأب فلا سؤال عنه، فلما باحثت قومي في هذا ألفيت الأمر على خلاف ما كنت أظن، ووجدتهم يحفظون أنسابهم كما مر، وإذا فيهم نسابون يحققون الفصائل والشعوب على نحو ما كانت العرب تفعل في أنسابها، والوهن وإن كان يمكن أن يداخل شيئا من ذلك فليس بعجب، فإن غيرهم أيضاً ما كان يسلم من ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كَذَبَ النَّسّابُونَ". قَالَ تعالى: (وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلكَ كَثيراً) وكون هؤلاء أيضاً يكتفون بالقرى ويضيعون أَنسابهم فذلك غير مختص بهم، فقد وقع أيضاً للعرب حين دخلت قرى الشام والعراق ومصر والمغرب وغيرها، فلا تزال تلقى حلبياً أو حمصياً أو كوفياً أو بصرياً أو قرطبياً أو باجياً، وهو تميمي أو قيسيّ أو أزديّ أو غيره، وكثير منهم لا يرفع نسبه، وإنما قال سيدنا عمر رضي الله عنه ما قال قبل أن يقع هذا الواقع أو قاله خوفاً منه ثم وقع كما ظن.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 15    كن أول من يقيّم
 
ويتعلق بأمر النسب أبحاث: الأول: اعلم أن نسب الإنسان الأصلي هو الطين، قال تعالى: (وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسَانِ منْ طينٍ) وقال صلى الله عليه وسلم: "أنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وآدَمُ منْ تُرَابٍ". ويقال لآدم عليه السلام: عرق الثرى وأعراق الثرى، قال امرؤ القيس:  
                               
إلى عرق الثرى وشجت عروقي            وهذا الموت يسلبني شبـابـي
وهذا هو الأصل لجملته، ثم لكل فرد منه بعد آدم أصل آخر وهو النطفة، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ منْ سُلالَةٍ منْ مَاءٍ مَهِينٍ) فإذا استوى الإنسان كله في أنه من طين وأنه في الجملة من ماء مهين لم يمكن أن يكون له فضل في نفسه باعتبار أصله، ولا أن يكون لبعضه فضل على بعض بذلك، لاستواء الجميع، ولهذا نبه صلى الله عليه وسلم على هذا فقال: "إنَّ اللهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ غُبِّيَةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ منْ تُرَابٍ". ونبه الله تعالى الإنسان على أصله في آيات كثيرة ليتنبه فيعرف نفسه ويعرف اقتدار مولاه، وقال مولانا علي كرم الله وجهه: "ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة، وآخره جيفة". وقد يقال: أوله نطفة مذ، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، وعقد الشاعر الكلام الأول فقال:
ما بال من أوله نطفة         وجيفة آخره يفخر
وقال آخر:
عجبت من معجب بصورتـه          وأولـه نـطـفة مــذره
وفي غد بعد حسن صـورتـه         يصير في الترب جيفة قذره
وهو على عجبه ونـخـوتـه           ما بين رجليه تخرج العذرة "
نعم يشرف الإنسان بخصوصية تزاد على جسمه الطيني كالعقل والعلم والدين مثلاً فيثبت له الفضل ويثبت لبعضه على بعض، ولما عمي إبليس اللعين على الخصوصية، ولم يرَ إلاّ الطينية السابقة لم يرضَ بآدم ولا بالسجود له، ولم يسلم الأمر لمولاه، فأبى وصرح بأنه خير منه، وعلل ذلك بالمنشأ المذكور، فأخطأ من جهات: منها أنه إما يكون لا شعور له بالخصوصيات أصلاً، وإنما منظره ذوات الأجرام، وهذا جهل عظيم، وإما أن يشعر بها ولا يعرف أنها بها يقع التفاضل، وهذا أيضاً جهل، وإما أن يعرف ذلك ولكن لا يسلم وجودها في آدم فيكون قد بادر إلى إنكار الشيء قبل تحقق انتفائه، بل قبل التأمل، وهو أيضاً جهل وطيش وغفلة عن الإمكانات العقلية وتصرف الفاعل المختار تعالى، وإما أن يكون ذلك محتملاً عنده، فعمل على الانتفاء لا على الثبوت، وهو أيضاً جهل وزلل في الرأي وتضييع للاحتياط، وإهمال لدلالة القرائن المفيدة للعلم، فإنه لو تأمل أدنى تأمل لاستفاد الحق من ترشيحه للخلافة، فإنه لا يخفى عليه قول الله تعالى: (إنّي جَاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً)، ومن سجود الجمهور، ويد الله مع الجماعة، وإما أن يكون قد علم ذلك ولكن غلبه ما يجد من الحسد والكبر، فاشتغل بالمكابرة والمغالطة، وهذا أيضاً جهل، فإن العلم إذا لم ينفع كالعدم، ومن لا يجري على علمه في حكم الجاهل، هذا مع غاية النقصان بعد التزكية، وعدم ملك زمام النفس، نسأل الله تعالى العصمة، قال الله تعالى: (قَدْ أفلَحَ مَنْ زَكّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاها).
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 16    كن أول من يقيّم
 
ومنها أنه لم يخلص إلى صحيح العلم وصريح التوحيد فيعلم حق يقين، أو عين يقين، أو علم يقين أن للفاعل سبحانه أن يتصرف في مملكته كيف شاء، فيرفع من شاء، ويضع من شاء ويقدم من شاء ويؤخّر من شاء، ولا سَبب غير العناية الأزلية، وكل شيء بقضاء وقدر (لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُون).
ومنها أن ما اعتمده من فضل جرم النار على جرم الطين لا يسلم له، فإن فضل النار إن كان بمجرد حسنها الصوري فهذه المزية لا تكفي، فإن الأشياء خلقت للانتفاع بها، فما ينبغي أن يكون تفاوتها إلاّ بالمنافع أكثرية وأهمية، والحسن الصوري من المناظر النظرية، وغيره أهم منه، ففي النار منافع كالإحراق والإيقاد والإنضاج والتسخين والتحليل والتعقيد والتعذيب لمن أريد والتذكر ونحو ذلك، وفيها مفاسد كثيرة ومضار هائلة كالإحراق والإتلاف للنفوس والأموال والزرع والتنشيف والتيبيس والإيلام والعذاب الأكبر، وحسبك منها أنها ضرة الجنة وضدها حتى حصل بينهما من التقابل شبه ما بين النفع والضر، والعذاب وإن اشتمل على غير النار لكن النار أعظمه، ولذا صحَّ إطلاقها عليه.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه17    كن أول من يقيّم
 
وأما التراب فهو مهاد الإنسان وفراشه حيّاً، وكِفاتُهُ مَيتاً، ثم هو منبع الماء الذي به الحياة، ومنبت الزرع وجميع الأقوات للإنسان وغيره من الحيوانات، ومنبت العقاقير التي بها الاستشفاء، والمعادن التي بها قوام العيش، والتي بها التعامل، فمنافعه لا تحصى، وليس فيه من المفاسد والمضار إلاّ ما هو تافه يضمحل في جنب المصالح والمنافع، فهذا هو الشرف والفضل، وقد ظهر ما في كل منهما في فرعه، فانظر إلى فرع التراب الذي هو الرحمة والمنفعة وهو الإنسان كيف ظهر فيه العلم والدين والرحمة، قال تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم: (وكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحيماً)، وانظر إلى فرع النار التي هي النقمة والمضرة وهو إبليس كيف ظهر فيه الإفساد والإغواء والاستفزاز، والأمر بيد الله على أن الإنسان مخلوق من الاسطقسات الأربعة: التراب والماء والنار والهواء، قال تعالى: (...منْ تُرَابٍ...) وقال أيضاً: (...مِنْ طينٍ...) كما مرَّ، وهو التراب والماء، وقال تعالى أيضاً: (...منْ صَلْصَالٍ...) وهو الطين اليابس لما فيه من نارية، وقال أيضاً: (...منْ حَمَإٍ مَسْنُون...) وهو المتغير الرائحة بما تخلله من الهواء فقد استولى الإنسان في تركيبه ما في النار، وزاد ما في غيره، فافتخار صاحب النار على صاحب النار والماء والتراب والريح حمق عظيم.
وهذا المحل يسع من الكلام أكثر من هذا بكثير ولكنه ليس من غرضنا فلنرجع إلى ما نحن فيه فنقول: إن ابن آدم متى افتخر قيل له: إن كان افتخارك بأصلك فلا فخر لك بل كما يقال: ضعيف عاد بقرملة.
ثم لا فخر لك به على غيرك لأنكما سيّان، وإن كان بمزية فهاتها، فمن ثبت له أو لأبيه ثبت فخره بنفسه أو بنسبه وإلاّ فلا.
الثاني- اعلم أن ما أشرنا إليه من المزايا التي يتشرف بها الإنسان حتى يشرف بشرفه من انتسب إليه كثيرة، منها دينية كالنبوءة وهي أجلها، وكالعلم والصلاح ومكارم الأخلاق وغير ذلك، ودنيوية كالملك، وهو أعظمها، وكالنجدة والكرم والقوة وكثرة العدد وكثرة المال والجمال ونحو ذلك وكثير منها يصلح أن يكون دينياً ودنيوياً كالقوة والعز والكرم وسائر مكارم الأخلاق، وبعضها ديني ودنيوي معاً كالنبوءة والخلافة والعلم، وبعض ذلك حسي، وبعضه معنوي، وبعضه وجودي، وبعضه، وشرح ذلك يطول فلنقتصر القول مع تمثيل وتمهيد: أما التمثيل فهو أنه لو اعتبر رجلان متساويان في الخلق والخلق والنسب وسائر الأحوال فلا مزيّة لأحدهما على الآخر، وفي مثلهما قال علقمة بن علاثة للمتنافرين: صرتما كركبتي البعير الآدم، ولو اختص أحدهما بالفقه فهذه مزية وجودية يفضل بها الآخر، ولو اختص أحدهما بكونه ظلوماً فهذه مزية مذمومة عند أهل الشرع، وقد سلم منها الآخر، فله الفضل بمزية هي عدمية، وعند الجاهلية بعكس هذا، ولذا تأتى لشاعرهم أن يهجو بقوله:
قُبَـيَّلَةً لا يخـفـرون بــذمة             ولا يظلمون الناس حَبّة خردل
فقد فهمت المزية في الجملة.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه18    كن أول من يقيّم
 
وأما التمهيد فاعلم أن الأجرام الترابية وما توالد منها متشابهة في الأصل، وكانت المزية للناميات الثلاثة، وهي المعدن والنبات والحيوان، أما المعدن فله الفضل على سائر الأجرام الترابية بالنمو والنفاسة والانتفاع، وأما النبات فله الفضل على ما قبله بالنمو والإثمار والانتفاع الخاص وجود النفس النباتية، حتى أن المعدن جزؤه ككله، فينتفع بما يقطع منه، فهو في ذلك كغير النامي بخلاف الشجرة لو اقتطعت منها قطعة لم ينتفع بها الانتفاع المراد منها كالإثمار، فأشبهت الحيوان، وربما تموت بقطع رأسها كالنخلة، كما يموت الحيوان. وقد ادعى بعض المتكلمين أن للنبات حياة، وزعموا أن النخلة يتعشق بعضها ببعض فيميل إليه، وأما ميل عروقها إلى الماء فمشاهد، وزعموا أنه إلى هذا المعنى الإشارة بالحديث: "أكْرِمُوا عَمَّتَكُمْ النَّخْلَةَ" وهو حديث غريب، والذي في الصحيح أنها مثل المسلم، واختلف المحدثون في وجه الشبه على أقوال معروفة. وأما الحيوان فله الفضل بما ذكر مع زيادة الحياة والإحساس والإلهام، ويختص الإنسان عن جملته بزيادة العقل الذي هو محط إدراك الكليات والرأي والتصرف، فللإنسان الفضل على الجميع.
 
والإنسان لفظ واقع على آدم وعلى ذريته أبداً اسماً للقدر المشترك فيه، وهو الحيوان الناطق أي المتفكر بالقوة، والآدمي كله مشترك في هذه الفضيلة، ولذا سخر له غيره، وابتلي هو بالتكليف بمعرفة الخالق تعالى وبعبادته، وهذه مزية أخرى لجميعه، ولقد خصه الله تعالى في أرزاقه وفي خَلْقه وفي خُلُقه وفي لباسه وركوبه وغير ذلك بكثير، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمَنَا بَني آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ منَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثيِرٍ ممَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) وإنما قال تعالى: "... عَلَى كَثيرٍ..." لبقاء الملائكة على ما في ذلك من النزاع المشهور بين الجمهور.
لطيفة: كان بعض المخارفين يقول: نحن معشر المحرومين لسنا من ولد آدم لأن الله تعالى قد قال فيهم ما تقدم يعني الآية، وليس عندنا شيء من ذلك ويقول: كان لآدم عبد فنحن جميعاً من ولده، وليس بيننا وبين آدم نسب أصلاً قلت: وهذا دخل في أحاديث الخرافات والمضحكات الباطلة، والإنسان كله ابن آدم كما قال صلى الله عليه وسلم: "أنْتُمْ بَنُو آدَمَ..." والآية صحيحة على الجملة وصحيحة أيضاً على التفصيل لأن كل آدمي ولو بلغ في حرمان الرزق والفقر المدقع ما عسى أن يبلغ هو أفضل من سائر الحيوان ومن الجن بعقله وصورته الحسنة وانتصاب قامته وأكله بيديه معاً وسائر تصرفاته وتناوله من الطيبات التي لا تصل إليها الحيوانات ومتمكن من الركوب في البر والبحر إلى غير ذلك، فهو مكرَّمٌ أي تكريم، ومفضل أي تفضيل.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه19    كن أول من يقيّم
 
ثم إن أفراد الإنسان متفاوتون فيما ذكر من مزية العقل كثرة وقلة تفاوتاً عظيماً، وأعلاهم في ذلك الأنبياء ثم الصديقون ثم سائر الزاهدين في العرض الفاني، وأما أقلهم عقلاً فلا ينضبط وإن وقع التعبير عنه في كثير من كلام الأنبياء والحكماء، فقد انتهى بعض الأفراد إلى مزاحمة البهائم وما يقع من التعبير عنه يرجع إلى الإضافة.
ثم إن الله تعالى خص آدم وبنيه بمزايا أخرى دينية ودنيوية يمتاز بها البعض عن البعض لا مشتركة كالأولى، أعلاها في الدينية النبوة ثم الخلافة عنها في الظاهر أو الباطن أو فيهما أو في السياسة، وفي الدنيوية الملك ثم النيابة عنه، ومنها القوة وكثرة المال وكثرة الإنفاق واصطناع الصنائع وابتناء المآثر وكثرة العدد والفصاحة والصباحة ونحو ذلك من كل وصف محمود في الدين أو في الدنيا، فمن حصل له شيء من ذلك حصل له شرف على قدره، وثبت لولده عدّ ذلك في مفاخر أبيهم، وهو المراد بالحسب في لسان العرب، فكل واحد عندهم حسبه هو ما يعد من مفاخر آبائه، فهو من الحساب، ومن ليس له ما يعد فلا حسب له، فالخصلة الحميدة تكون مفخرة لمن اتصف بها ولمن انتسب إلى من اتصف بها فيشرف نسبه بذلك.
إذا علم هذا فنقول: إن آدم أبا البشر على نبينا وعليه السلام قد حصل له الشرف بالنبوءة وسائر الخصال الحميدة وبسجود الملائكة له وولادته للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا كله من المزايا فجميع بنيه شرفهم ومشروفهم ورشيدهم وغويهم يحصل لهم بالانتساب إليه شرف من هذا الوجه يفضلون به غيرهم ممن ينتسب إلى جني أو بهيمة، فلا تظن أن دابة لكونها لم تعص الله تعالى تكون أشرف من إنسان كافر أو فاسق إلاّ من هذا الوجه، وأما في النسب والحسب والصورة وغيرها فهو أشرف منها، ولذا يوارى إن مات ولا توارى هي، غير أن الافتخار بنسبة آدم قد تنوسي لطول العهد كما تنوسيت رحمه.
ومن أطرف ما وقع لسيدنا معاوية رضي الله عنه أن جاءه إنسان فقال له: أسألك بالرحم التي بيني وبينك إلاّ ما رفدتني فقال: أنت من عبد مناف؟ قال: لا. قال: أنت من قريش؟ قال: لا قال: أنت من العرب؟ قال: لا. قال: أي رحم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم فقال: رَحِمٌ مَجْفوَةٌ لأكونن أول من وصلها، فأعطاه.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 20    كن أول من يقيّم
 
ثم يتمايزون بعد ذلك، فمن كان من ولد نوح عليه السلام فهو أفضل نسباً من بقية ولد آدم لأن أولئك يعدون آدم وهؤلاء يعدون آدم ونوحاً، فإن كل ما يعده الأعلى يعده الأسفل ويزيد، فإن الأخص فيه ما في الأعم وزيادة، وهذا كما يقال في الحكمة في الأجناس المتوسطة والسافلة والأنواع الحقيقية والفصول: إن كل ما يتقدم به الأعلى يتقدم به الأسفل ويزيد، فالله تعالى قد قال: (إنّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْرَاهيِمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلى العَالَمِينَ) فمن انتسب إلى آدم ونوح فقد انتسب إلى مصطفين، ثم من كان من ولد إبراهيم بعد ذلك فهو أفضل من بقية ولد نوح لأنه يعد آدم ونوحاً وإبراهيم عليهم السلام، وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله حين قيل له: من أكرم الناس؟ "الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ: يوسف بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيّ ابْن نَبِيّ ابْن نَبِيّ" وكلامه صلى الله عليه وسلم موافق لقوله تعالى: "إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ". فإن الأنبياء هم أتقى الناس لأنهم أعلم، وإنما يَخْشَى اللهُ مِنْ عِبَاِدِه العُلَمَاءُ، فهم أكرمُ الناس، فمن انتسب إليهم كرم بنسبه إليهم وإن لم يكن نبياً، فكيف إذا كان هو أيضاً نبياً؟ فله الشرف الطارف والتليد، كيوسف عليه السلام، فصدق نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم أولاد إبراهيم عليه السلام يتفاوتون في الشرف أيضاً بقدر أنسابهم فمن ازداد بنبي أو نبيين أو أكثر ازداد درجة في الشرف، فأما أولاد إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام فلهم الشرف في الجملة غير أن الأسباط أولاد يعقوب بن إسحاق لهم الشرف الشامخ، والمجد الباذخ، فإنهم فازوا بثلاثة أنبياء على نسق، ثم جل الأنبياء بعد ذلك فيهم، وقد قال الله تعالى لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤتِ أحَداً مِنَ العَالَمِينَ) وقال تعالى: (يَا بَني إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتي الَتي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وأنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلى العَالَمِينَ) إلى غير ذلك، وأولاد العيص بن إسحاق لهم شرف دونهم، ولم يكن فيهم نبي فيما يقال غير أيوب عليه السلام، وأما أولاد إسماعيل بن إبراهيم فلهم الشرف بإبراهيم وإسماعيل أولاً، ثم استكملوا الشرف آخراً بسيد الوجود وسر الكائنات سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم إليه يساق حديث الشرف العِد وباسمه يرسم عنوان صحيفة المجد، فيه شرف من قبله كما به شرف من بعده، وقد كان آدم يكنى به تشريفاً له بأشرف أولاده فيقال: أبو محمد، وكما يشرف الولد بشرف الوالد قد يشرف الوالد بشرف الولد، ولله در ابن الرومي في قوله:
وكم أب قد علا بابن ذرى حسب             كما علت برسول الله عدنـان
وسنزيد هذا بسطاً إن شاء الله تعالى، فمن اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعده وهم الفاطميون أشرف الناس نسباً لأن غيره كبني إسرائيل وإن عد بكثرة الأنبياء فهو يعد بأشرف الأنبياء، والمنتسب إلى الأشرف يجب أن يكون أشرف، وهذا باعتبار النسب فقط، أما من حصلت له النبوة من بني إسرائيل فهو أشرف بذاته ممن ليس بنبي، إذ لا يعدل النبوءة إلاّ نبوءة أخرى. كما أن من كفر منهم فقد اختل نسبه، واضمحل حسبه، بالإضافة إلى من لم يكفر منهم، أما لو قيس هذا الكافر إلى كافر آخر قبطي أو نوبي أو نحوهما فالواجب أن يكون هذا أشرف نسباً، ولو قيس إلى مؤمن من هؤلاء لتعارض الوجهان، ولكن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وفي السيرة: قال المسلمون: هذا أبو سفيان وسهيل، وكان أبو سفيان لمّا يُسلِم، وقدموه لشرفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هَذَا سُهَيْلٌ وأَبُو سُفْيَانَ، الإسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعلى عَلَيْهِ" فانتبه لهذا الفصل فإني رمزته ولم أبسطه لأن بعضه موحش لمن لا فهم له.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 21    كن أول من يقيّم
 
وإذا علم تفضيل النسب والحسب في باب النبوءة فهم في غيرها كذلك كالعلم والصلاح والهداية والزهد والورع والملك والنجدة والجود وغير ذلك من كل ما يحتسب به ويصير به من عرف به عيناً من أعيان عشيرته أو قبيلته أو عمارته أو بلده أو جيله ويشرف به من انتسب إليه، ولم يخل الله تعالى قوماً من سيد "كما لم يخل هجمة من فحل، وبسادة الناس" تنتظم أمورهم، فهم خلفاء الله في عباده بالحكم التصريفي، ولذلك إذا فقدوا أو فقدت الأهلية منهم اختل الأمر كما قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم         ولا سِراة إذا جهالـهـم سـادوا
الثالث: الإنسان قد يفتخر بنسبه على ما مرّ، وقد يفتخر بنفسه أي بالخصال التي اتصف بها والدرجات التي نالها من الدين والدنيا، والأول هو الفخر "العظامي لأنه افتخار بالعظام والرفات، والثاني هو الفخر" العصامي. وهو مأخوذ من عصام صاحب النعمان، وكان يقول:
نفس عصام سودت عصاما
وعلمته الكرّ والإقداما
فكل ما جاءه السؤدد من تلقاء نفسه فهو مثل عصام هذا، ففخره عصامي.
والناس لم يزالوا مختلفين في هذا المنحى فقوم يعتنون في افتخارهم أو ثنائهم بذكر الآباء كقوله:
أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي         أبوه منذر ماء السـمـاء
وقول النابغة: وهو قائلها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، والبيتان فسرهما ابن السكيت فقال: "يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين الموضعين ليمضي أمره وليمسن من حاربه بشر، وليلتمسه حيثما كان".
لئن كان للقبرين قبر بـجـلـق         وقبر بصيداء الذي عنده حارب
وللحارث الجفني سيد قـومـه                ليبتغين بالجيش دار المحـارب
وقول حسان رضي الله عنه:
أولاد جفنة حول قبـر أبـيهـم         قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقول العرجي العثماني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا         ليوم كريهة وسِدادِ ثـغـر
كأني لم أكن فيهم وسـيطـاً           ولم تك نسبتي في آل عمرو
وقال الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلـهـم          إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
وقال النابغة لحسان رضي الله عنه حين أنشد:
لنا الجفنات الغُرّ يلمعنَ بالضحى            وأسيافنا يقطرن من نجدّةٍ دمما
ولدنا بني العنقاء وابن محـرق              فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابْنَما
إنك شاعر لولا أنك قلت: الجفنات فقللت العدد، ولو قلت: الجفان كان أبلغ، وقلت: يلمعن بالضحى ولو قلت: يشرقن بالدجى كان أبلغ، وقلت: يقطرن من نجدة ولو قلت: يجرين كان أبلغ، ثم افتخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فهذا مذهب العرب وهو الافتخار بالآباء، ولذا نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكرهه كما مرّ.
وقوم يفتخرون بأنفسهم، وهذا الوجه كثير أيضاً جداً، لأنه طبع الآدمي لا يكاد يسلم منه ولا يحصى ما فيه من كلام الناس نظماً ونثراً ولا حاجة إلى التطويل.
ومن أفصح ما ورد في هذا النحو قول السموأل في لاميته المشهورة منها:
إذا المرء لم يدنَس من اللؤم عرضُه                فكـل رداء يرتـديهِ جـمــيلُ
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها               فليس إلى حسن الثنـاء سـبـيل
تعـيرنـا أنـا قـلـيل عـديدنــا           فقلت لها: إن الـكـرام قـلـيل
وما ضر من كانت بقاياه مثـلـنـا             شباب تسامى للـعـلا وكـهـول
تسيل على حد الظبّات نفـوسـنـا             وليست على غير السيوف تسـيل
وإنا لقوم ما نرى الـقـتـل سُـبّة              إذا ما رأته عـامـر وسَـلـول
إلى أن قال:
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه22    كن أول من يقيّم
 
وننكر إن شئنا على الناس قولهم           ولا ينكرون القول حين نقـول
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم           وليس سواء عالـم وجـهـول
فإن بيني الديّان قُطْبٌ لقومـهـم              تدور رحاهم حولهم وتـجـول
ومثل هذا النمط من الكلام فيه افتخار بالنفس وبالآباء أيضاً لأن المقصود أنهم على هذا الوصف كابراً عن كابر وقول الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذّمار وإنمـا               يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وغير ذلك. ثم كثير من الناس لا يلتفتون إلى النسب ولا يقيمون للمفتخر به وزناً كما قال الحريري:
لعمرك ما الإنسان إلاّ ابن يومـه             على ما بدا من حاله لا ابن أمسه
 
وما الفخر بالعظم الرّميم وإنما              فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وقال الآخر:
كن ابن من شئت واتخـذ أدبـاً                يغنيك محمدة عن النـسـب
إن الفتى من يقـول: هـأنـذا          ليس الفتى من يقول: كان أبي
إلى غير ذلك مما لا ينحصر.
والحق أن كرم النسب فضيلة قال تعالى: (وكان أبُوهُما صَالِحاً) وقال صلى الله عليه وسلم في بنت حاتم: "إنَّ أبَاهَا كَانَ يُحِب مَكَارِمَ الأخْلاق". ووصفُ الإنسان وسعيُه هو الشأنُ، والنسبُ زيادة، فإلغاء النسب رأساً جور، والاقتصار عليه عجز، والصواب ما قال عامر بن الطفيل:
وإني وإن كنت ابن سـيد عـامـر             وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عـامـر مـن وراثة              أبى الله أن أسـمـو بـأم ولا أب
ولكنني أحمي حمـاهـا وأتّـقـي               أذاها وأرمي من رماها بمنكبـي
فقوله: "وإن كنت ابن سيد عامر" تعريض بالنسب وإعلام بمكانته منه، وقوله: "أبى الله أن أسمو بأم ولا أب أي فقط دون شيء يكون مني ليوافق ما قبله فمراده أني لا أكتفي بالنسب وأخلو عن استحصال الحمد وابتناء المجد.
ومثله:
لسنا وإن أحسابُنا كرمـت            يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانـت أوائلـنـا              تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقال الآخر:
أنا الفارس الحامي حقـيقة وائل             كما كان يحمي عن حقائقها أبي
وقال زهير:
وما يكُ من خير أتوه فإنـمـا         توارثه آباء آبائهـم قـبـل
وهل يُنبتُ الخطِّيُّ إلاّ وشيجه                وتغرس إلاّ في منابتها النخل
وقال الملك الراضي من ملوك بني العباس:
لا تعذلي كرمي على الإسراف               ربح المحامد متجر الأشراف
أجري كآبائي الخلائف سابقـاً                وأشيد ما قد أسَّسَتْ أسلافـي
إني من القوم الذين أكـفّـهـم         معتادة الإخلاف والإتـلاف
فهذا وأبيك الفخر العلي البنيان، المتأسس الأركان.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
 1  2  3  4