البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1    كن أول من يقيّم
 د يحيى 
15 - فبراير - 2008
 
المحاضرات في اللغة والأدب
اليوسي
أجل آثار اليوسي التي تنيف على أربعين أثراً أدبياً ما بين رسالة وكتاب. وهي في كثير من فصولها أشبه بالرحلة، سجل فيها اليوسي تنقلاته ومشاهداته في بلاد المصامدة عام 1095هـ الموافق 1684م قال الشيخ عبد الحي الكتاني: (وكتابه المحاضرات عجيب في بابه، غريب في ترتيبه وأسلوبه، وكأنه في ترجمة نفسه، ألفه بسبب ما كان وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عبد القادر الفارسي رحمهم الله لما افتتح التفسير بالقرويين)
 
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثاً نافعاً، فأنبت به في قلوب عباده زهراً ناضراً وثمراً يانعاً.
زهر من العلم والعرفان مـؤتـلـق            في الطرس والنفس يستهدي بألـوان
وثمر يجـتـنـيه الأذكـياء بـتـش              مير ولا يجتنيه الـفـدم والـوانـي
للـه در كـرام فـاو فـائزهـــم          قدْماً بحلب درور منـه مـلْـبـان
وبابتنـاء مـبـان مـنـه سـامـية               لا يبتني مثلها في دهره الـبـانـي
هذا هو المجد في الدارين والشرف ال              محض الذي ما به في فضـل ثـان
"فاعكف عليه" مع الآناء مـعـتـنـياً         ولا يكن لك عن تـطـلابـه ثـان
واعلم بأنك لن تحظى بـصـهْـوتـه           حتى تجوز المدى في كـل مـيدان
ما لم تسنح علـيه كـلـمـا شـجـر             يرجى الجني منه أرضي وعَبْـدان
وتبذل النفس بعد المـال مـطـرحـاً           لكـل تـرفـيه أرواح وأبـــدان
وتغتـرب بـرهة فـي كـل آلـفة                من ذات قربى وأوطـان وإخـوان
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم.
أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر:
والليالي كما علمت حبالى            مقْرِبات يلدن كل عجيبه
 وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً              ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإن للعاقل على مرور الجديدين علماً جديداً حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك:
أراني حـيثـمـا أخـطُ           أجد ما لـم أجـد قـطُّ
وإن الدهر حبلـى كُـلّ         ما حين لـه سـقـط
لقد سـايرتـه طـفـلاً           إلى أن مسنـي وخـط
فلـم ينـفـك يشـتــد             على المرء ويشـتـط
ولم يأل إذا استـعـلـى         يوم الهون أو يسـطـو
له فـي كـل إذن مـن           بنـي أبـنـائه قـرط
وفـي كـل قـذال وس          مة بالنـار أو شـرط
وقد يحنـو ويسـتـأنـي        وقد يحبو لمن يعطـو
سمـاء ديمة تـأتـــي           بزهر زهرها رُقـط
فحمـر ومـصـفـر              وموفـور ومُـنْـقَـطُّ
ومـجـدود ومـحـروم          ومستعمل ومـنـحـط
ومـنـقـاد ومـعـوج            وكز الخلق أو سـبـط
قضاء مـبـرم مـمـن           إليه الحـل والـربـط
إلـهٌ أمـره الأمـــر             ومنه الرفع والـحـط
ومنه اليسر والـعـسـر                ومنه القبض والبسـط
له فـي كـلِّ مــا يومٍ           شؤون منه تـخـتـط
وذو الفهـم لـه عـلـم          جديد حيثمـا يخـطـو
ففكر واعتبـر تـعـلـم          علوماً دونها الضـبـط
وتدرك غير ما في الصح             ف يوماً خلد الـخـط
وسلم وأرض بالمـقـدو               ر لا يذهب بك السخط
ولا تبرم إذا الـمـولـى        يشدّ الحبل أو يمـطـو
فما ترجو من الرضـوا               ن أنْ تَرْضَى له شرط
 1  2  3 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 2    كن أول من يقيّم
 
فوائد تسمية المؤلف
 
قد جرت عادة من ألف بل من كتب رسالة أن يتسمى في كتابه ليعرف وفي معروفيته فوائد منها في كلامه أن يعرف مذهبه أو مطلبه أو يتمكن جوابه أو يشهد له وعليه.
ومن أهمها أن يعلم هل يوثق بنقله ويقتدي به في أصله، فإن كلام الحجة حجة، وإنما يعرف كونه حجة ومرتبته من العلم بشهادة أهل العلم، وذلك في ثلاثة أشياء: أحدها التصريح بذلك مشافهة أو في ترجمته ولذلك صنفت طبقات أهل العلم وأعتني بتراجمهم.
ثانيها عده مع العلماء عند ذكرهم في مذهب أو وفاق أو خلاف أو حكاية كلامه فيما يحكى من كلام العلماء أو مذهبه أو نحو ذلك وهو كالتصريح.
ثالثها الأخذ عنه أو إقراء تصانيفه أو شرحها أو تقليده أو نحو ذلك.
وإنما يحصل له ذلك من ثلاثة أشياء: أحدها سماع كلامه مشافهة.
ثانيها مطالعة تصانيفه والوقوف على تحريره وتحصيله أو سماع فتاويه وآرائه وكلامه بنقل الغير له كما مر وهلم جرّا.
وبعد حصول مطلق المرتبة من العلم تحصل خصوصيات المراتب بشهادة من هو أهل لذلك بها بمشافهة أو في ترجمة أو اقتداء الأكابر به، أو ترجيحه على غيره أو نحو ذلك.
ومنها في خارج أن تعرف مرتبته كما مرّ أو يتعرض لدعاء داع أو ثناء مثن بخير ومحبة وود وغير ذلك.
فرأيت أن أتسمى في هذا المجموع وأضيف إلى ذلك ما اتفق لي من كنية وما أدركت من نسب بعد أن تعلم أن الاسم العلم ثلاثة: اسم وكنية ولقب.
أما الاسم فهو من حيث هو ما أريد به من تعيين المسمى لا يعطى مدحاً ولا ذماً لصلاحية كل اسم لكل مسمى عند المحققين، ولكن إذا كان منقولاً فكثيراً ما يلاحظ فيه زيادة على تعيين المسمى مدلوله الأول الحقيقي أو المجازي فيشعر بمقتضاه إشعاراً.
ومن هذا وقع التفاؤل والتطير بالأسماء، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن ويقول: "إذَا أبْرَدْتُمْ إليَّ بَرِيداً فَأبْرِدُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الاسْمِ".
وكان صلى الله عليه وسلم يغير من الأسماء ما لا يرضى، فسأل عن اسم ماء فقيل له: بيسان وماؤه ملح فقال: بل هو نعمان وماؤه عذب، فكان كذلك، وجاءه رجل فقال ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزي، فقال صلى الله عليه وسلم: بل أنت راشد بن عبد ربه، وجاءه آخر فقال ما اسمك؟ فقال: حزن، فقال: بل أنت سهل، فقال الرجل: ما كنت لأغير اسماً سماني به أبي، وكان الإمام سعيد المسيب -رضي الله عنه- والرجل من أجداده يقول: فما زالت الحزونة فينا. فانظر كيف حكم مدلول اللفظ الأول. وقال صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين أقبل سهيل من ناحية قريش: "سَهُلَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُم" ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "أسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغفَارٌ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ" وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقد سأل عن اسم رجل استعمله أو أراد أن يستعمله فقيل له: هو خبيئة كناز: هو يخبأ، وأبوه يكنز، لا حاجة لنا به. وبدل صلى الله عليه وسلم برة بنت أبي سلمة بدرة فراراً من التزكية التي يعطيها اللفظ، وقال مولانا علي كرم الله وجهه:
أنا الذي سمتني أمي حَيْدره
وقال الحريري في "المقامات" على لسان الغلام: "أما أمي فاسمها برة، وهي كاسمها برهة" وقالت اليهود يوم خيبر لمولانا علي رضي الله عنه، وقد تقدم بالراية فتسمى لهم: علوتم ورب الكعبة، وقالت العرب في أمثالها: إنما سميت هانئاً لتَهْنأ.
 
 
*د يحيى
15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه3    كن أول من يقيّم
 
 
 
وقال الأخطل في كعب بن جعيل:
وسميت كعباً بشر العـظـام           وكان أبوك يسمى الجعـل
وإن مـكـانـك مـن وائل               مكان القرد من أست الجمل
قال: "هما هذان".
وكان بعض الرؤساء القيسية أحضر جفاناً من طعام، وكان بالحضرة بعض مَلاسينِ بكر بن وائل فأراد القيسي أن يعبث به فقال له: ما رأى بكر بن وائل قط مثل هذه الجفان؟ فقال ما رآها ولا رآها أيضاً قط عيلان يعني جده هو، ولو رآها ما قيل له عيلان بل شبعان.
وقالت هند بنت النعمان بن بشير تهجو زوجها الفيض بن أبي عقيل:
سميت فيضاً وما شيء تفيض به           إلاّ سُلاحك بين الباب والـدار
وقال الآخر:
وللحرب سمينا فكـنـا مـحـاربـاً               إذا ما الْقَنا أمسى من الطعن أحمرا
 
ومما ينخرط في هذا السلك أن بعض الملوك عزل وزيراً له اسمه الياقوت فحلف الملك ليستوزن أول من يلقى فخرج فلقي رجلاً أعرابياً فاستوزره فإذا هو من أعقل الناس وأنجبهم فلما رأى الوزير الأول ذلك كتب إلى الملك:
أحكم النسج كل من حاك لكن                نسج داود ليس كالعنكبوت
ألقني في لظى فإن غيرتني           فتيقن أن لست بالـياقـوت
يشير إلى أن الياقوت المعروف لا يفسد بالنار.
فأجاب الآخر:
نسج داود ما حمى صاحب الغا              ر وكان الفخار للعنكبـوت
وفراخ السَّمَنْد في لهب الـنـا         ر أزالت فضيلة الـياقـوت
أشار إلى السمندل وهو دويبة في ناحية الهند تتخذ من جلودها المناديل وتلقى في النار فلا تزداد إلاّ نضارة وحسناً ولا تحترق، والله على كل شيء قدير، إلى غير هذا مما لا ينحصر ولو تتبعناه لطال. وأما الكنية واللقب فيعتبران بوجهين: الأول نفس إطلاق الكنية واللقب وهما في هذا مختلفان، فإن الكنية الكثير فيها إذا لم تكن اسماً أن يراد بها التعظيم وينبغي أن يعلم أن الناس باعتبارها ثلاثة أصناف: صنف لا يكنى لحقارته، وهو معلوم من أن الحقارة أمر إضافي، فرب حقير يكون له من يراه بعين التعظيم فيكنيه، والمقصود أن التحقير من حيث هو حقير لا يكنى إلاّ هزءاً أو تلميحاً، وصنف لا ينبغي أن يكنى لاستغنائه عنها وترفعه عن مقتضاها، ومن ثم لا يكنى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرفع من ذلك حتى إنهم أشرفت رفعتهم على أسمائهم فشرفت، فإذا ذكروا بها كانت أرفع من الكنى في حق غيرهم، وللملوك وسائر أكابر الناس نصيب من هذا المعنى، وصنف متوسط بين هذين، وهو الذي يكنى تعظيماً، ثم إن كان التعظيم مطلوباً ككنية أهل العلم والدين ومن يحسن شرعاً تعظيمه فحسن، وكذا اكتناء المرء بنفسه إن كان تحدثاً بالنعمة أو تبركاً بالكنية باعتبار من صدرت عنه أو نحو ذلك من المقاصد الجميلة فحسن، وإلاّ فمن الشهوات النفسانية، فما كان تكبراً أو تعظيماً لمن لا يجوز تعظيمه بغير ضرورة ونحو ذلك فحرام، وإلاّ فمباح، وليس من هذا الباب ما يقصده به مجرد الإخبار فقط كقولك جاء أبي أو أبو فلان هذا أي والده، ولا يقصد به معناه على وجه التفاؤل مثلاً نحو أبي الخير وأم السعد.
 
 
*د يحيى
15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه4    كن أول من يقيّم
 
وقال الأخطل في كعب بن جعيل:
وسميت كعباً بشر العـظـام           وكان أبوك يسمى الجعـل
وإن مـكـانـك مـن وائل               مكان القرد من أست الجمل
قال: "هما هذان".
وكان بعض الرؤساء القيسية أحضر جفاناً من طعام، وكان بالحضرة بعض مَلاسينِ بكر بن وائل فأراد القيسي أن يعبث به فقال له: ما رأى بكر بن وائل قط مثل هذه الجفان؟ فقال ما رآها ولا رآها أيضاً قط عيلان يعني جده هو، ولو رآها ما قيل له عيلان بل شبعان.
وقالت هند بنت النعمان بن بشير تهجو زوجها الفيض بن أبي عقيل:
سميت فيضاً وما شيء تفيض به           إلاّ سُلاحك بين الباب والـدار
وقال الآخر:
وللحرب سمينا فكـنـا مـحـاربـاً               إذا ما الْقَنا أمسى من الطعن أحمرا
 
ومما ينخرط في هذا السلك أن بعض الملوك عزل وزيراً له اسمه الياقوت فحلف الملك ليستوزن أول من يلقى فخرج فلقي رجلاً أعرابياً فاستوزره فإذا هو من أعقل الناس وأنجبهم فلما رأى الوزير الأول ذلك كتب إلى الملك:
أحكم النسج كل من حاك لكن                نسج داود ليس كالعنكبوت
ألقني في لظى فإن غيرتني           فتيقن أن لست بالـياقـوت
يشير إلى أن الياقوت المعروف لا يفسد بالنار.
فأجاب الآخر:
نسج داود ما حمى صاحب الغا              ر وكان الفخار للعنكبـوت
وفراخ السَّمَنْد في لهب الـنـا         ر أزالت فضيلة الـياقـوت
أشار إلى السمندل وهو دويبة في ناحية الهند تتخذ من جلودها المناديل وتلقى في النار فلا تزداد إلاّ نضارة وحسناً ولا تحترق، والله على كل شيء قدير، إلى غير هذا مما لا ينحصر ولو تتبعناه لطال. وأما الكنية واللقب فيعتبران بوجهين: الأول نفس إطلاق الكنية واللقب وهما في هذا مختلفان، فإن الكنية الكثير فيها إذا لم تكن اسماً أن يراد بها التعظيم وينبغي أن يعلم أن الناس باعتبارها ثلاثة أصناف: صنف لا يكنى لحقارته، وهو معلوم من أن الحقارة أمر إضافي، فرب حقير يكون له من يراه بعين التعظيم فيكنيه، والمقصود أن التحقير من حيث هو حقير لا يكنى إلاّ هزءاً أو تلميحاً، وصنف لا ينبغي أن يكنى لاستغنائه عنها وترفعه عن مقتضاها، ومن ثم لا يكنى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرفع من ذلك حتى إنهم أشرفت رفعتهم على أسمائهم فشرفت، فإذا ذكروا بها كانت أرفع من الكنى في حق غيرهم، وللملوك وسائر أكابر الناس نصيب من هذا المعنى، وصنف متوسط بين هذين، وهو الذي يكنى تعظيماً، ثم إن كان التعظيم مطلوباً ككنية أهل العلم والدين ومن يحسن شرعاً تعظيمه فحسن، وكذا اكتناء المرء بنفسه إن كان تحدثاً بالنعمة أو تبركاً بالكنية باعتبار من صدرت عنه أو نحو ذلك من المقاصد الجميلة فحسن، وإلاّ فمن الشهوات النفسانية، فما كان تكبراً أو تعظيماً لمن لا يجوز تعظيمه بغير ضرورة ونحو ذلك فحرام، وإلاّ فمباح، وليس من هذا الباب ما يقصده به مجرد الإخبار فقط كقولك جاء أبي أو أبو فلان هذا أي والده، ولا يقصد به معناه على وجه التفاؤل مثلاً نحو أبي الخير وأم السعد.
 
 
*د يحيى
15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه5    كن أول من يقيّم
 
وأما اللقب فيقصد به كل من المدح والذم وغير ذلك، والحكم كالذي قبله.
الوجه الثاني النظر إلى مدلولهما الأصلي، وهما في ذلك كما مرّ في الاسم بل ذلك هنا أولى، لأن الأصل فيه أوضح، ولبعضهم في ذلك:
أتيت أبا المحاسن كي أراهُ           بشوق كاد يجذبني إلـيه
فلما أن أتيت رأيت فسرداً            ولم أرَ من بنيهِ ابناً لديه
يريد أن لفظه ينبئ عن كون المحاسن لازمة له لزوم الأولاد لأبيهم، ثم إنها لم يجدها عنده، وكذا يقال في أبي المكارم وأبي الفضل وأبي البخت وجمال الدين وشمس الأئمة، والأصل في جميع هذا أن المستحسن في العقول وإن لم يكن لازماً خلافاً لمن زعم ذلك أن يطابق الاسم أي مدلوله الأصلي حتى يصير الاسم كأنه وصف مشتق لموصوف بمعناه، فإن لم يكن كذلك فإن التسمية خطأ، وكأن الاسم لا مسمى له، ومن هذا جاءت العادة بتخير الاسم عند التسمية وكذا عند الملاقاة كقصة البريد السابقة، أما التخير عند التسمية فلفائدتين: إحداهما التلذذ بسماعه وتجمل المسمى بذلك، الثانية التفاؤل بأن يصدق معناه، وذلك على حساب ما يريده، وللناس أغراض تختلف، وقد قيل لبعض العرب: لم تسمون عبيدكم نافعاً ومرزوقاً وأولادكم حرباً ومرة فقال: إنا نسمي أولادنا لأعدائنا ونسمي عبيدنا لأنفسنا أي فلا فرق بين فائدة النفع وفائدة الدفع وحلاوتهما، بل الدفع أهم.
وكان وادي السباع في بلاد العرب وفيه قال قائلهم:
مررت على وادي السباع ولا أرى          كوادي السباع حين تبصـر واديا
أشـد بـه ركـبـاً أتـوهُ تَـئيّةً            وأخوف إلاّ وما وقى الله سـاريا
قيل: سبب تسميته أن امرأة من العرب كانت نزلته ولها عدة أولاد فوجدها رجل يوماً وحدها فهم بها فقامت تصيح بأولادها وتقول: يل ليث، يا نمر، يا أسد، يا كذا، وهي أسماؤهم، فأقبلوا إليها يشتدون، فانطلق الرجل وهو يقول: هذا وادي السباع.
أما التخير عند الملاقاة والمعاملة فلفائدتين أيضاً: إحداهما التلذذ والتفاؤل، الثانية رجاء أن يكون قد طابق فوجد معناه ويكون حسن الاسم دالاً على حسن المسمى كما تقرر في الفراسة الحكمية من أن حسن الخلق دليل على حسن الخلق، وفي الحديث: "اطْلُبُوا الخَيْرَ عنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ" على وجه، ولم يبعث الله تعالى نبياً إلاّ حسن الوجه حسن الاسم، وفي كلام العامّة: الاسم يدل على المسمى. ومن التفاؤل الصادق والرجاء الواقع ما وقع لعبد المطلب في تسمية نبينا صلى الله عليه وسلم حيث سماه باسمه الشريف، وكان هذا الاسم غير معتاد عندهم، فقيل له: لمَ سميته بهذا وليس من أسماء آبائك، فقال: رجاء أن محمد في السماء والأرض، فكان ذلك، ويحتمل أن يكون كان عنده من ذلك علم ممن لقي من أهل ذلك العلم كسيف بن ذي يزن ونحوه. وقد يكون سبب تخير الاسم مشايعة من تسمى به تبركاً به أو إحياء لذكره أو رجاء الشبه به أو نحو ذلك، وفي الحديث: "وُلدَ ليَ اللَيْلَةَ وَلَدٌ فَسَمّيْتَهُ باسْمِ أبي إبْرَاهيمَ" وقيل: لما نزل قوله تعالى: (يا أُخْتَ هَارُونَ) قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف تكون أخت هارون وبينهما دهر طويل، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ بأسْمَاءِ أنْبيَائهمْ" أي هو هارون آخر سمي باسم هارون بن عمران عليه السلام.
 
 
*د يحيى
15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه6    كن أول من يقيّم
 
واعلم أن التلذذ المذكور في هذا القسم خلاف المذكور فيما مرّ، فإنّ ذلك تلذذ بالاسم بسبب حضور معناه الأصلي كسعد وسعيد ووردة وياسمين، وهذا تلذذ بالاسم لحضور من كان تسمى به من غير التفات إلى مدلول اللفظ الأصلي، فكل من سمع اسماً كان وقع على مسمى آخر فقد يستشعر ذلك المسمى الآخر في الاسم فيوجب له ذلك الاستشعار أموراً، إما تعظيماً ومنه بدل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه اسم ولد كان اسمه محمد فسمع رجلاً يوماً يشتمه ويقول: فعل الله بك يا محمد وفعل، فقال: لا أرى اسم النبي صلى الله عليه وسلم يُسَبّ بكَ، وكان بعض الرؤساء كلم خديماً له اسمه محمد في أمر وخاطبه باسم آخر وهم أنه غضبان عليه، فدخل على الخديم من ذلك جزع عظيم حتى يبين له بعد ذلك أنه إنما كان على جنابة فلم يستطع أن ينطق بهذا الاسم الشريف وهو جنب، رحمه الله تعالى وجزاه خيراً، وإما تلذذاً أو استئناساً أو اشتياقاً أو نحو ذلك لكونه أليفاً أو محبوباً.
وكان المجنون لما اشتد به حاله قام أهله فقالوا: نذهب به إلى الحجّ وزيارة البيت ففعلوا، فلما أقبلوا على مكة قالوا له: يا قيس، هذا بلد الله وهذا بيته فادع الله تعالى أن يعافيك من حب ليلى فأنشأ يقول:
ذكرتك والحجيج له ضجيج          بمكة والقلوب لها وجيبُ
فقلت ونحن في بلد حـرام            به لله أخلصت القلـوب:
أتوب إليك يا رحمان ممـا            جنيت فقد تكاثرت الذنوب
فأما من هوى ليلى وحبّـي           زيارتها فإنـي لا أتـوب
فكيف وعندها قلبي رهينـاً           أتوب إليك منها أو أُنـيب
فأيسوا منه ثم سكن شيئاً ما فلما بلغوا ناحية منىً سمع إنساناً يقول: يا ليلى، ينادي امرأة، فطار المجنون واستقبل البَرّيّة وهو يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منـىً         فهيج أحزان الفـؤادِ ومـا يدري
دعا باسم ليلى غيرها فـكـأنـمـا              أطار بليلى طائراً كان في صدري
وقال الآخر:
ومَن كبدي يهفو إذا ذكر اسمـه             كهفو جناح ينفض الطل طائره
وبلغ بأولياء الله تعالى نحو هذا المعنى، وهم أحق به، يحكى عن بعضهم أنه لقي واحداً منهم في البرية فقال له: من أين أتيت؟ فقال: هو، فقال: أين تريد؟ فقال: هو، فقال: ما تعني بقولك هو؟ فقال: هو، فقال الله تعني؟ فصاح وسقط ميتاً. وإما نفرة وكراهية لكونه بغيضاً مقيتاً، وإما غير ذلك.
 
 
*د يحيى
15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه8    كن أول من يقيّم
 
تتمة
 واعلم أن الاسم الذي يوضع على الإنسان علماً عند الولادة أو عند تبديل اسمه باسم آخر إما أن يكون بصورة الكنية كأبي بكر وأبي القاسم لمن سمي به فيكون اسمه كنيته، وإما أن يكون بغيرها كزيد وعمرو وهو الأغلب، وحينئذ إما أن تقرن به الكنية من أول وهلة فيقال مثلاً: سميت ابني محمداً وكنيته أبا عبد الله ولقبته جمال الدين، وهذا كله لا إشكال في عَلَميّته، وقد لا يكنى ولا يلقب أولاً، فإذا كني بعد ذلك أو لقب كان ذلك عارضاً لا كالاسم اللازم أبداً من وجهين: أحدهما أنه لم يكن شيء منهما ثم كان، الثاني انهما يكونان ثم لا يكونان فإنه قد يكنى ثم لا يكنى، وقد يكنيه هذا ولا يكنيه الآخر، وكذا اللقب، فصار كل منهما بمنزلة الوصف يعرض الاتصاف به فقد يقال: كيف يحسبان مع هذا في الأعلام؟ والجواب انهما متى أطلقا على المسمى عيناه عند من عرفهما من غير معنى زائد على الذات، وهذا حاصل العلمية، أما طروعهما فلا يضير، فغن الاسم أيضاً كثيراً ما يطرأ، والمعتبر ما بعد الطروء كما هو الأمر في التسمية الأولى، وأما كونهما يتركان أحياناً فللاستغناء عنها بالاسم كما يكون في الشيء يسمى بأسماء مترادفة، فإذا عبر عنه بواحد منها كفى، وفيه يحث، وهو أن الأسماء المترادفة فوضى على مدلولها، ولا كذلك ما نحن فيه، فغن كلاً من الكنية واللقب إنما يجلب لغرض من تعظيم أو تحقير أو غير ذلك مما مرّ، فيكون الوصف محط التسمية، وحينئذ هو كلي، فيكون الاسم اسم جنس أو علم جنس وذلك خلاف ما يقال من أنه علم شخص، وهذا بحث قويّ لم نبسطه لأنا لسنا بصدده، ويجاب بمنع ذلك وأن محط التسمية الذات مع ملاحظة الغرض وكونه يؤتى به عند وجود الملاحظة ويترك عند عدمها، وأن ذلك غير معهود في الاسم لا امتناع فيه فافهم. فأقول:
اسم المؤلف ونسبه
أنا الحسن بن المسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف، وهو أبو القبيلة ابن داوود بن يدراسن بن يننتو، فهذا ما يعد من النسب إلى أن دخل بلد فركلة في قرية منه تسمى حارة أقلال وهي معروفة الآن.
والكنية أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد.
أما ذكري للاسم فلما مر من فوائد التسمي، وأحمد الله تعالى وأشكره إذ جعله حسناً، وأسأله سبحانه أن يجعل كذلك فعلي وخلقي وحظي في الدارين منه حسناً، كما أحمده تعالى إذ حسن اسم والدي أيضاً- فجعله مسعوداً، واسأله تعالى أن يجعلني كذلك في الدارين ويجعله مسعوداً.
ومما اتفق لي في اسمي هذا واسم والدي أني كنت ذات مرة سافرت إلى زيارة الأستاذ الإمام ابن ناصر رحمه الله، فمررت ببلادنا، وكان أخونا في الله البارع الفاضل الخير أبو سالم عبد الله بن محمد العياشي يشتهي أن أمر به في زاويته فلم يتفق لي ذلك فكتبت إليه اعتذاراً:
أبا سالمٍ ما أنـت إلاّ كـسـالـمٍ         لدينا ولم يقضِ اللقاء فسـالـم
وزود غريباً طالما قـذفـت بـه                ضروب النوى من كل أفيح قاتم
مراماً لشرب الكأس وهي منوطة           بكف الثريا أو بكف النـعـائم
بود وإن الود من أطيب القـرى              ودعوة صدق عند عقد العـزائم
وسلم على من ثم من جملة الملا            تحية ذي ود إلـى الـكـل دائم
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه9    كن أول من يقيّم
 
وقولي: "كسالم" تلميح إلى قول الشاعر:
يديرونني عن سالم وأديرهـم                وجلدة بين العين والأنف سالم
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: "أنت عندي كسالم" فلم يفهم مراده حتى أنشد البيت المذكور، ومراد الشاعر أن سالماً المذكور الذي يدافع الناس عنه ويحامي عنه في محبته له وعزته عليه بمنزلة الجلدة التي بين الأنف والعين لأن تلك الجلدة هي سالم فهو تشبيه.
ثم لما قفلنا من زيارتنا كتب إلي كتاباً يهنيني بالزيارة ويهني من معي بصحبتي، وفي آخره:
من فاته الحسن البصري يصحبه            فليصحب الحسن اليوسي يكفيه
 ومن غريب الاتفاق مع ذلك أن كنت في تلك المدة، قبل هذا الكتاب أو بعده بقريب حدثني بعض الإخوان أنه رأى فيما يرى النائم جماعة من الصالحين والكاتب معهم، وفيهم الشيخ محمد بن مبارك التستاوي وغيره من أمثاله فتكلم بعضهم وأظنه قال: ابن المبارك المذكور إلى أن قال: إن كان الحسن البصري في زمانه فهذا الحسن البصري في زمان يشير إلى الكاتب، وإنما ذكرت هذا رجاء وطماعية في اللحاق بالصالحين أو بمحبيهم أو بمحبي محبيهم وتبركاً بذكرهم، وإلاّ فليس بعشك فادرجي:
لما انتسبت إلى علاك تشرفت               ذاتي فصرت أنا وإلاّ من أنا
وكتب إلي العلامة أبو عبد الله محمد بن سعيد السوسي بأبيات يذكر فيها أنه على عقد المحبة وفي آخرها:
لقد تحببت لي فضلاً خصصت به            بين الورى حبذا حب ابن مسعود
فعلمت أنه يروي عن ابن مسعود الحبر الصحابي، رضي الله عنه وألحقنا وآباءنا بزمرته إنه ذو الجود والإحسان، فقلت: إن هذا كله من نعم الله التي يسر بها الإنسان، وهو موافقة اسمه أو اسم أبيه لأسماء الخيار.
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه10    كن أول من يقيّم
 
ومن غريب الاتفاق أني كنت أكتب ما تقدم من النسب فجاء أعرابي بقصيدة من الملحون يمدحني بها، وفي أثنائها يقول ما معناه: إن اسمه، أي الممدوح، على اسم الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقلت في نفسي: سبحان الله في هذا كان عملي
تتمة أخرى في أحكام التسمية
أعلم أنه وإن كان المطلوب تخير الاسم كما مرّ لا بد من التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فكما أنه لا ينبغي له أن يتسفل إلى الأسامي الدنية كذلك ليس له أن يتعلى إلى الأسامي العلية التي لا تنبغي له كأسماء الله تعالى، وللفقهاء كلام في أسماء الملائكة، فعن إمامنا مالك رضي الله عنه أنه يكره أن يتسمّى الرجل بجبريل وعلل ذلك بأنه سبب لأن يقول قائل: جاءني البارحة جبريل، وكلمني جبريل وهو بشيع موهم، وروي عنه أيضاً: لا ينبغي بياسين، وتقدم إلى الحارث بن مسكين القاضي خصمان، فنادى أحدهما صاحبه باسمه إسرافيل، فقال القاضي لمَ تسميت بهذا الاسم؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تُسَمُّوا بأسْمَاءِ المَلائكَة" فقال له الرجل: "ولمَ تسمى مالك بن أنس بمالك؟ وقد قال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِي عَلَيْنَا رَبُّكَ) ثم قال: لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب عليهم، يعني القاضي فإن اسمه الحارث، وهو اسم الشيطان إبليس، قال ابن عرفة: ويرحم الله الحارث في سكوته والصواب معه، لأنه مَحمل النهي في الاسم الخاص بالوضع أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشيطان، وأما مالك والحارث فليسا منه لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة أعلاماً من اسم فاعل مالك وحارث كقاسم انتهى، وأما أسماء الأنبياء عليهم السلام فيجوز التسمي بها وفي الحديث: "تَسَمَّوا بِاسْمي وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" وقيل: إن هذا النهي منسوخ، فيجوز التسمي أيضاً والتكني بكنيته صلى الله عليه وسلم. ودخل القاضي أبو القاسم بن زيتون على أمير بلده المنتصر بالله فقال له: لم تسميت بأبي القاسم؟ وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تَسَمَّوا بِاسْمي وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" فقال القاضي: إنما تسميت بكنيته صلى الله عليه وسلم ولم أتكنَّ بها، وفي المسألة كلام باعتبار علة النهي وكون ذلك مع وجوده صلى الله عليه وسلم مشهور لا حاجة إلى بسطه، ومن المنهي عنه في الحديث أن يسمي الرجل غلامه رباحاً أو أفلح أو يساراً، إذ قال: أثَمَّ هُوَ؟ فيقال: لا. ولا بأس بتكنية الصبي كما مرّ وأصله: "يَا أبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ".
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه11    كن أول من يقيّم
 
تنبيه: في الحديث: "إنَّ أخْنَعَ الأسْمَاءِ رَجُلٌ تَسَمّى عِنْدَ اللهِ بِمَالكِ الأمْلاكِ، ووقع فيه عضد الدولة حيث قال:
ما يطيب العيش إلاّ بالسـمـر         وغناء من جوار في سحـر
غانيات سالبـات لـلـنـهـى             ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركـنـهـا           ملك الأملاك غلاب القـدر
فهذا من التغالي المنكر، وإنما ذلك لأن ملك الأملاك هو الله تعالى، وإطلاقه على غيره وإن كان يتأوّل بمن دونه أي ملك أملاك البشر، لكنه في غاية من الإيهام والبشاعة فلا ينبغي. وقد تردد العلماء في أنه هل يلتحق به قاضي القضاة ونحوه.
 ومن البشيع الواقع في زماننا في الوصاف أنْ بَنَى السلطانُ رشيد ابن الشريف جسرَ سبو، فصنع له بعضهم أبياتاً كتبت فيه برسم الإعلام أولها:
صاغ الخليفة ذا المجاز              ملك الحقيقة لا المجاز
فحمله اقتناص هذه السجعة والتغالي في المدح والاهتبال بالاسترضاء على أن جعل ممدوحه ملكاً حقيقياً لا مجازياً، وإنما ذلك هو الله تعالى، وكل ملك دونه مجاز، الممدوح وغيره. ونسبة الألوهية إلى غيره تعالى كفر صراح، وهذا مقتضى اللفظ، وقائله يتأوله بحقيقة دون حقيقة لأنه موحد، ولكنه في غاية الإبهام وغاية البشاعة والقبح، وقد أنكر الإشبيلي وغيره ممن ألف في لحن العامة ما هو أخف من هذا بكثير.
وأما اليوسي فأصله اليوسفي كما مرّ من أن يوسف هو أبو القبيلة ويسقطون الفاء في لغتهم.
وأما ذكري لما مرّ من النسب فلفوائد منها أن يعرفه من يقف عليه ذوي القرابة للتوصل إلى صلة الرحم والموارثة والمعاقلة وغير ذلك من الأحكام وهذا مما لا بد منه، وقد قال سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم، وقد حمل الأمر في كلامه على الوجوب وذلك أصله. الثانية أن يعلم انقطاع النسب عند انتهائه إلى القرى فيظهر معنى قول مولانا عمر أيضاً رضي الله عنه فيما يؤثر عنه أنه قال: تعلموا أنسابكم ولا تكونوا كالقبط ينتسبون إلى القرى، وليس هذا مخصوصاً بالقبط بل المدن كلها تتلف الأنساب كما قال العراقي رحمه الله:
وضاعت الأنساب بالبلدان            فنسب الأكثر للأوطانت
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه12     كن أول من يقيّم
 
وسبب ذلك أن الإنسان إنما احتاج إلى التمدن للقيام بالمتاجر والحرف وسائر الأسباب التي ينتظم بها أمر المعاش والتعاون على المنافع الدينية والدنيوية، ولا يتأتى ذلك عادة إلاّ بكثرة الناس لتحصل عمارة الأسواق، ويحصل من كل حرفة وصناعة وسبب وعمل عارف أو أكثر يقوم بها، ولا يكون ذلك عادة من عشيرة واحة بل ولا من قبيلة وعمارة بل من أخلاط شتى وأفواج جمة، وذلك لسببين: أحدهما أن هذا هو مظنة الكثرة الكافية فيما ذكر، الثاني أن عادة الله تعالى لم تجرِ باختصاص رهط أو حي واحد من الناس بالتفرد بالمعارف والاستقلال بالمصالح الدينية والدنيوية من دون سائر أصناف الخلق حتى ينتظم بهم الأمر وحدهم وتحصل لهم المزية بذلك والذكر فيه دون "من" سواهم، بل بث الله تعالى بلطيف حكمته الخصائص والمزايا في الناس، فيوجد في هذا الرهط عالم، وفي آخر شاعر، وفي آخر صانع أو تاجر وهكذا ليتم التعاون ويحظى الخلق كلهم من مائدة الله تعالى في باب الخصوصيات بنصيب..
ولما كانت المدينة تجمع أخلاط الناس صار ساكنها في الغالب غريباً عن نسبه، فقد لا يكون بينه وبين جار بيته نسب ولا معرفة، فإذا نشأ نسله انتسبوا غالياً إلى البلد لا إلى قومهم من وجهين: أحدهما أنه كثيراً ما ينقطع ما بينهم وبين قومهم فلا يعرفونهم، الثاني أن الإنسان يعجب ببلده ويتبجح به لثلاثة أوجه أحدها أنه لا يعرف غالباً غيره، الثاني أن الله تعالى حبب إلى الناس منازلهم ليلازموها فتنتظم عمارة الأرض على ما قدر الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: "اللَّهم حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ". الثالث الإلف الطبيعي، فإن كل واحد يألف تربته كإلفه لأمه وأبيه، ولذا لا يزال يحن إلى مسقط رأسه ومحط لهوه وأنسه، وقالوا: الكريم يحن إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عَطَنِهِ.
وقال الأعرابي:
أحب بلاد الله ما بين منـعـج          إليَّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلادٌ بها حل الشباب تمـائمـي                وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال الآخر:
بلدي ألفت به الشبيبة والصبـا              ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمـير رأيتـه         وعليه أثـواب الـشّـبـاب
*د يحيى
16 - فبراير - 2008
 1  2  3