البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : أصوات من العالم

 موضوع النقاش : من دون القراءة تستحيل العلاقة بالعالم     قيّم
التقييم :
( من قبل 2 أعضاء )
 ضياء  
20 - يناير - 2008
لفتت نظري هذه المقالة التي قرأتها في جريدة الحياة وأنقل إليكم قسماً منها بغاية التعرف على هذا الكاتب وآرائه الخارجة عن المألوف :
 

مقاطع من حوارات غير منشورة ستصدر في كتاب ... بول بولز: من دون القراءة تستحيل العلاقة بالعالم

طنجة – عبدالعزيز جدير     الحياة     - 19/01/2008

بول بولز في شيخوخته
بول بولز في شيخوخته
زار الكاتب الأميركي، بول بولز المغرب للمرة الأولى عام 1933، وتردد إليه سنوات، قبل أن يستقر فيه إلى يوم غيابه عام 1999. خلال هذه الفترة ظل عاشقا لهوية أخرى عوضته عن هويته الأصلية التي لم يكن في وئام معها. خص بولز المغرب بمعظم كتاباته، مثل روايته «دعه يسقط» ومسرحها خلال عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، ورواية «بيت العنكبوت»، مسرحها في فاس وتؤرخ لمقاومة الاحتلال الفرنسي ومحاصرة المدينة بعد نفي الراحل محمد الخامس... ونشرت متزامنة مع عودته... وندد الفرنسيون بها وبصاحبها، بينما ترجمها الأسبان نكاية. وقصصه القصيرة مسرحها مناطق مختلفة من المغرب، بينما احتلت المسائل المغربية معظم رسائله (7000 رسالة)، ونشر معظمها في كتاب بعنوان «على اتصال».
 
هذه مقاطع من حوار معه امتد عقدين، لم تنشر من قبل، وسيصدر الحوار في كتاب.

* لا تزال ذاكرتك تحتفظ بسلطتها، أكاد أجزم أنك يمكن أن تتذكر كل رحلاتك بسهولة ويسر: ترى نفسك تشد الرحال إلى المغرب، تذهب إلى سريلانكا، إلى أميركا، إلى بعض دول أميركا اللاتينية.

- نعم، نعم.

* إنه هروب، رحلة ذهنية، على متن الذاكرة.

- نعم، نعم. لكن الشعور. (صمت) بالعزلة، بالانقطاع عن العالم يظل مقيماً، على كل حال. آه لو كان بإمكاني أن أقرأ، على الأقل، سأبقى على اتصال بالعالم. من دون القراءة، يستحيل أن أبقى على علاقة بالعالم.

* بول، وأنت تتحدث عن العلاقة بالعالم جعلتني أفكر في طرح هذا السؤال عليك: كيف ترى القرن الآتي، أي القرن الحادي والعشرين، أنت الذي واكبت هذا القرن (العشرون) ورافقته من البداية حتى النهاية؟

- أعتقد بأنه سيسير على الوتيرة نفسها، وسيعيد إنتاج نفسه، ذلك أن لا شيء سيعرف التحسن على هذه البسيطة. القرن الآتي سيكون شاهداً على استمرار انحدار هذا القرن. سيعرف القرن الآتي، أتمنى ذلك، بعض الاكتشافات في مجال الطب، والعلوم الأخرى. لست أدري هل سيكون المستقبل واعداً أم لا.

* هل ستكون روح القرن الآتي متشائمة؟

- بالتأكيد، لا شيء سيعرف التحسن. لا شيء البتة، تقريباً. معظم الأشياء ستزداد سوءاً، لأن ساكنة العالم تتضاعف.

* قد يشكل هذا التضاعف السكاني عنصراً إيجابياً يمثل انتصار الطب، والتقدم.

- وهذا جانب سلبي.

* كيف يمكن أن ينعت تضاعف السكان بالأمر السلبي؟

- لأن التضاعف السكاني أمر سلبي، ألا ترى أن (90 في المئة) من سكان العالم هم من الفقراء، وهؤلاء يعانون الفقر والجوع، وهذا أمر مرشح أن يزداد سوءاً. بالطبع، مضاعفة السكان تعني ازدياد المشاكل وازدياد الحاجة إلى الطعام. خيرات الطبيعة كثيرة، وكذلك نتائج العلوم، لكن هذه الخيرات تتعرض لسوء التوزيع وللاحتكار وهلم جرا.

علال الفاسي وبول بولز

* كيف علمت أن علال الفاسي قرأ رواية «بيت العنكبوت» وأعجب بها؟

- أبلغت أن الرواية قرئت له وأنها راقته، فقال: «نعم، إن الأحداث مرت بهذا الشكل. إن هذا الأميركي يعرف فاس ويفهم شؤونها». وقد أحسست بالغبطة لما سمعت هذا الرأي، وفهمت أن ليس هناك أدنى اعتراض على مادة الكتاب التخييلية. كان بإمكان علال الفاسي أن يبدي امتعاضه من الرواية، لكن ذلك لم يحدث. وقد استنتجت أن علال الفاسي رجل منفتح.

* من نقل إليك كلام الزعيم المغربي؟

- محمد شكري. كان على علاقة بعلال الفاسي. فعلال الفاسي كان قضى فترة من حياته بطنجة وظل يتردد على المدينة. عندما التقيت شكري للمرة الأولى، أخبرني بذلك وأعطاني ربطة عنق (ضحك)، أهداها لي علال الفاسي، وقد اشتراها من أندونيسيا لما حضر مؤتمر باندونغ. ربطة عنق من قماش أندونيسي، ما زلت أحتفظ بها، أقدرها لأنها هدية من علال الفاسي (ضحك).

* متى حدث كل ذلك؟

- خلال الستينات.

* أعتقد بأن رأي علال الفاسي يستمد قيمته من كونه صدر عن زعيم سياسي وأديب كتب في الشعر وفي الشريعة وفي التنظير السياسي.

- سررت غاية السرور بسماع رأي علال الفاسي، وفهمت أن الرواية أعجبته، فقد كان بإمكانه أن يقول مثلا إن هذه الرواية لا علاقة لها بالمكان ولا علاقة لها بالفترة التي تتناولها. لكنه لم يقل ذلك. وقد شكرت محمد شكري الذي أبلغني هذا الرأي الذي أعتز به.

بولز واستقلال المغرب

* بالنسبة إليك، كما يمكن أن يستنتج من أحاديثنا، كان استقلال المغرب سيكون أغنى لو أن المغرب اتخذ لنفسه طريقاً خاصاً يحترم خصوصيته.

- بالتأكيد، لو اختار طريقاً خاصاً، ليس الطريق الأوروبي أو الأميركي، يحترم هويته لكان استفاد أكثر من استقلاله.. لكن رجال السياسة، على رغم أنهم يعرفون خصائص شعوبهم، وطبيعة هويتهم، فهم لا يوظفون كل ذلك من أجل جني الثمار لفائدة الشعب بل يوظفونه من أجل مآرب أخرى. أعتقد بأن رجال السياسة لو كانوا يحملون عواطف إنسانية لما انخرطوا في السياسة، وإذا ما انخرطوا فيها، وهم يحملون تلك العواطف، فهم سرعان ما يطلّقونها. السياسة تفترض الكذب، وتفترض الدفاع عن المصلحة الخاصة، وعن الخطأ، وتفترض القدرة على التمثيل. كتبت رواية «بيت العنكبوت» لأنني لاحظت، قبل حصول المغرب على استقلاله، أن بعض التفريط في الهوية شرع يطبع سلوك النخبة السياسية. وهي سمة تميز سلوك كل نخب الدول المستعمَرة، قد تكون وليدة الافتتان بالحداثة أو الغرب. لكن ماذا يساوي الغرب، أو أميركا أمام عراقة المغرب وأصالته؟ كان على من يحب المغرب والمغاربة أن يعنى بمصيرهما، لذلك رحلت إلى فاس، لمعاينة التطورات عام 1954، لعراقة المدينة واعتبارها عاصمة علمية ودينية لاحتضانها جامعة القرويين. اعتبرت مدينة فاس عينة لما سيتعرض له المغرب (والدول التي عانت من ويلات الاستعمار). التحول العاصف بالهوية، زحف الحداثة، الرغبة في التأورب، تفسخ العلاقات والتمدن الحقيقي، استلاب النخبة السياسية، انفصالها عن أصولها نتيجة الثقافة الغربية التي تجرعتها، فلم تبق أصيلة، ولم تعد حداثية...

* لعل إيقاع العصر فرض التغيير، سواء رغبنا فيه أم لم نرغب.

- ليس العصر هو الذي فرض التغيير بل الاستعمار. زرع الوهم، فاعتقد أبناء الدول المستعمَرة أن الأحوال ستتحسن، واقبلوا على ثقافة المستعمِر ودَعم الاستعمار هؤلاء لأنه رأى فيهم المبشرين الجدد، بدينه الجديد (...)

* كأنك اتخذت موقفاً من استقلال المغرب؟

- لم أتخذ موقفا من استقلال المغرب ولا يجب أن أفعل، بل أردت أن أقدم شهادة عن مرحلة حرجة من تاريخ بلد وشعب أحببتهما، وأقدم شهادة عرفان محذراً مما سيتعرض له بلد أصيل ظل محافظاً على أصالته وعلى هويته مئات السنين ثم تسرب الضعف لاعتزازه بهويته، لضعف في نخبته التي أصابها مس فرنسي، وسار (البلد) يقلد متبعاً طريقاً، لا خير يرجى من ورائه. وأعتقد بأن كتابة عمل أدبي «بيت العنكبوت» عن بلد يخوض معركة الاستقلال، والتنديد بالمستعمِر لا يترك أي مجال للشك في مساندتنا له في معركته من أجل نيل استقلاله. ولكن لا داعي للقول إن المساندة تستدعي القول إن الاستقلال قد حقق كل شيء! كنت في روايتي تلك قاسيا ضد الاستعمار الفرنسي فكشفت همجيته، ولكنني بينت، أيضاً، أن اختيارات النخبة المجتمعة داخل «حزب الاستقلال» لا تحترم أصالة البلد وأهله ولا تحترم هوية المغرب والمغاربة. وأعتقد بأن التاريخ، للأسف، أنصفني. لذلك قدرت شهادة السيد علال الفاسي حق قدرها، لأنني رأيت فيها أنه انتصر للتاريخ والحقيقة والواقع والواقعية.
 
نعم للاستقلال، هذا أمر طبيعي، وقد أديت كالمغاربة ضريبة الاستقلال، وهذا أمر أغبط نفسي عليه (يشير بولز إلى اعتقاله من لدن السلطة الفرنسية بفاس وضربه، ثم طرده من فاس قبل إغلاقها للاستفراد بأهلها)، ولكن الطريق الذي سارت فيه النخبة فيه نظر. وذلك ما دفع البعض إلى القول إن هناك تعارضاً بين رغبتي الشخصية ومستقبل المغرب. أعرف أن التطور حتمية تاريخية، ومن الصعب أن يقاومه بلد معين أو شعب معين. إنه قانون الوجود، لكن العوامل المؤثرة فيه هي التي تحدد طبيعته. وعلى رغم ذلك يمكن أن نتساءل:
 
ألا يمكن للمغرب - والبلدان المشابهة له - أن يطرق باباً خاصاً لتطوره يحافظ على تراثه الغني الذي يميزه ويشكل خصوصيته: لباس المغربي، موسيقاه، عاداته. أتعتقد بأن جمعي للموسيقى المغربية الشعبية وتسجيلي لها كان ترفا؟ إنها إبداع رائع كان سيضيع تحت زحف ضجيج الآلات الجديدة غير المنسجم (...) والمثير في الأمر أن المغاربة يعتبرون تلك الموسيقى متوحشة وينبهرون بالموسيقى الحديثة! الحديثة! (ضاحكاً). والمعمار؟ لِمَ كتبت عن فاس المدينة القديمة؟ لن يبقى منها إلا وصفي لها... ووصف آخرين أحبوها. قد لا يفهم تشبثي، الآن، بهذا التراث الإنساني(...)
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
ولد بول فريدريك بولز في الثلاثين من ديسمبر عام 1910 بمدينة نيويورك. زار طنجة لأول مرة عام 1931 فألفاها "تموج بسحر غريب." انتقل إلى المغرب عام 1947 حيث قضى بقية عمره في عزلة تامة إلى أن توفي بها في الثامن عشر من نوفمبر عام 1999. تزوج من الروائية جين بولز (1917-1973).
كان بولز متعدد الملكات: إذ كان ملحناً وكاتباً ومترجماً. درس التلحين مع آرون كوبلاند وتأثر بموسيقى موريس رافيل فألف موسيقى أكثر من ثلاثين فلماً ومسرحية قُدمت على مسارح برودواي. سجل الموسيقى الشعبية بمناطق مختلفة من المغرب وولع بالموسيقى المكسيكية. ترجم عن اللغة العربية أكثر من خمسة عشر مؤلفاً. من بين ما ترجم رواية الخبز الحافي لمحمد شكري ومجموعة من القصص تحت عنوان خمس عيون لعبد السلام بولعيش ومحمد شكري ومحمد مرابط وأحمد يعقوبي. ( التعريف بالكاتب منقول عن موقع " البوتقة " )
 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
هذا اختيار الناضجات.    كن أول من يقيّم
 
بذرة الحضارة: اقرأ....وفي الكون قناتان: قناة ربط الفِكَر ، وقناة ربط الأشياء. القناة الأولى تنادي العقلاء أنْ إذا قرأتم واستقريتم ، وجب عليكم التصنيف والتنظيم ثم الشروع بالكتابة الهادئة الناضجة حتى تستويَ لوحة فنية تسُرّ القارئين:
                  إذا مرّ بي يومٌ ولم أصطنع يداً ** ولم أستفدْ علماً فما ذاك من عمري
القناة الأخرى هي ربط هذا الكون بخالقه؛ بأنْ تقرأ وتعيَ لماذا القمر؟ المريخ ، زُحل،نبتون، بلوتو....لو اقترب القمر جزيئاً لحصل مدٌّ ولَغرقنا،....وبضده يكون القحط واليُبس والموت....
المال يحمله الغبي والذكي ، واللئيم والكريم...ولكن لا يستوي الذين يعلمون والذين يجهلون: شتان بينهما، هنا الأصالة والإبداع، وهناك الافتراء والابتداع،والمسخ والتلفيق...
إن القراءة غذاء صحي بعيد من الدهون والنشويات والسكريات؛ حتى نأمن من أمراض القلوب والعيون.......إن القراءة غذاءالروح....وفي حياتنا طبيبان: طبيب الأرواح ، وطبيب الأبدان، فكيف نمارس
الرياضة ونقوّي أجسامنا وعضلاتنا، ونهمل رقي أرواحنا؟ ألسنا أبداناً تحركها روح الله؟
إن الحكمة بنت التجربة ، والحكيم تهذبه التجارب وتصقله....إنه الذهب تزيده ناراً ، فيزيد نوراً.....والمثقف فِكْرٌ ولغة : إذا فقد فكره أو تاجر فيه ، أو...طغى وهوى..، وإذا فقد لغته أصبح في عِداد المفقودين..
أمّا الحضارة فليست بناء حجر ، بل هي بناء عقول بشر...وسلاحا الدمار الشامل لكل حضارة :الظلم والجهل ...وجسم أي حضارة وروحها: العدل والعلم....وخلاصتهما : الأخلاق...
هنا في أمريكا رجال كلل رأسَهم ثلجُ الشتاء ودبّت في أوصالهم برودة الفناء: قلوبهم وعواطفهم معنا، أولئك الذين قرؤوا واستقرَوْا و وعَوا وولجوا أبواب العدل فقالوا كلمتهم التي سجلها التاريخ ، أو سيكتبها
لهم.....
لقد تصدقتِ عليّ صدقة يا أختي ست ضياء خانم أسعدتني، وإنني أدعو الله العلي القدير أن يبارك فيك وفي مَن تحبين. لك مني احترامي وامتناني.وأمي تسلم عليك وتقول لك:سيجعل الله من بعد عسر يسراً وسيُضيء الله القادر قلبك عن قريب .
*د يحيى
21 - يناير - 2008
الشكر الجميل    كن أول من يقيّم
 
أستاذنا الكريم الدكتور يحيى :
 
 دعواتكما أضاءت عتمة قلبي وكانت شمس هذا النهار الذي أرجوه نافعاً لنا ولكم . لنا بكم أسوة حسنة ولكم الشكر الجميل .
*ضياء
21 - يناير - 2008
موقف بول بولز من أسطورة الخبز الحافي ... !!    كن أول من يقيّم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كانت الظروف في غالب الأحيان تجعلني أتقاسم الأزمات مع شكري، فيتحمل كل منا هموم الآخر فيحصل التفاهم لحل تلك الأزمات ونحن على أحسن ما نكون من الانبساط.... مرة كنا في جلسة حميمية نستمتع بفضاء سطح مقهى موح نتفرج على منظر الميناء الجميل حيث البواخر تحوم فوقها أسراب من الطيور في جو يسوده الهدوء التام... كان شكري قد  دعاني لهذه الجلسة خصيصا ليقدم لي أوراق الخبز الحافي لإبداء رأيي فيها ومدى صلاحيتها للنشر حتى يجعل منها                                                                                                                        كتابا لسيرته الذاتية.. فتعمدت أن أجعله متفائلا على أنها قابلة للتصحيح والتغيير لتصير كتابا... انبسط شكري ملاحظا تغير أحوالي في هذا اليوم، تبدو على ملامحي علامات الحيرة والقلق... فألح علي في السؤال عن سبب ما ينتابني من حزن، فأخبرته بأنني أعيش أزمة مادية خانقة لأجد نفسي مضطرا للقيام بحركة تجارية خاصة توفر لي ما أوضب به حياتي اليومية... فأعرب لي عن أسفه العميق عن عدم قدرته على مساعدتي... إلا أنه فجأة أخذ بيدي يجذبني لمصاحبته بعدما ظهرت على محياه ابتسامة تنم عن تفاؤله بإمكانية مساعدتي طالبا مني أن أصحبه للمكان الذي يمكن أن تتحقق فيه هذه الرغبة، مصرا أن لا يبوح بالمكان المقصود حتى يبقى هذا السر مفاجأة. قطعنا مسافة طويلة داخل المدينة مرورا بالسوق الداخلي وصولا إلى القنصلية الأمريكية حيث توجد بجانبها عمارة الربيع التي يقيم بها الكاتب الأمريكي بول بولز... استغربت لجرأة شكري إلا أنه جذبني ممسكا بيدي، مؤكدا أن بولز هذا هو من سيحل هذه الأزمة. صعدنا درج العمارة إلى غاية الطابق الرابع، اتجه شكري مباشرة للشقة رقم 20 حيث يوجد بولز... طرق شكري الباب مرارا دون أن يرد أحد، ثم صاح مناديا على المرابط وهو شاب أمي تغلب عليه طبيعة البيئة الجبلية اختاره بولز صديقا دائما يقضي له حاجاته الخاصة، يطلعه على جميع أسراره... بولز تستهويه اللهجة الجبلية ويروقه الاستمتاع ببعض السهرات الراقصة لفتيان من أصل جبلي تقذف بهم الهجرة إلى طنجة التي تحتضن كل من هب ودب... يظهر أن المرابط هذا غير موجود لأنه لم يرد على نداء شكري المتكرر. فجأة، أطل بولز بعين واحدة من ثقب وراء الباب، فلما رأى شكري فتح الباب على التو... هكذا هو يحب العزلة، دائم الصمت ولا يجالس إلا من يوافق مزاجه الغريب الأطوار، طبعا وسلوكا... عند دخولنا، تبين لنا أننا قطعنا عليه أفكاره إذ أنه كان منهمكا في الكتابة على الطاولة التي عاد إليها وقد وضعت فوقها العديد من الأوراق المبعثرة هنا وهناك ومجموعة من الأقلام وضعت في كوب خشبي قديم... اعتذر شكري عن الإزعاج... بولز هذا تربطني به علاقة المجالسة في مقهى الرقاصة الشعبية التي كان يتردد عليها مرارا ليلتقي ببعض المستشرقين الغربيين للتباحث حول المواضيع المتعلقة بالحياة الاجتماعية لأهالي المدينة العتيقة في ذلك العصر، يجعلون منها مقالات ومؤلفات يتفننون في صياغتها لتصبح مثيرة للتشويق ينشرونها خارج المغرب... بادر شكري لإخبار بولز بالمقصود من الزيارة كوني جئت راغبا في قرض مبلغ أجعل منه رأسمالا لتجارة من نوع خاص، وكعادة بولز دفعه فضوله ليسألني عن نوع التجارة التي أنوي ممارستها وقدر المبلغ المطلوب... فأخبرته بأنني استقيت الفكرة من بعض الشبان اليهود لاحظت حركاتهم بين الأحياء، كل واحد يحمل بيده حقيبة بداخلها نماذج من بعض السلع المختارة يتجولون بها بين متاجر أحياء المدينة وهي عبارة عن ساعات يدوية وأخرى تستعمل للجيب ومعجون وفرشاة للأسنان وآلات كهربائية للحلاقة وأنواع مختلفة من قنينات صغيرة لمختلف العطور ذات الروائح الزكية... هذا النوع من السلع مغر للبيع السريع وأرباحه تقدر بضعف الثمن... لذلك فإن رأس المال المطلوب لا يحتاج إلى أكثر من ألف بسيطة... ابتسم بولز مبديا إعجابه بذكائي، مضيفا أنه كان يرى بعض التجار الشبان يحترفون هذا النوع من التجارة المتجولة منذ أن كان طفلا في سن المراهقة بمسقط رأسه بمدينة نيويورك الأمريكية لذلك فهو يستحسن الفكرة إلا أنه بادرني بما لم يكن في الحسبان حيث قال : ليكن في علمك يا ولدي أنني لا أدفع إلا لمن يرد لي المقابل... فسألته : أي مقابل تعني ؟ أسأله وأنا في أشد ما يكون من القلق والتوتر والغضب... فأجابني : صديقك شكري يعلم... فبادرته بالقول وبلهجة مشوبة بالغضب : إذا كان شكري يدفع لك المقابل حينما تقدم له المساعدات فإن الشيء الوحيد الذي أكرهه هو السلوك الشاذ... هنا قام آتيا عندي حيث استوى في جلوسه بجانبي ليفهمني أنني أسأت الفهم، موضحا أن المقابل الذي يقصده هو تزويده بحكايات عن عادات وطقوس وتقاليد الطبقات الشعبية من السكان ليجعل منها مقالات للنشر... هنا تغيرت أحوالي بعدما شعرت بالذنب معتذرا له عما صدر مني، فوجدت الفرصة مواتية لأطلب من شكري أن يقدم أوراق الخبز الحافي التي عرضها علي لأبدي رأيي فيها مؤكدا أن بولز هو من سيقوم بعملية التصحيح والتغيير ليجعل منها كتابا بلغته حينها يمكن ترجمته للعربية فتتحقق الأمنية... بإخراج السيرة الذاتية لشكري إلى الفضاء الأدبي دخولا للتاريخ من بابه الواسع... ابتهج كل من شكري وبولز لهذه الفكرة... هنا تسلم بولز الأوراق من شكري فتسلمت أنا بدوري مبلغ الألف بسيطة التي كانت لبنة لتجارة رابحة بامتياز ساعدتني على إتمام دراستي إلى غاية التحاقي بسلك التعليم كموظف وهكذا ضربت عصفورين بحجر... مرت هذه الوقائع دون أن أتوقع أنه سيأتي اليوم الذي سيحضر فيه بولز ليقدم لشكري كتاب الخبز الحافي مؤلفا بالإنجليزية ... ومباشرة قام شكري بتحويل هذا الكتاب للكاتب المغربي الطاهر بنجلون فيصبح الكتاب مؤلفا بالعربية... وبعد اطلاعي عليه وجدت أنه قد أضيف إليه الكثير من الأحداث تعد من قبيل الخيال... وقد أصبت بالذهول حينما أحدث الخبز الحافي فيما بعد ضجة كبرى في الأدب العالمي ومترجما لعشرات اللغات... !! ومن هنا تبدأ العداوة الكبرى بين شكري وبولز الذي ظل يعاتبه عن احتكاره لمردودية الترجمة للعديد من اللغات ليحتفظ شكري بالشهرة وفتات المكافآت البسيطة لبعض الترجمات المحدودة.. فأدركت أنا شخصيا أن جل أحداث الخبز الحافي غير حقيقية. لقد وظفت تلك الأوراق لمضامين حكايات منسوجة تجمع بين سيرة شكري الصعلوك المتشرد وحكايات صعاليك آخرين من خيال بولز، فتأكدت وأنا أقرأ الخبز الحافي أن الكتابة ارتبطت في ذهن القراء بفضح المستور من أجل الإثارة حتى ينال الكتاب الإعجاب بجرأة الكاتب الأمي وجعل تلك الكتابة كفن روائي يحكي السيرة الذاتية لشكري وكما أرادها بول بولز... كل ذلك في غياب الضوابط التي يجب أن تفرض على الكتابة والتي يجب أن تحترم القارئ المهتم بالكتابة الأدبية الوطنية.. ناهيك عن الأسلوب الفاضح تجعلك وأنت تتمعن في مضمونها فكأنك تشاهد أفلاما للخلاعة بتعدد ذكر الأعضاء التناسلية والدعارة والشذوذ حيث الكاتب لا يرى إلا عالم التعفنات الجنسية بفقرات بشعة وحقيرة تنم عن عهد الانبطاح كل هذا مغلف بمظهر الكاتب الجريء المتحدي لعصره... ومما يجدر التركيز عليه هو سن شكري بتعلمه القراءة والكتابة وهو في سن العشرين... لكن الحقيقة غير ذلك طبقا للواقع الذي عايشته والذي يفرضه المنطق إذ أن تاريخ ازدياد الفرد ما قبل الاستقلال لم يكن مضبوطا إلا عند بعض العائلات ذات المستوى المعرفي وفي مذكراتها الخاصة لأن في عهد الاستعمار لم يكن هناك دفتر للحالة المدنية، فكيف يمكن ضبط سن شكري إذا كان هو نفسه لا يعرف تاريخ ازدياده خصوصا وأنه من عائلة جاهلة في تلك الفترة، والده من بادية الريف منغلق بالمرة... وأعود للكاتب الأمريكي بول بولز الذي وحده يعرف هذه الحقائق، وأذكر هنا أنني كنت وفي جلسة خاصة، وكنت قد عاتبته على قلب الحقائق في أوراق شكري للخبز الحافي فأجابني بأن الكتابة الأدبية في ذلك العصر تقتضي ذلك وأن هذا النوع من الكتابة يعتبر تحديا في الأدب المعاصر لذلك كان لزاما أن أجعل السيرة الذاتية لشكري على الطريقة التي تتطابق مع سيرة غيره من الصعاليك في قالب رومانسي يغري بالإثارة... ثم انطلق يحكي لي عن حياته منذ أن هاجر مدينة نيويورك الأمريكية مسقط رأسه وهو في سن العشرين قاصدا طنجة التي يعشقها لأصالتها وشعبية أهلها الطيبين بعد أن ربط علاقة صداقة بالعديد من كبار الكتاب الغربيين معظمهم من المستشرقين الإنجليز يكتبون عن الحكايات الاجتماعية للطبقات الشعبية من السكان وخاصة البدو الوافدين من المناطق المجاورة ذات الطرافة والإثارة والتشويق... كان بولز متزوجا بامرأة أحبها لتطابق طبعها مع طبيعته، فتألم ألما شديدا لوفاتها لتبقى طنجة أنيسته الوحيدة... كان في منتهى الذكاء يتقن اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية ولغات أخرى... وكم عاتبت شكري على نعته بأسوأ الصفات في العديد من اللقاءات والتظاهرات... وقد ودع بولز الحياة على فراشه المتواضع وهو في سن التاسعة والثمانين قضى منها ما يقارب تسع وستين سنة في طنجة التي ترك فيها ذكريات ستظل ترددها الأجيال مع مرور الحقب والأزمان... !!
** منقول من جريدة "الاحداث المغربية" 23 يونيو 2007 م

 
*abdelhafid
24 - يناير - 2008
بين بول بولز و محمد شكري..    كن أول من يقيّم
 
 
:
بول بولز نبيل في إخلاصه للأدب أما سلوكه الاخلاقي والمادي فآمر آخر
الطاهر بن جلون أسدى الي معروفا كبيرا.. وأعتقد أنه ندم علي ترجمته الخبز الحافي
حاوره:        يحيي بن الوليد  و الزبير بن بوشتي
في هذا المحور من سيرة/ لقاء الكاتب محمد شكري يتحدث عن هموم الترجمة وعلاقته بالناشرين الذين لا يجد كلمة جيدة في قاموسه ليقولها عنهم. ويشير الي علاقته ببول بولز الذي يري انه كان اديبا جيدا ولكنه مادي، ويحاول الكاتب هنا تسجيل عدد من النقاط حول علاقته ببول بولز. ومع ذلك يعتقد ان جان جينيه قدم له نصائح جيدة في مجال القراءة، ومقابل ذلك عرف شكري الكاتب الفرنسي علي الكتابات العربية. فجينيه كان قد انهي مرحلة عطائه الادبي، فيما كان شكري قد بدأها او يبحث عن خروج له عبر عمل كبير. وهنا يشير الي الحكاية المعروفة عن توقيعه عقدا لنشر مذكراته/ سيرته/ روايته الخبز الحافي مع الناشر الانكليزي وبحضور بول بولز ولم يكن قد كتب حرفا منها. وعن علاقته بالكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون يعترف بأفضال الاخير الا انه يشير الي فتور العلاقة لأسباب كثيرة ويقول في بداية معرفتنا كنا نلتقي ونتعانق، مع المدة صرنا نتصافح برؤوس الاصابع ثم صار يلوح لي بيده من بعيد، وأخيرا صار كلانا يتحاشي رؤية الآخر. أنا شخصيا لم اختر هذه النهاية. للأسف... .

الترجمة

الزبير بن بوشتي: لقد دشنت حياتك بهجرة من الريف الي طنجة، ثم تهاجر كتاباتك عبر عشرين لغة ترجمت إليها حتي اليوم. هذه الهجرة الي لغات أخري نتذكر أنك دشنتها برحلة لغوية من البربرية (الريفية) الي العربية، فهل كانت الرحلة اللغــــوية شـــاقة مقارنة برحلتك من الريف الي طنجة إن صحت هذه المقارنة؟
محمد شكري: طبعا كانت شاقة بالنسبة لي ؛ فلقد كنت طفلا وكان لابد لي من أن أتعامل مع الاطفال. أما عالم الكبار فقد كانت مقتصرا علي أمي وأبي. كان هناك أطفال مغاربة لا يعرفون بتاتا اللغة الريفية (البربرية) وأطفال ريفيون الذين كنت أتواصل معهم. كان بينهم من يعرفون الدارجة المغربية لأنهم إما هاجروا قبلنا فتعلموا قليلا أو كثيرا الدارجة المغربية أو لأنهم ولدوا هنا وتعلموا اللهجتين. كان هناك شبه اضطهاد لغوي. هجرتنا الي طنجة كانت لعنة بالنسبة إليهم ولعنتنا لأننا كنا بينهم. يا اللعنتين ...!
الزبير بن بوشتي: هل كان تعلمك العربية ـ في هذه المرحلة ـ تعلما تلقائيا أو كان هناك من يلقنك الدارجة المغربية للتواصل بها مع محيط طنجة الجديد عليك ؟
محمد شكري: الدارجة المغربية تعلمتها بسرعة كبيرة كما تعلمها الاطفال الريفيون المهاجرون. كان لزاما علينا تعلمها حتي نكافح الاضطهاد اللغوي المسلط علينا، لكن اللكنة الريفية ظلت تلازم الكثيرين من الريفيين فتعذر عليهم إخفاء هويتهم. وأتذكر أنني عندما كنت أضطهد من طرف الاطفال المغاربة أطلب النجدة من أطفال الغجر الاسبان والاندلسيين الذين كانوا مضطهدين مثلنا فيغيثونني. كنا جميعا منبوذين ومتهمين بالسرقة والاحتيال والخداع ـ نحن الريفيين والغجر والاندلسيين. إن بعض الخصومات كانت تنتهي بالجروح الخفيفة أو البالغة الخطورة، لكن لا أحد مات في هذه المعارك الطفولية.
الزبير بن بوشتي: علي ذكر الغجر الاسبان، نعرف أن طنجة الدولية كانت تعرف وجودا مكثفا للجاليات الاوروبية والامريكية مما يفرض علي قاطنيها التواصل مع أفراد هذه الجاليات، كيف كنت تتواصل مع الاجانب؟
محمد شكري: عن أي سن تسألني ؟
الزبير بن بوشتي: أسألك عن سن الطفولة دائما.
محمد شكري: لم يكن لي تواصل حقيقي إلا مع الغجر والاندلسيين البائسين مثلي، أما تواصلي مع الاسبان (مع طبقة أرفع) والفرنسيين الذين كانت طبقتهم أرفع من الاسبان اجتماعيا واستعماريا فقد جاء فيما بعد. لقد اشتغلت في كثير من الحانات والمطاعم. كنت غسال صحون وكؤوس وأواني الطبخ. وكان مالكوها من جنسيات مختلفة. إذن كان لابد من أن يكون هناك نوع من التواصل بين هذه الجنسيات المتعددة ولو بالاشارات وبعض الكلمات.
الزبير بن بوشتي: وأول لغة تعلمتها.
محمد شكري: الاسبانية. وعندما ذهبت الي العرائش، لأدرس، كان رصيدي جيدا في هذه اللغة.
الزبير بن بوشتي: ألم يكن تعلمك الاسبانية في البداية يعود فضله الي أبيك؟
محمد شكري: أبدا لا. كان ابي أميا في هذه اللغة.
الزبير بن بوشتي: رغم أنه حارب في إسبانيا في صفوف جيش فرانكو.
محمد شكري: لم يكن يعرف من الاسبانية إلا كلمات. ولم يكن يعاشر إلا المغاربة مثله. كلهم تقريبا كانوا أميين.
الزبير بن بوشتي: والفرنسية والانكليزية كيف تعلمتها ؟
محمد شكري: كانت تتوافد علي طنجة وفود السياح من جنسيات مختلفة. هكذا صرت ألتقط الكلمات من هنا ومن هناك. كنت أيضا مرشدا سياحيا غير رسمي. في تلك الايام كانت كثير من الاشياء مباحة ومتسامحا معها.
الزبير بن بوشتي: أريد أن أتوقف معك عند نقطة تركز عليها كثيرا في حديثك وتتعلق بكراهية المغاربة في طنجة للريفيين الوافدين علي مدينتهم، ألا تعتقد أن لهذه النزعة أسبابا سياسية بحيث أن الاسبان حفزوا الريفيين للهجرة الي طنجة لتضييق الخناق علي الادارة الدولية بها أملا في أن تصبح طنجة منطقة خاضعة لسلطتهم ؟
محمد شكري: هذا سؤال وجيه. لكن أيضا هل كان كل المغاربة الطنجاويين يساندون بقاء الاستعمار الدولي في طنجة ؟
الزبير بن بوشتي: لكن يجب علينا أن نعرف أن في مثل الظروف السياسية التي كانت تعيشها طنجة ـ علي العهد الدولي ـ كان لكل دولة موجودة فيها عملاء من المغاربة، وهؤلاء كانوا يتكلفون بما يصطلح علي تسميته صناعة الرأي العام فكانوا يبثون بين المغاربة دعايات وإشاعات ضد المهاجرين الريفيين حتي يؤججوا كراهية المغاربة لهم ومطالبتهم بالعودة الي قراهم.
محمد شكري: الاستعمار يفرق دائما كي يسود. فبدءا من عام أربعين أصبحت طنجة تحت الحماية الاسبانية لأنها كانت في الحياد، أثناء الحرب العالمية الثانية، ولذلك فقد أصبح الريفيون تحت حمايتهم، لأن كثيرا منهم كانوا في جيشها الذين جندوا عنوة وليس مبدأ واختيارا، ولهذا فلم يكن الريفيون مضطهدين من طرف الاسبان بل كان هناك نوع من التعاطف في انتظار ما سيحدث. وطبعا لم يفِ الديكتاتور بوعده الذي وعد به المغاربة بإعطائهم استقلال المناطق التي كان يحتلها في المغرب بعد انتصاره في حربه مع الجمهوريين. إنها عادة الديكتاتوريين، متي وفي ديكتاتور بوعده ؟ وبعد استقلال المغرب اندثرت هذه الاضطهادات العنصرية أساسا، لكنها ما برحت قائمة شكليا ـ اجتماعا ولغويا.

بول بولز

الزبير بن بوشتي: لنعد الي مرحلة الكتابة. معروف أن أول مترجم دخل حياتك الادبية هو بول بولز، بداية من سعي الي معرفة الآخر؟
محمد شكري: رأيت بولز للمرة الضائعة في العدّ كما أقول عادة. كان هو كاتبا مشهورا ولم أكن أنا قد كتبت بعد جملتي الادبية الجميلة التي كنت أكابد من أجل العثور علي منطلقها. كنت أراه يأتي الي السوق الداخلي . كان يجلس محاطا برفقائه، أجانب ومغاربة. أذكر منهم أحمد اليعقوبي، الحمري، التمسماني (سائقه)، العربي العياشي، التركيستي (طباخ براين جيسن) وآخرين كثيرين. كان لطنجة سحرها الذي نختزنه اليوم كإرث دون أن ان نبوح بكل سحره. ربما رافقنا بعض هذا السحر الي حيث سنستكين دون أن يزعجنا أحد في أسرار ذكرانا.
الزبير بن بوشتي: ألم تكن لك سابقة معرفة بالمغاربة المحيطين ببولز كأحمد اليعقوبي، الحمري والعربي العياشي، إدريس الشرادي مستعارا في كتابه (حياة مليئة بالثقوب)؟
محمد شكري: كان أول من قدمني الي بول بولز هو إدوار روديتي. كان شاعرا وكاتب مقالات عن الفن التشكيلي ومترجما فوريا في المؤتمرات السياسية والادبية الدولية. وكنت قد عرفت روديتي في نفس السنة التي عرفت فيها جان جينيه (عام 68). لم يكن روديتي يعرف العربية فكنت أحكي له مضامين قصصي بالاسبانية التي يتقنها. لم أعد أذكر كيف أعجب ببعضها. فقط أنه كان يتأملني طويلا ويبتسم. وذات يوم قال لي: إنك ستكون كاتبا. قل هذا فقط لنفسك. وإياك أن تغتر بأول عمل لك يشتهر. إن الغرور لا يقتل إلا صاحبه .
في بداية السبعينات أخذني معه الي منزل بولز و قال له: بول، إن هذا الشاب كاتب من عينة أخري، إنه لا يحكي فقط بل أيضا يكتب ما يحكي. ترجم لـه شيئا، لكن الفرق هو أنه يكتب باللغة العربية الكلاسيكية ومن ترجمت لهم من قبل كانوا يحكون لك بالدارجة المغربية .
رحب بولز بالاقتراح. وبعد يومين بدأنا نترجم بعض القصص التي كنت قد نشرت بعضها في الجرائد والمجلات المشرقية والمغربية. كنا نستعمل اللغة الاسبانية في ترجمتنا. ما ساءني هو أنه كان يأخذ خمسين في المئة من المستحقات التي كانت تدفعها المجلات التي كانت تنشر قصصي.
الزبير بن بوشتي: ولكن بولز لم يكن بالنسبة لك مجرد مترجم فقط.
محمد شكري: ماذا تقصد؟
الزبير بن بوشتي: أقصد أن بولز كان بمثابة وكيل أعمالك أيضا، فهو الذي يقوم بالاتصالات ويبحث عن الناشرين وأصحاب المجلات ويتفاوض علي المستحقات ثم بعد ذلك تأتي عملية الترجمة وإعداد النصوص.
محمد شكري: هذا كله صحيح، لكنه لم يكن في حاجة الي أن يأخذ خمسين في المئة من العائدات. كان غنيا وكنت في خصاصة ـ أحيان اـ الي شراء كتاب أو علبة سجائر أو دواء. هذا ليس تسولا وإنما حقوقي.
الزبير بن بوشتي: وأنت تتحدث عن المستحقات في علاقتها بالاشتغال الادبي، تبادر الي ذهني أن أسألك: هل كان سعي اقترابك من بولز هو طموح أدبي أو أنه حافز مادي يرضــي غرورك الجشع الي الشهرة؟
محمد شكري: أكيد أن الطموح الادبي كان مصحوبا بالطموح المادي، لكن الطموح الادبي كان أسمي. أنا أعتقد أن كل كاتب ـ مهما كانت درجة كتابته ـ لابد أن يسعي إلي الكسب المادي حتي ولو كان المردود ضئيلا من خلال ما يكتبه. إن ذلك يرضي غروره. إن الكبرياء هي عزاؤنا إن لم أقل كل وجودنا.
الزبير بن بوشتي: يعترف بولز في تقديمه للترجمة الفرنسية لكتاب cinq regards (خمس نظرات) بالصعوبات التي سببتها له وهو يشتغل معك علي ترجمة الخبز الحافي.
محمد شكري: (يضحك)، ربما لأن بولز لم يكن معتادا علي ترجمة أعمال شـــخص يكتب نصوصا ولا يروي حكايات عن عفو الخـــاطر: فالذيــــن حكوا لـه حكاياتهم وسيرهم الذاتية قبلي أنا، لم تكن لديهم جرأة مطــــالبته بأن يعيد عليهم ما يقوم بترجمته لي. وحظي أن لي إلماما بالانكليزية من غير أن أدعي معرفة أساليـــــبها. شيء أقل، لكنه مسعف لما هو ضروري. ولم يكن بولز متعتنا في إعــــادة عليّ ما صاغه بإنكليـــــزيته. كنا نصحح أسماء شـــوارع وأشخاص وبعض المعاني إن كانت تخلّ بالنص. إنه نبـــيل في إخلاصه للأدب أما سلوكه الاخلاقي والمادي فهذا موضوع آخر.
الزبير بن بوشتي: ألم يكن تدخلك فيه نوع من التوجس والتخوف من إضافات بولز وحشوه؟
محمد شكري: تقصد أنني كنت أشك في أنه قد غيّر؟
الزبير بن بوشتي: بالضبط.
محمد شكري: عندما كنت أعيد قراءة ما كان يترجمه لي لم أكن أجد إلا ما هـــو طفيف في التحوير.
الزبير بن بوشتي: لكن بولز يذكر عكس هذا، فهو يقول إنك كنت تضايقه كثيرا الي درجة طلب منك اتخاذ مكان بعيدا عنه في الجانب الآخر من الغرفة.
محمد شكري: إنها مبالغة وتهويمات. أحيانا كان يبالغ في تدخين الكيف أو تناول المعجون . إنها بانوراما المتعاطين الكيف و المعجون . وأنا أيضا يحدث لي هذا عندما أبالغ في تناول الكحول. إنها حالة بشرية مرضية ينبغي لنا أن نغفرها. ثم هناك افتراءات. وليس حجة أن يكون بولز شاهدا عليها وحده.
الزبير بن بوشتي: قبل أن تشتغل مع بولز ـ علي ترجمة الخبز الحافي ـ كان هناك من سبقك للتعامل معه من رواة صادقوه وعاشروه ومنهم من قاسمه السكن.
محمد شكري: (مقاطعا) عندما يتعاشر شخصان لا ينبغي لنا أن نكــــون فضوليين في معرفة مسيرة عيشهما. هذا ســــؤال أخلاقي بائد يجب أن نلغيه بين شخصين يعيشــان حياة حميمية.
الزبير بن بوشتي: قبل أن تتعرف الي بول بولز، كنت تسمع عنه وعن ترجماته لبعض الحكواتيين الشعبيين الذين نشر لهم في أمريكا وانكلترا، فهل كنت تحاول أن تخضع كتاباتك لنمطية ما يترجمه بولز حتي تغريه بترجمة أعمالك؟
محمد شكري: إن النصوص التي ترجمها لي بولز هي قصص مكتوبة ثم أمليتها عليه بالاسبانية التي يتقنها. لذلك لم أكن خاضعا لرغبته في كتابة قصص تحت الطلب. لكن هذا لا ينفي أنه كان السبب في كتابتي سيرتي الذاتية الخبز الحافي ومذكراتي مع جان جينيه وتينسي وليامز في طنجة. وطبعا كنت أدون مذكراتي معهما يوما فيوما.
الزبير بن بوشتي: متي عرفت تينسي؟
محمد شكري: عام 1973 وكان الخبز الحافي مترجما الي الانكليزية وفي طريقه الي النشر. أهديت لـه نسخة ما قبل السحب النهائي (أي البروفات)، وبعد قراءته للنص كتب: وثيقة حقيقية عن اليأس الانساني تستبد بالاعماق وتأخذ بالانفاس .
الزبير بن بوشتي: هل صحيح أنك وقعت عقد نشر سيرتك الذاتية مع بولز وناشره الانكليزي ولم تكن قد كتبت جملة واحدة منها ؟
محمد شكري: لم تكن لدي فكرة عن كتابة الخبز الحافي بالطريقة التي تمت به كتابته. كنت علي وعي بأن السيرة الذاتية لا يكتبها صاحبها إلا بعد مجد أدبي، وأنا كنت مازلت أتعثر في كتابة قصصي وبعض المقالات الأديبة. كتابتي الخبز الحافي جاءت صدفة. لقد حلّ في طنجة الناشر الانكليزي بيتر أوين الذي سبق له أن نشر حياة مليئة بالثقوب لإدريس الشرايبي و الحب ببضع شعيرات لمحمد المرابط وجاء باحثا عن ضحية أخري، لم يكن يدفع إلا تسبيقات هزيلة وتبريره هو أنه يسدي خدمات كبيرة للذين ينشر لهم لأنهم مغمورون. وأنا أجهل كم كان يأخذ منه بولز عن ترجماته. كان همــــي الكبــــير هو أن يصدر لي كتابي الاول فوقعت عقدا معهــــما. ادعيت أن سيرتي كانت مكتوبة ولم أكن قد كتبت منها الجملة الاولي. في ذلك المساء بالذات بدأت كتابة الفصل الاول في عِلّية مقهي روكسي . استمررت في كتابتها علي هذا المنوال الي أن تمت المخطوطة في أقل من شهرين في ظروف سيئة ماديا. حتي السجائر كانت تنقصني. وما أكثر أيام الجوع رغم أنني كنت موظفا. إنه التبذير في يوم واحد عندما تتقاضي أجرتك الشهرية وأنت مصاب بأكثر من بلية.
الزبير بن بوشــــتي: كــنت تأتيه كل صباح بفصل؟
محمد شكري: ((يقاطعني هامسا). ليس كل صباح بل كل مساء. لا تنس أنني كنت أشتغل في التعليم. لم نكن نترجم فصلا كاملا كل يوم. وعندما أنهينا الكتاب بحت لبولز بالحقيقة وهي أن الكتاب لم يكن مكتوبا عندما وقعنا العقد. سألني مندهشا: لماذا فعلت ذلك، هل كنت متيقنا من أنك ستنهي الكتاب ؟ أجبته: نعم. وهذا هو تحدي الريفيين ، فابتسم ابتسامته الغامضة المعهودة.
الزبير بن بوشتي: هل كانت الدارجة المغربية حاضرة عندما كنتما تشتغلان في الترجمة؟
محمد شكري: إن بولز لم يكن يعرف الدارجة المغربية جيدا حتي أملي عليه نصوصا بها، ثم لماذا الدارجة المغربية مادمت أستطيع التواصل معه بالاسبانية والفرنســــية اللتين يتقنهما جيدا ؟ ثم ان الدارجة المغربية لا تستوعب ما نريده منها عندما ننقل اليها نصا كتبناه بالفصحي العكس صحيح.
 
القدس العربي (اللندنية)، يوم 04/02/2002
*abdelhafid
24 - يناير - 2008
هويات تخترق الحدود ولا تعترف بالجغرافيا..    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 
خوان غويتيصولو - ترجمة : ابراهيم الخطيب
صدر مؤخرا عن الناشر (KrTU) كتاب «حوارات بدون حدود» الذي يضم محاضرة للكاتب الإسباني خوان غويتيصولو مترجمة إلى أربع لغات هي العربية والكاطالانية والإنجليزية والفرنسية. وكان الكاتب قد ألقى هذه المحاضرة بالإسبانية في خزانة الكتب (كاطالونيا) يوم 28 نونبر 2006. وندرج في ما يلي الترجمة العربية التي أنجزها الناقد والمترجم المغربي إبراهيم الخطيب.



نحن نعيش في عالم حدوده قاسية رُسمت غالبا بواسطة الدماء، وهوياته ثابتة تعتمد التهميش والإقصاء، حيث يصير الذين لا يقبلون بذلك هدفا للشك والنوايا الفاسدة الشريرة. فما معنى أن يقال «قشتالي في كطالونيا، مفرنس في إسبانيا، إسباني في فرنسا، «هسبانو» في أمريكا الشمالية، نصراني في المغرب، و«مورو» في كل مكان» كما وصفت نفسي، منذ عشرين سنة، على صفحات كتابي «الحِمى الممنوع»؟ إن الطروحات المتسلطة، أحادية المعنى، التي تـُرسم حدودها دوما بواسطة المسطرة والفرجار -سواء كانت طروحات قومية أو لسانية أو سوسيولوجية، إنما تقودنا، نحن الذين لا نندرج فيها، إلى أرض مشاع حيث يصير التعقيد نشازا والفضول إزاء الغرابة شذوذا ينبغي الحيلولة دون انتشاره. عليك أن تكون إسبانيا، أو فرنسيا، أو تشيكيا، أو هولنديا، أو كطلانيا، أو باسكيا، أو منتميا إلى قومية محددة دون غيرها، وإلا وجب عليك أن تنصب خيمتك خارج أسوار الحصن الهوياتي. ليست هذه الهويات الجماعية، التي «قاومت آلاف السنين»، حسب عبارة ( أميريكو كاسطرو)، إلا نتاج قراءات مبتسرة للماضي داخلتها تزييفات مغرضة وأساطير بالغة الغنى، مثل أسطورتي الرسول سانتياغو والأحد عشر ألف عذراء. فإذا كانت الثقافة المتقدمة محصلة المؤثرات الخارجية التي تلقتها وتمثلتها على امتداد تاريخها، فإن ما يدعى علامات الهوية الفردية لا تكون بدورها إلا مهجنة، متغايرة، متحولة، أي ثمرة تناقضات محايثة للشخصية الإنسانية ولتشاجرها المتعدد مع التاريخ والمجتمع.
تعود حساسيتي إزاء المدافعين عن هوية جماعية مفترضة تحدد، مسبقا، مصير الفرد منذ ولادته، ماحية بذلك كل حرية في الاختيار والتعبير، إلى ماض موغل في البعد. ففي طفولتي التي تلت الحرب الأهلية تمّ تلقيني أصول القومية الكاثوليكية باعتبار «الوطن وحدة مصير كونية». لم يكن بالإمكان حينئذ أن تكون إسبانيا دون أن تكون كاثوليكيا، لذا عندما لم أعد كاثوليكيا تحررتُ من السجن الهوياتي الوطني والقومي تبعا لذلك. هكذا، وبجدع الأنف، توالى انفتاحي على ثقافات ولغات أخرى، أي على تنوع العالم وعلى تناقضاته الاجتماعية والخلقية والجمالية المستحثة. تعلمتُ النظر إلى ثقافة شبه الجزيرة على ضوء ثقافات أخرى، والنظر إلى لغتي على ضوء لغات أخرى. ولقد كلفتني مهمة الانفلات من غراء القومية الكاثوليكية وأفقها التاريخي مشاقّ عانيتُ منها عدة سنين. لم يكن العرف الأدبي الرسمي، الذي لا زال مداه متواصلا إلى اليوم رغم بعض التعديلات والتنقيحات، ليلائم تماما ذلك العرف الذي وضعته لنفسي وحيدا، ودون عجلة، بفضل شراهة فضولي كقارئ. هكذا انضاف إلى تأثير كبار الروائيين والشعراء الأوروبيين، وإلى مُقامي طيلة عقود في حي «سانتيي» الباريسي متعدد الأعراق، وإلى تدريسي في عدة جامعات بأمريكا الشمالية، اقترابي، وقد ذرّفتُ على الثلاثين، من بلدان المغرب أولا ثم من تركيا عقب ذلك. إن حرصي على عبور الحدود الذي يعتبره الكثيرون شاذا ووخيما -أتذكر دوما ذلك السؤال «التفتيشي» الذي كان مستجوبيَّ يطرحونه علي: إلى ماذا يعود اهتمامك المفرط بالعالم العربي؟ وقد صيغ السؤال بطريقة تتغيا استنباط أسباب غير قابلة للبوح- لم يكن يلبي فقط ضرورة تخلصي من قهر علامات هويتي، وإنما يستجيب أيضا لإرادتي في أن أوفر لنفسي حياة غنية بالتجارب وأحيط قدر المستطاع بمكتبة بابل الكونية. هكذا دلني سربانطيس، الذي لا يزال موضع توجس من طرف بعض المتخصصين، على الطريق السوي: فقد كان بدوره شاذا في عالم عصره، حيث أطلق على نفسه صفة مبتكر نادر، مستبقا بذلك الذين استهدفوا فرادته غريبة الأطوار.

المجتمع الكطلاني

أجد نفسي هنا مضطرا إلى الدخول في مجال شخصي محض: هو مجال محيطي العائلي اللصيق.
في مجتمع مزدوج اللغة عمليا مثلما هو المجتمع الكطلاني أمس واليوم، تمّ تشطيب اللغة الكطلانية بواسطة مكنسة عقب انتصار فرانكو. ففي منزلي، وفي المدرسة، وبين أصدقاء الطفولة والمراهقة، كانت لغة (جول) ملغاة. كان جداي من جهة أمي يتواصلان باللغة الكطلانية على انفراد، لكنهما كانا يوجهان حديثهما إليّ وإلى إخوتي باللغة القشتالية. ولقد رافق ذلك الإخفاءَ المتعمدَ، الذي ورثناه، للغة الحديث، إضمارٌ آخر أكثر عمقا ودلالة: يتعلق الأمر بظروف مصرع أمي الذي كان ينسب إلى «الحُمر» بصورة غامضة، مع أن مسؤوليته ترجع إلى المذبحة الناتجة عن قصف الطيران الفرانكوي لبرشلونة يوم 17 مارس 1938. فإبان منفاي الفرنسي، وحينما كنتُ أتفحص صحبة (فريدريك روسيف) الوثائق المصورة التي كان سيستعملها في تركيب فيلمه «الموت في مدريد»، واجهت لأول مرة مشاهد ذلك الهجوم الجوي العنيف على مركز المدينة من خلال شريط أنباء مصورة أنجز لحساب الحكومة المحلية (جينراليتات)، وتأملت المدى الحقيقي لما حصل. في ذلك الوقت كنت أكتب في الصحافة اليسارية الفرنسية باسم مستعار، وأعمل «رفيق سفر» لحزب شيوعي قابع في سراديب السرية.
خلافا لفرع أبي، سليل دهاقنة السكر الباسكيين الكوبيين، كانت عائلة أمي تنتمي إلى برجوازية مثقفة، متعددة اللغات. لقد كتبتُ في مناسبات عدة عن شقيق جدتي من جهة أمي (رامون بيبيس باسطور) الذي أثرت ترجمته إلى اللغة الكطلانية لـ«رباعيات» عمر الخيام ولاشك على تحرري من القمع المذهبي الديني. ويبدو لي أن تلك الترجمة، التي أنجزت انطلاقا من الإنجليزية والفرنسية، كانت موفقة حيث نقلتها بدوري إلى اللغة الإسبانية ضمن ردودي على كراسة (أوريانا فلاتشي) «السعار والنخوة»، وذلك حينما قابلتْ، في هجومها على التعصب الإسلاموي، بين (دانتي) -وهو شاعر عبقري، دون ريب، لكن رؤيته للجحيم محدودة الشفقة، إذا شئنا التعبير بلباقة- والشاعر الفارسي الكبير الذي نتعرف فيه على نفوسنا، نحن العديد من قراء اليوم، بفضل ماديته البهيجة وارتيابه الديني. لقد كان (رامون بيبيس باسطور) معاديا للبرجوازية، متمردا، نصيرا للكيان الكطلاني، قضى نحبه بسبب داء السل سنوات قبل ميلادي، كما كان مؤلف دواوين شعرية ذم فيها مواطنيه.
لقد أعدت قراءة ذلك كله بعمق فيما بعد، أي في الفترة التي كنت أكتب فيها، وأنا بباريس، «علامات هوية»، محاولا في كتابي هذا إدراج ما ضاع من ميراث أمي، وذلك بواسطة قراءة مواظبة للغتها، وهي القراءة التي مكنتني من الوصول إلى شعراء من مستوى (فويكس) و(بالاو إي فابري) و(إسبريو)، والمساهمة في إنجاز الطبعة الفرنسية لروايات (جوان ساليس) و(ميرسي رودوريدا). بيد أني لم أكشف بعد لغزا آخر ظل محفوظا بعناية في الصوان الذي يحوي أسرار عائلتي.
لقد كانت ( كونسويلو غاي)، أخت أمي الصغرى التي لا زلنا نحافظ بخشوع على كمانها في صومعة شارع «باو ألكوفير»، شاعرة بدورها. لم أكن أعرف عنها الشيء الكثير ما عدا ولعها بالموسيقى، وقرانها الشقي، وترملها الباكر، ووفاتها بسبب سل الكلي في مصحة «بوين سلفادور دي سانت فيليو دي يو بريغات» سنة 1942. لم نرها قط أنا ولا إخوتي، إذ كانت منطوية على سرها الذي لا يقال: كآبة وجنون واعتلال. وبفضل مؤسسة لويس غويتيصولو، غدا بإمكاننا اليوم الاطلاع على أشعارها التي نـُشرت رفقة مدخل توضيحي كتبه أخي، ومقدمة رائعة وضعتها (إلفيرا ويلبيس). لقد كتبتْ (كونسويلو غاي) نصوصها المعدودة أواخر عشرينات القرن الماضي وهي في ريعان الشباب، حيث وقعتها أحيانا باسم مستعار هو (مالابار). تتميز تلك النصوص بحداثة مستحثة، معاصرة لأوائل مؤلفات ما يسمى «جيل السابع والعشرين»، وتتركز فرادتها في قدرتها على التعبير بثلاث لغات هي الكطلانية، والقشتالية، والفرنسية. لم تكن خالتي قد أكملت سنواتها العشرين، بيد أن زادها الثقافي كان ثلاثي اللغة، بحيث أشبهت في ذلك العديد من كتاب أوروبا الاتحادية في الوقت الراهن. لكن الحرب الأهلية والاستبداد الفرانكوي لم يلبثا أن قضيا على عالم حوار بدون حدود كانت تلك المرأة تجسيدا له قبل الأوان.

سفر الكلمات

أعود الآن إلى مجرى خطابي. إن امتلاك ثقافتين ولغتين أفضل من الاكتفاء بواحدة. وإتقان ثلاث لغات أفضل من إتقان اثنتين، وأربع أفضل من ثلاث، وهكذا دواليك إلى غاية الثماني وعشرين لغة التي كان المكتشف وعالم الأعراق (ريتشارد بورتن)، الذي لا أنفك أعجب به، يستعملها، فيما يبدو، شفويا أو كتابة. هكذا تقود الدعوة إلى رضى الاكتفاء الذاتي، والانغلاق داخل صَدَفةٍ واقية -ما عدا في حالة الثقافات واللغات المهددة بالاندثار- إلى جوهرانية عاطفية ووطنية حيث تـُعطى الحظوة ويُعلى من شأن السياق المحلي على حساب القيمة الفنية الكونية التي يستحقها كل مبدع أصيل -حسب تعبير (كونديرا) في كتابه «الستار». ذلك أن عافية ثقافة ما لا تقاس إلا بانفتاحها على الخارج، وحرصها على امتلاك وتمثل عناصرأجنبية تـُغنيها. يتموضع هذا الحوار الذي لا حدود له على طرف نقيض من كل نزعة إقليمية، ومن كل وثوقية دينية أو قومية، ومن كل إطلاقية هوياتية. إن المجتمعات والأفكار والرؤى الخلقية والجمالية تتطور على إيقاع تطور الكائن الإنساني، ولا يغدو ذلك ممكنا إلا بواسطة التبادل، والتناضح والهجنة. فليست لغاتنا الحية أحافير ولا قِطعاَ متحفية تحميها مؤسسات وأكاديميات. وتبرهن اللسانيات الدياكرونية على تواصل اقتراض لغات من غيرها، وعلى استمرار تحول معاني المفردات، وعلى تناوب فترات الانكماش والتوسع والانتشار.
لقد شكل سفر الكلمات، ومخرها عباب محيط اللغات المديد، موضوعا لفضولي وفتنتي على الدوام. هكذا فإن تعلمي الدارجة المغاربية لم يبين لي فقط أصول العديد الذي لا حصر له من المفردات القشتالية، والكطلانية، وإن في حدود أدنى، وإنما بيّن لي أيضا أمرا حميما ومحفزا: وهو ترجمتنا الحرفية لأصوات، وتعابير مناداة، وجُمل، وعبارات مأثورة -وبعض هذه يمكن العثور عليها في متن الأمثال الأندلسية الذي وضعه (ألونصو ديل كاستيو)- ووجود تطعيمات عربية في التركيب اللاتيني الجديد للغة الإسبانية. أضيف إلى ذلك أن التكييف اللهجي غدا يؤثر اليوم في الاتجاه المعاكس: فالعديد من الكلمات القشتالية تسربت إلى الدارجة المغربية، كما أن التنقل جيئة وذهابا بين العربية والكطلانية غدا يفعل فعله. لقد سمعت أكثر من مرة، أثناء زياراتي لمدينة وهران، كلمة capsa - وليس صندوق أو caisse أو caja - التي اعتبرها ثمرة الحضور الجماعي القديم لمهاجرين فالانسيين ومايورقيين من جالية الـ«pied noir» المتلاشية، وهي الجالية التي أدخلت بدورها مفردات عربية إلى لهجة patué الأليكانطية الحالية لدى عودتها إلى أرض أسلافها.
يتشكل الكائن الإنساني من هويات متباينة، لكنها متساوقة في ما بينها. لذا بإمكاني أن أكون برشلونيا وباريسيا ومراكشيا في نفس الوقت، مع ادعاء الجنسية السربانطيسية. أن أكتب باللغة القشتالية، مع إحساسي بأن بيتي كائن في برشلونة وليس في مدريد. أن أتجول في «الرمبلة» و«الريبيرا» و«الرافال» بنفس المباشرة العاطفية التي يوفرها لي المشهد الحضري والاجتماعي في طنجة وفي مدينة الأطلس وردية اللون التي أعيش فيها، أو توفرها ميولاتي كمشّاء فضولي ومنقب في الدائرة الثانية أو العاشرة أو الثامنة عشرة [من دوائر باريس]. أعيش أجواء المدينة العتيقة وأجواء «الرمبلة» وأنا أضيع في الممرات المسقوفة التي وصفها (بودلير) و( والتر بنجامان)، والتي يشغلها اليوم أتراك وهنود وباكستانيون. أصغي إلى تنوع لغات حيوي، وأستمتع بفضاء لا تتوقف حركته، وأعي وشوشات الزمن وتناقضات المجتمع. فالكتابة تعني القبول بوجود نزاعات في قرارة الفرد الكاتب. على المرء أن يكون ملتزما سياسيا في مجال المواطنة، وأنا أحاول أن أكون كذلك، بحيث أدافع عن مجمل القضايا التي تطابق العقل والأخلاق: كالنضال ضد الظلم والفاقة والتفرقة العنصرية والعرقية، وفي سبيل إحقاق المساواة بين الجنسين، والإجهاض المشروع، وقانون زيجات الأمر الواقع. أما في مضمار الأدب فلا يتسع الأمر لأي تصحيح أو إصلاح. ذلك أن الإبداع الشعري والروائي -شأنه في ذلك شأن الاستيهامات الجنسية لدى الفرد- لا يوجه بأي عصا خلقي أو اجتماعي، وإلا غدا مجرد إِرشادات وعلاجات مذهبية. فإذا كان البحث أو المقالة الصحفية يتطلبان معايير خلقية سياسية ووضوحا في الأفكار، فإن الرواية لا تستلزم ذلك البتة، لكونها نتاج إنسان متكامل، عقلي ولا عقلي، مؤلف من ذكاء وغرائز، والذي هو حصيلة هويات متعددة ونزاعات لا حل لها.
................................................................
عن جريدة المساء المغربية .
*abdelhafid
3 - فبراير - 2008
إذا فسد الشعر!    كن أول من يقيّم
 
إذا فسد الشعر!

خيري منصور

يروى عن الشاعر ويليام بطلر ييتس انه كان معجبا بشاعر بريطاني شاب، لم ينشر غير القليل من القصائد، وعندما التقاه فوجىء بقامته المسرحية، ووسامته، وصوته الجهوري وعينيه اللتين يمتزج فيهما الحزن بالكبرياء، فما كان من ييتس الا ان صرخ في وجه الشاعر الشاب : لن اقرأك بعد الآن. وهذا هو الضرر الوحيد الذي يمكنني ان الحقه بك كي تبدو ناقصا بالنسبة لي على الاقل. ولم يكن ييتس تنقصه الحكمة خصوصا في سنوات النضج الشعري، لكنه استجاب ولو للحظة لما أملته عليه نرجسية انسانية وليست شعرية فقط، انه يذكرنا بعبارة بالغة الكثافة للشاعر الالماني ريلكه الذي قال بأن الجمال ينطوي على رعب ما، لهذا لا بد ان نحذف منه شيئا كي يصبح قابلا للاحتمال. اما صديقي الزورباوي الذي يكتب الشعر بقدميه، او يعزفه على الهواء، فقد قال لي ذات يوم معترفا بأنه اذا شاهد امرأة ذات جسد معافى وهي تمشي امامه بردفين يشبهان ردفي فرس مدللة، ومعلوفة بسخاء، فإن ما يتمناه هو ان لا يكون وجهها جميلا كي يستطيع الاحتمال ....
اننا نتحدث هنا بلغة اخرى غير تلك التي يتحدث بها المشتغلون في صناعة الذهب رغم انهم يدافعون عن نقصان عيار الذهب كي يتصلّب، ان هذا الدفاع عن النقصان هو من صميم الهاجس البشري خصوصا عندما لا تكون الذات مُتحققة وتشعر في العمق بأنها لم تنل استحقاقها حتى لو كان وهميا! ''' الشاعر العربي الان، وريث اسلاف لم يفتقروا الى شيء قدر افتقارهم الى التجانس، وهذا بحدّ ذاته امتياز لأنه يغني التنوّع، ويقي من التكرار، لهذا لم يعتبر الشعراء العرب الذين سمعوا جاك بيرك يقول بأنهم كثيرون كأشــجار النخيل في أرضهم وصحرائهم مديحا، لأنه فاضل بين الكم والنوع لصالح الكم واوحى على نحو غير مباشر بأنهم متماثلون كالنخيل رغم ان النخيل ليس كذلك، ولو كان بيرك ممهورا بالرسالة الانطولوجية ذاتها التي قال بأن الابجدية ممهورة بها لعرف ان النخيل ليس متشابها الا بسعفه وانتصاب قامته وتزاوجه بغبار الطّلع... الشاعر العربي الان سليل امرىء القيس والحطيئة معا، وحفيد المتنبي وثالوث الهجاء الاموي، وهو صوفي وصعلوك حسيّ يعصر الحزن بأصابعه كعنقود عنب او سفرجلة ناضجة بقدر ما هو تجريدي يتعامل مع الانوثة لا مع امرأة ومع الوطنية لا مع الوطن ومع العشق لا مع العشاق! عندما يكتب هذا العربي الملتاع، والملدوغ بشهوة اشهار الذات كعورة تستدرجه اللغة، وتفتضح سرّه، لأنه يفعل بلا تردد ما فعله الملك الضلّيل كي يثأر لنفسه من ذويه ويدفع الثمن، وهو اشد انواع الموت الما وتعفّنا وهو تقرّح الجلد تحت عباءة مستعارة من خصم تقمّص في لحظة ماكرة دور الحكم. وهو الحطيئة وابن الرومي معا، اذا لم يجد من يهجوه هجا نفسه، وان لم يجد من يلدغه من فائض الكبت لدغ نفسه ليس لأنه شرير او معجون من سايكولوجيا غير بشرية، بل لأنه الخلاصة التي يتكثف فيها تاريخ غاشم، اورث شعراءه شهوة السلطة فاختلط عليهم الامر بين نفوذ شعري وآخر اجتماعي او اقتصادي او حتى جسدي. يموت هذا الشاعر وفي نفسه شيء من تاء التأنيث، وولاية عباسية او أموية او حتى عثمانية، فالجد الشعري الاعظم ابو الطيّب قال بأن فؤاده ملكي وان كان لسانه شعريا... لهذا ذهب بالنرجسية الى اقصى العمى في عز البصيرة، واستطال حتى تحول الى نخلة باسقة امام الشعراء والى عشبة في حضرة خليفة. ان من صنّفوا ديوان العرب الى خانات منها بل في مقدمتها الفخر والمديح، أهملوا بعدا سايكلوجيا وآخر انثروبولوجيا في نسيج الثقافة التي تشكل منها هذا الوريث..... فالرهان على احد اثنين هما اقصى طرفين متباعدين لمعادلة كونية لها الصدر والقبر معناه الوحيد حذف المتن لصالح الهوامش وحذف الوجود دفاعا عن وجود متخيّل، وهذه بحد ذاتها مفارقة، لأن أبسط بدهيات علم النفس هو ان سَرطنة الذات وتضخمها المرضي هو المعادل الموضوعي للشعور بعدم الاستحقاق والدونية او مركبات النقص اذا استثنينا استخدام مصطلح كلاسيكي في السايكولوجيا، فالغلو في مديح الفروسية ومنظومة قيمها قد يكون البرهان على غيابها، فالناس الذين يتحدثون بافراط عن الديموقراطية انما يفعلون ذلك على سبيل التعويض والحنين الى ما هو مفقود، وهذا ما عبّر عنه برنارد شو عندما قال ان كل انسان يثرثر عما ينقصه بالفعل.
''' لدينا في ثقافتنا الحديثة محاولات جادة وبالغة الاهمية في رصد حالات العصاب والرهاب والاستعلاء وتبادلية الهجاء، منها ما كتبه صلاح عيسى مثلا عن أدلجة السياب، وما كتبه هادي العلوي عن الاغتيال السياسي في تاريخنا، وحبّذا لو يقوم ناقد عربي برصد هذه الظواهر لدى شعرائنا وكتّابنا ممن احترفوا اغتيال بعضهم، فما كتبه الماركسيون والواقعيون عن مجلة 'شعر' مثلا يصلح عينة نموذجية لفحص دم لهذه الثقافة، وبالمقابل فإن ما كتبه القوميون عن الماركسيين لا يقل نموذجية في هذا الفحص.
ما كتبه التقليديون الاتباعيون عن الحداثيين وما تبادله الشعراء الرواد من إقصاء سلطوي لبعضهم من ملكوت الشعر لم يذهب مع الريح فقد ورثناه، بل رضعناه في الحليب المشوب بسمّ الكراهية وثقافة الانتقام والكيدية والثأر ....
وما قاله البياتي عن نزار في الحوار الشهير الذي اجراه معه فاروق البقيلي وما رد به نزار على البياتي، لم يدخل حتى الان الى مختبر السايكولوجيا للتعرف على منسوب الوراثة في هذا المرض المزمن. ان حكاية العربي مع الشعر ليست هي الحكاية ذاتها في أية ثقـــــافة أخرى، لأنه ما من شعر في التاريخ تورط بظاهـــــرة التكسب كما حدث لديوان العرب، ولم يكن ما كتبه عبد الفتاح كيليطو عن القصيدة المتعددة الازواج وما كتبه د. جلال خياط عن التكسب بالشعر وما افتضحه د.علي الوردي في 'وعّاظ السلاطين' الا صرير اوليا لبوابة عملاقة مغمورة بالصدأ.
فالشعر العربي لم يكن خارج تلك المنظومة المكائدية عندما يتعلق الامر بالحب والثورة والموت، وغياب المناقبية في بعدها التربوي والاجتماعي لا بد ان يقابل غياباً آخر في الكتابة، ان فساد الشعر وليس فساد الملح هو خاتمة الكتابة، عندما يتحول الشعر الى عيّنات نازفة من دم موبوء، وهنا تقتضي الشهادة منا ان نعترف لمن نجوا من هذه الجرثومة الوبائية بالفضل مرّتين... لأنهم تحولوا الى لقاحات باسلة واجترحوا لنا رواقية كانت ستبقى كلمات مجردة في الموسوعات والمعاجم لولاهم ...
الشاعر العربي الآن ليس نبتا شيطانيا او مستولدا بأنبوب الشعرية المترجمة انه وريث هؤلاء جميعا، لكنه بدلا من أن يقتل آباءه تقمصهم وشهر سيوفهم وعوراتهم في وجه أخيه، ويبدو ان للشعر ايضا هابيله وقابيله وله أيضا بروتوسه وقياصرته، لهذا أشفقت على راحلين كبيرين أطلق اعلام الوجبات السريعة ونقد المناسبات عليهما لقب القيصر، رغم أن من يطلقون هذه الالقاب على مبدعينا الراحلين هم بروتوس بطبعات مختلفة!

عن المرساة/    عن القدس العربي - 06/09/2008
*abdelhafid
7 - سبتمبر - 2008
ماذا بقي من البنيوية؟     كن أول من يقيّم
 

هاشم صالح



يحتفل الفرنسيون حاليا بمفكرهم الكبير كلود ليفي ستراوس الذي سيصبح عمره قرنا كاملا هذا الشهر وبالتحديد في 28 نوفمبر (تشرين الثاني). وقد صرح بانه اول المندهشين بهذا الوضع، ولم يكن يتوقع اطلاقا ان يعيش كل هذا العمر المديد. فهو ولد مع غريمه سارتر في بدايات القرن العشرين. وجلسا على مقاعد الدراسة معا. ولكن سارتر مات منذ زمن طويل. أما هو فلا يزال على قيد الحياة يقرأ روايات بلزاك للمرة الاربعين ويتعلم اللغة اليابانية! وهو يعيش في قرية صغيرة على الحدود الفرنسية- السويسرية بعيدا عن ضجيج العواصم وتلوثات المدن الكبرى وقريبا من الطبيعة الخلابة التي طالما أحبها استاذه الكبير: جان جاك روسو. وقد كرست له مختلف المجلات الكبرى والجرائد ملاحق ثقافية وتحقيقات واسعة تتحدث عن انجازاته الفكرية وكتبه ونظرياته ومسار حياته ككل. وهنا نقدم نبذة عن أعمال هذا العالم الفذ الذي اشتهر بانه مؤسس البنيوية في الفكر الحديث. ومعلوم ان البنيوية اصبحت موضة شائعة ليس فقط في مجال النقد الادبي وانما في كل المجالات. وانتقلت الى شتى انحاء العالم ومنها عالمنا العربي بالطبع.


ولكن إذا كانت البنيوية قد انحسرت كموضة أو كإيديولوجيا، إلا أنها بقيت كمنهجية في البحث العلمي. فعندما تزول حركة فكرية ما فإنها لا تزول كلياً وإنما يبقى منها أفضل ما فيها، ثم ينصهر ويذوب في الحركة العامة لتاريخ الفكر. وهكذا يمكن القول بأنه لا شيء يموت كلياً، ولا شيء يولد من عدم. ولكن تعاقب الحركات الفكرية وراء بعضها البعض كالليبرالية والماركسية والظاهراتية والسريالية والوجودية والبنيوية والحداثة وما بعد الحداثة، دليل على أن الواقع أكبر من أي نظرية مهما علا شأنها وعظمت عبقرية صاحبها. فكل نظرية لا ترى من الواقع إلا جانباً واحداً ثم تتوهم أنها رأته كله وفسرته حتى استنفدته تفسيراً. ولكن الواقع خصب، غني، معقد، كثيف. وحركة الحياة لا تتوقف. وهكذا تبدو النظرية عاجزة –بعد فترة- عن مسايرة الوضع. هكذا تنشف النظرية وتجمد، وتظل الحياة مليئة... بالحياة. وكما قال غوته في كلمته الشهيرة: «رمادية» هي النظرية، يا صديقي، ووحدها شجرة الحياة تظل خضراء....

ما هو الشيء الجديد الذي أتت به البنيوية؟ للجواب عن هذا السؤال سوف نستعرض هنا آراء أهم المفكرين المعاصرين في هذا المجال: أي كلود ليفي ستراوس الذي يجمع الكل على أنه أب البنيوية ليس فقط على المستوى الفرنسي وإنما على الصعيد العالمي ككل. فمن هو كلود ليفي ستراوس؟

ولد ليفي ستراوس في عائلة بورجوازية في بدايات هذا القرن ودرس الفلسفة مثل سارتر وسيمون دوبوفوار. ولكنه تحول عنها فيما بعد لكي يتخصص في علم الاثنولوجيا (أو دراسة عادات الشعوب البدائية وتقاليدها وعقليتها). وهكذا قام برحلتين إلى البرازيل عامي 1935 و1938 وأتيح له الاطلاع على أحوال الهنود الحمر في ضواحي ساو باولو أو أريافها البعيدة. وبعد أن درس الشعوب البدائية عن كثب وبشكل ميداني كما يفعل أي عالم انثروبولوجيا عاد إلى فرنسا وهو محمَّل بالمعلومات والحكايات والأساطير العديدة. ثم اضطر للهجرة إلى نيويورك أثناء الحرب العالمية الثانية، وهناك أُتيح له اللقاء برومان جاكسون، زعيم الألسنيات البنيوية الحديثة. وكان لقاء حاسماً غيَّر مجرى حياته كما اعترف بذلك فيما بعد. فقد كشف له جاكسون على أنه تمكن دراسة المجتمع كما تُدرس اللغة. فعادات المجتمع وتقاليده هي أيضاً لغة وترمز إلى شيء آخر يقبع تحتها او خلفها هو: البنية. من هنا نتج علم السيميائيات او الدلالات بالمعنى الواسع للكلمة: أي من لغوية وغير لغوية. فالازياء لغة، والمطبخ لغة، والعادات والتقاليد المختلفة من مجتمع الى آخر لغة، واسلوب التحية والتهذيب الياباني او الفرنسي او العربي لغة، ومغازلة السيدات الباريسيات لغة تختلف عن مغازلة الفتيات العربيات ولها قواعد وأصول الخ.. لنضرب على ذلك مثلاً نظام القرابة (أو المصاهرة) السائد في مجتمع ما. فالناس يتزوجون طبقاً لقواعد أو لعادات يمكن دراستها كنظام رمزي متماسك كما تدرس اللغة. وقد طبق ليفي ستراوس هذه المنهجية البنيوية على أنظمة القرابة السائدة لدى قبائل الهنود الحمر التي زارها وعاش بينها لفترة وخرج باكتشافات مدهشة. بل وأدى إلى إحداث ثورة معرفية داخل علم الانثروبولوجيا. وهكذا صدر كتابه الكبير الأول عام 1949 بعنوان: «البنى الأولية للقرابة». واكتشف أن الزواج في هذه القبائل –وفي كل المجتمعات البشرية- يخضع لقواعد وقوانين صارمة دون أن يكون الناس واعين بها تماماً. وهذه القواعد تشكل لغة المجتمع في إقامة العلاقات بين أعضائه عن طريق المصاهرة. وبالتالي فيمكن دراسة هذه العلاقات الاجتماعية كما يدرس جاكبسون العلاقات البنيوية داخل اللغة. فـ«الفونيم» أو الوحدة الصوتية الأولى تشبه البنية الأولية للقرابة. والعلاقات بين عدة فونيمات (أو وحدات صوتية) هي التي تشكل المعنى داخل اللغة، مثلما أن العلاقة بين عدة أطراف هي التي تشكل نسيج النظام الاجتماعي عن طريق المصاهرة. هكذا راح ليفي ستراوس يدرس المجتمع كما يدرس عالم الألسنيات اللغة سواء بسواء. وقد اكتشف ليفي ستراوس أن هناك ثوابت (أو متغيرات) تقبع خلف التنوع الظاهري لأنظمة القرابة السائدة في مختلف المجتمعات البشرية. من هذه الثوابت حظر التزوج بالنساء القريبات جداً. فليس هناك من مجتمع في العالم سواء أكان بدائياً بسيطاً، أم حضارياً معقداً، إلا ويمنع الزواج بالخالة أو العمة ناهيك عن الأم والأخت أقرب المقربات. ومنع الزواج بالنساء المقربات هو الذي يتيح المصاهرة بين العائلات المختلفة وهو الذي يخلق شبكة العلاقات الانسانية والديناميكية الاجتماعية. وإذن فإن الزواج أو المصاهرة هي لغة يمكن دراستها بنيوياً كما تدرس الجملة أو النص اللغوي والعلاقات الداخلية التي تتحكم فيه. وهكذا دعا ليفي ستراوس إلى الاستفادة من علم الألسنيات أثناء صعود البنيوية في الستينات والسبعينات. فقد أصبح العلم الرائد والطليعي بالنسبة لمختلف الباحثين. ولكنهم تطرفوا في تطبيقه بشكل شكلاني إلى درجة أنه قد حصل رد فعل ضده الآن. في الواقع إن ليفي ستراوس أراد استخدام نتائج علم الألسنيات من أجل تقديم نظرية عامة عن المجتمع بصفته نظاماً متكاملاً. أو قل إنه أراد تقديم نظرية عامة عن التواصل والتبادل. وقال بأن التواصل في المجتمع موزع على ثلاثة طوابق.

1 ـ فهناك أولاً تبادل النساء داخل المجتمع عن طريق الزواج. وهذا التبادل هو الذي يشكل شبكة العلاقات الاجتماعية الحية. وهو يتم طبقاً لقوانين القرابة والمصاهرة التي يمكن اكتشافها عن طريق الدراسة الميدانية للمجتمع. لماذا تفضل هذه العائلة المصاهرة مع تلك، وتمنع المصاهرة مع عائلة أخرى؟ الخ.. ما هي المعايير أو القوانين التي تتحكّم بكل ذلك؟ وكيف يمكن لنا أن ندرس بنية المجتمع من خلالها؟

2 ـ وهناك ثانياً تبادل الأرزاق والسلع عن طريق المتاجرة. وهذا التبادل يخضع لقوانين علم الاقتصاد التي يمكن دراستها بنيوياً أيضاً. فبنية الاقتصاد الإقطاعي أو الريفي البدائي، غير بنية الاقتصاد البورجوازي التجاري أو الصناعي..

3 ـ وهناك ثالثا تبادل الرسائل اللغوية –أو الخطابات الكلامية- ويمكن دراستها عن طريق تطبيق قواعد علم الألسنيات. فتبادل الكلام بين البشر ليس عفوياً إلى الدرجة التي نتوقعها، وإنما يخضع لقوانين غير واعية. فمثلاً قبل أن نفتح فمنا لكي نتكلم نراعي نوعية الشخص الذي نخاطبه، هل هو كبير أم صغير، مهم أم غير مهم، عدو أم صديق، غني ام فقير، الخ..

كل هذه الأنظمة الثلاثة (نظام القرابة، ونظام التبادل الاقتصادي، ونظام الخطاب) هي التي تتحكم ببنية المجتمع ككل، أو قل هي التي تشكل البنية العامة للمجتمع. ودراستها الواحدة بعد الأخرى تساعدنا على فهم بنية المجتمع. هكذا نجد أن فعاليات المجتمع تشكل أنظمة رمزية (أو شيفرات) تدرس بنيوياً كما تدرس أي لغة بشرية.

ولكن لكلمة «بنيوية» معنى آخر لدى ليفي ستراوس. فهو يقصد بها ثوابت الطبيعة البشرية. وهو هنا يلتقي بالمثالية الكانطية. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن الطبيعة البشرية واحدة على الرغم من اختلاف الأجناس والأنواع والأقوام البشرية. فعلى سطح الأرض يوجد عدد كبير من المجتمعات البشرية، الصغيرة او الكبيرة، البسيطة أو المعقدة، الزراعية او الصناعية، البدائية أو الحضارية. ولكن الإنسان هو الإنسان في كل مكان. فهو يحب ويكره، أو يغبط ويحسد، أو يصادق ويعادي في كل مكان... صحيح أنه يفعل ذلك بأشكال وصيغ مختلفة طبقاً لنوعية المجتمع ودرجة تطوره أو عدم تطوره، ولكن الحسد يبقى هو الحسد، والحب هو الحب، والحقد هو الحقد الخ... بمعنى أن هناك ثوابت للطبيعة البشرية. وتركيز ليفي ستراوس على الثوابت (أو اللامتغيرات) هو الذي جعل الآخرين يتهمونه بكره التطور، والحركة التاريخية، وحب الجمود أو التزامن الأبدي، أي بقاء المجتمع على نفس الحالة إلى أبد الآبدين. وقد حاول ليفي ستراوس أكثر من مرة الدفاع عن نفسه والقول بأنه لا يكره التاريخ ولا التطور، وأنه ليس مع الثبوت، ولكنه لم ينجح في ذلك تماماً. فهو يعتقد بوجود دوافع عميقة جداً أو لاواعية تتحكم بالروح البشرية وعقلية الانسان ويستحيل تغييرها. ويعتقد أن مهمته كباحث تكمن في الكشف عن هذه الدوافع الثابتة التي تتحكم بالطبيعة البشرية في كل زمان ومكان. صحيح أن هناك عدداً لا نهائياً أو قل هائلاً من الثقافات والمجتمعات البشرية المختلفة في عاداتها وتقاليدها وأنماط حياتها. ولكن وراء هذه الاختلافات «السطحية» للبشر تربض دوافع ثابتة لا تتغير ولا تتبدل هي ما يدعوه ليفي ستراوس بمكوّنات الطبيعة البشرية او ثوابتها. فالبشر أحبوا وكرهوا وتحاربوا قبل آلاف السنين مثلما يحبون ويتحاربون الآن. وحدها الأسلحة اختلفت ولكن الدوافع بقيت واحدة. ففي السابق كانوا يتحاربون بالسيوف واليوم يتحاربون بأحدث أنواع الأسلحة من طائرات وصواريخ ودبابات. وكما كان كانط يرى بأن هناك مقولات أسبقيّة تتحكم بالعقل البشري قبل أن يتنطّح لمهمة التفكير ودراسة الواقع (كمقولة السببية، والزمان والمكان...) فإن ليفي ستراوس يعتقد بأن هناك قوانين أو إكراهات أبدية تتحكَّم بطريقة اشتغال الروح البشرية.

ولكن الإنسان يعتقد أنه حر، وأنه يتصرف بشكل عفوي لأنه غير واع بهذه الإكراهات والقيود التي تحركه من وراء الستار او من خلف الوعي الظاهري. وليفي ستراوس يعتقد بأن الإنسان مسيَّر أكثر مما هو مخيَّر، من هنا نزعته التشاؤمية وعدم ثقته بالطبيعة البشرية. ولهذا السبب اختلف مع جان بول سارتر الذي كان ثورياً رومانطيقياً يؤمن بالإنسان وبإمكانية تغيير المجتمع نحو الأفضل باستمرار. سارتر كان يؤمن بامكانية تغيير الطبيعة البشرية، ولكن ليس ليفي ستراوس. من هنا نزعته المحافظة واليمينية التي جعلت منه خصما لسارتر اليساري التقدمي على الساحة الفرنسية.

عن موقع المرساة
عن
*abdelhafid
10 - نوفمبر - 2008