التبر والتراب كن أول من يقيّم
كنا في سفر ، ووسيلتنا في رحلتنا هي القطار ، ومن عادات المسافرين أن يتحدث الركاب مثنى مثنى أو يشاركهما ثالث لإزجاء الوقت ، وقد يكونون أكثر من ذلك ، ورأيت رجلا منفردا يلبس ملابس أهل الريف والناس لا يلقون له بالا يسمع ويبتسم أحيانا ويعبس أحيانا تأثرا بما يسمع من أفكار في كل حوار ، ثم نظر إليَّ وكأنه يخطب مودة الحديث فابتسمت له إيذانا بالبدء فانفجربالكلام المكبوت في صدره وعلا صوته وتحول الحديث إلى شكوى الثقافة الباهتة ثم إلى خطبة عصماء يمجد فيها زكي مبارك وطقته ، فكان هو المتكلم وهو السامع وهو المناقش ومدير الحديث ، ولم أكن أثناء ذلك أكثر من متأمل ، ولمّا همَّ بالسكوت تنفست الصُّعَداء ظنا أنني سأخلد إلى النوم ساعة أو بعض ساعة أو قليلا من الصمت على أسوأ الأحوال ؛ فإذا به يقول : ( تعرف يا مولانا إزاي يفرَّقوا بين التبر والتراب ؟ ) فطار النوم من عيني ونطقت لأول مرة مذ ركبت : كيف ؟ فقال : بالنار ... نعم بالنار فهي المحك الرئيسي في ذلك ، ولولا النار ما انفصل الذهب خالصا من الشوائب . ولما رأى إقبالي على حديثه قال : وكذلك الرجال لا تعرف معادنهم إلى في أوقات الشدائد . وصدق من قال : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة . وبعد سنين من التجارب انتبهت إلى أني كنت أتذكر كلام هذا الريفي بعد كل تجربة ، واليوم أقول : سبحان الله الذي خلق النفوس وأودع فيها طبائع المعادن ولا تصقلها إلا الشدائد . |