البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الفلسفة و علم النفس

 موضوع النقاش : بين الدين والفلسفة    قيّم
التقييم :
( من قبل 19 أعضاء )
 ضياء  
29 - أكتوبر - 2007
 
 اكتشف الإنسان ، ومنذ قديم العصور ، قدرته على التفكير : أي تحويل المعرفة الحسية إلى معاني مجردة خاضعة للنظر العقلي ، وذلك من خلال قدرته على استنباط حلول لمواجهة المخاطر المحدقة بوجوده . ومنذ قديم العصور ، أخذ الإنسان يستغل تلك القدرة لتغيير شروط حياته والتأثير في العالم الذي يعيش فيه لأن هذه القدرة على تخيل الحلول ، أي تخيل ما هو ليس بموجود بعد واقعياً ، أعطى لوجوده أبعاداً قذفت به خارج المكان والزمان .
 
إن حاجة الإنسان إلى التفكير ، ثم إلى التفلسف ، تنبع من حاجته لاكتشاف حلول لمشاكل حياته المادية والوجودية . وهذه الحقيقة يجب ألا تغيب عن بالنا أبداً وإلا وقعنا في العبثية والعدم .
 
إن رغبة الإنسان في السيطرة والتأثير على العالم المحيط به هي إذن دافعه الأول للتفكير ، لأن فهم ومنذ لحظات وجوده الأولى بأن للمعرفة سلطة وسلطان ، وبأنها سبيله الوحيد لإدخال نظام ما في عالم من الفوضى محفوف بالمخاطر ، فأخذ يتأمل في الكون والطبيعة لمحاولة فهم قوانينها ، وتساءل عن معنى وجود الإنسان على الأرض ، وعن أصل العالم وكيفية حدوثه ، فكان أن أدى ذلك إلى استنباط معرفة أولية صاغها على شكل أساطير ضمنها ، من جهة ، تاريخه وفهمه للوجود والدين والأخلاق ، كما عكست شعائرها وطقوسها ، من جهة أخرى ، رغبته في التحكم بمظاهر الطبيعة والموت والمرض ...
 
إلا أن عصر الفلسفة الذي بدأ عند اليونان أعاد تأسيس الوعي بالذات والعالم على نحو  جديد  : فبينما كانت الأسطورة قد وضعت الإنسان في عالم تتحكم بمصيره آلهة البانثيون ، وضعت الفلسفة الإنسان نفسه بمواجهة العالم ، وفرضت على عقله التحدي الأكبر : وهو محاولة الإستيلاء على المعرفة بواسطة العقل واستعادة القدرات التي كان قد نسبها للآلهة والتحكم بها لمحاولة السيطرة على القوانين المسيرة للكون والخروج من عبثية تلك الدائرة الأزلية من الخوف .
 
 فالفلسفة إذاً هي : المعرفة العقلية ، وهي في نشأتها ، الحاجة إلى عقلنة الوجود والأشياء وتعليلها ، وإشاعة النظام فيها بما يمكننا من احتوائها والسيطرة عليها .
 
إلا أن الإحساس باللامتناهي والعبث رافقا تلك الرغبة بإخضاع العالم لتفسيرات قوانين ملموسة ومضبوطة معرفياً . من هنا جاء التناقض في الفكر الفلسفي ، لأن الفلسفة توغلت في الماورائيات ، وحاولت البحث عن ذلك المعطى المجهول الذي يدفعنا للخروج على المحسوس المادي ويساعدنا على التوغل في أعماق الذات والوجود ، وحاولت إخضاعه للتفكير العقلي . ولهذا الوعي بأبعاد الوجود اللامتناهي ، وهذا الدفع خارج الذات وخارج حدود المعرفة الملموسة ، توكيد على أهمية دور الفلسفة في إعطاء معنى للحياة وقيمة الوجود الإنساني فيها ، وهو دفع فيه تحرير لثروات هائلة ، وطاقات لا نعرف حدودها بعد ، تزيل عالم الخواء من النفس وتنأى بنا على أن نكون شيئاً بسيطاً من ضمن الأشياء المحيطة بنا .
  
إن التجربة الفلسفية هي إذن جزء من التجربة العقلية والروحية للإنسان ، لكن سمتها الأساسية هو استخدامها للعقل كمصدر للمعرفة . هي نتاج خبرة  خاصة بالأنسان وليست من معطيات الوحي رغم أنها حاولت  ، في كثير من الأحيان ، اقتحام عالم الماورائيات وربط الديني - السماوي بالأرضي . من هنا جاء الالتباس . 
   
لا يمكن لأي فيلسوف ، أو لأية فلسفة إذن أن تقدم لنا حلاً نهائياً للقضايا الكبرى التي تشغل بالنا ، إن كل ما ستفعله الفلسفة ، أو الفيلسوف ، هو أنه سيبذل عصارة فكره وتجربته ، وسيحاول بأن يضفي على الحياة ونظامها شكلاً يقربها إلى الدرجة الأعلى من الوعي التي توصل إليها عصره وبيئته وزمنه الذي يعيشه ، وأحياناً تكون الفلسفة تعبيراًعن حركة إجتماعية هي خلاصة تجربة أمة أو شعب أو عصر ما بأكمله يشكلها الفيلسوف في منظومة معرفية محددة .
 
غير أن الفلسفة ورغم انتصارها للعقل ، هي تجربة روحية أيضاً لأنه لا يمكن فصل هذه الملكات عن بعضها البعض في الذات الواحدة . فكما أن خبرة الإنسان المعرفية لا يمكن فصلها عن معطيات الوحي الذي تجلى في الرسالات السماوية ، كذلك من الصعب فصل الفكر الإنساني عن مقصده في تلمس المعرفة وتجلياتها الموحى بها عبر الرسل والأنبياء .  
 
من هنا ، وبسبب هذا الالتباس الحاصل في مصدر المعرفة ، والذي شكل نقطة محورية في السجالات الفلسفية التي دارت في العصر الإسلامي ، سوف نحاول في هذا الملف إعادة قراءة العلاقة بين الدين والفلسفة ، من خلال متابعتنا لآراء فلاسفة ومفكرين كتبوا بهذا الخصوص على مدى التاريخ ، متمنين مشاركتكم في إغناء هذا الملف الذي نرتجي منه الفائدة ومتابعة الحوار الفلسفي الذي انقطع في مجالس الوراق .
 
 
 1  2  3  4 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
الشعر وسؤال العقل:    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
.. - إذا كانت وظيفة العقل كما حددتها الفلسفات المتعددة تتمثل إلى حد ما في تخليص الإنسان من التشيؤ، وتحريره من قيود التناهي الحسي، ومن البعد الجزئي للظاهرة، الملموسة، وذلك بوضع الوجود الحسي الملموس موضع التساؤل والشك، ومن ثم يحدث التغيير الذي يمليه تفكير العقل، وهو تغيير في الأغوار الأكثر عتامة وولوج الاستضاءة والإنارة، إذا كان الأمر كذلك حسب هذه الفرضية، فأين تتمثل وظيفة الشعر الجوهرية؟ إن الشعر - وهو يلامس الحكمة كالعقل - يخلص الإنسان بدوره من التشيؤ الملموس، لكنه يتجاوز العقل في تحرير الكائن من التناهي المعقول، ومن سيطرة العقل على الوعي الباطن، وعي إنتاج التخييل الكثيف، ويحد من سلطته في قمع نوازع التحرر الذاتي، محفزا إرادة الإبداع على الخلق الذي ينحرف عن المثال والنموذج والنظام. وهو بذلك يكشف في الظاهرة المعقولة عن جانبها الأكثر إعتاما، داعيا في الآن ذاته إلى وجود لا متناه يحمل سيمياء التعددية التخييلية حيث الأشياء تكشف عن ذاتها بالخروج عن دائرة المألوف المعقول، وهو ما يعني تخلص من ما يسميه فلاسفة النظرية النقدية - العقل الأداتي أو العقلانية التقنية - ذات البعد الوحيد حسب تعبير هربرت ماركوز.
وهذا ما دفع أدورنو وهو رائد للمدرسة النقدية لفرنكفورت إلى الالتماس في الشعر منطقة نجاة من التناهي العقلي، ومن تسلط الذات العاقلة على الطبيعة، ليتحقق الوعد بالسعادة والحقيقة الذاتية غير المزيفة، تلك الحقيقة الأصيلة التي تعبر عن جوهر الكينونة، فلابد للشاعر حسب أدورنو من أن يكتب وهو ممتلئ بالواقع التاريخي، وأن يتحسس الصوت الذي يتراوح فيه العذاب والحلم الذي يضعه نصب عينه، ولابد أن يغوص في ذاتيته الفردية ليتمكن من تجاوز هذه الذاتية، ويشارك مشاركة موضوعية في لغة المجموع وفيما هو إنساني ولم يتشوه بعد، ولا يتم ذلك إلا بالتعبير الأصيل عن الواقع الاجتماعي الممزق، وهو واقع متطرف في العقلانية الفاسدة التي لا يتم درؤها إلا بتطرف - بواسطة الفن - في اللاعقلانية والإمعان في التجريد، والبعد عن الطبيعة للاقتراب من الطبيعة(1).
وهذا ما يعني تجاوزا للعقل الذي يقف عند حدود تفسير العالم، وتفعيلا لفاعلية الشعر باعتبارها اختيارا ثوريا - بالمعنى الإبداعي - يهدف إلى تغيير العالم، تغييرا جوهريا يكشف طاقات الوجود الكامنة.
ب - إن القاسم المشترك بين الشعر والعقل هو محبة الحكمة، ولكن الاختلاف بينهما يكمن في منهج القراءة الحكيمة. فالعقل يدرك الحكمة من زاوية السلطة، بسيطرته على الحواس، والوعي الباطن، والطبيعة، واعتباره الواقع انعكاسا للعقل/اللوغوس، فنظام الكون يجري على نسق العقل إلى درجة أن هيجل في مثاليته المطلقة يعتبر أن " كلّ ما هو واقعي، فهو عقلي، وكل ما هو عقلي فهو واقعي" فنحن إذن إزاء تأويل عقلي للوجود. لكنه تأويل تماثلي يقوم على أساس تقني سيمتري.
أما الشعر فهو ينحو منحى تأويليا فائضا، فحب الحكمة ليس إلا قراءة لا متناهية لوجود لا متناه، ومن ثم يغدو فهم العالم سبيلا لتجريب كينونة المتخيل، هذا التجريب الذي يبدأ من تكسير حدود الواقع الحسي والواقع المعقول أيضا ليلج اختبار الاستحالة. وكما يرى جورج باتاي، فالإمكانية العقلية ليست هي البعد الوحيد لوجودنا، فقد يتاح لنا أن نعيش كل حدث يخصنا في علاقة مزدوجة، مرة نعيشه كشيء نفهمه، ندركه، نتحمله، ونسيطر عليه بربطه في النهاية بقيمة الوحدة، مرة أخرى نعيشه كشيء يخفى عن كل استعمال، وعن كل غاية بل يفلت من قدرتنا على تجربته، لكننا لا نستطيع نحن أن نفلت من تجرته. كما لو أن الاستحالة - تلك التي فيها لا يعود بإمكاننا أن نتمكن منها - كانت تنتظرنا وراء كل ما نعيشه ونفكر فيه ونقوله"(2).
فالشعر حسب هذا المنظور هيرمينوطيقا تتأول العالم باعتباره انكشافا للتجربة/الحد كما يسميها موريس بلانشو حيث تتجاوز هذه التجربة/الحد المتعذر بلوغه، وهي تتاح للإنسان عندما لا تعود القدرة فيه هي البعد الوحيد الأخير(3). إن التجربة هنا انفتاح مشرع على اللامحتمل، على فائض الشيء، وإن شئنا على اللاشيء ذاته، وعلى محاولة جوهرته. وهو ما يعني اقترابا وتماسا بالتجربة الصوفية، تلك التي تحرر الأنا من قيود التناهي الحسي والعقلي، وتدفع بها تجاه مغامرة الوجود ذات الأبعاد اللامتناهية، المفتوحة على احتمالات تختبر طاقات الخلق الكامنة، وهي طاقات الهوس بإزاحة المواضعات، بل نفيها، واستبدالها بالمفارقات التي تكشف التعارضات الجوهرية التي تشكل لعبة التوتر الحيوية، حيث يلعب الكائن في العالم دوره في الخرق الجوهري لأبنية العالم، والكشف عن إضاءات الكينونة.
إذن فالشعر من هذا المنظور تحفيز دائم على المشاكسة المؤزمة لنسق العقل [الأداتي ]، وهي مشاكسة ومكاشفة في آن واحد، فالمكاشفة تجل للمفارقة الحيوية، والمشاكسة تجل آخر للاختراق والخلخلة وتأزيمها للعقل يتم باغتصاب قانون اللغة وتدمير قواعد التواصل اللساني، ومن ثم لا تصبح الكلمات دالة على العالم الوضعي، ولكنها تغدو دالة على الأشياء ذاتها، وهي في كامل عريها ووحشيتها، وهو عري إغراء ولذة، وانكشاف وافتضاض، وهذا ما سبق أن عبر عنه أبو تمام، واصفا إحدى قصائده:
إنسية وحشية كثرت بها
حركات أهل الأرض وهي سكون
ويقول أيضا:
والشعر فرج ليست خصيصته
طول الليالي إلا لمفترعه(4).
وهو افتراع لعذرية الوجود، تحقيقا لانتعاش الكائن في العالم الذي يصبو للإقامة الجوهرية...
...........................................................
*عبد العزيز بومسهولي 
( الشعر وأسئلة الوجود)
 
*abdelhafid
13 - ديسمبر - 2007
هايدغر وسؤال اللغة والشعر (1)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 
هايدغر قارئاً هولدرلن:
ما يبقى، يؤسسه الشعراء
 
 الترجمة والتقديم: هنري فريد صعب
 
 
لم تحظَ فلسفة في القرن العشرين بما حظيت به فلسفة مارتن هايدغر (1889 – 1976). فقد كان مثار اهتمام معظم الفلاسفة والمفكّرين، ولاسيما بعد صدور كتابه الشهير عام 1927 "الكينونة والزمان" L'être et le temps الذي اعتبر أهم عمل فلسفي عرفه ذلك القرن. ولعل فرنسا كانت السبّاقة في التأثر به. وما "الكينونة والعدم" لجان بول سارتر سوى مثال على ذلك. كما شأن فلاسفة وجوديين آخرين وأبرزهم موريس مارلو بونتي وغبريال مارسيل. لكن ما يستميلنا لدى هذا الفيلسوف هو تحوّل فكره الى البحث في الشعر والشعراء، مما وسع نطاق جمهوره، وغدا مرجعاً يؤخذ بحكمه في هذا المجال، حتى عدّ بحق "صديق الشعراء". على عكس ما هو مأثور عن غالبية الفلاسفة. وحين توفي رثاه رينه شار الذي كانت تربطه به مودّة، بقصيدة قصيرة. إلا أنّ أحبّ الشعراء إليه هو هولدرلن. فقد خصّه بأربعة أبحاث كتبها في أوقات متفاوتة وهي: "هولدرلن وماهية الشعر" (1936) (يرى القارىء في ما يلي ترجمة للقسم الأكبر من هذا البحث)، "كما في يوم عيد" (1941)، "ذكرى" (1943) و"عودة" (1943). وجميعها ألقاها هايدغر كمحاضرات وصدرت مجموعة في كتاب عنوانه "اقترابات من هولدرلن". وفي رأي فيلسوفنا أنّ الشعر، وإن يكن من أرومة الفكر ذاتها، يبقى بعيداً جداً عنه: "المفكر يقول الوجود، أما الشاعر فيسمّي المقدّس. ولا شك أننا نعرف الكثير عن العلاقات بين الفلسفة والشعر، لكننا لا نعرف شيئاً عن الحوار بين الشاعر والمفكر اللذين يسكنان متقاربين على أبعد الجبال بعضها عن بعض" (فقرة من بحثه "ما الميتافيزيقا" – 1943). إنّ ما يقوله الشاعر هو المقدّس، وما يسمعه في كلامه هو المقدس. والكلام هو مجيء المقدس. وشعر هولدرلن هو من إملاء المقدس. و"الأعلى" و"المقدس" هما عنده امر واحد. إنهما الصفاء والسكون. ولعل هولدرلن قد ينفرد بإيمانه بالشعر وبأصله الألهي. فهو يتنشق في الشعر بخشوع أنفاس الألهي. ويقوم الشعر، كالاثير الذي يملأ العالم الواقع بين السماء والأرض، بملء الهوّة القائمة بين الفكر وأسفله، بين الآلهة والبشر. إلاّ أنّ "المادة" التي تعظّم هذا المقدس هي اللغة. والشاعر ككل كائن يكتفي بأن يقول ما تقوله اللغة بصوت خافت. ومع ذلك، فالشعر لا يكمن فقط في موسيقى اللغة وقدرتها البدئيّة على الكشف، وإنما في الصورة أيضاً. وهذه ليست خيالا خالصاً. إن "جوهر الصورة"، يقول هايدغر، هو أن يجعلنا نرى شيئاً ما. الصورة الشعرية ترينا العالم اليومي. لكنها ترينا إياه غريباً. إنها ترينا "اللامرئي".
 
هي ذي المواضيع الخمسة التي تعالجها هذه المحاضرة:

1 – "التعريض"(1): "هذه المشغلة الأكبر براءة من كل المشاغل".
(أعمال هولدرلن، المجلد 3، ص 377)

2 – "لذلك، فإن اللغة التي هي من أخطر الملكيات، قد أعطيت للأنسان... لكي يؤكد ما يكونه..." (المجلد 4، ص 246)

3 – "لقد خبر الأنسان كثيراً،
وسمّى العديد من السمويين
مُذ كنا حواراً
وفي مقدورنا أن يُصغي بعضنا الى بعض".
(المجلد 4، ص 343)

4 – "ولكن ما يبقى، إنما يؤسسه الشعراء".
(المجلد 4، ص 63)

5 – "الانسان غنيّ بالقِيَم، لكنه شعرياً يقيم على هذه الأرض".
(المجلد 6، ص 25)

لماذا اخترنا أعمال هولدرلن لتبيُّن ماهية الشعر، وليس هوميروس أو سوفوكليس، فيرجيل أو دانتي، شكسبير أو غوته ؟ ألم تتحقق ماهية الشعر في أعمال هؤلاء الشعراء، في غنى يعادل وربما يتجاوز إبداعات هولدرلن التي توقفت فجأة قبل الأوان ؟

قد يكون. ومع ذلك اخترنا هولدرلن دون سواه. ولكن هل يمكن فعلا أن نستخرج من أعمال شاعر واحد ماهية الشعر بشكل عام؟

العام، نعني به ما يصح بالنسبة الى كثيرين. وهذا ما لا نستطيع بلوغه ولا من طريق التفكير المقارن. لذلك، ثمة حاجة الى أن نستعرض أكبر تشكل ممكن من القصائد وضروب الشعر. وفي هذه الحالة، فإن شعر هولدرلن ليس سوى واحد من كثرة. وإذ ذاك لا يكفي وحده للقيام بماهية الشعر. ويكون مشروعنا، منذ البداية، قد حوى بذور فشله. وهو فشل أكيد، ما دمنا نعني بـ"ماهية الشعر"، ما يتركّز في مفهوم عام يصح في كل ضرب من ضروب الشعر على السواء. ودائماً ما يكون هذا العام، هذه القيمة التي تصحّ بالنسبة الى كل خاص بدون تمييز، هو "اللامتحيّز: "إنه تلك "الماهية" التي لا يمكن أبداً ان تصبح ذاتية. فيما نحن نبحث عن هذه الذاتية في الماهية بالذات. وهذا ما يدفعنا الى أن نقرر إن كنا نهتم بالشعر وكيف، وإن تكن الافتراضات التي نأتي بها، تبقينا في مجال الشعر وكيف.

لم نختر هولدرلن لأن أعماله حققت، كواحد من أعمال كثيرة، ماهية الشعر العامة، بل لأن ما يشكل قوام شعره، هو ذلك القرار الشعري الذي يرتكز على "تقريض" ماهية الشعر بالذات. إن هولدرلن في نظرنا هو "شاعر الشعراء" بامتياز.

ولكن أليس فعل "التقريض" إشارة الى انحراف في تأمل الذات؟ أليس في الوقت نفسه اعترافاً بأننا محرومون من فيض العالم ؟ و"التقريض" عندئذ، ألا يزيد العقبات ؟ أليس شيئاً فائت الأوان ونهاية ؟

الجواب في ما يأتي:

في رسالة بعث بها هولدرلن الى امه في كانون الثاني 1799، أشار الى أنه مشغول بقرض الشعر. وهذا "الانشغال هو الأكثر براءة". فكيف ذلك ؟ إنه يتجلى في الشكل المعتدل لـ"اللعب". فهو يبتكر، طليقاً، عالمه الخاص من الصور، ويظل مستغرقاً في نطاق ما تصوّره. وهذا اللعب ينجو من رصانة القرار الملتزم بطريقة أو بأخرى. وعليه، فإن قرض الشعر هو مسالم تماماً، وفي الوقت عينه هو غير فعّال، لأنه يبقى مجرّد كلام وإطناب. وهذا لا نصيب له من الفعل الذي يتصل مباشرة بالواقع ويغيّره. الشعر كالحلم، لا حقيقة واقعة. إنه لعب كلمات، وليس البتة رصانة فعل. الشعر مسالم وغير فعّال. وهل ثمة أفضل من اللغة الصافية، يستطيع ان يدّعي أنه بلا خطر؟ طبعاً، نحن، في نظرتنا الى الشعر كـ "أكثر المشاغل براءة"، لم ندرك بعدُ جوهره. لكننا على الأقل، استطعنا أن نعيّن أين يجب البحث عنه. فالشعر يبدع أعماله في نطاق اللغة، ومن "مادة" اللغة. فماذا يقول هولدرلن في صدد اللغة؟ لنستمع مرة ثانية اليه.

 
في تخطيط مجزّأ يعود تاريخه الى العام نفسه (1800) الذي كتبت فيه الرسالة المذكورة آنفاً، يقول الشاعر:

"لكن الكائن البشري يقيم في الاكواخ، ويكتسي بثوب محتشم، لأن كينونته جد حميمة، وجدّ راعية أيضاً. والواقع، أنه يصون "الروح" كما الكاهنة الشعلة السموية. وهنا مهارته. ولذا أعطيت له، هو الشبيه بالآلهة، حرية الاختيرا، والقدرة السامية على التنظيم والتنفيذ. ولذا أيضاً، أعطيت له اللغة أخطر الملكيات حيث ينشىء ويهدم، ثم يغيب عائداً الى الحية أبداً، الربة وا لأم، لكي يشهد انه ورث عنها ما يكونه، وتعلّم منها أسمى ما تملك وأقدس، الحب الذي يحفظ الكون". (المجلد 4، ص 246)

إن اللغة، هذا المجال لـ"أكثر المشاغل براءة"، هي أيضاً أخطر الملكيات". فكيف التوفيق بين هذين الاثباتين. لنترك الآن هذا السؤال، ولنطرح قبلُ، ثلاثة أسئلة: لمن تكون اللغة ملكية؟ وكيف تكون الملكية الأخطر؟ وعلى أيّ وجه عموماً تكون ملكية ؟

لنلاحظ أولا الفقرة التي جاء فيها هذا الكلام عن اللغة. لقد جاء في مخطط لقصيدة يُظهر من هو الكائن البشري في مقابل كائنات الطبيعة الاخرى. وذكر بعضها: الوردة، البجع، الوعل في الغابة (المجلد 4، ص 302 و385). كذلك، فإن الفقرة المذكورة، وبما أن النباتات محددة بالنسبة الى الحيوانات، تبدأ بهذه الكلمات:

"ولكن في الأكواخ يقيم الكائن البشري".

فمن هو اذاً الكائن البشري؟ ذاك الذي عليه أن يشهد على ما يكونه. وأن يشهد يعني أن يكشف ويُبلغ من جهة، وفي الوقت نفسه يعني أيضاً أن يضمن، في الإبلاغ، ما أبلغ به. فالإنسان هو "ذاك" الذي "يكونه" بالضبط، في الشهادة على "دازاينه"(2) "Son Dasein" الخاص. لكن هذه الشهادة لا تعني أن كينونة الانسان تعبّر عن ذاتها بعد فوات الأوان، وأن هذا التعبير إضافي وعلى هامش كينونته. كلا، بل هي تساهم في تكوين "دازاين" الانسان بالذات. ولكن ما يجب على الانسان أن يشهد عليه؟ إنه انتماؤه الى الأرض. وهذا الانتماء قوامه أن يكون الانسان وارثاً ومتعلماً في كل شيء. لكنّ الأشياء في تنافر. وما يفرّق بين الأشياء، وفي الوقت نفسه يجمعها، هو ما يسميه هولدرلن "الحميمية – الذاتية" "l'Essentielle Intimité". وشهادة الانتماء الى هذه "الحميمية – الذاتية" تتم بخلق عالم وسطوع فجره، كما بهدمه وأفول نجمه. وتولد الشهادة على كينونة الأنسان، ومن ثم على تحققها الصحيح، من حرية القرار. وهذه الحرية تقبض على "الضروري" وترتبط بقيود داعٍ اعلى. وأن تكون شاهداً على هذا الانتماء الى الموجود "L'existant" في جملته، انما يتم و"يتأرخن" "S'histarialise" كـ"تاريخ". ولكن لكي يكون تاريخ ما ممكناً، يجب ان تعطى اللغة للأنسان. فاللغة هي من ملكيات الأنسان.

ولكن كيف تكون اللغة الملكية الاشد خطرأً ؟ انها الاخطر من كل الاخطار، لأنها هي التي تبدأ بخلق امكان خطر ما. فالخطر هو تهديد للكينونة من قِبَل كائن "étant" ما. وعليه، فالانسان لا يجد نفسه معرَّضاً، الا بمقتضى اللغة، لشيء منكشف "révélé"، يحاصره باعتباره كائناً ويثيره في "دازاينه"، ويضلله ويهديه باعتباره غير – كائن "Non – étant". فاللغة هي التي تخلق أولا المجال المنكشف حيث التهديد والضلال يضغطان على الكينونة؛ كذلك هي التي تخلق امكان ضياع الكينونة. لكن اللغة لسيت خطر الأخطار فحسب، بل هي تخفي حتماً في ذاتها ولذاتها خطراً دائماً. مهمة اللغة ان تكشف عن الكائن بصفته كائناً، في العمل "l'œuvre" وأن تضمنه. في اللغة يمكن التعبير عما هو الأكثر جلاء وغموضاً، كما عن الملتبس والشائع المشترك. وينبغي للكلام الأصيل كي يكون مفهوماً، وتالياً كي يصبح ملكاً جماعياً، أن يكون مشتركاً. لذلك ورد في فقرة أخرى لهولدرلن: "لقد تكلمت الى الألوهة، لكنكم نسيتم جميعاً ان البواكير لم تكن قطّ للفانين، وإنما هي ملك الآلهة. إذ ينبغي أولا ان تصبح الثمرة أكثر شيوعاً، والفة يومية، حتى تصير ملك الفانين" (المجلد 4، ص 238). فالجليّ والشائع يشكلان كلاهما قولاً ما. الكلام اذاً، بما هو كلام، لا يقدم مباشرة ضماناً على أنه كلام اصيل او فراغ صائت. بالعكس، إن الكلام الأصيل، غالباً ما يبدو، في بساطته، اشبه بشيء غير أصيل. ومن جهة أخرى، نرى ان الكلام الذي يتخذ مظهر الأصالة، ليس في الغالب سوى ثرثرة وتبليغ. وعلى هذا النحو، فاللغة مرغمة دوماً على أن تتخذ مظهر المولّد لذاتها، ومن ثم تُعرّض للخطر ما هو من خصائصها على الاطلاق، أي القول الأصيل.

فبأي معنى الآن هذه الملكية الأشد خطراً من سواها، هي "ملكية" للانسان؟ اللغة هي ملكيته الخاصة، لتصرّفه بها بهدف نقل اختباراته، وقراراته، وانطباعاته الشعورية. اللغة تصلح للفهم. وبما انها أداة صالحة لهذه الوظيفة، هي "ملكية". لكن ماهية اللغة لا تحصر همّها في كونها وسيلة للفهم. فتحديدنا لها على هذا النحو، لا يوصلنا الى ماهيتها الخاصة، وانما يقدّم نتيجة لهذه الماهية. اللغة ليست فقط أداة يملكها الأنسان الى جانب أدوات كثيرة أخرى. اللغة هي، قبل كل شيء وعلى العموم، ما يضمن إمكان الانوجاد في وسط رحابة الكائن. فحيث تكون اللغة فقط، يكون عالم، اي تلك الحلقة المتغيّرة أبداً، من القرارات، والمشاريع، والعمل، والمسؤولية، وكذلك من التعسف، والصخب، والانحطاط، والضلال. وحيث يكون عالم، يكون "تاريخ" فحسب. اللغة هي ملكية على معنى أكثر أصالة. فأن تكون ملكية ضامنة لهذا العالم ولهذا التاريخ، معناه انها تضمن أن "يكون" الأنسان على نحو "تاريخوي"(3) "Historial". اللغة ليست أداة جاهزة، بل بالعكس، إنها ذلك الحدث الذي يملك في ذاته أعلى إمكانات كينونة الأنسان. من ماهية اللغة هذه، علينا أولا ان نتحقق، لكي نفهم مجال عمل الشعر، ونفهم الشعر بذاته حقاً. فكيف تتأرخن اللغة؟ للأجابة عن هذا السؤال، لنتأمل معاً ما يقوله هولدرلن:
*  المقال منقول عن النهار العربي والدولي ، الملحق الثقافي
 
( تابع )
*ضياء
27 - ديسمبر - 2007
هايدغر وسؤال اللغة والشعر (2)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 
هايدغر قارئاً هولدرلن:
ما يبقى، يؤسسه الشعراء
 
 
الترجمة والتقديم: هنري فريد صعب
 
 نعثرعلى هذا القول في تخطيط طويل ومعقّد لقصيدة غير مكتملة، ومطلعها: "أيها المصلح، أنت يا من لم يصدّقه الناس قط" (المجلد 4، ص 162 و345)

"لقد خبر الأنسان كثيراً،
وسمّى العديد من السمويين،
مذ كنا حواراً،
وفي مقدورنا ان يُصغي بعضنا الى بعض".
(المجلد 4، ص 350).

في البدء، لنستخرج من هذه الأبيات ما يتصل بسياق حديثنا: "مُذ كنا حوارا"... نحن – البشر – حوار. كينونة الانسان تتأسس في اللغة. وهذه اللغة لا تتخذ واقعاً - تاريخوياً أصيلا، إلا في "الحوار". على أن الحوار ليس وحده الوجه الذي تتحقق به اللغة. إلا انها كحوار فقط، تكون اللغة أصيلة. وما نعنيه عادة بـ"اللغة"، أي ذلك النسق من الكلمات وقواعد الكلام التركيبية، ليس سوى مظهر خارجي للغة. اذاً، ماذا يعني "الحوار" ؟ أكيداً، أن يتكلم الناس بعضهم مع بعض عن شيء ما. واللغة إذذاك، تكون الوسيط الذي يجعلنا على تواصل ولقاء بعضنا مع بعض. لكن هولدرلن يقول: "مذ كنّا حواراً وفي مقدورنا ان يصغي بعضنا الى بعض". إن القدرة على الأصغاء، بعيداً من أن تكون مجرد نتيجة لفعل الكلام في ما بيننا، هي على النقيض، افتراضية. حتى القدرة على الفهم قائمة بدورها على إمكان الكلام وفي حاجة اليه. فالقدرة على الكلام والقدرة على الفهم وجدتا معاً منذ البدء. إننا حوار – وهذا يعني في الوقت ذاته ودوماً: أننا حوار "واحد"... فالحوار ووحدته هما قوام "دازايننا".

لكنّ هولدلرلن لا يقول فقط: نحن حوار. إنه يقول: "مذ كنا حواراً"... فحيث ما زال قائماً وناشطاً استعداد الأنسان للغة، ليس ثمة بعد صعود – أصيل للغة – الحوار. فمنذ متى كنا حواراً؟ حيث يجب أن يكون حوار "واحد"، على الكلام الأصيل أن يبقى على صلة بـ"الواحد"، وبـ"الواحد في عينه". بدون هذه الصلة تكون المناقشة مستحيلة تماماً. لكن "الواحد في عينه" لا يمكن أن ينكشف إلا في ضوء شيء ما مثابر وباق. المثابرة والبقاء لا يتجليان إلا في ما هو باق وحاضر. لكن ذلك لا يحدث إلا لحظة ينفتح الزمان على مصراعيه. فمذ يضع الانسان نفسه في حضور شيء مستمر، يمكن أن يُعرّض نفسه لـ"قابلية التغيّر"، أي لما يجيء ويمضي؛ لأن المستمر وحده معرّض لـ"قابلية التغيّر". فقط مذ يجد "الزمان الذي يُمزّق" نفسه ممزقاً، في حاضر وماض ومستقبل، يقوم إمكان التوافق على شيء ما باق. لقد كنا حواراً "واحداً"، مذ "كان زمان". مذ سيق الزمان ليوجد ويستمر، مذذاك "نحن" في "التاريخ". وأن "نكون" حواراً "واحدا"، و"نكون" في "التاريخ"، كلاهما حالان متساويان في القِدَم، ويشكّلان كلا متضامناً، بل هما شيء واحد.

ومذ كنا حواراً - خبر الانسان كثيراً وسمّى العديد من الآلهة. ومذ أخذت اللغة تتأرخن رسمياً كحوار، انصرف الآلهة الى الكلام، وظهر عالم. ولكن مرة اخرى، يجدر بنا أن نلاحظ أن حضور الآلهة وظهور العالم ليسا مجرد نتيجة لحدوث اللغة، انما هما معاصران لها، الى درجة أنّ تسمية الآلهة، على وجه الدّقة، وتحول العالم الى كلام، هما قوام الحوار الأصيل الذي نكونه، نحن أنفسنا (...).

ولكن سرعان ما ينبت سؤال: كيف يبدأ ذلك الحوار الذي نكونه؟ ومن يقوم بتسمية الآلهة؟ ومن الذي يقبض اذاً، في الزمان الممزّق على شيء ما باق، ويجعل هذا الشيء يثابر بالكلام؟ عن ذلك يخبرنا هولدرلن في بساطة شاعر واثقة، فلنستمع الى قوله الرابع.
 
هذا القول يشكّل خلاصة قصيدته "ذكرى"، وهذا نصّه: "ولكن ما يبقى، إنما يؤسّسه الشعراء". إنه قول يلقي الضوء على سؤالنا عن ماهيّة الشعر. الشعر تأسيس بالكلام وفي الكلام. وما الذي يؤسَّس؟ أليس ما هو حاضر على الدوام باقياً؟ كلا! فعلى ما يبقى أن يُستدرح الى الاستمرار في وجه التيار الجارف؛ والى وجوب انتزاع البسيط من المعقّد؛ والى تفضيل المقاس على الشاسع. يجب ان يُكشَف عمّا يدعم ويدير الكائن في جملته. يجب أن يُكشَف عن الكينونة، حتى يظهر الكائن. والحال بالضبط، أن ما يبقى هو العابر. يقول هولدرلن: "وهكذا هو "عابر" سريع كل سموي. ولكن ليس بلا طائل" (المجلد الرابع ص 163). أما أن يدوم ذلك، فهذا ما "عُهد به كهمٍّ وخدمة، الى اولئك الذين يتصرّفون كشعراء" (المجلد الرابع، ص 145).
الشاعر يسمّي الآلهة ويسمي كل الأشياء في كينونتها. وهذه التسمية لا تقوم ببساطة على تزويد شيء ما اسماً كان معروفاً به سابقاً. إن الشاعر حينما يقول الكلام الأصيل، آنذاك فقط يجد الكائن نفسه قد سُمّي بما هو عليه، ويكون معروفاً ككائن. الشعر هو تأسيس الكينونة بالكلام. فما يبقى اذاً، ليس ابداً من خلق العابر. البسيط لا يُستخرج من المعقّد مباشرة. القياس لا يوجد في الشاسع. ولن نجد ابداً الاساس في الهاوية (...)
 
ننتقل الى القول الخامس. ونجده في القصيدة الطويلة العجيبة التي تبدأ:

"في الزرقة الفاتنة تُزهر
قبة الكنيسة ذات السقف المعدني
(المجلد 6، ص24)
وهنا يقول هولدرلن (السطر 32):
"الانسان غني بالقيم، لكنه شعرياً
يقيم على هذه الارض".

ان ما يعمله الانسان ويواظب عليه قد اكتسبه واستحقه بمجهوده الخاص. "ولكن" – يقول هولدرلن مشيرا بشدة الى التباين – كل ذلك لا يعني ماهية اقامته على هذه الارض، كل ذلك لا يبلغ صميم دازاين الانسان. فهذا الدازاين هو في صميمه "شعري". لكن ما نعنيه بالشعر الآن، هي تسمية الآلهة وماهية الاشياء. وهي تسمية مؤسِّسة. و"الاقامة شعريا" تعني: ان نقف في حضرة الآلهة وعلى مقربة جوهرية من الاشياء. فأن يكون الدازاين "شعرياً" في صميمه، معناه في الوقت نفسه، أن الدازاين، من حيث هو مؤسس، ليس قيمة، بل هبة.

الشعر ليس مجرد زخرفة تصحب الدازاين، ولا مجرد حماسة عابرة، وهو ليس مطلقا مجرد اثارة او تسلية خفيفة. الشعر هو الاساس الذي يدعم "التاريخ" وهو تالياً، ليس في بساطة مظهرا ثقافيا، او بالاحرى، في بساطة "تعبيرا" عن "روح ثقافة" ما.

وأن يكون دازايننا شعريا في صميمه، لا يمكن اخيرا ان يعني انه ليس في الحقيقة، الا لعبا مسالماً. ولكن، في القول الذي ذكرناه كأول مسألة في بحثنا، ألم يحدد هولدرلن بنفسه الشعر بأنه "تلك المشغلة التي هي اكثر المشاغل براءة"؟ فكيف يتوافق هذا مع ماهية الشعر كما نراها الآن متبدية؟ وهكذا نعود ثانية الى السؤال الذي كنا اهملناه في البداية. وللإجابة عنه الآن، سنحاول في الوقت نفسه ان نجمع معا في نظرة واحدة بين ماهية الشعر وماهية الشاعر.
ينتج من ذلك اولا ان المجال الذي يعمل فيه الشعر هو اللغة. فعلينا انطلاقا من ماهية اللغة، ان نتصور ماهية الشعر. وتالياً، لقد تبينّا كيف ان الشعر هو التسمية المؤسِّسة للكينونة وماهية جميع الاشياء – ولكن ليس اي كلام، بل ذاك الذي، بفعله، يجد كل شيء نفسه منكشفا، كما كل ما نناقشه ونبحثه بعد ذلك في لغتنا اليومية. ونتيجة ذلك ان الشعر لا يتناول ابدا اللغة كمادة تعمل، وتكون في تصرفه، بل بالعكس، هو الذي يبدأ بجعل اللغة ممكنة. الشعر هو اللغة الاولية للشعب التاريخوي. يجب اذاً بخلاف ذلك، ان تُفهم ماهية اللغة، بدءا من ماهية الشعر.

وأساس الدازاين الانساني هو الحوار، باعتباره صيغة خاصة لما يحدث في اللغة. لكن اللغة الاولية هي الشعر من حيث هو اساس للكينونة. والحال، ان اللغة هي "اشد الملكيات خطرا. اذاً، الشعر هو اشد الاعمال خطرا، وفي الوقت عينه هو "اكثر المشاغل براءة"(...)

والشعر يظهر لنا على انه لعب، فيما هو ليس كذلك. اللعب يجمع الناس، ولكن على نحو ينسى فيه كلٌّ نفسه. بينما العكس يتم في الشعر، حيث الانسان يركز ذاته على صميم دازاينه ليصل الى الطمأنينة، لا الى تلك الطمأنينة الوهمية لتعطّل الفكر التام وفراغه، بل الى تلك الطمأنينة اللامتناهية حيث تنشط كل الطاقات وكل العلاقات.

الشعر يوقظ ظهور اللاواقع والحلم في مقابل الواقع الصاخب والملموس الذي نعتقد انه ملاذنا. في حين ان الامر غير ذلك. فما يقوله الشاعر، وما يضطلع بوجوده هو الواقع (...)

والشعر باعتباره تأسيسا للكينونة، يكون التزامه مضاعفاً. ونحن، اذا ما نظرنا الى هذا القانون الذي هو في صميمه، استطعنا أن ندرك كليا ماهيته.
ان "التقريض" هو التسمية البدئية للآلهة. لكن "الكلام الشعري" لا يملك قدرته على التسمية، الا اذا كان يدفعنا الآلهة بأنفسهم الى الكلام. فكيف يتكلم الآلهة؟

"... والاشارات كانت
منذ سحيق الازمنة لغة الآلهة" (المجلد 4، ص 135).

وقوام "كلام" الشاعر أن يلتقط هذه الاشارات ليجعل منها تاليا، اشارات لشعبه (...)

ان تأسيس الكينونة اذاً، مرتبط باشارات الآلهة. والكلام الشعري في الوقت عينه، ليس سوى تأويل لـ"صوت الشعب". وهذا هو الاسم الذي اطلقه هولدرلن على الاساطير، "الاقوال" التي يتذكر بها شعب ما، انتماءه الى الكائن في جملته. وغالبا ما يصمت هذا الصوت او يضعف. فهو غير قادر على العموم على ان يخبر بنفسه عما هو اصيل. لذا، هو في حاجة الى اولئك المؤولين.

وهكذا، فقد اندمجت ماهية الشعر في هذه القوانين التي تجهد في الالتئام والافتراق، والتي تنظّم اشارات الآلهة وصوت الشعب. أما الشاعر فهو يقف في البين بين: بين أولئك الآلهة وهذا الشعب. إنه "ملقى في الخارج". في هذا "البين بين". بين الآلهة والبشر. ولكن أولاً، وفي هذا البين بين وحده، يتقرّر من هو الانسان وأين يقوم دازاينه. "ولكن شعرياً يقيم الانسان على هذه الارض".

ومن دون راحة، وبطمأنينة وبساطة متناميتين باستمرار، ومغترفاً من كنز يفيض بالصور، نذر هولدرلن كلامه "الشعري" لتلك المنطقة الوسطى. وهذا ما يحملنا على القول: "إنه شاعر الشعراء (...)


إيضاحات

 
-1 التقريض: المصطلح الالماني "dichten" لا يعني فقط نظم القصائد. ولكن يشير الى النشاط الذي يخلق ويشكّل، ويظهر كأنه كشف انطولوجي. وبما أن الفرنسية لا تحوي معادلاً له، فقد نحت المترجم الفرنسي المستشرق المعروف هنري كوربان كلمة "Poématiser"، المركبة من Poiesis وPoima المشتقتين من الفعل اليوناني Poienen الذي يعني صنع. وقد وجدتُ أن كلمة "التقريض" في العربية أي صناعة الشعر وقوله، هي قريبة من المعنى المقصود.

-2 الدازاين: أي الكينونة في العالم. وهذه العبارة لا تشتمل فقط على المعنى المكاني، بل أيضاً وخصوصاً على المعنى الانطولوجي. وهذه الكينونة الانسانية هي عامة بين جميع الناس، وإن بدأت تجربتي من كينونتي أنا الخاصة بي. ومهمة التحليل الانطولوجي ستكون اذاً، الكشف عن الكينونة الانسانية عامة. وهذا المصطلح نجده لدى سارتر في تعبير "الحقيقة الانسانية"، وفي مصطلح "الآنية" لدى عبد الرحمن بدوي، وفي تعبير "الكينونة - هناك" في ترجمة عام 1964 لكتاب هايدغر "الكينونة والزمان". وقد آثرت إبقاء المصطلح الالماني نفسه، كما فعل فرنسوا فيزان في ترجمة جديدة للكتاب المذكور صدرت عام 1986 لدى "دار غاليمار"، لأن أي ترجمة له لن تفي.

-3 التاريخوي: في نظر هايدغر، ما يتعلق بالتاريخ كسيرورة تخص كل واحد منا، وتتعلق حتى بمصيرنا ومستقبلنا، أي مستقبل الانسانية
 
*  المقال منقول عن النهار العربي والدولي ، الملحق الثقافي
 
*ضياء
27 - ديسمبر - 2007
لمحة عن المناخ الفكري والسياسي لفلسفة كنت (1)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 يعتبر الكثير من الفرنسيين ديكارت المؤسس الحقيقي للحداثة الفكرية كونه أول من شعر بأهمية الذات الفردية كما عبر عنها في مقولة " الكوجيتو " . غير أن هذا الرأي غير مجمع عليه ولا حتى في فرنسا نفسها بل أن المتفق عليه " عالمياً " أن كنت هو فيلسوف الحداثة . ليس لأنه استطاع أن يتمثل روح عصره ويعبر عنها بكل ما مثلته من ثورات إجتماعية وتطور علمي وصناعي هائل وانفتاح إقتصادي على العالم الجديد ( أميركا ) ، بل لأن فلسفته قد وضعت أساس الفكر الحديث بتمييزها حقول المعرفة وفصلها بعضاً عن بعض . ميزت فلسفة كنت بين العقل العملي والعقل النظري والحكم الفني ، كما ميزت بين الدين والأخلاق والفن ، وفتحت بهذا طريق استقلال المعرفة عن الدين .
 
 كان إيمانويل كنت (Emmanuel Kant ( 1724 - 1804  يعد أشهر من يمثل حركة التنوير في ألمانيا ، وكان ينادي بإقامة  " حكم على الطريقة الجمهورية " ومن أشد المعجبين بأفكار الثورة الفرنسية التي كان قد كتب عنها :
 
"  إن هذه الثورة أوجدت عند المشاهدين لها الذين لا يلعبون دوراً فيها ، تعاطفاً روحياً معها يبلغ حد الحماسة التي قد تجر الويل على صاحبها ولا يمكن أن يكون لها سبباً أخراً غير الاستعداد الأخلاقي في الجنس البشري " ( مقدمة كتاب : المقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علماً ) .
 
 
يعتبر كنت Kant إذن من أهم فلاسفة عصر الأنوار ، ويمكننا تصنيفه على أنه فيلسوف الليبرالية . تجدر الإشارة بأن الليبرالية في القرن الثامن والتاسع عشر كانت مذهب اليسار الذي تضمن حقوق الإنسان والحريات العامة وإلغاء الحواجز التي كانت تعيق حركة التجارة العالمية ، لكنها تعبر اليوم عن فلسفة اليمين الليبرالي منذ أستقرت الديموقراطيات الغربية وأصبحت المذاهب الإشتراكية فيها هي الممثلة لليسار .  
 
ترتكز القيمة المطلقة لليبرالية على الفرد : أعلنت الثورة الفرنسية قيام مجتمع جديد يكون فيه الأفراد أحراراً ومتساوين ! ومن هذا المعطى الأساسي الفلسفي تمخض إعلان " حقوق الإنسان والمواطن " ، وبناء عليه جرى إعادة تشكيل للمجتمع والدولة والتاريخ ... هذه الفردية التي انتقدها ماركس بشدة فيما بعد وانتقد طابعها " الأسطوري " لا زالت شديدة الحضور في الفكر الغربي ومضمونها أن : كل شخص هو فريد بذاته ولا يمكن استبداله ، وهو في الوقت نفسه متغير في حدود ذاته وبسبب صفاته المميزة ، وهو المفهوم الذي دفع به سارتر إلى حدوده القصوى حين قال بأن : " كل أنسان هو محصلة لكل البشر وأنه يساويهم جميعاً ويساوي أي واحد منهم ... " Jean Paul Sartre , Les Mots )  .
 
لا يمكننا فهم بروز الديموقراطية في العصر الحديث دون أن نفهم القاعدة المؤسسة للفردية الغربية أو ما يصطلح على تسميته ب " الإنسية " الغربية ( Humanisme ) لأن الملكية في المجتمعات القديمة كانت تستطيع ان تتقبل فكرة عدم المساواة بين الأفراد وهذا ما لا يمكن للديموقراطية قبوله : لا تمثل الديموقراطية حكم " الأحرار " بل حكم الأفراد " المتساوين " في الحقوق والواجبات . هذا المجتمع المكون من " أفراد " ، سوف ينعكس لأول مرة في القانون المدني الذي صاغه نابليون وهو بالنسبة لعصره شيء محدث ، بل هو " بدعة " في التاريخ لأنه ، وحتى ذلك الحين ، فإن البشرية كانت مجموعات منفصلة ، كل مجتمع فيها كان يعبر عن " كل " منظم بطريقة هرمية خاصة به ويعطي الأولوية والمكانة الفضلى للعناصر المكونة له . أما في المجتمع " الفرداني " فينظر لكل إنسان على أنه يمثل الإنسانية جمعاء .
 
هذا الإتحاد بين التميز الفردي والعالمية هو القاعدة المؤسسة للفردية الغربية أي " الإنسية " الحديثة . فلسفة كنت هي التجسيد المثالي لهذه الفردية (  Individualisme) ، فكيف ذلك ؟
 
*ضياء
15 - يناير - 2008
هامش للمقالة الأولى (2)    كن أول من يقيّم
 
 
هذه الأفكار الجديدة التي كانت قد بدأت بغزو المجتمعات والفكر الغربي هي وليدة تمخضات التحول الكبير في البنى الإقتصادية التي طالت المجتمع الأوروبي والتي هي وليدة بدورها للإكتشافات العلمية الهائلة ، والثورة الصناعية ، وحركة التجارة العالمية وتحولها من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي بعد اكتشاف أميركا. كل هذا أدى إلى ظهور الثورات الإجتماعية وحركة الإصلاح الديني التي عمت أوروبا كلها لصالح الطبقة البورجوازية الجديدة الصاعدة التي تزعمت قيادة هذه التحولات . هذا الصراع المرير الذي كنا قد أبرزنا بعض جوانبه في حديثنا عن شاتوبريان ، والذي أرغب في إعادة تناوله بالبحث في ملف الوطن والزمن المتحول وذلك بفتح قوسين للحديث عن التحولات الأدبية الكبرى في القرن التاسع عشر الذي طال جميع المجالات ومنها الأدب والفلسفة طبعاً . سأورد هنا ترجمة لفقرة صغيرة من كتاب : Lettres d'un royaliste Savoisien ( رسائل ملكي من السافوا ) كتبها جوزيف دو ماتر Joseph de Maistre أحد مناصري الحكم الملكي المعادين للثورة الفرنسية يتهكم فيها على " إعلان حقوق الإنسان والمواطن " الذي رفعته الثورة الفرنسية في العام 1789 هذا فحواها :
 
" لو كانوا قالوا لنا : حقوق المواطن ، أو حقوق الإنسان المواطن ، لكنا فهمنا ربما ! لكني أعترف بأن " الإنسان " ، الذي هو غير المواطن كما يبدو ، هو شخص لا أعرفه أبداً . لقد تعرفت في حياتي على فرنسيين ، على إنكليز ، إيطاليين ، ألمان أو روسيين ... : وعلمت حتى بفضل أحد الكتب المشهورة ( يقصد كتاب فولتير ) بأنه يمكن أن يكون المرء فارسياً أيضاً . أما " الإنسان " فأنا لم أره مطلقاً ، وإذا كان لديه حقوق أم لا ، فهذا آخر ما يهمني " ........
 
*ضياء
16 - يناير - 2008
1ـ بين العلم والفلسفة : كنت والمنهج العلمي    كن أول من يقيّم
 
 
إن الغالب على فكر كنت هو نزعته العقلية وتفكيره العلمي المنهجي لأنه بدأ حياته عالماً . سوف نرى ، فيما بعد ، كيف حاول كنت تطبيق المنهج العلمي في البحث الفلسفي . بل أن تجربة كنت بمجملها يمكن تلخيصها بقولنا : أنه أراد وضع قانون " علمي " يصلح للبحث النظري ويطبق على الفلسفة والماورائيات وتكون نتائجه يقينية تماماً كما في العلوم الفيزيائية والرياضية .
 
كان كنت في بداية حياته مولعاً بالعلوم والرياضيات ، وكان شديد الإعجاب بنظريات نيوتن العلمية والفلسفية وحاول السير على منواله في تطبيق المنهج الرياضي في علم الطبيعة ، وكان يستبعد فكرة " الشيء في ذاته "( النومينا ) في مجال المعرفة . نشر كنت بحثاً هاماً في العام  1755 عنوانه : " تاريخ الطبيعة العام ونظرية السماء "  حاول فيه تفسير النظام الفلكي على أساس القوانين الميكانيكية وبحسب مبادىء نيوتن : افترض وجود مادة أولاً ، ومن المادة صنع العالم . وهذه المادة برأيه تخضع لقوانين : قوة الجاذبية ، وقوة الدفع . ووجد أن العناصر تختلف من حيث كثافتها وقوة جاذبيتها التي هي علة الحركة في المادة ولو كانت الكثافة واحدة في الأشياء لساد العالم سكون رهيب .
 
افترض كنت أيضاً بأنه يوجد في الفضاء نقطة ترتكز فيها الجاذبية ، وأن جزئيات الفضاء الواسع تتجه إلى هذه النقطة بفعل الجاذبية . هكذا تكون أول جسم في الفضاء .
 
هذا الجسم المتحرك هو السديم الأول ، الأصل ، الذي يزداد نموه بسرعة كبيرة ، وتزداد كثافته بقدر ما تزداد حركته وسرعتها .
 
والحركة في نظرية كنت هي حركة الدوامات التي تمنع اصطدام الجزئيات بعضها ببعض . وبهذا أضاف كنت إلى نظرية نيوتن ( التي تفسر الحركة بالجاذبية أيضاً بينما فسرها ديكارت تفسيراً رياضياً ) حقيقة الجزئيات التي تملأ الفضاء وتوصل بفضل ذلك إلى نتائج فلكية صحيحة قريبة من النتائج التي توصل إليها لابلاس الفرنسي بطريقة أخرى ، حتى أن نظريته عرفت باسم " كنت - لابلاس " ، ورغم أنه ( أي كنت ) لم يعتمد على تجارب فلكية بل وضعها على طريقة الاستنباط معززاً بذلك إيمانه بالتأثير المتبادل بين العلم والفلسفة .
 
 انطلاقاً من إيمانه بيقين المنهج العلمي وحاجته للنظر العقلي ، حاول كنت وضع أسس فلسفة نقدية قوامها إعادة النظر بادعاءات الحقيقة الماورائية التقليدية وترك المجال للعلوم العقلية والعلوم التجريبية للنظر الفلسفي في محاولة لإرساء علوم ماورائية يقينية ، واضعة نصب عينيها القيمة المطلقة للبحث الفلسفي والنظري وهي : القانون الأخلاقي .
 
كان كنت في توجهه هذا يريد الخروج من زوبعة الشك التي أثارها هيوم ( David Hume 1711 -1776 ) والذي كان قد أسس للفلسفة النقدية ، لأن نقده لفكرة السببية قد ترك بالغ الأثر في الحياة الفكرية والاجتماعية لعصره .  يقول كنت :
 
" أعترف صراحة بأن تنبيه ديفد هيوم أيقظني أولاً من سباتي الدوجماطيقي من سنين مضت ووجه بحوثي في الفلسفة النظرية وجهة جديدة تماماً " . ( المقدمة لكل ميتافيزيقا يمكن أن تصير علماً ) .
 
ومعنى هذا أنه وجد في شك هيوم تنبيهاً يدعو المفكرين والفلاسفة إلى الكشف عن حقيقة التصورات العقلية ومصدرها . فلقد اهتم هيوم في فلسفته بتحليل مفهوم العلية ( السببية ) واكتشف أن هذا المبدأ يمثل علاقة بين شيئين اعتدنا مشاهدتهما معاً في التجربة . هذا معناه بأن تصورات العقل ليست صادرة عن طبيعة العقل وحده ، بل هي تصورات يستخلصها بالتجربة . فكان هيوم يشك إذن بأن تكون هذه التصورات صادرة عن العقل وحده . هذا التأمل دعا كنت للتفكير بضرورة تقويض شك هيوم لو أردنا إرساء قاعدة لفلسفة نقدية جديدة تقوم على أسس متينة فحاول أن يثبت أن العقل وحده هو مصدر تصوراته العقلية بدليل أنه يفسر هذا الترابط على هذا النحو وبأن لدية استعدادات قبلية لهذه التصورات لكي تكون عملية التحليل والتركيب ممكنة على هذه الصورة وهو يقول : " إذا كانت تصورات العقل مصدرها العقل ، فهذا يعني بأنها سابقة على التجربة ، وبأنها تصورات " قبلية " ( أي معطى أول بديهي ، فطري سابق على التجربة ) " لكن المهمة الشاقة التي سيحددها لنفسه هي عملية استنباط هذه التصورات من المبدأ الواحد الذي هو العقل نفسه وهو يقول في ذلك : " إن عملية استنباط التصورات كانت أشق مهمة قمت بها من أجل دعم الميتافيزيقا " .
 
هذا النقد لمبدأ العلية ( السببية ) هو الذي حدا به لوضع كتاب " نقد العقل المجرد " في محاولة منه لتحديد الصور القبلية الموجودة في العقل والتي تتعين بها التجربة . فكيف تكون المعرفة بالعقل المجرد ممكنة ؟
 
 
*ضياء
26 - يناير - 2008
2 - بين الحكمة والفلسفة : ما هي أوراق اعتماد الفيلسوف بحسب كنت ؟    كن أول من يقيّم
 
 النص مأخوذ من كتاب : " مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علماً " لإيمانويل كنت ترجمة : الدكتورة نازلي اسماعيل حسين ، دار الكتاب العربي بالقاهرة 1968  ، والفصل بعنوان : كيف تكون المعرفة بالعقل المجرد ممكنة ؟ (ص 70 )
 
" النتيجة أننا نعفي جميع الميتافيزيقيين من أعمالهم بصورة رسمية طبقاً للقانون ، حتى يجدوا لنا حلاً مرضياً لهذا السؤال : كيف تكون المعارف التركيبية القبلية ممكنة . وباسم هذا الحل يقدمون اوراق اعتمادهم إذا كان عندهم شيء يقدم باسم العقل المجرد ، وإلا فليتوقعوا أن يقيلهم أناس عقلاء كثيراً ما وقعوا فريسة لخداعهم دون النظر إلى ما يقدمونه من أعمال .
 
وإذا كانوا على العكس يريدون أن يواصلوا أعمالهم لا بوصف الميتافيزيقا علماً بل فناً يقنع الناس بما هو نافع لهم ويناسب فطرتهم ، فلا نجد قانوناً يمنعهم من مزاولة المهنة . وعندئذ سيتكلمون بلسان متواضع وهو لسان الإيمان العاقل ، وسيعترفون بأنه ليس من حقهم أن يتجاوزوا حدود كل تجربة ممكنة ، ولا حتى على سبيل الفرض والتخمين ، أو أن يدعوا العلم بأي شيء ، إنما من حقهم فقط أن يسلموا  بكل ما يمكن وكل ما يلزم لهداية العقل والإرادة في الحياة ( لا من جهة الاستعمال النظري لهما الذي لا يحق لهم ممارسته ، بل من جهة الاستعمال العملي فقط ) . وبذلك فقط يمكن وصفهم بانهم حكماء يسدون للإنسانية نفعاً . ويصدق هذا الوصف عليهم إذا عدلوا عن تسميتهم بالميتافيزيقيين . إن الفلاسفة الميتافيزيقيين هم أهل النظر ولا يمكن أن نسمح لهم بأن يتلاعبوا بالفروض ، إذ لما كانت الميتافيزيقا تعنى بالأحكام القبلية فلا يمكن أن يرضى الميتافيزيقيون بأحكام سطحية مشبهة بالحقيقة ( لأن ما ندعي معرفته بصورة قبلية هو ما تأكد لنا أنه يتصف بالضرورة ) وبذلك فإما أن يقدم لنا الميتافيزيقيون علماً ، أو لا شيء عندهم .  "
 
*ضياء
27 - يناير - 2008
3 - موقف كنت من الدين    كن أول من يقيّم
 
ليس من الممكن عزل فكر كنت عن الأجواء السياسية والفكرية التي نشأ فيها وعايشها وتأثر بها رغم أنه في طريقه الطويل نحو معرفة خالصة مجردة ، حاول تحرير عقله من هذه التأثيرات ، كما أنه حاول بناء فلسفة نقدية تجعل من البحث الفلسفي الذي حدوده الماورائيات ، علماً يقينياً ذا منهج تجريبي . ويصف كنت عصر التنوير على أنه " مرحلة استقلال العقل وتحمل الإنسان مسؤولية تفكيره " وبأن هذه المسؤولية لن تحصل ، وهذا الإستقلال لن يتم ، إذا لم يتم فصل الدين عن الأخلاق والسياسة .
 
يجب أن لا ننسى أبداً بأن موقف كنت هو موقف البروتستانتي المعارض لسلطة الكنيسة والكهنوت ، وهذا ما تلقاه في تربيته البيتية ، وكان مؤمناً بأن الإرادة الإنسانية ليست لأية سلطة خارجة عنها . وكتابه " الدين في حدود العقل الخالص " الذي أصدره في العام 1793 هو في الحقيقة نقد للدين . ويؤكد كنت في هذا الكتاب بأن الدين لا يجب أن يرتبط بالعواطف بل بالعقل . وأنه من الخطأ أن نعتقد بأن الدين هو الضابط للآخلاق في حين أن الأخلاق وحدها هي التي يمكن ان توصلنا إلى الدين فالقانون الأخلاقي العقلي يتفق مع إرادة الله عز وجل ، والأخلاق التي التي ينص عليها الدين تختلف عن الشعائر والعبادات الخارجية التي نتمسك بها . 
 
لقد أراد كنت أن يؤسس لمعرفية " قبلية " قائمة على النقد للمعطيات البديهية التقليدية التي ورثتها الفلسفة عن المنطق الأرسطي وهادمة لفكرة إمكان " إدراك الشيء في ذاته " أي المعرفة المطلقة المؤسسة على اليقين الديني أو المعرفة بالجوهر والمطلق كما حددها أفلاطون . وأراد جعل الماورائيات علماً كالرياضيات والفيزياء والطبيعيات ، فلم يعد هدف الفلسفة هو البحث عن حقيقة مطلقة خارج الذات ينبغي الوصول إلى معرفة متطابقة معها ، بل أصبح مجالها البحث في الإمكانيات المتاحة للعقل من أجل التوصل إلى المعرفة ، أي البحث في حدود هذه المعرفة وقوانينها وآليتها .
 
ويكون كنت بنقله مجال المعرفة إلى حدود العقل الإنساني ، ونقل مهمة التفلسف من مجال الكشف عن حقيقة مطلقة تتولد عن تطابق التصور و" الكائن "( الوجود أو الشيء بذاته ) ، إلى البحث عن معايير الحقيقة في الأشكال والمفاهيم القبلية التي تنظم التجربة لكونها صلة الإنسان بالعالم . وهو يكون بهذا قد هدم سلطة المطلق اللاهوتي وأقصاه عن مجال العلم والمعرفة وأعطى للإنسان سلطة مستقلة ، مؤسسة على التجربة ، وعلى معرفة يقينية ذات منهج علمي خاضع لقوانين بحث صارمة . وبهذا أصبح الإنسان سيد نفسه بعد أن استغنى عن المعرفة المطلقة ليؤسس لمعرفة " يقينية " في حدود سلطة العقل ومعارفه " القبلية " المرتبطة بالزمان والمكان .
 
*ضياء
3 - فبراير - 2008
نظرية المعرفة عند كنت : الزمان والمكان (3 )    كن أول من يقيّم
 
يعتقد كنت بأن العقل الإنساني غير مؤهل لمعرفة " الأشياء بذاتها " كما أسلفنا ، وأن كل معرفة بالأشياء هي معرفة تجريبية مرتبطة بالحواس . غير أنه يوجد في العقل الإنساني ما يعرف ب " القبليات " التي تمكننا من الوصول إلى معرفة يقينية ، وأن هذه القبليات هي معطى بديهي سابق على التجربة ، إلا أن إدراكنا لهذه القبليات لا يتم إلا بعد التجربة :
 
" وهكذا نحن لا ندرك الموضوعات قبلياً إلا بصورة العيان الحسي . ومن هنا فلا يمكن معرفتها إلا كما تبدو لحواسنا ، لا كما يمكن أن تكون في ذاتها ، وهذا الزعم ضروري على الإطلاق إذا كنا نريد أن نسلم بأن القضايا التركيبية القبلية ممكنة ، أو إمكانها في حالة وجودها يجب أن يكون مفهوماً ومتعيناً من قبل .
 
أما المكان والزمان فهما العيانان اللذان تبنى عليهما في الرياضة البحتة كل المعارف وجميع الأحكام التي تكون ضرورية لازمة في نفس الوقت . لأنه يجب أولاً في علم الرياضة أن نتمثل كل تصوراته في العيان ، وفي علم الرياضة البحتة يجب تمثلها في العيان المجرد أي يجب علينا بناء هذه التصورات . وبدون ذلك فإن الرياضة التي لا تتبع غير المنهج التحليلي الذي يحلل التصورات لا المنهج التركيبي ، لا يمكن ان تتقدم خطوة إلى الأمام طالما تفتقر إلى العيان المجرد الذي يحتوي على مادة الأحكام التركيبية القبلية . إن علم الهندسة يجعل العيان المجرد للمكان أساساً . وعلم الحساب يشكل بنفسه تصوراته عن العدد عن طريق الإضافات المتتالية للوحدات في الزمان ، وعلم الميكانيكا بوجه خاص لا يستطيع أن يشكل تصوراته عن الحركة إلا بواسطة تمثل الزمان . وهذان التمثلان ليسا غير عيانين ، لأننا إذا جردنا العيانات التجريبية للأجسام ولتغيراتها من كل عنصر تجريبي فيها ، أي إذا جردناها من كل ما ينتمي إلى الإحساس فسيتبقى لنا الزمان والمكان وهما بالتالي عيانان مجردان ، وهما الأساس القبلي الذي تقوم عليه جميع العيانات الأخرى وبذلك لا يمكن أبداً فصلها عنه ؛ وعلى وجه التدقيق لما كان هذان المعنيان عبارة عن عيانين مجردين قبليين فذلك يؤكد أنهما صورتان بسيطتان للقوى الحاسة ينبغي أن تكونا سابقتين على كل عيان تجريبي ؛ أي على إدراك الموضوعات الواقعية قبلياً ، لكن في الحق كما تبدو لنا فقط . "( " مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علماً " لإيمانويل كنت ترجمة : الدكتورة نازلي اسماعيل حسين ، دار الكتاب العربي بالقاهرة 1968  ، فصل : في المسألة المتعالية الرئيسية كيف تكون الرياضة البحتة ممكنة ؟ ص 78 - 79 )
 
المعرفة عند كنت هي " تركيب " بين معرفة تجريبية ترفدنا بها الحواس ، ومعرفة قبلية مجردة : تتم هذه العملية في الذهن البشري . يعني بمعنى آخر بان هذه المعرفة هي نتيجة لتركيب ما تراه وتلمسه وتختبره الحواس وما يضيفه إليها الفكر ضمن شروط معارفه القبلية .
 
المعطيات الحسية هي إمدادات تردنا من العالم الواقعي ( لا مجال إذن للشك فيها ) وهي تمثل موضوعات المعرفة ، لكنها تتحول في ذهننا إلى معارف بفضل ما نضفي عليها من مكونات العقل الإنساني ، وهذا هو موضوع البحث الفلسفي ، أن نحدد هذه المعارف القبلية من صور أولية سابقة على التجربة ولا تتكشف لنا إلا بالتجربة . المكان والزمان هما صورتان أوليتان تضفيهما المعرفة على كل الموضوعات المتأتية لها من الخارج ، ودون أن يكون لهما أدنى وجود خارجي على الذات . فالزمان والمكان هما الشرط الذي يجعل " العلم " بالشيء ممكناً والمعرفة بهما هي إذن معرفة قبلية . إن كل ما نتمثله من صفات وخصائص للمكان مثلاً في عالم الهندسة ينطبق على عالمنا المحسوس ، فالزمان والمكان هما إذن صورتان قبليتان للحس الباطن وكل ما لدينا من معرفة بالأشياء تنتظم وفقاً لهاتين الصورتين القبليتين .
 
*ضياء
3 - فبراير - 2008
نظرية المعرفة عند كنت : الأحكام الكلية والموضوعية للتجربة (4)    كن أول من يقيّم
 
إن أحكام الإدراك الحسي لا قيمة لها لأنها ذاتية إلا أنها تصبح بفضل تصور الذهن لها أحكاماً للتجربة . فلة قلنا مثلاً بأن الحجرة دافئة فهو حكم ذاتي . وينبغي أن نحلل التجربة عموماً لنعرف ما تتضمنه من أثر للحواس وللذهن ، ولنعرف كيف يكون حكم التجربة نفسه ممكناً .
 
" سنضرب المثل الأتي : إذا سقطت أشعة الشمس على الحجر ، سخن الحجر . وهذا مجرد حكم للإدراك الحسي ليست فيه أية ضرورة مهما كان عدد المرات التي أدركنا أنا وغيري من الناس فيها هذه الظاهرة : إننا قد اعتدنا على وجود هذا الترابط بين الإدراكات الحسية ، أما إذا قلت بأن الحجر يسخن بأشعة الشمس ، فأنا أضيف هنا التصور العقلي للعلة إلى الإدراك الحسي وبذلك أربط بالضرورة تصور الحرارة بتصور ضوء الشمس ، وهكذا يصبح الحكم التركيبي حكماً صحيحاً كلية وبالضرورة حكماً موضوعياً كما يصبح حكم الإدراك الحسي حكماً للتجربة . " ( هامش الصفحة 107 من الكتاب المذكور سابقاً : مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علماً ... )
 
" وجملة القول أن العيان من اختصاص الحواس ، والتفكير من اختصاص الذهن ، لكن عملية التفكير هي العملية التي تتحد بها التمثلات في الشعور ويحصل هذا الاتحاد بين التمثلات إما بالنسبة إلى الذات فيكون عارضاً وذاتياً ، أو على جهة الإطلاق فيكون ضرورياً وموضوعياً . والحكم هو اتحاد هذه التمثلات في الشعور ، والتفكير إذن هو الحكم أو هو عملية رد التمثلات إلى الأحكام عموماً .......... ص111 "
 
" إن تصورات الذهن المجردة لا تكون لها أية دلالة على الإطلاق إذا كانت لا تنطبق على موضوعات التجربة وإذا طبقناها على الأشياء في ذاتها ( النومينا ) فهي لا تساعد إلا على تهجي الظاهر حتى يمكن أن نقرأها من حيث هي تجربة ؛ والمبادىء التي تتعلق بعالم الحس لا يستخدمها الذهن إلا في التجربة ....... إن الحل الكامل للمسألة التي طرحها هيوم هو على الرغم من تعارضه مع كل ما نتبأ به ، الحل الذي يحافظ على المصدر والأصل القبلي لتصورات الذهن المجردة ، ويحافظ أيضاً على صحة قوانين الطبيعة العامو بوصفها قوانين الذهن إنما هو يجعل استعمالها مقصوراً على التجربة لأن إمكانها يقوم أساساً على صلة الذهن بالتجربة ، لا على اعتبار أن هذه القوانين مشتقة من التجربة ، بل على اعتبار أن هذه التجربة مشتقة منها ؛ ولم يفطن هيوم أبداً لعذه الصلة التي هي على هذا النحو العكسي .
 
وهذه النتيجة التي نستخلصها الآن من كل هذه البحوث : كل المبادىء التركيبية القبلية ليست غير مبادىء التجربة الممكنة  ، ولا يمكن أبداً أن تنطبق على الأشياء في ذاتها ، بل فقط على الظواهر بوصفها موضوعات للتجربة . ولهذا السبب أيضاً فإن علم الرياضة البحتة وعلم الطبيعة المجرد لا يمكن ان يتجاوزا حدود الظواهر البسيطة ولا يمثلان شيئاً غير ما يجعل التجربة ممكنة ، أو إن ما يشتق من هذه المبادىء يجب أن يكون من الممكن تمثله بالضرورة وفي كل وقت وفي أية تجربة ممكنة . " ( ص : 123 - 124 - 125 )
 
 
*ضياء
4 - فبراير - 2008
 1  2  3  4