سدد إلي صديق اتهامه اللطيف بأن ما أكتبه لا يمكن أن يفلت من «نسوية» التوجه؛ وأجبته، بمكر مبطن، بأن هذا مدح أشكره عليه، فأن تكون كتاباتنا «نسوية» يعني أنها جميلة. وكنت أعرف أنه يقصد أن كل ما تكتبه النساء هو بالضرورة رغبة في مواجهة تسلط الذكورة ومفاهيمها على الحياة في مجتمعاتنا، فالأحكام التي يتلقاها الإبداع النسائي عموما تأتي مغلفة بسيطرة الرأي الذكوري، فالرجل ينتظر أن تكون كتابة المرأة خصبة مثل دورها في الإنجاب، جميلة وناعمة مثل الصورة النمطية السائدة، وأن تظل الكتابة بالنسبة إليها مثل كل الأعمال التي تقوم بها داخل المنزل، كما لو كانت تنسج خيوطا أو تغزل صوفا، أو مثل قطة أليفة، تداعب المفردات ككرة خيط. الإبداع النسائي، في نظر المنتقدين، يجب أن يظل اشتغالا جماليا وفنيا، لا أداة للتعبير عن الرأي الفكري.
في القرن السابع عشر مثلا، كادت الشاعرة الإنجليزية «مارغريت كافانديش» أن تصل إلى حافة الجنون، بعد أن حوصرت من طرف الشعراء بالهجوم والنقد اللاذع، ووُصفت لغة أشعارها بكونها «لغة النعجة»، لأنها طالبت بحقها في لقب «كاتبة». وأمام الضغط الشرس عليها ومحاولة إبعادها عن حلبة الكتابة والخوض في الأمور الفكرية والعلمية التي كانت تعتبر آنذاك من اختصاص الرجل، اضطرت «كفانديش» إلى أن تعترف بأن الكتابة بالنسبة إليها تمضية للوقت، وعلى الناس أن يقرؤوا نصوصها كتمضية للوقت كذلك. في نفس الفترة الزمنية، كانت هناك شاعرة أخرى تسمى «آن برادستريت» التي وجدت التشجيع والإعجاب من طرف الهيئة الأدبية، وانتصر لها قراؤها، واعتبروا شعرها ملائكيا.
التناقض بين الموقفين تجاه الشاعرتين هو أن «كفانديش» قررت أن تهدم الجدار الفاصل بين الإبداع النسائي والرجالي وتواجه احتكار الذكور لميدان التفكير العلمي والفلسفي، أما «برادستريت» فكانت تنظم الشعر وتخصص جزءا منه لمداهنة الأدباء والشعراء وإخبارهم بأنهم الأقدر والأجدر بأن يكتبوا عن السياسة والحروب، وأن طموحها هو أن يتركوا لها مساحة صغيرة، تنشد فيها كلماتها الحالمة وأشعارها الرومانسية العذبة. الفرق، كذلك، يوجد في موقفيْ امرأتين: الأولى قررت أن تتحرر من الغزل اليدوي بالخيوط والتطريز الذي أدمنته النساء، وكتبت شعرا قويا كانت تسميه «الغزْل الفكري»، أما الثانية فلم تخيب آمال المجتمع التقليدي فيها، وهو أن تظل امرأة أليفة، تنظم شعرا جميلا عذبا، يكون ملائما لما تعود الرجال أن يروا عليه المرأة.. كونها رمزا للجمال والخصب في الحياة.
الحكم على الكتابات النسائية كان يتم دائما، ولا يزال، من خلال القيم الذكورية. ومع ذلك، يظل الأمل أن تبقى هناك كتابات بهوية نسائية، لرسم عوالم تبقى مستحيلة على الرجل، لا يقدر على نقل تفاصيلها إلا القلم المؤنث.
ختاما، أقول لصديقي الذي اتهم كتاباتي بـ«النسوية»، وهو أجمل نقد وأنعم ما يمكن أن يكون عليه الاتهام، إن الكتابة بالنسبة إلي هي مثل كل ما تبدعه المرأة المغربية اليوم، في المطبخ وفي الحياكة والتطريز، هي محاولة للتحكم في عالم غير متاح لنا نحن النساء، عالم يظل دائما مصدر قلقنا، هي محاولة لضبط المعاني المنفلتة، وللسيطرة على الأشياء وإخضاعها لسلطتنا اللـُّغوية أو اللـَّغوية.. إننا ببساطة نختبئ وراء المفردات، نتقمص دور البوح ولا نبوح، نجازف بفتح الجروح ونتراجع عند أول حرف. كتابة النساء لا تعدو أن تكون سوى غزل للكلمات، مثلما غزلت جداتنا الصوف ليقتلن الانتظار؛ الكتابة هي فضاء تنحت فيه المرأة وجدانها وتبحث فيه عن مكان لها، مثل قطعة فسيفساء لم تأخذ مكانها بعد؛ الكتابة تعني لي أيضا أن أنسج نصا، وأصنع به قاربا صغيرا، أهرب على متنه، ولو للحظة، من قصور مفردة «امرأة».
في القرن السابع عشر مثلا، كادت الشاعرة الإنجليزية «مارغريت كافانديش» أن تصل إلى حافة الجنون، بعد أن حوصرت من طرف الشعراء بالهجوم والنقد اللاذع، ووُصفت لغة أشعارها بكونها «لغة النعجة»، لأنها طالبت بحقها في لقب «كاتبة». وأمام الضغط الشرس عليها ومحاولة إبعادها عن حلبة الكتابة والخوض في الأمور الفكرية والعلمية التي كانت تعتبر آنذاك من اختصاص الرجل، اضطرت «كفانديش» إلى أن تعترف بأن الكتابة بالنسبة إليها تمضية للوقت، وعلى الناس أن يقرؤوا نصوصها كتمضية للوقت كذلك. في نفس الفترة الزمنية، كانت هناك شاعرة أخرى تسمى «آن برادستريت» التي وجدت التشجيع والإعجاب من طرف الهيئة الأدبية، وانتصر لها قراؤها، واعتبروا شعرها ملائكيا.
التناقض بين الموقفين تجاه الشاعرتين هو أن «كفانديش» قررت أن تهدم الجدار الفاصل بين الإبداع النسائي والرجالي وتواجه احتكار الذكور لميدان التفكير العلمي والفلسفي، أما «برادستريت» فكانت تنظم الشعر وتخصص جزءا منه لمداهنة الأدباء والشعراء وإخبارهم بأنهم الأقدر والأجدر بأن يكتبوا عن السياسة والحروب، وأن طموحها هو أن يتركوا لها مساحة صغيرة، تنشد فيها كلماتها الحالمة وأشعارها الرومانسية العذبة. الفرق، كذلك، يوجد في موقفيْ امرأتين: الأولى قررت أن تتحرر من الغزل اليدوي بالخيوط والتطريز الذي أدمنته النساء، وكتبت شعرا قويا كانت تسميه «الغزْل الفكري»، أما الثانية فلم تخيب آمال المجتمع التقليدي فيها، وهو أن تظل امرأة أليفة، تنظم شعرا جميلا عذبا، يكون ملائما لما تعود الرجال أن يروا عليه المرأة.. كونها رمزا للجمال والخصب في الحياة.
الحكم على الكتابات النسائية كان يتم دائما، ولا يزال، من خلال القيم الذكورية. ومع ذلك، يظل الأمل أن تبقى هناك كتابات بهوية نسائية، لرسم عوالم تبقى مستحيلة على الرجل، لا يقدر على نقل تفاصيلها إلا القلم المؤنث.
ختاما، أقول لصديقي الذي اتهم كتاباتي بـ«النسوية»، وهو أجمل نقد وأنعم ما يمكن أن يكون عليه الاتهام، إن الكتابة بالنسبة إلي هي مثل كل ما تبدعه المرأة المغربية اليوم، في المطبخ وفي الحياكة والتطريز، هي محاولة للتحكم في عالم غير متاح لنا نحن النساء، عالم يظل دائما مصدر قلقنا، هي محاولة لضبط المعاني المنفلتة، وللسيطرة على الأشياء وإخضاعها لسلطتنا اللـُّغوية أو اللـَّغوية.. إننا ببساطة نختبئ وراء المفردات، نتقمص دور البوح ولا نبوح، نجازف بفتح الجروح ونتراجع عند أول حرف. كتابة النساء لا تعدو أن تكون سوى غزل للكلمات، مثلما غزلت جداتنا الصوف ليقتلن الانتظار؛ الكتابة هي فضاء تنحت فيه المرأة وجدانها وتبحث فيه عن مكان لها، مثل قطعة فسيفساء لم تأخذ مكانها بعد؛ الكتابة تعني لي أيضا أن أنسج نصا، وأصنع به قاربا صغيرا، أهرب على متنه، ولو للحظة، من قصور مفردة «امرأة».