البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : دوحة الشعر

 موضوع النقاش : الزجل والشعر الشعبي    كن أول من يقيّم
التقييم :

رأي الوراق :

 محمود العسكري 
6 - مايو - 2007
(( إن الأدب المصري لن يُوجَدَ إذا لم نُعْنَ بدراسة الأدب الشعبيِّ الذي انصرف عنه كُتَّابُنا إلى لَوْنٍ من الأدب لم يُمَثِّلِ الشَّعْبَ ، ولكنه يُمَثِّلُ الطبقة المستنيرة ، ومن رَأْيِي : أَنَّ المواويل والأغاني الشعبية تفوقُ الأدبَ العالِيَ بمراحلَ بصدق تصويرها للرُّوح المصريَّة ))

الدكتورة / سهير القلماوي

(( هذا الأدب العاميُّ الذي ظهر بمصر في الأزجال هو من تاريخ الأدب العربيِّ المصريِّ ؛ لاحتوائه على كثيرٍ من حركات العقول والأفكار المصرية ، ولانصباغه بصِبْغَةِ التفكير المصريِّ ، فلا بُدَّ إذًا لِمُؤَرِّخ الأدب أن يُعَرِّج على هذا النوع من الشعر العاميِّ لِيَقِفَ على تاريخ الأدب العربي في مصر ))

الدكتور / أحمد ضيف

(( إن في المواليا والزجل من الكتابات الْمُسْتَجَدَّة والاستعارات المستملحة والتعابير الرشيقة المستنبطة ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلُغَةٍ فصيحةٍ والتي تملأ جرائدنا ومجلاتنا لَبَانت كباقةٍ من الرياحين بقُرْبِ رابيةٍ من الحطب ، أو كسِرْبٍ من الصبايا الراقصات المترنمات قُبالةَ مجموعةٍ من الْجُثَثِ الْمُحَنَّطة ))
جبران خليل جبران
(( الزَّجَلُ ، وما أدراك ما الزجل ?! ، إن هو إلا لُغَةُ الشعب التي تُعَبِّر عما يجيشُ بصدره ، في أُسْلُوبٍ سَهْلٍ بعيدٍ عن التعمُّقِ في المعنى والزخرفة في اللفظ ، فلا غرابةَ إِذَنْ أن يكون الزجَّالُ شاعرَ الشعب الذي اندمج فيه وعاشره معاشرة الأم الحنون لأولادها ، فعرف آمالَهُ وأحسَّ بآلامِهِ ، وكشف عن أمراضه الاجتماعية التي تنخر في عظامه ، وعالجها معالجةً دقيقةً .
لقد كتب شاعر الشعب عن الفلاح المجاهد القنوع الذي لا يملُّ عمله المتواصل صابرًا على الحرمان والفقر والفاقة والجوع ، وعن العامل المصري وحقِّه المهضوم ، وعن السائل والمحروم ، وعن صغار الموظفين ، والتجار المظلومين ، وأجاد تصوير شخصية (( ابن البلد )) ، فعرف كيف يُحِبُّ ويتألَّمُ صامتًا ، وكيف يجاهد في حياته متحملاً الصدمات بصدر رحب ، وأرسل أغاني الفلاحات ألحانًا شجيَّةً تَمْلِكُ القلوب ، ووصف الساقية والمحراث والشَّادُوفَ وأيَّامَ الْحَصَادِ ومناظِرَ الرِّيفِ السَّاحِرَةِ ، ومن الجليِّ أن يكون الزجَّالُ أو شاعرُ الشعب صادقًا في كُلِّ ما يَنْظِمُ ؛ لأنه يُصَوِّرُ ما يُحِسُّ به في البيئة التي تربَّى بين أحضانها ، ولقد أوحت إليه تلك البيئة بنَظْمِ ما يَشْعُرُ به في أسلوبٍ صادقٍ رَقَّتْ معانيه وتَسَلْسَلَتْ قوافيه ، أسلوبٍ لُغَتُه مستساغةٌ مقبولةٌ لِبُعْدِها عن التَّنْمِيق الزائف وقُرْبِهَا إلى أفهامِ الجميع ...
... ولقد سَمَتْ أفكار العامة بفضلٍ من الزَّجَلِ الجميل الذي ارتقى في أيَّامنا هذه ، وارتفع عن مستوى العاميَّة بألفاظه الرَّشيقةِ ومعانيه الرقيقةِ ، ويكفي دليلاً على حُبِّ الشَّعْبِ له أن أُرْغِمَ الشعراء على نظم الأغاني - وهي مِرْآةُ الشَّعب - بالزَّجَل ، وإذا سلَّمْنا جدلاً وقلنا : إن الجمهورَ يتذوَّقُ بعضَ الأغاني الشعرية لإجادة تَلْحينها ؛ فإنه يترنَّمُ بها دون أن يفهمَ من معانيها حرفًا ، وإذا ترنَّم بها أفسدَ رَوْعَتها ؛ فنصب المجرور ، ورفع المنصوب ، وأغضب سِيبَوَيْهِ في قبره ! . إن  الْمُطْرِبَ نفسَه يخطئُ في إنشاد القصيدة ، وهو معذورٌ في ذلك ؛ لأن المثل يقول : ليس على المطرب من معرب ، فكيف يُجِيدُ إنشادَها عامَّةُ الشَّعْبِ ? ...
... ويعلم الله أني أحبُّ الشعرَ حُبِّي للزجل ؛ لأنهما من معدنٍ واحدٍ ، ألا وهو الفن ، ولكني أحتقر الشعراء الذين يُقَيِّدُون أنفسهم بالعبث الصناعيِّ السخيف ، وتقليد القدامى من الشعراء تقليدًا أعمى ، وليس معنى هذا أن الزجَّالين غَيْرُ مُقلِّدين ؛ إذ أَنِّي أعرف الكثيرين من الزجَّالين الرَّجْعِيِّين الذين لا يتحرَّجُون من تقليد الغباري ونديم والنجار وصقر ، ويتجرَّؤُون بالسَّطْو على بعض معانيهم وأخيلتهم ، ويلجَؤُون إلى الأوزان الثقيلة المهجورة ، ويعدون ذلك مَقْدرةً فائقةً .
إن كُلَّ فنٍّ يزخر بفقاقيعه ، وإن المعدن الزائف موجودٌ ما وُجِدَ المعدن الْحُرُّ ...
... إن الأَدْنياء الذين يحاولون معالجة الزَّجل دون صدًى ودون روحٍ تموت أزجالُهم وليدةً على شفاههم ))

ميلاد واصف*

------------------
أقول : إن المقارنة في كثيرٍ من الأحيان لا تكون إيجابيَّةً لصالح الشعر الشعبيِّ وحسب ، بل إن كثيًرا من الإبداعات الأدبيَّةِ التي كتبها أصحابها - عن عمدٍ أو غير عَمْدٍ - بأُسْلُوبٍ قد لا نُسَمِّيه : أسلوبًا لُغَوِيًّا رصينًا = نَجِدُها أقوى وأعمق من حَيْثُ الفكرةِ والمضمونِ والمعالجة غَيْرِ السَّطْحِيَّة للموضوع الْمُتَنَاوَل ؛ إذا ما قارنَّاها بتلك التي تَكَلَّفَ أصحابها الأسلوب اللغوي الرصين ، وقصَّرُوا دون الغاية في اللُّبِّ والجوهر .
ومَعَ أن الدَّعَوات إلى الدَّمْجِ في الدراسة بين الأدب بنوعيه : الفصيح أو الشعبيِّ ، أو لِنَقُلْ : أدبِ الْمُثَقَّفينَ وأَدَبِ الشَّعْبِ = انطلقت مُبَكِّرَةً ؛ إلا أن صدى الإجابة الفِعْلِيَّة لا يزال مُبكِّرًا أيضًا ، ومن نَّافِلَةِ القَوْلِ : أَنَّ مَسْأَلَةِ الشَّكْلِ أو الأُسْلُوب أو اللغة لم تَعُدْ تُمَثِّلُ الآن مِحْورًا أساسيًّا في مفهوم الأدب الذي تَحَرَّرَ حتى كاد أن يتَقَرَّرَ أنه النتاج الفكريُّ المتميِّزُ أيًّا كَانَ ما دام مرتبطًا بالتعبير عن هُمُومِ الذَّاتِ أو ضمير الشَّعْبِ أو حَقَائِقِ الحياة ، ومن هنا أيضًا تَقَارَبَ الأدبُ مع الفلسفة أكثرَ من ذي قَبْلُ ، وأصبح في إِمْكَانِنَا في كثيرٍ من الأحيان أن نُّعَبِّرَ عن هذا التَّقَارُبِ بالترادُفِ التَّامِّ ، أو مع الفارقِ الطَّفيف الذي سَتُمْلِيه غالبًا نِرْجِسِيَّةُ الأديب ، وهذا التَّحَوُّلُ الجديدُ في مفهوم الأدب لا شَكَّ سَيُنْشِئُ لمصطلح : (( الأدب العربي )) مفهومًا جديدًا ، فلم تَعُدْ هذه الياء المشدَّدة تَنْسُبُه إلى اللُّغَة العربيَّةِ ، وإِنَّمَا إلى الذَّاتِ العربيَّةِ ، فَهُو إِذًا الصَّحِيفَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ فيها ويُتَرْجَمُ إليها الماضي والحاضرُ والمستقبلُ خاصًّا للفرد أو عامًّا للأمة ، بأيِّ لسانٍ وبأيِّ شَكْلٍ كان هذا التَّعْبِيرُ والتَّرْجَمَةُ ، وقد نقول : وَلَوْ بِلُغَاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ .
نَعْلَمُ أن هذا الكلام لا يَرُوقُ لِلْبَعْضِ من الْمُحَافِظين ، ليس مِنْ أَنَّهُ خَطَأٌ ، بل مِنْ أَنَّ شِعَارات الْمُحَافَظةِ والتَّقْليد وتَعْظيمِ إِرْثِ الماضي لها فِتْنَتُها وبريقُها وشُهْرَتُهَا الْمُغْرِيَةُ ، مِثْلَمَا أن لِدَعَوَاتِ التَّجْديدِ والتَّفَلُّتِ والثَّوْرَةِ سِحْرُها الكاذبُ ورَنِينُها الصَّاخِبُ ، فَهُمَا طريقان قصيران ومُرِيحان ، أما السِّهَامُ الَّتِي سَتَصْبِرُ كَيْما تَصِلَ إلى كَبِدِ الحقيقةِ فما أَقَلَّها وما أَقْصَرَها بين قَامَاتِ الْغَالِي والْجَافِي ! ، والوَسَطِيَّةُ ليست من ثقافة العَقْلِ البَشَرِيِّ عُمومًا .
لَدَيْنا في مصر - بعد تلك الأسماء الكبيرة في عالم الزجل والشعر الشعبي - بَرَزَتْ أسماءٌ لامِعَةٌ ، وظهر جِيلٌ عظيمٌ ، استطاع أن يَلْمَسَ الأَوْتَار الْحَسَّاسة ، وأن يَضَعَ يَدَهُ على مواضِعِ الْجُرْحِ الْمُلْتَهِبَةِ ، في قضايانا الوَطَنِيَّةِ والاجتماعية ، وأن يُشَكِّلَ رافدًا حيًّا وقويًّا في إثارة الوَعْيِ المصري ، فقد سما بالشعر الشعبيِّ ليس إلى حُدُودِ الفلسفة وحَسْبُ ، بل غَاصَ إلى أعماقها السَّاخِرةِ الهازِئَةِ ، وليس معنى هذا أن الشعر الشعبيَّ انتقل على أيديهم إلى الضِّفَّةِ الأخرى ، ضِفَّةِ الطَّبقة الْمُسْتنيرَةِ ، بل بَقِيَ الشَّعُبُ هو مصدرَهُ ومَوْرِدَهُ ، وإنما نَسْتَطيعُ القَوْلَ : أنه أَصْبحَ كالشعر الجاهلي في حِينه ؛ لا يُمَثِّلُ لُغةً راقِيَةً ، وإنما يُمَثِّلُ فِكْرًا راقِيًا ، أمَّا في العُصُورِ اللاحقة فقد تَحَقَّقَ العَكْسُ ، أو أصبح الشِّعْرُ - وذلك في هوامشَ أَضْيَقَ - يُمَثِّلُ اللُّغةَ الرَّاقِيَةَ والفِكْرَ الرَّاقِيَ في آنٍ .
لا يَخْفَى أَنَّ من أوائلِ هذه القَائِمَةِ : فؤاد حداد ، ومحمود بيرم التونسي ، وصلاح جاهين ، وأن هُنَاكَ من جَمَعَ بين الشِّعْرِ الفَصيحِ والشَّعْبِيِّ مع الإجادة والتفوُّق ؛ ومن أشْهَرِهم : إسماعيل صبري باشا ، وأحمد رامي ، ولكنَّ هذه الازدواجِيَّةَ بَقِيَتْ غالبًا في إطار الشعر الغنائي الرُّومانْسِيِّ .
فهل في الأَقْطارِ الْعَرَبِيَّةِ الأُخْرَى أسماءٌ ونماذجُ كهذه ، ارتفعت بالشعر الشعبي عن المستوى الفولكلوري ، لِتُنْجَزَ مِنْهُ وبه إبداعاتٍ أَدَبِيَّةٍ حقيقِيَّةٍ ، يمكن القول : أنها جُزْءٌ أَكِيدٌ من الأدب العربيِّ الْمُعَاصِرِ في هذه الأَقْطَارِ ? .
------------------
( * ) هذه النصوص وجدتُّها في أوراقٍ بخطِّ جَدِّي نقلها من كتاب : (( الزجل والزجالون ، لميلاد واصف والسيد عبد الغني شطا ، الطبعة الأولى ، 1943 م )) ؛ ومن طريف ما فيه أن المؤلفين قالا : (( أما أمثلة البحور الآتية : الطويل ، المديد ، المنسرح ، الخفيف ، المضارع ، المقتضب ؛ فقد اشتركنا في نظمها لأننا لم نعثر على أمثلة لها في دواوين الأزجال قديمها وحديثها )) ، وجعلا ضابط المنسرح هكذا : [ مستفعلن فاعلات مفتعلن ] مرتين .
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
أفكار (1) : الدفاع عن البقاء    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
-   تذكرت خاطرة أومضت في فكري منذ مدة ؛= في ليلةٍ سمعت فيها عملاً موسيقيًّا متميِّزًا لـ[ البيانو المنفرد ] للموسيقيّ الكبير (( بيلا بارتوك )) واسمه : (( رقصات شعبية رومانية )) ، بعض أجزاء هذا العمل تذوَّقت فيها النكهة الشرقية بقوة ، فذكرتني بمشاعر مشابهة انتابني من قبل لدى سماعي لكثيرٍ من الأعمال ، منها مطلع لحن (( مصارعي الثيران )) من (( كارمن )) لـ : بيزيه ، وجملةٌ تنبهت لها أيضًا في ((Bachianas Brasileiras no.5  ))* لـ : فيلا لوبوس ، كذلك مطلع (( اللحن الهنغاري ، رقم : 2 )) لـ : ليست ، كذلك عمل بعنوان (( Malagueña ))* لـ : ألبنيز ، وأشياء أخرى كثيرة ، وأيضًا عند سماعي : (( اللحن العسكري السلافي )) لـ : تشايكوفسكي ، فعندما استمعت لهذا العمل للمرة الأولى ، وتفاجأت بمطلعه ذي الطابع الشرقي العربي الموحي بروح الصحراء وقوافلها ؛= جعلت أسابق ألحانها بألحانٍ من عندي ، وفجأةً ! اصطدمت بألحانٍ نشازٍ ، ما هذا التغاير ؟! ، ولكني عندما سمعتها للمرة الثانية والثالثة - وجدت ألحان المطلع منسجمة تمامًا مع بقيِّتها ، ومنذئذٍ تنبَّهْتُ إلى قضية ...
-   وهي : أن فهم الفنون في إطارها الإقليمي أو المحلي أو الشعبي أو اعتبارها في شكل فلكلوري** = يفقدها الكثير من إمكانياتها التعبيرية ، ويفقدنا نحن الكثير من الفهم والاستيعاب العميق لها ، وهذه الظاهرة غالبًا ما تسيطر على تفكيرنا ، ولذلك ؛ عندما يستطيع شخص ما - على زمنٍ متطاولٍ - أن يتحرر منها ، ويقدم لنا نتاجًا من الأدب أو الفن اتسعت إمكانياته عندما استطاع إخراجه من إطاره الإقليمي ، = نقول : إنه قدم إبداعًا ، ومثلاً : لو قدم لنا شخص ألحانًا مختلفة عن تلك التي اعتدنا حصر الموسيقى العربية فيها ( تأمل : اعتدنا ! ) بتحرره من الفهم الفلكلوري لها = فسيكون هذا إبداعًا جديدًا ، وبقدر الإبداع يكون الثراء والارتقاء لهذه الفنون ...
-   وعندما استوعبت هذه الفكرة - لم يعد ينتابني شعور بالنشاز عندما أسمع أثناء الموسيقى الغربية لمحاتٍ شرقية ، وأصبح الكل ينساب في سمعي بانسجام تام ...
-   هذه الفكرة تنسحب أيضا على فهم اللغة والأدب ، فلو أخذنا الشعر الجاهلي كمثالٍ = نجد أن المتكلمين بالعربية في ذلك الحين أخذوا ما قد أسميه ( لقطةً للغة ) ، واعتمدوا ذلك الشكل الفلكلوري المجمد بمثابة الشكل الأصيل والوحيد للغة بكل إمكانياتها ، لكن : هل هذا صحيح ؟ ، بالتأكيد : لا ؛ فعلى مر الأزمنة تحقق في التطور الأدبي ما قد نسميه الاكتشاف والارتياد للمعالم المجهولة من اللغة ، إذًا : فالنظرة المحدودة التي نظرها المتكلمون بالعربية في ذلك الحين إليها أفقدتها كثيرًا من قدراتها ، والتي كان من شأنها –لو اكتشفت– أن تصبح رافدًا جديدًا للإبداع الأدبي ، بل لما نتج عندنا هذا الكم المتشابه المتناظر الذي أطلقنا عليه اسم (الشعر الجاهلي)*** ...
-   ولذلك عندما أتى القرآن الكريم متحرِّرًا متخلِّصًا في لغته الرفيعة من قميص (الفلكلور اللغوي) أو (العادة اللغوية) = كان هذا صدمةً مفاجئةً لأهل العربية ، فالقرآن جاء حرًّا طليقًا من موروثات الجاهلية على كافة خطاباته ، هذه الصدمة كانت من العِظَم بحيث أن تفريغها أوقفنا على بعض المضحكات ، فالذي نقلته كتب التاريخ من سخافات مدعي النبوة في الهراء الذي عارضوا به القرآن = له تفسير منطقي يتخرج على هذه الفكرة ،   فهذه الفقر المنقولة في غاية البلاهة والركاكة ، ألم يكن في وسعهم أن يأتوا بما هو خير ؟ ، نعم كان في وسعهم ؛ ولكن القرآن أذهلهم بتحرره اللغوي الكبير ، فطلبوا أن يجاروه في نفس المضمار ، وماذا تكون الخطوة الأولى لمصفودٍ مقيَّدٍ ؟ هي سقطةٌ لا محالة ، فكانت هذه السخافات سقطتهم ...
-   شيئًا فشيئًا بدؤوا يفيقون من آثار الصدمة ، وبدؤوا يتفهمون التحرر اللغوي بشكل منطقي ، وبدؤوا يدركون مدى ما كانت هذه (العادة اللغوية) تغلُّ من مواهب اللغة ، هذا الفهم والإدراك تضافر مع حاجة الواقع الذي لم يكن له بدٌّ من استنفار اللغة بشكل عاجلٍ وسريعٍ لتلبية هذه الحاجة ، وهكذا حصل التحرك الحيوي الأول للغة ، وانبثقت عنه - ضرورةً - إبداعات جديدة في فن الأدب ، وعلى تعاقب الأيام تقلبت اللغة في أطوار مختلفة من التحركات الحيوية والتكبل بالإطار الفلكلوري ...
-   هذه الفكرة تنسحب أيضًا إلى فهم الشريعة ، فأحيانًا تُمْنى الشريعة بنظرة فلكلورية لها ، وتحصر في حدود زمان ومكان ووضع خاص ، وتفهم على أنها هذا الشكل الفلكلوري وحسب ، ويقرر هذا الفهم من بعد ذلك على كل زمان ومكان ووضع ، بهذا النمط من الفهم والتفكير المقيد تفقد الشريعة الكثير من ذخيرتها العظيمة التي يعوزها -كي تظهر- نوع من التفكير الحر لا يخضع كل شيء للمقياس الفلكلوري ...
-   وواضحٌ بما ذكرته في البدء عن الموسيقى والتحرر من النظرة الفلكلورية لها إنتاجًا وتلقِّيًا = ليس تعمد الدمج والاقتباس ؛ فالأعمال التي أشرت إليها لم يقصد فيها محاكاة الأنغام الشرقية ؛ بل قصد -كما هو واضح من أسمائها- أن تُعبِّر عن أنواع أخرى من التراث الموسيقي ، لكن كانت المشابهةُ نتاجَ المصادفة ، كذلك في اللغة والأدب والفنون والشريعة وسائر المناحي الفكرية والثقافية = غير مقصود فيها الدمج والمحاكاة والتداخل في بوتقةِ عولمةٍ مع الثقافات الأخرى ، بل المقصود أنه لو نظرنا إلى كل منها بانفراده ، وكان هذا النظر متحرِّرًا من حيثيات الزمان والمكان والعادة (الإطار الفلكلوري) ؛= ستكون المحصِّلة اكتشاف إمكانيات وطاقات أكبر ، والحصول على فهم أعمق وأوسع ، وإحراز إبداعاتٍ لم نكن لنحرزها لولا هذا ، وربما جمعتنا مع هذه الثقافات الأخرى مصادفةٌ هي أسعد من تعمُّد الدمج والاقتباس ...
-   إن النظرة الفلكلورية لا تقيد المضمون فحسب ، بل إنها تنسرب إلى قداسة الشكل أيضًا ، وبدلاً من بقاء الوعاء كوعاء = فإنه يأخذ معنى المحتوى ، هذا التوحُّد الذي من شأنه أن يلغي معنى الوجود والماهية الحقيقية لكل من الوعاء والمحتوى = هو من الآثار الضارة لهذه النظرة الفلكلورية ، فعندما يَعْمَد فنٌّ كالأدب أو الموسيقى أو الرسم إلى الإنتاج ؛= سيَعْمَد في كثيرٍ من الأحيان -نتيجة لعطب الرؤية هذا- إلى الشكل كمضمون ، والناتج وليدٌ مسخٌ لأنه يحمل جينات الوعاء في الوعاء والمحتوى على سواء ( والنماذج لهذه المواليد كثيرةٌ في الشعر العربي كمثالٍ ) ، كذلك الشريعة عندما تأخذ شكلاً منها وتنتج ، ستكون المحصِّلة هياكل فارغة ، وعندما تتنامى سلاسل من هذا القبيل في الفن أو الفكر أو الشريعة ...إلخ عدة أجيال = فلا مناص من انعدام العنصر الإنساني ، الأمر أيضًا ينطبق على الآلة التي أنتجها الإنسان ؛ فهي وعاءٌ لمضمون حاجياته ، لكن عندما تُقَدَّس الآلة كآلةٍ ، ويبدأ الإنتاج في هذه السلسلة المشؤومة ستكون المحصِّلة بعد عدة أجيال هي انعدام العنصر الإنساني ...
-   هذا الانقلاب الخطير يجعل من الإنسان عبدا للآلة وللفن وللفكر وللشريعة بدلاً من العكس ، نحن الآن أصبحنا عبيدًا لها ولو بشكلٍ جزئيٍّ ، أصبحنا نلتمس وجودنا أو نتحايل للبرهنة على وجودنا كإنسان بمنتجاتٍ آلية وفنية وفكرية ودينية ، أصبحت الآن أوصاف : مهندس طبيب شاعر موسيقي واعظ ... إلخ= أوصافًا للوجود الإنساني ، فلو تخيلنا للحظة انمحاءها = فسينعدم أمامنا الموصوف ، وسيأتي يوم يوصف فيه الإنسان بأنه مستعمل الآلة ؛ وليس مخترع الآلة ...
-   عودٌ على بدءٍ ؛: هناك فرق بين اللغة كوعاء واللغة كمحتوًى ( أعني : الأدب ، أعني : الأفكار والعواطف الإنسانية ) ، وهناك فرق بين الموسيقى كلغة أي وعاء ؛ وبين الموسيقى كمحتوًى ( أعني : الأفكار والعواطف الإنسانية المعبر عنها باللغة الموسيقية ) ، وفرق بين الرسم كوعاء ولغة ؛ وبين الرسم كمحتوًى ( أعني الأفكار والعواطف الإنسانية المعبر عنها باللغة التصويرية ) ، وفرق بين الشريعة كلغة ووعاء ؛ وبين الشريعة كمحتوى ( أعني الأفكار والعواطف الإنسانية المعبر عنها بلغة الشريعة )***** ، وفرق بين الآلة كوعاء والآلة كمحتوى ، والمطلوب بعد ذلك بقاء كُلٍّ : هذا وعاء وهذا محتوًى ، والذي يعنينا الحفاظ عليه أصالةً هو الثاني ، أما الأول فوجوده ضروري ، ضرورة الظل للجسم والجسم للروح ، ليس علينا أن نحنط الأجساد التي فيها أرواحها الحية ، ولا ينبغي لنا القلق من تطور الأجساد ولو كان إلى الشيخوخة ( ما دام في الشيخوخة معناها ) ...
-   أعلم أن قداسة الشكل تأتي أحيانًا من تعظيم المضمون ، ولكن هذا لا يبرر لنا تجميد الشكل والمضمون معًا بالنظرة الفلكلورية ، لنأخذ قضية بسيطة : طفل مات ، أي بقي محتفظًا بأفكاره الطفولية ، لنعكس القضية - والعكس من شروط القضايا الصحيحة - طفل بقي محتفظا بأفكاره الطفولية أي طفل مات ، هذا ما ينبغي أن نتقيه : موت الإنسان**** ...
-   وهناك قضيةٌ ينبغي الإيمان بها ؛ وهي : أن تاريخ الأفكار والعواطف والمعاني الإنسانية لا بُدَّ من أن يعيد نفسه ، هي دورة حيوية أو سنة كونية مثل دورة الماء في الطبيعة ، الإنسان من حينٍ لآخر لا بد من أن يتقمَّص ذكرياته ويعيدها شخوصًا حيَّةً ، سأتكلم عن نفسي : عندما أكتب أنا الشعر أو النثر الأدبي بتلك المعاني التراثية العتيقة محاكيًا بالضرورة وعاءها الذي خلقت فيه = لا أشعر أن قيَّدتُّ نفسي بها ، أو أني أستجلبها كديةً وشحاذةً ، بل أشعر أنها طوع يميني ، وأني أصرِّفها كيف أشاء ، وهذا إحساس حقيقيٌّ غير مزيف أو مُتَوهَّمٍ ، لأني لم أنظر بالنظرة الفلكلورية ، ولم أقدِّس الشكل ، لكن الذي حصل هو أن المضمون أعاد تاريخه في نفسي ، أنا أكتب وأشعر بأن تلك الأفكار والمعاني والعواطف حيةً نابضةً في أعماقي وكأنها مولودة ثَمَّ لأول مرة ، سأصف الأطلال ، وأشبه بالغزلان ، وأمدح بالبحر ، لا أقلد أحدًا ، ولا أتعبد ماضيًا ، ولكنها أصدائي أجيب بها همسًا تردد داخلي ...
-   هذه الفكرة الحقة تجعلني أمقت أولئك المهتمين بالتراث والآثار والتاريخ والفنون والفنون الشعبية والفلكلور ...إلخ لمجرد أنها كذلك ( ألم أقل إننا نتحايل للبرهنة على وجودنا كإنسان ! ) ، لكن عندما أتوجه أنا بالاهتمام إليها فأنا أفسر ذلك على النحو السابق تفسيرًا منطقيًّا كريمًا يقبله التفكير الحر ...
-   إن الأفكار والمعاني والعواطف الإنسانية كطاقة مهما اتسعت وبلغت من الضخامة ؛= فإنها محدودة بإطار الإنسانية ، لذلك فتفريغ هذه الطاقة من الممكن أن يتأتى بالتسلسل لكن المؤقت المنتهي وليس التسلسل الأبدي ، ولذلك لا مناص لها من تعيد تفريغ نفسها بطريق الدور ، وهذا هو برهاننا الرياضي على هذه القضية التي ينبغي الإيمان بها ( رأيت في أحد أحلامي الفلسفية أن بيتهوفن يحمل ربابة ! ) ، ( قد تتنامى الآلة والفكر والفنون بالتسلسل الأبدي لكن كأوعية فارغة لا كمحتوًى ، فهذا مستقبل لن يشهده الإنسان ! ) ...
-   في الختام نلخص : أنه إذا أردنا للغة وللفن وللآلة وللفكر وللشريعة أن ترقى وأن تسمو ، وأن نرى لها ومنها تلك الإبداعات الإنسانية العظيمة التي نفرغ فيها طاقاتنا الإنسانية العظيمة ؛ = فهذا لا يكون إلا بعد التخلص من تلك الأرصدة المجمدة من إحداثيات الزمان والمكان ، ومن ثمَّ ننظر نظرةً أكثر حرية نستكشف بها الإمكانيات العظيمة لها ، فيحصل رقيها وسموها مسامتًا للرقي والسمو الإنساني ...
-   بقي سؤال أخير : هذه الفكرة التي ندعو إليها دفاعًا عن البقاء والتي يعرفها الإنسان جيدًا = لماذا لم يتنازل عن شيءٍ من رفاهية التعامي عنها ؟ ، لماذا لم يحاول من قبل تطبيقها بشكل أفضل وأكثر حدوثًا ، الجواب : أن عدم تطبيقها كان خطة أخرى من الإنسان دفاعًا عن البقاء ، إن ظاهرة الخوف هي أولى ظواهر غريزة الدفاع عن البقاء ، فكما أن الإنسان يعرف هذه الفكرة فهو يخشى من أن يتفرغ وجوده سريعًا عبر نافذتها ، لنا أن تخيل أن هذه الفكرة طبقها الإنسان بجميع أفراده = ستكون النتيجة سرعة مذهلة للارتقاء تنذر بالنهاية ، وهذا ما يتَّقيه : نهاية الإنسان ، ذكاءٌ منه أن يستخدم الطريقتين معًا ، إنه يجمد كثيرا من لحظات الزمان والمكان وينسخ منها نسخًا كثيرةً يملأ بها دفتر أيامه في الأمس والحاضر والغد ، لكنه لا يملؤها كلها ؛ لأنه يعلم أن الخلود في وجه العملة الآخرة هو الفناء ، بل يبقي أوراقًا ليطير فيها بأجنحته حرًّا يقطع مسافاتٍ من طريقه المحتومة ، بيد أنه لا يملك من الجسارة ما يصل به بين المبتدأ والخبر في نَفَسٍ واحد ...
 [*] لو كان من مساعدةٍ على الترجمة ! .
[**] الفلكلور في فَهْمي ، هو : التقاط صورة لفن من الفنون في زمان ما في مكان ما على ما هيَّآه ذلك الزمان والمكان لذلك الفن من أوضاعٍ ، ثم الحفاظ على تلك الصورة مجمَّدةً مكرَّرةَ النُّسَخَ في كل زمان ومكان ووضع بعد ذلك .
[***] كان العرب في الجاهلية يصنعون أصنامهم ثم يتعبدون لها ، كذلك هم صنعوا اللغة ثم تعبدوا لها .
[****] لا يمكن للإنسان أن يموت ، غريزة البقاء ستوجهه في المأزق الأخير ، لكن لسنا في اضطرارٍ إلى انتظار المأزق .
[*****] مذهب أهل السنة أنه لا يجب على الله إرسال الرسل خلافًا للمعتزلة والبراهمة .   
*محمود العسكري
15 - أغسطس - 2008
من الباب للطاقة    كن أول من يقيّم
 
كنت سأجعل عنوان الترحيب بعودة صديقنا الأستاذ محمود الدمنهوري (هلال محمود) ولكن رأيت أن كلمة هلال تقصر عن واقع الحال، لأن الهلال يغيب بضعة أيام كل شهر، وأما الأستاذ محمود فلنا معه إطلالة في كل فصل أول فصلين من السنة:
(من 12 يوليو 2007 إلى 13 مارس 2008، إلى 10 أبريل، ومن 10 أبريل إلى 15 أغسطس)
ولكن والحق يقال فإن الإستاذ محمودا على ما كان منه محمودٌ، لم ينقطع عن مراسلتي طوال انقطاعاته التي يضطر لها للاهتمام بدروسه في الجامعة، وقد أعاد إلى ذاكرتنا اليوم موضوعه الشيق الذي نشره يوم 6 مايو 2007م وكما يقولون عندنا في الشام (من الباب للطاقة) و(الحكي لك واسمعي يا جاره) سرتني عودتك أستاذ محمود، متمنيا أن تتعرف على سراة الوراق الذين نصبوا في غيبتك خيامهم وأداروا مدامهم وأنت في وعثاء الفحوص ورمضاء الدراسة، وأنا أدعوك لمتابعة مواضيع هذه النخبة الطيبة من سراة الوراق، وستجد ما يسرك إن شاء الله، ولكني أخشى أن يكون دخولك للوراق بعد ثلاثة أشهر ونرجع بخفي حنين.
*زهير
15 - أغسطس - 2008