- تذكرت خاطرة أومضت في فكري منذ مدة ؛= في ليلةٍ سمعت فيها عملاً موسيقيًّا متميِّزًا لـ[ البيانو المنفرد ] للموسيقيّ الكبير (( بيلا بارتوك )) واسمه : (( رقصات شعبية رومانية )) ، بعض أجزاء هذا العمل تذوَّقت فيها النكهة الشرقية بقوة ، فذكرتني بمشاعر مشابهة انتابني من قبل لدى سماعي لكثيرٍ من الأعمال ، منها مطلع لحن (( مصارعي الثيران )) من (( كارمن )) لـ : بيزيه ، وجملةٌ تنبهت لها أيضًا في ((Bachianas Brasileiras no.5 ))* لـ : فيلا لوبوس ، كذلك مطلع (( اللحن الهنغاري ، رقم : 2 )) لـ : ليست ، كذلك عمل بعنوان (( Malagueña ))* لـ : ألبنيز ، وأشياء أخرى كثيرة ، وأيضًا عند سماعي : (( اللحن العسكري السلافي )) لـ : تشايكوفسكي ، فعندما استمعت لهذا العمل للمرة الأولى ، وتفاجأت بمطلعه ذي الطابع الشرقي العربي الموحي بروح الصحراء وقوافلها ؛= جعلت أسابق ألحانها بألحانٍ من عندي ، وفجأةً ! اصطدمت بألحانٍ نشازٍ ، ما هذا التغاير ؟! ، ولكني عندما سمعتها للمرة الثانية والثالثة - وجدت ألحان المطلع منسجمة تمامًا مع بقيِّتها ، ومنذئذٍ تنبَّهْتُ إلى قضية ... - وهي : أن فهم الفنون في إطارها الإقليمي أو المحلي أو الشعبي أو اعتبارها في شكل فلكلوري** = يفقدها الكثير من إمكانياتها التعبيرية ، ويفقدنا نحن الكثير من الفهم والاستيعاب العميق لها ، وهذه الظاهرة غالبًا ما تسيطر على تفكيرنا ، ولذلك ؛ عندما يستطيع شخص ما - على زمنٍ متطاولٍ - أن يتحرر منها ، ويقدم لنا نتاجًا من الأدب أو الفن اتسعت إمكانياته عندما استطاع إخراجه من إطاره الإقليمي ، = نقول : إنه قدم إبداعًا ، ومثلاً : لو قدم لنا شخص ألحانًا مختلفة عن تلك التي اعتدنا حصر الموسيقى العربية فيها ( تأمل : اعتدنا ! ) بتحرره من الفهم الفلكلوري لها = فسيكون هذا إبداعًا جديدًا ، وبقدر الإبداع يكون الثراء والارتقاء لهذه الفنون ...
- وعندما استوعبت هذه الفكرة - لم يعد ينتابني شعور بالنشاز عندما أسمع أثناء الموسيقى الغربية لمحاتٍ شرقية ، وأصبح الكل ينساب في سمعي بانسجام تام ...
- هذه الفكرة تنسحب أيضا على فهم اللغة والأدب ، فلو أخذنا الشعر الجاهلي كمثالٍ = نجد أن المتكلمين بالعربية في ذلك الحين أخذوا ما قد أسميه ( لقطةً للغة ) ، واعتمدوا ذلك الشكل الفلكلوري المجمد بمثابة الشكل الأصيل والوحيد للغة بكل إمكانياتها ، لكن : هل هذا صحيح ؟ ، بالتأكيد : لا ؛ فعلى مر الأزمنة تحقق في التطور الأدبي ما قد نسميه الاكتشاف والارتياد للمعالم المجهولة من اللغة ، إذًا : فالنظرة المحدودة التي نظرها المتكلمون بالعربية في ذلك الحين إليها أفقدتها كثيرًا من قدراتها ، والتي كان من شأنها –لو اكتشفت– أن تصبح رافدًا جديدًا للإبداع الأدبي ، بل لما نتج عندنا هذا الكم المتشابه المتناظر الذي أطلقنا عليه اسم (الشعر الجاهلي)*** ...
- ولذلك عندما أتى القرآن الكريم متحرِّرًا متخلِّصًا في لغته الرفيعة من قميص (الفلكلور اللغوي) أو (العادة اللغوية) = كان هذا صدمةً مفاجئةً لأهل العربية ، فالقرآن جاء حرًّا طليقًا من موروثات الجاهلية على كافة خطاباته ، هذه الصدمة كانت من العِظَم بحيث أن تفريغها أوقفنا على بعض المضحكات ، فالذي نقلته كتب التاريخ من سخافات مدعي النبوة في الهراء الذي عارضوا به القرآن = له تفسير منطقي يتخرج على هذه الفكرة ، فهذه الفقر المنقولة في غاية البلاهة والركاكة ، ألم يكن في وسعهم أن يأتوا بما هو خير ؟ ، نعم كان في وسعهم ؛ ولكن القرآن أذهلهم بتحرره اللغوي الكبير ، فطلبوا أن يجاروه في نفس المضمار ، وماذا تكون الخطوة الأولى لمصفودٍ مقيَّدٍ ؟ هي سقطةٌ لا محالة ، فكانت هذه السخافات سقطتهم ...
- شيئًا فشيئًا بدؤوا يفيقون من آثار الصدمة ، وبدؤوا يتفهمون التحرر اللغوي بشكل منطقي ، وبدؤوا يدركون مدى ما كانت هذه (العادة اللغوية) تغلُّ من مواهب اللغة ، هذا الفهم والإدراك تضافر مع حاجة الواقع الذي لم يكن له بدٌّ من استنفار اللغة بشكل عاجلٍ وسريعٍ لتلبية هذه الحاجة ، وهكذا حصل التحرك الحيوي الأول للغة ، وانبثقت عنه - ضرورةً - إبداعات جديدة في فن الأدب ، وعلى تعاقب الأيام تقلبت اللغة في أطوار مختلفة من التحركات الحيوية والتكبل بالإطار الفلكلوري ...
- هذه الفكرة تنسحب أيضًا إلى فهم الشريعة ، فأحيانًا تُمْنى الشريعة بنظرة فلكلورية لها ، وتحصر في حدود زمان ومكان ووضع خاص ، وتفهم على أنها هذا الشكل الفلكلوري وحسب ، ويقرر هذا الفهم من بعد ذلك على كل زمان ومكان ووضع ، بهذا النمط من الفهم والتفكير المقيد تفقد الشريعة الكثير من ذخيرتها العظيمة التي يعوزها -كي تظهر- نوع من التفكير الحر لا يخضع كل شيء للمقياس الفلكلوري ...
- وواضحٌ بما ذكرته في البدء عن الموسيقى والتحرر من النظرة الفلكلورية لها إنتاجًا وتلقِّيًا = ليس تعمد الدمج والاقتباس ؛ فالأعمال التي أشرت إليها لم يقصد فيها محاكاة الأنغام الشرقية ؛ بل قصد -كما هو واضح من أسمائها- أن تُعبِّر عن أنواع أخرى من التراث الموسيقي ، لكن كانت المشابهةُ نتاجَ المصادفة ، كذلك في اللغة والأدب والفنون والشريعة وسائر المناحي الفكرية والثقافية = غير مقصود فيها الدمج والمحاكاة والتداخل في بوتقةِ عولمةٍ مع الثقافات الأخرى ، بل المقصود أنه لو نظرنا إلى كل منها بانفراده ، وكان هذا النظر متحرِّرًا من حيثيات الزمان والمكان والعادة (الإطار الفلكلوري) ؛= ستكون المحصِّلة اكتشاف إمكانيات وطاقات أكبر ، والحصول على فهم أعمق وأوسع ، وإحراز إبداعاتٍ لم نكن لنحرزها لولا هذا ، وربما جمعتنا مع هذه الثقافات الأخرى مصادفةٌ هي أسعد من تعمُّد الدمج والاقتباس ...
- إن النظرة الفلكلورية لا تقيد المضمون فحسب ، بل إنها تنسرب إلى قداسة الشكل أيضًا ، وبدلاً من بقاء الوعاء كوعاء = فإنه يأخذ معنى المحتوى ، هذا التوحُّد الذي من شأنه أن يلغي معنى الوجود والماهية الحقيقية لكل من الوعاء والمحتوى = هو من الآثار الضارة لهذه النظرة الفلكلورية ، فعندما يَعْمَد فنٌّ كالأدب أو الموسيقى أو الرسم إلى الإنتاج ؛= سيَعْمَد في كثيرٍ من الأحيان -نتيجة لعطب الرؤية هذا- إلى الشكل كمضمون ، والناتج وليدٌ مسخٌ لأنه يحمل جينات الوعاء في الوعاء والمحتوى على سواء ( والنماذج لهذه المواليد كثيرةٌ في الشعر العربي كمثالٍ ) ، كذلك الشريعة عندما تأخذ شكلاً منها وتنتج ، ستكون المحصِّلة هياكل فارغة ، وعندما تتنامى سلاسل من هذا القبيل في الفن أو الفكر أو الشريعة ...إلخ عدة أجيال = فلا مناص من انعدام العنصر الإنساني ، الأمر أيضًا ينطبق على الآلة التي أنتجها الإنسان ؛ فهي وعاءٌ لمضمون حاجياته ، لكن عندما تُقَدَّس الآلة كآلةٍ ، ويبدأ الإنتاج في هذه السلسلة المشؤومة ستكون المحصِّلة بعد عدة أجيال هي انعدام العنصر الإنساني ...
- هذا الانقلاب الخطير يجعل من الإنسان عبدا للآلة وللفن وللفكر وللشريعة بدلاً من العكس ، نحن الآن أصبحنا عبيدًا لها ولو بشكلٍ جزئيٍّ ، أصبحنا نلتمس وجودنا أو نتحايل للبرهنة على وجودنا كإنسان بمنتجاتٍ آلية وفنية وفكرية ودينية ، أصبحت الآن أوصاف : مهندس طبيب شاعر موسيقي واعظ ... إلخ= أوصافًا للوجود الإنساني ، فلو تخيلنا للحظة انمحاءها = فسينعدم أمامنا الموصوف ، وسيأتي يوم يوصف فيه الإنسان بأنه مستعمل الآلة ؛ وليس مخترع الآلة ...
- عودٌ على بدءٍ ؛: هناك فرق بين اللغة كوعاء واللغة كمحتوًى ( أعني : الأدب ، أعني : الأفكار والعواطف الإنسانية ) ، وهناك فرق بين الموسيقى كلغة أي وعاء ؛ وبين الموسيقى كمحتوًى ( أعني : الأفكار والعواطف الإنسانية المعبر عنها باللغة الموسيقية ) ، وفرق بين الرسم كوعاء ولغة ؛ وبين الرسم كمحتوًى ( أعني الأفكار والعواطف الإنسانية المعبر عنها باللغة التصويرية ) ، وفرق بين الشريعة كلغة ووعاء ؛ وبين الشريعة كمحتوى ( أعني الأفكار والعواطف الإنسانية المعبر عنها بلغة الشريعة )***** ، وفرق بين الآلة كوعاء والآلة كمحتوى ، والمطلوب بعد ذلك بقاء كُلٍّ : هذا وعاء وهذا محتوًى ، والذي يعنينا الحفاظ عليه أصالةً هو الثاني ، أما الأول فوجوده ضروري ، ضرورة الظل للجسم والجسم للروح ، ليس علينا أن نحنط الأجساد التي فيها أرواحها الحية ، ولا ينبغي لنا القلق من تطور الأجساد ولو كان إلى الشيخوخة ( ما دام في الشيخوخة معناها ) ...
- أعلم أن قداسة الشكل تأتي أحيانًا من تعظيم المضمون ، ولكن هذا لا يبرر لنا تجميد الشكل والمضمون معًا بالنظرة الفلكلورية ، لنأخذ قضية بسيطة : طفل مات ، أي بقي محتفظًا بأفكاره الطفولية ، لنعكس القضية - والعكس من شروط القضايا الصحيحة - طفل بقي محتفظا بأفكاره الطفولية أي طفل مات ، هذا ما ينبغي أن نتقيه : موت الإنسان**** ...
- وهناك قضيةٌ ينبغي الإيمان بها ؛ وهي : أن تاريخ الأفكار والعواطف والمعاني الإنسانية لا بُدَّ من أن يعيد نفسه ، هي دورة حيوية أو سنة كونية مثل دورة الماء في الطبيعة ، الإنسان من حينٍ لآخر لا بد من أن يتقمَّص ذكرياته ويعيدها شخوصًا حيَّةً ، سأتكلم عن نفسي : عندما أكتب أنا الشعر أو النثر الأدبي بتلك المعاني التراثية العتيقة محاكيًا بالضرورة وعاءها الذي خلقت فيه = لا أشعر أن قيَّدتُّ نفسي بها ، أو أني أستجلبها كديةً وشحاذةً ، بل أشعر أنها طوع يميني ، وأني أصرِّفها كيف أشاء ، وهذا إحساس حقيقيٌّ غير مزيف أو مُتَوهَّمٍ ، لأني لم أنظر بالنظرة الفلكلورية ، ولم أقدِّس الشكل ، لكن الذي حصل هو أن المضمون أعاد تاريخه في نفسي ، أنا أكتب وأشعر بأن تلك الأفكار والمعاني والعواطف حيةً نابضةً في أعماقي وكأنها مولودة ثَمَّ لأول مرة ، سأصف الأطلال ، وأشبه بالغزلان ، وأمدح بالبحر ، لا أقلد أحدًا ، ولا أتعبد ماضيًا ، ولكنها أصدائي أجيب بها همسًا تردد داخلي ...
- هذه الفكرة الحقة تجعلني أمقت أولئك المهتمين بالتراث والآثار والتاريخ والفنون والفنون الشعبية والفلكلور ...إلخ لمجرد أنها كذلك ( ألم أقل إننا نتحايل للبرهنة على وجودنا كإنسان ! ) ، لكن عندما أتوجه أنا بالاهتمام إليها فأنا أفسر ذلك على النحو السابق تفسيرًا منطقيًّا كريمًا يقبله التفكير الحر ...
- إن الأفكار والمعاني والعواطف الإنسانية كطاقة مهما اتسعت وبلغت من الضخامة ؛= فإنها محدودة بإطار الإنسانية ، لذلك فتفريغ هذه الطاقة من الممكن أن يتأتى بالتسلسل لكن المؤقت المنتهي وليس التسلسل الأبدي ، ولذلك لا مناص لها من تعيد تفريغ نفسها بطريق الدور ، وهذا هو برهاننا الرياضي على هذه القضية التي ينبغي الإيمان بها ( رأيت في أحد أحلامي الفلسفية أن بيتهوفن يحمل ربابة ! ) ، ( قد تتنامى الآلة والفكر والفنون بالتسلسل الأبدي لكن كأوعية فارغة لا كمحتوًى ، فهذا مستقبل لن يشهده الإنسان ! ) ...
- في الختام نلخص : أنه إذا أردنا للغة وللفن وللآلة وللفكر وللشريعة أن ترقى وأن تسمو ، وأن نرى لها ومنها تلك الإبداعات الإنسانية العظيمة التي نفرغ فيها طاقاتنا الإنسانية العظيمة ؛ = فهذا لا يكون إلا بعد التخلص من تلك الأرصدة المجمدة من إحداثيات الزمان والمكان ، ومن ثمَّ ننظر نظرةً أكثر حرية نستكشف بها الإمكانيات العظيمة لها ، فيحصل رقيها وسموها مسامتًا للرقي والسمو الإنساني ...
- بقي سؤال أخير : هذه الفكرة التي ندعو إليها دفاعًا عن البقاء والتي يعرفها الإنسان جيدًا = لماذا لم يتنازل عن شيءٍ من رفاهية التعامي عنها ؟ ، لماذا لم يحاول من قبل تطبيقها بشكل أفضل وأكثر حدوثًا ، الجواب : أن عدم تطبيقها كان خطة أخرى من الإنسان دفاعًا عن البقاء ، إن ظاهرة الخوف هي أولى ظواهر غريزة الدفاع عن البقاء ، فكما أن الإنسان يعرف هذه الفكرة فهو يخشى من أن يتفرغ وجوده سريعًا عبر نافذتها ، لنا أن تخيل أن هذه الفكرة طبقها الإنسان بجميع أفراده = ستكون النتيجة سرعة مذهلة للارتقاء تنذر بالنهاية ، وهذا ما يتَّقيه : نهاية الإنسان ، ذكاءٌ منه أن يستخدم الطريقتين معًا ، إنه يجمد كثيرا من لحظات الزمان والمكان وينسخ منها نسخًا كثيرةً يملأ بها دفتر أيامه في الأمس والحاضر والغد ، لكنه لا يملؤها كلها ؛ لأنه يعلم أن الخلود في وجه العملة الآخرة هو الفناء ، بل يبقي أوراقًا ليطير فيها بأجنحته حرًّا يقطع مسافاتٍ من طريقه المحتومة ، بيد أنه لا يملك من الجسارة ما يصل به بين المبتدأ والخبر في نَفَسٍ واحد ...