- لطائف المنن.     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
لطائف المنن. . كتبَ الله عز وجل على بني الإنسان أن تكون أموره متفاوتة من حيث المراتب، يستوي في ذلك الأرزاق والعقول وما يتعلق بذلك من صحة الأبدان، وتفاوت الأخلاق، فكما أن الله فرق الأرزاق فإنه فرق العقول ولم يجعل الناس كلهم على درجة واحدة، وكما أن الله فرق الأخلاق بين الناس فإنه فرق صحة الأبدان بين الناس، فتجد من هو في حالة كبرى من السقم، ومن هو في مرتبة أعلى من الصحة وكمال الجسد. . وما ذُكر يدل على كمال حكمة الله في خلقه، وكمال علمه بأحوال عباده، فهو تعالى الخلاق العليم، العظيم المنن على صنوف العباد، رحمته بخلقه سبحانه وتعالى ظاهرة، ومننه عليهم بادية، كيف لا وهو المنعم عليهم بنعم زاخرة. . المنن واللطائف من رب العالمين وإن كانت ظاهرة، فإنها قد تخفى على الإنسان وهو يعيش في معترك الحياة، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لكثرة ما يلحقه من السهو والنسيان، غير أن من رحمة الله به أنه يُذَكَّره بين كل حين وحين، يُذكرُه ما نسي، ويعلمه ما جهل، يذكره بما يرى كل يوم من أحوال الناس وبما فضله الله به، وبما امتن الله به عليه، يرى الجهل وما يجرُّهُ على الناس من البلاء فيحمد الله على أن علَّمه، ويرى الناس غُفْلا عن ذكر الله، تجتالهم الشياطين من كل جانب، فيتذكر نعمة الله عليه بأن كان ذاكرا شاكرا بقلبه ولسانه وكل جوارحه، فيحمد الله على ذلك، ويشكره أن عنه الغفلة جلا، فلا يملك إلا أن يقول: حمدا لله أن أعطاني قلبا شاكرا ذاكرا. . ولما كانت أحوال الناس متفاوتة، فإنهم يتعرضون في أنفسهم وفي أموالهم، وفي ذويهم وفي أعراضهم وفي عقولهم لشدائد بعضها أشد من بعض وبعضها أقل من بعض، وهم في ذلك يسلكون مسالك شتى لدرء ما هم فيه من ضيق وشدة. . وإن من أعظم ما يُسلي النفس والفؤاد, أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل البلاء خاصا بنوع من العباد، بل إنه جعل ذلك عاما بجميع خلقه، إلا أن درجاته ليست على وِزان واحد، فإن بعض العباد يتعرضون للبلاء الشديد من حيث ما هم عليه من درجات القرب من رب العالمين، أَوَ ليس الأنبياءُ أكثر الناس عرضةً للبلاء ? وهم مع ذلك أكثر قربا منه سبحانه وتعالى، ومن تأمل سير الأنبياء والرسل والعلماء والعباد والزهاد وجد ذلك ماثلا أمامه، حقيقة ربانية ناصعة تحتاج إلى تأمل ونظر، فهل تأملنا ذلك حتى نستشعر عظيم منة الله على خلقه?. . ومن أعظم المسالك التي يسلكها العباد لدرء ما قضى الله به من أقداره على عباده، السهم الذي لا يخيب، وهو دعاء رب العالمين، إن الدعاء من أعظم الوسائل وأرجاها، خاصة إذا كان من قلب حاضر مستشعر لكمال الله وعظمته ولطفه ومنته، وخاصة إذا كان في أزمان مرجوة فيها الاستجابة، وأماكن يستحضر فيها الخشوع والإنابة. . إن الشدائد مهما استحكم أوارها، وبلغت مبلغا عظيما، تكون هينة بالنظر إلى جلال الله وقدرته، ولأمر ما ألف الإمام الرباني العظيم (ابن أبي الدنيا) كتابه: (الفرج بعد الشدة) وما ذلك منه - رحمه الله - إلا ليبين أن الشدة مهما كانت شديدة على العباد فإن مآلها الفرج ولو بعد حين، فذكَر قصصا كثيرة من قصص الغابرين ممن فرج الله عنهم كربهم ومحنهم، وكيف صارت أمورهم إلى الصلاح بعد أن بلغ ببعضهم إلى درجة لولا أن تداركتهم رحمة الله لكان اليأس طريقهم، ولكن هيهات أن يبلغَ القلب العامر بحب الله إلى أن ييأس من رحمته. . هذا الإمام الربيع بن خُثَيْم - الذي كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه يقول عنه: " لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين " – كان يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا}: ? المخرج من كل ما ضاق على الناس ?. فالمخرج في الآية كلمة عامة يدخل فيها جميع أنواع المشاق التي تحصل للعباد، وسبيل الخروج من الضائقة: تقوى الله عز وجل التي هي المخرج من كل ما ضاق على الناس. . ويقول الإمام سلطان العلماء (العز بن عبد السلام) رحمه الله تعالى رحمة واسعة: " لا خِيرَة لأحد من المخلوقين مع قضاء الله عز وجل لقوله تعال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة}[سورة الأحزاب: الآية 36]: كل الطاعات شرف في الدارين، ولو لم يُثَبْ عليها لكفى بها شرفا، وإن تحمل الإنسان المكاره والمشاق لأجلها، فلا نسبة لذلك إلى شرفها وعزها في الدنيا والآخرة. ولا رأي لأحد فيما اختاره الله جلت قدرته وعلت كلمته، فطوبى لمن أقبل عليه وأصغى إليه، وحضره ذليلا لديه، إذ لا ملجأ إلا إليه، ولا متكل إلا عليه. وطوبى ثم طوبى لمن أطاعه لأجله، لا لغرض يصل إليه، فانيا عن الأكوان، مقبلا على الرحمان، متجملا بالتوحيد والإيمان، متعززا بالذل والإذعان. فذلي لكم عزٌ، وفقري لكم غنىَ *** وأنتم مُنَى قلبي، فأين أريد " |