البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : أصوات من العالم

 موضوع النقاش : اقتباسات واستضافات لأصوات من العالم..    قيّم
التقييم :
( من قبل 2 أعضاء )
 abdelhafid 
21 - أبريل - 2007
*باسم الله الرحمن الرحيم .
 أهدي هذه المشاركة (1) لشاعرنا المتميز الأستاذ زهير  ، وأتمنى تعليقا منه على هذه القصيدة لشاعر الريف .
 
 
 
من ديوان شاعر الريف*


محمد بن علي الوكيلي
(1918-1973)



 
(1) مملكة الجمال**

 

 

جَارَ اُلْجَمَالُ عَلَى اُلْأَحْشَاءِ إِذْ غَلَبَا
واُسْتَعْبَدَ الْقَلْبَ فِي مَأْوَاهُ وَاغْتَصَبَا
يَا ضَيْعَةَ الْحَقِّ فِي مَرْعَى حُكُومَتِهِ
إِنَّ الْجَمَالَ يُزِيلُ اُلصَّبَّ مَا وَجَبَا

لاَ يَنْفَعُ الْعَقْلُ فِي حُبِّ الْحِسَانِ وَلاَ
يُجْدِي اُلتَّدَبُّرُ فِي الْهَوَى أَرَبَا
اَلْحُبُّ أَصْدَقُهُ يَاتِي مُصَادَفَةً
وَأَكْذَبُ اُلْحُبِّ أَنْ تَلْقَاهُ مُكْتَسَبَا

أَنَا اُلْخَلِيُّ مِنَ اُلدُّنْيَا وَزِينَتِهَا
لَوْلاَ اُلصَّبَابَةُ فِي قَلْبِي لَمَا اُلْتَهَبَا
فَلَسْتُ أَمْلِكُ إِلاَّ خَافِقًا جَذِلاً
لاَ يَفْتَأُ اُلدَّهْرَ يَشْدُو شَاعِرًا طَرِبَا

اَلْكَوْنُ حَوْلِي رَيَّانُ اُلْجَوَانِبِ إِذْ
أَهْوَى وَمَهْمَا صَحَوْتُ فَاُلْحَيَاةُ هَبَا
كَأَنَّمَا قَدْ خُلِقَتْ لِلْهَوَى هَدَفًا
بَيْنَ اُلْخَلاَئِقِ لاَ أَسْتَصْعِبُ اُلْوَصَبَا

يَا أَيُّهَا اُلْقَمَرُ اُللَّأْلاَءُ مَطْلَعُهُ
بَيْنَ اُلْأَهِلَّةِ.. يُخْفِي نُورُهُ اُلشُّهُباَ
شَاءَ اُلْهُيَامُ اُلَّذِي بَيْنَ اُلْجَوَانِحِ أَنْ
أُكَنِّي إِمَّا أُنَادِي ذَلِكَ اُلنَّسَبَا

لَوْلاَكَ، لَوْلاَكَ يَا مَغْنَى اُلْجَمَالِ لَمَا
تَرَى إِلَيْكَ فُؤَادِي ثَانِيًا وَصَبَا
عَشِقْتُ فيكَ جَمَالاً نَاعِمًا وَرُؤًى
شَتَّى لِعَيْنِيَ فِي عَيْنَيْكَ وَاُلْأَدَبَا

إِنِّي عَشِقْتُ قَدِيمًا فِي مُجَازَفَةٍ
كَمَا عَشِقْتُ حَدِيثًا بَعْدَمَا ذَهَبَا
فَأَنْتَ وَحْدَكَ مَنْ يَدْرِي مُجَازَفَتِي
فِي اُلْحُبِّ يَا مَنْبَعَ اُلْحُبِّ الَّذِي عَذُبَا

يَا جَنَّةً مُشْتَهَاةً رَغْمَ هَاوِيَّةٍ
حَفَّتْ بِهَا تُنْبِتُ اُلْهُجْرَانَ وَاُلتَّعَبَا
كَمْ مَنْظَرًا فِيكَ وَهَّاجًا وَكَمْ أَمَلاً
غَضًّا غَرِيضًا وَحُسْنًا صَافِيًا كُثُبَا

"حُلْوُ اُلتَّثَنِّي إِذَا رِيحُ اُلصَّبَا عَصَفَتْ
مَعَاصِفَ اُلْقَدِّ مِنْهُ يُخْجِلُ اُلْقُضُبَا"
وَكُلَّمَا خَطَرَتْ فِي اُلْقَلْبِ صُورَتُهُ
يَهْتَزُّ قَلْبِيَّ مِنْ أَشْوَاقِهِ طَرَبَا

فَهَلْ رَأَيْتَ وَهَلْ سَمِعْتَ فِي زَمَنٍ
رَوْضًا أَرِيضًا يَضُمُّ اُلْحُبَّ لاَ اُلْعُشُبَا
وَهَلْ سَمِعْتَ بِبُسْتَانٍ يَسيِرُ عَلَى
رِجْلَيْهِ يُنْجِمُ فِي أَفْنَانِهِ اُلْعَجَبَا

فَأَنْتَ كُلُّكَ تَبْدُو فِي اُلْهَوَى مُتَعًا
لِلْعَاشِقِينَ وَرَوْضًا يُنْبِتُ اُلضَّرَبَا


 

 
* من ديوان شاعر الريف محمد بن علي الوكيلي: جمع وتحقيق ودراسة الأستاذ عمر اليزيد الصابري (رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الآداب، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط
 
..........................................................................................................
       عن موقع المرساة - منعم الأزرق .
 1  2  3  4 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
أنا أَكْبَرُ مِنَ العَرُوض ..    كن أول من يقيّم
 
 
أنا أكبر من العروض....
[1] هذا الكلامُ لأبي العتاهية• شَاعِرٌ خَبَرَ الشِّعْرَ، وعرف مَضَايِقَهُ• لَمْ يَقُلْ هذا الكلام، لأنَّ شِعْرَهُ كانَ " نثراً "، أو يُكْتَبُ في أُفُقِ رؤيَةٍ نثرية لِلُّغَةِ، أو للِشِّعر• فهو كانَ أحد الذين كانتْ إيقاعات القصيدة، أو موسيقاها، تَنْسَابُ في لسانهم دون عَنَاءٍ• لم يَكُنِ العَروض، بالنسبة لأبي العتاهية، كما لغيره مِنَ الشُّعَراء، الذين عاشوا في زَمَنِهِ، أو قَبْلَهُ، عَنَاءً، أو مُمَارَسَةً تَحْدُثُ بالتَّعَلُّمِ، بل إنَّ الشاعرَ كانَ مَعْنِياً بالشِّعر، حِفْظاً و رِوِايَةً• كان يَخُوضُ الكلامَ في رَقْصِهِ، و في تلك التَّنَوُّعَات التي تَنْقُلُ الجُملَةَ أو الصُّورَةَ، من وَضْعٍ إلى آخَر، وتجعلُ من الكلام انْتِظَاماً يَحْدُثُ بالتَّنَوُّعِ، أو بالانتقال من حالَةٍ إلى أخرى• ليس مُهِمّاً أنْ يكونَ البحرُ بسيطاً، أو مُرَكَّباً، هذا الأمر لم يكُن يعني الشَّاعِرَ، فهو كانَ مَعْنِياً بِرَهَافَةِ اللِّسَانِ• [2] في كلام أبي العتاهية، تَهُمُّنِي تلك الـ " أنا "• و لَنْ أَهْتَمَّ بما جاء في آخر الكلام، أعني العَروض• فأبو العتاهية أعطى للأنا في كلامِهِ، دور العُنصر المُهَيْمِنِ، وجعل منها ذاتاً لها حُضُورٌ، بِهَ تَحْدُثُ شِعْرِيَةُ القصيدة، وتكونُ• العَروضُ ليس سابِقاً على الذات، بل إنه تَالٍ لها• هذا ما أرادَ أبو العتاهية أن يُنَبِّهَ له مَنْ أَرَادُوا تَصْوِيبَ! ما اعْتَبَرُوهُ خَطَأً في شعره• إذا كان هؤلاء، يَقِيسُونَ الشَّعرَ بـ " صِحَّةِ " الوزن، وبما سَنَّتْهُ الأصولية النَّقدية من قوانين، لا يَحْدُثُ الشِّعرُ إلاَّ بها، فأبو العتاهية تَخَطَّى القاعدَةَ، و أوْلَى كُلَّ جُهْدِهِ لِمَا لَيْسَ مَألُوفاً• [3] قيلَ لأبي العتاهية: كيف تقول الشِّعْرَ? قال: ما أرَدْتُهُ قَطُّ إلاَّ مَثُلَ لي، فأقولُ ما أُريدُ، و أَتْرُكُ ما لا أُريدُ• و مِمَّا يُرْوَى عنه، قولُهُ: لَوْ شِئْتُ أنْ أَجْعَلَ كَلامِي شِعْراً لَفَعَلْتُ• و حينَ سُئِلَ عَنْ أَوْزَانِهِ التي لا تدخُلُ فِي العَروضِ، وهل يَعْرِفُ العَروض? أجاب: أنَا أَكَبَرُ مِنَ الْعَرُضِ• لَمْ يَكُنِ العَرُوض ضَرُورَةً يَقْتَضِيهَا الشِّعر• فالشُّعَراء جميعُهُم، كانوا يقولون الشِّعرَ أو يكتُبونه وفق حالاتٍ مِنَ التَّمَثُّلِ الذَّاتِيِّ، الذي تحكمه المعرفة باللُّغَة، كما تحكمه تجربة الذات نفسها، في علاقتها بالوُجود• ولعل في حكاية أبي نواس مع خَلَف الأحمر ما يُبًيِّنُ بعض حالات هذا التَّمَثُّل• فاللغة كانت هي كُلّ ما يحتاجُهُ الشَّاعِر، وليس العَرُوض أو الوزن• في ذهاب أبي العتاهية إلى أنَّ الكلامَ كُلّهُ يُمكن أن يصيرَ شعراً، ما يفضحُ تلكَ المسافَةَ التي نُقيمُها، عادة، بين لُغَتَيْن! واحدة لـِ " الِشِّعر "، و أُخرى لـِ " النثر "• فكل كلام قابِل لِأَنْ يصيرَ شعراً، بالمعنى الذي يجعل الشِّعرَ، إيقاعاً و تَمَثُّلاً تَخْيِيلِِياً للوُجود، لا مُجَرَّد مقاييس بها نُقيمُ الفرقَ بين كلام و آخر• [4] أوزانُ أبي العتاهية، كانت إيقاعات، وهي نوعٌ من التنويع الشَّعريِّ الذي تتدَخَّلُ الذَّاتُ في صياغته، أي تلك الـ " أنا "، التي عملت الأُصولية النقدية على وَضْعِهَا خارجَ الشَّعر، و راهَنَت على النموذج، أو القاعدة• أي على ما هو " جَمَاعِيّ "، ومُشتَرَك، واستبعاد " الفَرْدِيّ " الخاص، الذي لم يَكُن يَحْضَى لديها بأي اعتبار، انْسِجَاماً، طبعاً، مع مفهوم بناء القبيلة، الذي لا يقوم على الإِفْرَاد، والخُصوصية• إنَّ في وضع القصيدة كنموذج لا يتحقَّق الشِّعر إلاَّ به، ما يكشف عن المأزق الذي وَضَعَتِ الشِّعْرية العربية نفسَها فيه، فـ " القصيدة "، هي مُقْتَرَحٌ من بين مُقتَرَحات أخرى، و هي نموذج، ربما، كان يَسْتَجيبُ لرؤية مَن ذهَبُوا إليها، باعتبارها مُنجَزاً شِعْرياً، فيه تتحَقَّقُ الشِّعرية العربية، بكل ما فيها من خُصوصيات، لا صِلَةَ لها بغيرها• حين رفض الجاحظ ترجمةَ الشِّعر العربي، و اعتبر ذلك يمُسُّ شعرية هذا الشِّعر، فهو كان يذهبُ إلى إحدى هذه الخُصوصيات، وأعني تحديداً الوزن• هذا الشَّرط الذي كانت القصيدة تستجيب له، وتعمل على تكريسه بكُل إكراهاته• [5] أبو العتاهية، اختار الشِّعْرَ، و كان يذهبُ إليه باعتباره أُفُقاً، وليس نَمَطاً• لم يكن العَروض بالنسبة له، هو ما يُحَدِّدُ قيمةَ النص، بل إنَّ الشِّعرَ، عندَهُ، يَبْتَنِي شِعرِيَتَهُ، بما يُحْدِثُهُ من تغييرات في الرؤية والحساسية، أي بِمَا يُقْدِمُ عليه الشَّاعر مِن اجْتِراحَاتٍ، و بِما يفتَحُهُ من آفاق جديدة• [6] " الأَنَا "، هنا، تأكيدٌ لِمَا سَمَّاهُ ديكرو بـ " التجربة الذاتية للشعر "، وهو ما يعني، أنَّ الشِّعرَ لا يحدُثُ بتلك " القوانين الصَّارمة "، كما يقول، التي هي قواعد تَضَعُ الشِّعرَ في إطار مُغْلَقٍ، و تُنْهِي كلّ ما يحدُث فيه من تَوَسُّعٍ، أو انشراح، بل هو انفتاحٌ دائم، وتجربة لا تَحْضَى بمجهولاتِها، إلاَّ حين تضع الذات في مجرى تَدَفُّقِها، و تجعلُ الرُّؤيَةَ تُوَسِّعُ مِنْ ضَيْقِ العبارة، أو تَجْلُو بعضَ نشيدها• الإيقاع، وفق هذا المنظور، ليس الوزن، وهو يبحَثُ في الكلمات عن لباسٍ لَهُ، إنَّهُ تمرينُ اللُّغَة على خَوْضِ مُستحيلِها، و تفجير ذلك الماء الذي لن يتبدَّى صفاءه، إلاَّ حين تكون الذات، ذات سيادة وحُضور، وليست ظِلاًّ نائِماً في آخر الكلام• [7] هذه الشِّعرية التي ذهبَ إليها أبو العتاهية، هي شِعْرِيَةُ الكُلِّ، أعني اللغة في كُلِّيَتِها، لا في ما بِهِ تنفصلُ عن أصلها، لِتَصِيَر لُغَتان، واحدة للنثر، و أخرى للشعر• وهذا نوعٌ من الوعي المُبَكِّر، في النَّظر إلى الشِّعْر، حين يَمْثُلُ فادِحاً، أو لا يَحْدُثُ بتلك الجُرُعَات التي تُنَاوِيءُ انْشِرِاحَهُ، وتُفْضِي إلى وضعه في عُنُقِ الكلام• وهو وَعْيُ الشََِّاعر بذاته، بتلك الـ " أنا " العميقة، التي تَجْلُو مَاءَ اللُّغَة، و تُحَوِّلُ بناءَها، من لُغَةٍ تَحْدُثُ بالاتِّفاق، إلى لُغَةٍ مليئةٍ بانْشِقَاقاتِها• بتلك التَّصَدُّعات التي بها حَدَثَ الشِّعر، وصارَ ما هو عليه من كلامٍ، لا يُشْبِهُ الكلام في شيء•(1) [8] لم يكن العروض عند أبي العتاهية هو الشِّعر، كُلُّ شيء كان يَتِمُّ بينَ يَدَيْ الشَّاعر، أو ما سمَّاهُ أبو العتاهية، بـ " الامْثِتَالِ "• فالعروض، هو أحد تَبَدِّيات الإيقاع، أو هو أحد مُكَوَِناتِه، وليس هو الشِّعر• هذا، ربما، ما جعل القصيدة، في كثير من نماذجِها اللاَّحِقَة، أو مَا تَلا، منها، شعرَ الأوائل، تبقى أسيرَة العروض، و لم تَبْرَح قوانينَهُ، أو تذهَب إلى مَا جَرُأ عليه أبو العتاهية، و غيره ممن سبقوه، مِن تَوَسُّعاتٍ، ستعمل النظريات العروضية على حَصْرِها، و إلْحَاقِ بعضها بـ " زحافات "! الشِّعْر، و " عِلَلِهِ "!• يَعُـودُ بِي هذا، إلـى لَحْظَةٍ بَعيدَةٍ فـي تحديد فَـرق المفهومِ، بيـن " الـوزن " و " الإيقاع "• وأذهَبُ تحديداً إلى أرسطو، في كتابه " الخطابة "• يَتَحَدَّثُ أرسطو في المقطع الثامن من المقالة الثالثة، عَمَّا سَمَّاهُ بـ " إيقاع الأسلوب "، في سياق حديثه عن " الإيقاع الخطابي "، وهو ما يُتَرجِمُه الدكتور صفاء خلوصي، خِلافاً لعبد الرحمن بدوي، بـ " إيقاع النثـر "• فـ " شكل القول " عندَهُ، لا ينبغـي أن " يكون ذا وَزْنٍ، و لا بدون إيقاع• فإنَّه إن كان ذا وَزْنٍ، فإنَّهُ يَفْتَقِرُ إلى الإقناع، لأنَّهُ يَبْدُو مُتَكَلِّفاً، وفي نفس الوقت يَصْرِفُ انتباهَ السَّامِعِ، إذْ يُوَجِّهُهُ إلى تَرَقُّب عودة سياق الوزن•••" وبعكس ذلك، فالكلامُ إذا كانَ " بدون إيقاع، فإنَّهُ يكونُ غير محدود"، في حين أنه ينبغي أن يكون محدوداً، " وإن لم يكن بالبُحور والأوزان، لأنَّ ما هو غير محدود غير مُسْتَسَاغٍ ولا يمكن معـرفتُه••• فينبغي أن يكون [للكـلام] النثـري إيقـاع لا وزن، و إلاَّ أصبح شعراً "•(2) رغم ربط أرسطو لـ " الإيقاع " بـ " الخطابة "، فهو كان، في جوهر ما يذهَبُ إليه يحرص على تأكيد الفرق بين، ما هو وزن، و ما هو إيقاع، وأنَّ " النثر " يمكنهُ أن يكون " أسلوباً " خاصاً، و له إيقاعاتُه الخاصة، حين يَتِمُّ اسْتِثْمَارُهُ، في خُصوصية أسلوبه• والوزن، هو أحد مكونات الإيقاع، لأنَّ الإيقاع أوسَع من الوزن، و يَشْتَمِلُ عليه• في كلام أرسطو، هذا، تُصبِحُ المسافَة التي نُقيمُها بين لُغَة للنثر و أخرى للشِّعر، هي الأخرى، في المَهَبِّ، و قابلة لأن نُعيدَ النَّظرَ فيها، خصُوصاً، حينما يتعلق الأمر بلُغَةِ الإبداع، أو ما نصطلحُ على تسميته باللُّغةِ الأدبيةِ• [9] الجاحِظُ، كانَ أحد الذين أَوْقَعُوا الشِّعْرَ العربي في مأزق القصيدة• أوْ في مأزق الوزن، دون إيقاعٍ، أي أنَّهُ عَمِلَ على تَثْبِيت الحُدودِ بين الشعـر والنثر، واشْتِراط النَّيَةِ في الكلام، مهما كانت شاعريَتُهُ، ليكونَ شِعْراً• رُبَّما يكون القرآن سَبَب هذه الاشْتِرِاطات، حتى لا يُنْسَبَ إلى الشِّعر، أو تَخْتَلِطَ الحدود بين خِطابين، واحدٌ دينيُّ مُعْجِزٌ، و الآخَر دُنْيَوِيٌّ مِنْ صُنْعِ الإنسان• حَرِصَ الجاحظ على الوزن كحَدٍّ فَاصِلٍ، وكَسِمَةٍ، بها يتمَيَّزُ الشِّعْرُ [يقصدُ القصيدة] عن غيره من أشكال الكتابات الأخرى، وكانَ حِرْصُهُ على تمييز الشِّعر العربي عن غيرِهِ، أحد الواجِبات التي نَذَرَ نفسَهُ لخَوْضِها، في ما كتبهُ• يقول الجاحظ: " وَ يُدْخَلُ على مَنْ طَعَنَ في قوله " ثَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ "• وزعم أنَّه شَعر؛ لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن، وطعن في قوله في الحديث عنه: " هل أنْتَ إلاَّ إصْبَعٌ دَمِيتِ? و في سبيل الله ما لَقِيتِ "ـ فيُقالُ له: اعلم أنَّك لو اعترَضْتَ أحاديث الناس وَ خُطَبَهُم و رَسَائِلَهُم• لوجدتَ فيها مثل مستفعلن مستفعِلن كثيراً، ومستفعلنْ مفاعلنْ• وليسَ أحَدٌ في الأرضِ يجعلُ ذلك المقدارَ شِعْراً• و لو أنَّ رَجُلاً من الباعَةِ صاحَ: مَنْ يَشْتَرِي باذنجان? لقد تَكَلَّمَ بكلام في وزن مستفعلن مفعولات• وكيفَ يكون هذا شعراً وصاحبه لم يَقْصِدْ إلى الشِّعر? و مثلُ هذا المِقدار من الوزن قد يَتَهَيَّأُ في جميع الكلام• و إذا جاء المقدارُ الذي يُعْلَمُ أنَّهُ نتاج الشِّعر والمعرفةِ بالأوزان و القصد إليها، كانَ ذلك شِعراً"• [10] لَمْ يَعْبَأْ أبو العتاهية بكُلِّ هذه الحُدود، واختارَ الشِّعْرَ، حين يكونُ في أقصى دَرَجَاتِهِ• فهو وَسَّعَ خَطْوَهُ أكثرَ، وابْتَدَعَ أَوْزَانَ، هي ما جعَلَ، بعض الأصوليين يَسْألُونَهُ عن معرفَتِهِ بالعَروض، والمقصودُ، معرفته بالأصول• الذَّهابُ إلى الشَّعر، في مفهومه الأوسع، هو ما تَوَخَّـاهُ أبو العتاهيـة في كلامه، و هو، ما أَنْجَزَ بعض تَبَدِّيَاتِهِ في اللُّغة التي بها كتبَ شِعرَه، وما جَرُأَ عليه من إيقاعاتٍ، حَسِبَها كثيرون، أوزانا، لا تدخُلُ في العروض• ألمْ يُسْأَل أبوالعتاهية، من باب إقرار القاعدة وتَثْبِيتِها، عن معرفته بالعَروض• ألم يكن جوابُهُ، رفضاً للقاعدة، أو هو، بالأحرى، تَوْسِيع لتخومِها، وَوَضْع النص، بالتالي، في أُفُق الشِّعر، بدلَ أن يبقى مَاثِلاً في القصيدة، التي هي إحدى مُقْتَرَحَات الشِّعر، لا الشِّعر كامِلاً•••(3) إضـاءات 1. في هذا السياق، أستعيدُ عملاً مُهمّاً، لميرلوبونتي la prose du Monde . في هذا العمل أعطى م•بونتي أهميةً كبيرة لَلُغَةٍ نَبْتَدِعُهَا و نَخْلُقُها، و ليس لما هـو " مُشْتَرَك "، و " مُتَّفَقٌ عليه "• فكل أفكارنا رَهْنٌ بـأن تُقـَالَ من خلال هـذه التَّسْمِيَـاتِ الجديدة، أو ما نَبْتَدِعُهُ من " تراكيب "، بعيدة عن لغةٍ موجودة قبل اللغة، أو ما سيُسَمِّيه بونتي بـ " كلام الله "• في إحدى رسائله، أشار م• بونتي إلى أنَّ كل " نثر كبير "، هو أيضاً " إعادة خلق "، وهو ما يحدث من خلال تلك التراكيب الجديدة التي نذهبُ إليها، استجابة لنداء، يأتينا من اللُّغَة ذاتها• في ما يذهبُ إليه م• بونتي، نجد هذه الكلية التي تستعيدُ فيها اللغة أصلَها، أو بَدْأَها، باعتبارها ذلك اللِّقاء، أو " التواصل "، الذي لا يحدُثُ، إلاَّ في لحظات " الخطر"• Voir. Merleau_ Ponty. La prose du monde. Ed. Gallimard 1969 2. اعتمدنا في هذا النص لأرسطو، علـى ترجمـة كل من عبد الرحمن بدوي، فـي كتـاب " الخطابة " طبعة وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1980، وترجمة الدكتور صفاء خلوصي للنص، في كتابه، " فن التقطيع الشِّعري••" مكتبة المثنى ـ بغداد 1977. حِرْصاً على وضوح القصد• 3. وهناك مَنْ يذهب إلى أنَّ " القصيدة " هي الشكل الشعري الذي ثَمَّ نقلُهُ لنا، وهو يستندُ على النظام العروضي الذي استنبط الخليل إيقاعاته، وعمِلَ على تقنينها، دون أن يلتفتَ لأشكال أخرى، مثل الشَّطر الواحد، أو البنية الوزنية المقطعية، وغيرهما، مما كان قائماً في العصر الجاهلي، وخصوصاً في لهجات بعض القبائل، قبل أو إلى جانب " القصيدة "، وهو ما لا نتذكَّر نِسْيَانَهُ، في توظيفنا للمفاهيم، خصوصا حينما يتعلَّق الأمر بتنظيرات الحداثة، و بما نسمِّيه بيانات الكتابة! هكذا، دون مساءلة المسلَّمات•
2007/5/13
صلاح بوسريف    الملحق الثقافي / جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية .
*abdelhafid
14 - مايو - 2007
أورهان باموك في باريس ..    كن أول من يقيّم
 
 مسألة الهوية بين ثقافتين... أيّ غرب للكتابة?    

Imageبدعوة من مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية والفرع التابع لها معهد علوم عالم الإسلام
، حضر إلى باريس الروائي التركي أورهان باموك،الحاصل على جائزة نوبل للآداب برسم عام 2006، لتقديم محاضرتين في إطارالأنشطة الجامعية للمؤسسة الشهيرة، وضمن برنامج استضافة الباحثين الأجانب. كانت هذه الدعوة مقررة قبل أن يُكرّس اسم باموك في عداد كبار روائيي العالم، رغم أن شهرته طبّقت الآفاق، وترجمت رواياته بالجد الكافي إلى عديد اللغات. أما وقد تُوجت أعمال الضيف بجائزة الأكاديمية السويدية فإن المناسبة، زيادة على طابعها الأكاديمي، تحولت إلى احتفاء بالكاتب في دائرة الإشعاع الذي حظي به، وإن بدا طيلة اتصالنا به كأن الأمر تفصيل آخر يضاف إلى حياته الأدبية الحافلة، لا حدثا أكاديميا، ولحظة إبداعية مشعة، كما عشناها جميعا.

لم يكن هذا مفهوما بوضوح لجمهور الأساتذة والباحثين والطلبة المتخصصين الذين لم يتسع لهم أكبر مدرّج للمدرسة العليا، خلال لقائيْ 26 أبريل المنصرم، والذي تلاه في 28 منه. ففي المناسبتين معا، وصل أورهان مثل شخص غفل، منحشرا بين حشد المتداعين إلى التعرف عليه والاستماع إلى أفكاره، كاد يضيع لولا أن البروفيسور حميت بوزرسلان، الباحث التركي الأصل،صاحب الدعوة، انتبه إليه وهو إلى جانبي ينتظر دوره لينزل من أعلى المدرج كي يجلس في المكان المعد له إلى جوار مضيفيه ومقدميه. تلطف حميت وقام بالتقديم، فبرقت عيناه بخفة من وراء زجاج نظارتيه الغائمتين قليلا، وزادت أساريره انفراجا في وجه لن تقنصه مقطبا أبدا، تراه صامتا وهو متكلم، ومتكلما فيما هو مطرق.ابدت قامته الطويلة والنحيفة كالرمح وهو واقف يسوي وضع كرسيه، ويتردد في قبول موقع الصدارة، من غير أن ينظر إلى جمهوره، تحسبه يستأنف معه جلسة بدأت قبل ساعة أو يوم، أو بُعيد نهاية قراءة. واضح أن هؤلاء الذين قدموا من مؤسسات جامعية عدة، ومن باريس وخارجها، لم يحضروا صدفة، ولا للفرجة، وعدا رغبة التعرف المباشر إلى الشخص بالفضول الطبيعي للمهتم، فإنهم يخبرون ضيفهم، كتابته وعالمه، منهم من يطمع بتوقيع عند نهاية الجلسة، وبينهم سيفحمون بكبير دراية في النقاش.

وصل أورهان باموك إلى باريس وفي جعبته، يقولون رصيده هذه الأيام، ما يزيد على عشر روايات عظام، اشتهرت جلها، نذكر الأشهر"بيت الصمت"، "الكتاب الأسود"، آخرها "اسطمبول". وفيها جميعها التصوير البانورامي للعالم العثماني الآفل، بالصراع ذي الطابع السلطوي، الحاكم والأبوي، والانتقالات الجيلية،مع الرصد اليقظ لتغير البنيات الاجتماعية والذهنيات، عموما ثقافة بأكملها، عبر منعطف اللقاء الحاسم مع الغرب.

وعلى الرغم من أن باموك جاء إلى باريس محاضرا، أي باحثا، وهو مثقف موسوعي، كما يجدر بكل روائي، فإنه فضل أن يقدم نفسه للجمهور الجامعي الفرنسي في ضوء واحدة من رواياته الدالة، المتمركزة على علاقته المتوترة، شعبه وبلاده، بالعالم الغربي، تاريخا وثقافة، نعني" أكتب اسمي إنه أحمر". يتطابق هذا التقديم مع مبدأ أنه ليس أفضل من الكاتب لبناء حكاية عمله، بإعادة تشكيل العلامات ونحت الأيقونات الراسمة والرامزة لصرحه ومساره. يفهم باموك هذا الطرح، لا بسرد مختصرات وحبكات رواياته، فهي صعبة التجميع، عصيّة على النفاذ إلى مساربها الملتوية، حيث تتعدد الخيوط ونقط الطريق، وعليك أن تتمتع بالصبر لملاحقة عمليات تحقيق طويلة لسبر الأغوار، في ذلك البحث الشاق عن استتباب الهوية الذي قرر المؤلف أن يتخذه ملة. في المحاضرة يعوض السرد بإبدال المعنى. المعنى ذاته الذي يطلب منا أو بالأحرى يحفزنا على استيحائه من العلامة، ما دامت الرواية عملا قوامه التمثيل، الصورة والوصف والمشهدية. من هنا الأهمية القصوى للنظر إلى العالم بوصفه شيئا مشتركا، المحجوز من منظور وفي أفق، ويتخذ في كل بيئة شكلا محددا.

يذهب باموك إلى الحديث عن اسمه، وهو غير شخصه بالضرورة، القابل للتجريد ومحاورته كآخر، بأدوات البيئة كما تتوفر في الفضاء العثماني، فضاء للثقافة الإسلامية بامتياز. فجميع الأماكن حافلة بها، وهو يسائلها في الصمت والتمثيلية الخفية الكامنة بها والمعلنة في آن، كأنما بتجرد. إن الأمر يتعلق برسوم، وهي سلسلة من المعاني حتى ولو لم تقل شيئا، لأنها إنما تكظم القول، وتنأى عن التجسيد، أي صورة الخلق، مموهة بحرفية باذخة. ماذا تفعل الرواية غير أنها ترسم:العالم بوصفه شيئا مشتركا، الشخصيات، الطباع، العادات...الخ. وبالطبع فإن عالم المنمنمات ثابت خال من العلائق والأواليات كما أن محافله معلقة، أي تتنافى مع الرواية، وإن التقيا بشكل أكيد في خطاطة الرسم.

كنت أقترب وأبتعد من روائي تركيا الأول، من حيث يشرح ويلغز في آن، لأننا حين نتحدث عن الرسم، عن الصورة، في حقل الثقافة الإسلامية، نستثير مرادفه (المحرّم). ذلك أن الخالق وحده هو مالك المقدرة على الخلق بصفته تلك، ولم نكن في حاجة إلى الإسهاب بأننا إزاء قول دوالّه رسم، ومدلولاته هل هي المنافسة في ما يدخل في باب "التابو"، ذاك الذي تحررت منه الثقافة الغربية، في مظاهره الأكثر شراسة وتكبيلا للابداع ولحرية الإنسان?!

حين يُسأل أورهان باموك عن معنى أن تكون روائيا اليوم، مما هو أبعد عن "المستنسخ" (الكليشيه) الصحفي، تتطلب الإجابة استحضار مدلولات الاختراق عن طريق السرد ووسائطه الفنية. نعم إن الروائي، الكلاسيكي، من فصيلة بلزاك، مثلا، مؤرخ مجتمع وعادات، باموك كذلك مع تاريخ الإمبراطورية العثمانية. ينبغي أن نفكر جيدا هنا في شيخنا نجيب محفوظ، ونمعن النظر مجددا في رواياته. وصاحب"الكتاب الأسود" يحب هذا المنطق،ومثله البروفيسور جاك فريدريك شريكنا في النقاش، كلاهما يعتبر الرواية سجلا اجتماعيا أحفظ لوجه التاريخ وأدق وصفا وأبقى توثيقا. بيد أن هذا لا يكفي، لنقل إنها مرحلة سابقة، أعقبتها أخرى، هي حلقة تطور، أضحى فيها هذا الجنس الأدبي، فضلا وإلى جانب اجتماعيته، معنيا بشدة بتيمتين، منظورين أساسين: الأنا، مكون الهوية المركّب والإشكالي، وجعل الأدب نفسه موضوع سؤال مُركّز، يمكن اختصار تعددية دلالاته في مدى إمكانية أن يصبح شكلا للمعرفة.

هما تيمتان وبعدان متكاملان، متفاعلان. والأولى، عند باموك، مضمونها مستقى لا من المصدر المباشر الغربي، حيث لصيغة الفرد مفهومية نسقية، تاريخية وعقلانية وفلسفية وسيكولوجية مميزة، وإن لم يهمل هذا المصدر، لكن من خصوصية التاريخ التركي، قديمه وحديثه، الواقع في مفترق طرق وتنازعات/ انجذابات. إنها الهوية في مقابل الذات، لكن كيف?على الرواية، في عرفنا أن تجيب بطريقتها الخاصة، وضمنها َتمثُّل معرفة العالم، وهنا أحسب، أيضا، أن الإيديولوجية تتخلل، تدخل في نسيج العلاقات المرصودة والمحافل المشهودة بأزماتها، فلا تدعي قول عالم بتلك الكلمات الكبيرة(!) وإنما توحي به فقط، مثل شعاع... تلك رؤية العالم بحق.

في المحاضرة الثانية، بعد ظهيرة السبت 28 أبريل، حيث بقيت صفوف منتظرين، منهم باحثون وكتاب مشهورون، خارج المدرج لا يتسع لوقفة، فقد كانت مشهودة، لأنها اتسمت بالشجاعة والصراحة، والقدرة على القيام بنقد مزدوج للذات والآخر، بعيدا عن المقت والزلفى .جاء باموك،كما في المرة الأولى، تظنه مشتت البال فما يلبث أن يفاجئك لدى السلام بأنه في منتهى التركيز، وإذا انطلق في الكلام عليك أن تلاحق تدفق لسانه الإنجليزي الذرب، وأفكاره يشد بعضها بعنق بعض،لا تحس بضجر في الحر الخانق الذي هجم على باريس في نهاية أبريل الماضي، واستفز الحواس، بدون أن يصرف أهلها الراسخين في الثقافة عن شؤون الفكر والإبداع. سمعت من ُتدعى أوديت، وقد ولجنا المدرج، تقول لتِرب حولها جالسة إنها سجلت نفسها للمحاضرة قبل شهرين، ومجيئها هذه العشية، وهو ما أعجبني، لتتمتع بقفزات وحكايا باموك "يقطع" بها حديثه الجدي عن الأدب والكتاب والحياة، ومثله. هذا الرجل لا يكف فعلا عن الحكي،عن السرد، فكلما عرض فكرة، قضية نظرية،وهو يعلن امتعاضه من النظري،وثقافته فيه غنية، إلا أردفها بحكاية أو استطرد نحو أخرى. هو كائن شرقي بلا منازع.

نحن في قلب الموضوع، إذن، وإن خرج المحاضر عن عنوانه، وأربكنا جميعا، ثم ما لبثنا أن عدنا إلى"صوابنا" بعد أن تبين لنا الخيط الأبيض من"الكتاب الأسود"، عنوان عمله الفذ. كان الاتفاق المسبق أن يحاضر في موضوع "الاجتماعي في ضوء الرواية" ما ينسجم مع توجه المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية، أرادت السوربون أن تسرق منها الضوء فادعت بأنها هي من استدعى الضيف التركي، فيما بقي هو منفصلا عن التنازع، وقال لنا: اسمعوا، إنني أميل إلى فكرة أخرى تناسبني وتناسب المقام أكثر. منذ هذه اللحظة ستصبح التعليقات المعدة سلفا لاغية، ولا بد من الإصغاء جيدا لما سيتفوه به الرجل، وملاحقة سرعته في العرض والسرد. أعلن باموك عنوانه:"والآن أيها السادة سينصبّ حديثي على أندري جيد، قراءة خاصة ليوميات أو مذكرات أندري جيد" .سنرى أنه اختيار غير اعتباطي على الإطلاق، فمن حيث سيمهد سيقود إلى القضية المركزية في تفكير الروائي ومشغل عالمه.

المدخل هدية قدمتها له أمه وهو في الثامنة من عمره: دفتر مذكرات،وله قفل. هذا الدفتر صار يخصه وحده، لا أحد يستطيع أن يلجه إلا هو، وبداخله يمكنه أن يضع ما يشاء، ويكتب، يخبئ، ما يشاء دون أن يخبر أحدا، ويبقى وحده يحمل المفتاح. إنها حالة تبعث على التساؤل عن وضعية الفرد في العالم الإسلامي. فهذه الممارسة غير موجودة. أجل،هناك مذكرات محفوظة ، خصوصية، للذكرى. لكنها أبدا ليست للزمن القادم، فإما ُأتلفت أو أصابتها عوارض الأيام لعدم وجود تقاليد لحفظها. عندما ُتنشر اليوميات ُينزع عنها عندئذ الطابع الخصوصي، لأنها تخرج إلى مجال التداول، العري والانفضاح، وهما ليسا أمرا سهلا، إطلاقا.

فماذا عن مذكرات الروائي والكاتب الفرنسي، النوبلي أندري جيد? ولماذا هو بالذات? ما من شك، عند باموك، أن جيد كان من كبار أعلام زمانه،العارفين بالعصر،المتمثلين لروحه، ساعدته في ذلك خبرة تنقل في أماكن عديدة من العالم، منها إفريقيا، روسيا، تركيا، أيضا،هذا فضلا عن رواياته ذات المرتكز الوجودي العميق. باموك لا يذهب إلى هذا المثقف الوجودي الأول مباشرة وإنما يتوسل إليه أحد أسلافه الأتراك القريبين زمنا ومذهبا انفتاحيا على الغرب، ومساءلة كذلك لمسألة الهوية في تركيبها المزدوج، إن لم نقل الإشكالي. نعني الكاتب والصحفي "تامِبنار". لقد ذهب هذا الأخير يفحص في ما كتب جيد خلال أسفاره، وتوقف تحديدا عند زيارته لاسطنبول وما دوّنه عن الشعب التركي وتاريخه وحضارته، من خلالها، وهو على درجة قصوى من الازدراء. لنعلم أن تامبنار منجذب للثقافة الفرنسية، للغرب عامة، ويرى نفسه في مرآتها. شأن الكاتب الياباني تانيزك، وقبله دوستويفسكي. تامبنار وتانيزاك تأثرا بقوة بالنموذج الفرنسي إلى حد أن نصف دماغهم كان مع فرنسا، غير أن هذا لم يكن يكفي. لقد تساءلا أكثر من هذا عن الكيفية التي تجعلهما يمثلان التقاليد وهما يفحصان الهوية في ضوء العلاقة مع الغرب؛ بعبارة أخرى كيفية تركيب العلاقة شرق/غرب، وإزاء ما ستترتب عليه الإشكالية يفكران في طريقة لفهمها، وهما يفعلان ذلك بجد ومتعة، معا.

على هذا الأساس يمثل انجذاب باموك لهما وأضرابهما، لكونهم يقبلون الرؤيتين معا، وينغمسون فيهما، ومن يعرف روايات أورهان لن يتأخر في استنتاج كيف أنهما تمثلان قوة جاذبية معظم شخصياته الروائية. ولذلك يضع تامبنار نموذجا له، هو نفسه الذي وضع "جيد" النموذج الأول. فلقد تركز إعجاب سلفه على شخصين فقط في الثقافة الفرنسية. فإلى جانب الأخير هناك بول فاليري. إلى حد أنه كان يتساءل عن وضعهما المعيشي وهما في حمأة الحرب العالمية الثانية، كيف يتدبران أمرهما مع الخبز والنبيذ والتبغ! مصدر الإعجاب الحقيقي بالنسبة لتامبنار هو أنهما في نظره جددا القيم وأنقذا ثقافة ذات جوهر إنساني من الابتذال.

هذا كله رغم الهجاء اللاذع الذي قذف به جيد بلاد الأناضول، بل هو لا يتورع في تقديمه إلى قراء بلاده، ينقل إليهم ما كتبه عن اسطنبول من أن: " كل ما في المدينة إما مجلوب أو مسروق، والمطلوب لمن حل بها أن يغادرها بأسرع وقت.".ويسوق سخريته من الهندام التركي، واصفا الجيش التركي بأنه يستحق هندامه! في المقابل يكيل الروائي الفرنسي جليل المديح للحضارة الغربية، والفرنسية خاصة، يراها الأجمل والوحيدة في العالم. من الواضح أننا هنا إزاء تعارض مطلق بين حضارتين مختلفتين، ولا شك أن جيد الذي لا يمكن اتهامه بالعنصرية، رغم ما يظهره من نزعة استعلائية،أحس بأنه يضع قدميه في حضارة مختلفة عن بلاده، في أرض الأناضول.

الفيصل في هذا التعارض يلتمسه باموك في محيط البنية السياسية العليا التي أخضعت بلاده لتحول جذري، وجعلت منها ما هي عليه تركيا الحاضر. ذلك أن بحثه الشخصي يقوده إلى وجود ما يشبه التماهي بين النقد الغربي الموجع، وبين ما أصدره كمال أتاتورك من أحكام حاسمة في هذا الباب، هو الذي خاض جملة إصلاحات غربية لبلاده. فلكم انتقد الهندام التركي واتخذ منه مثال هزء في المحافل العامة هو عينه الذي كان ممثلا للأمة. إنهما ذويْ رؤية مشتركة، ويلتقيان في نقطة الإصلاح. أوَ لم يطلق طه حسين صيحته المدوية "إني لأكره نفسي!". ولكي يبتعد الروائي التركي عن مأزق التناقض، أسمعه يؤكد مجموعة ملاحظات تحتاج إلى التأمل في صيرورة العلاقة الإشكالية بين الأنا والآخر:1 ـ النظر تاريخيا إلى الغرب كمسلسل حضاري لا يوجد في تاريخنا وثقافتنا؛ 2ـ ما يبرر انجذابنا لأوروبا يتمثل في امتلاكها القوة، مظهر التقدم، والقطع مع التقاليد بفكرة الإصلاح؛ 3ـ ارتباط المثقف الغربي بمثال عن الغرب نفسه،أكثر من ارتباطه بالمجموعة القومية المكونة له، من هنا يستطيع انتقاد ثقافته ذاتها. وهذا ما يجعلنا نميز التوتر بين الواقع والمثال. ومن نحو أخير نفهم كيف أن تامبنار كان معجبا بمثال جيد لا بالواقع.

هل باح أورهان باموك بشيء يخصه? إن المكر الفني المقيم في خيال كل روائي يجنبه الوقوع في فخ التصريح،لا سيما أمام جمهورمكسوب لديه ويريد أن يكسبه ويتعرف عليه أكثر. من هنا، فخطاب أندري جيد وسيط يحل المشكل، كأي شخصية روائية تُستعار لإبلاغ خطاب، وتجديد مساءلته باستمرار،وقد كنا مع هذا الموعد لهذا الغرض:إن هناك رغبة حارة في أن تكون ذاتك، وتتجاوزها في آن، وأن الروائي يا سادة هومن يملك رؤية واضحة للعالم..
أحمد المديني
http://www.alawan.com/
*abdelhafid
18 - مايو - 2007
قبس من العراقة المغربية..    كن أول من يقيّم
 
.
                                        السيد ادريس بنزكري

رحل الرجل الصادق الأمين، رحل العادل بين العادلين، فيا أصدقائي، ليتوقف الزمن حتى أبكيه، فلا مفر للزمن من أن يصغي لذكرى إدريس، حتى تسمع الأشجار قولي أنا الرائي بين الرائين، أنا الشاهد مع الشاهدين. الآدمية اختيار كالشعر والنحت والإبداع والنضال والتعلق بدفء تربة البلد الرؤوم. ولأنه أدرك هذا باكرا، كان إدريس دائم السفر نحو الآخرين: مستمعا، مصغيا، محبا، متفهما، كريما، كأيدي الفلاحين المخضبة بالتربة والحنان، هو الوسيم السمهري ذو الرقة، الآدمي الثائر على طغيان الطغاة، المتسربل بالحنو حين تحين للمصالحة ساعتها وللإنصاف سياقاته... بدأت خطوك الثابت نحو المصافحة الأبدية يوم وضعتك أمك فحبوت نحو الأفق المغربي الرحب. فشكرا لك أنت الذي أهديتني منذ اللحظة الأولى، شجرة خضراء لا تغيب عنها يفاعة القلب ولا تبليها مشقة الأيام، شكرا لك أنت الذي أهديتني لؤلؤة منذ وجدتك بين الناس معدنا من معادن الكرامة المغربية، أصيلا، شامخا، صبورا، صادقا، مغربيا، أمازيغيا، آدميا، يعطرك أزير الأطلس وملح المتوسط الضارب في زرقة بلون الخلود... امسحي دمعي أيتها الحبيبة، فقد أتعب عيني وأحرق جفني. ولكن مثل هذا الرجل لا أبكيه كل يوم، فاتركيني أبكي من جمري عليه، هو الذي حوّل دمعه إلى عمل لا يكل ولا يمل من أجل الآخرين، منذ نبتَ بين براري قرية صغيرة اسمها آيت واحي، تلك التربة المبتلة بمطر الحب وأمومة الحنان، المعطرة بأحلام صباه، المصغية لخطو الفلاحين في الصباحات الباكرة، صباحات الخبز الدافئ والشاي الأخضر المخضب... مثل سحابة رأيتكَ ذات يوم. سحابة غيث وبذل. أراك وأخالطك ولا ألمسك، بك من صفات المقربين إلى الجلال والرفعة، وهي فيك لا ريب.رأيت الناس حولي في علاقتهم بمتاع الدنيا فما رأيت لك في الإيثار مثيلا• ورأيت الحياء في الناس فما رأيت لك مثيلا، ورأيت التواضع في الناس فما رأيت لك مثيلا ورأيت التحمل في الناس فما رأيت لك مثيلا... كيف تجتمع كل هذه القوة في مخاطبة التاريخ، مع لطفك ورقتك ودماثة خلقك وتواضعك ونكران ذاتك? من الشعب أنت، من تربة سقتها دموع البائسين وعرق الكادحين نبتْت، ولها كنت وفيا إلى آخر رمق من حياتك، ولم يزدك الحرمان إلا حبا لبلدك وتعلقا بأبناء جلدتك، ولم يزدك إقبال الحياة عليك إلا تواضعا وبذلا وعطاء. أرقب صورة والدتك التي وهبتك الحياة والرقة وحسن المعشر، تلك التي ذهبت عن الدنيا قبل أن تراك وقد نفض التاريخ غباره عنك، أنت العشير في حلكة السجون والزنازن. ذا تشرب هذا المساء يا إدريس? شاي مغربي معتق لا غير. حتى أصبح عزيز ذو 17 سنة بيننا في زنزانة المدني لا يتحدث عنك إلا بوصفك شارب الشاي بامتياز.. لن أكشف اليوم من زوادتي إلا أقلها. سأقتسمها مع أحبابك وأصدقائك، وأستسمح حياءك وتواضعك، فأنت لم تكن لتأبه لما يحكى عنك. كان لي من هدايا زمني أن حضرت إلى جانبك معارك في حياتك أخص منها ثلاثا أكثر من غيرها.. لا• عفوا. أنت لا تحب كلمة معركة. أنت تفضل صيغة أخرى، فلتكن: اجتراح الحياة. المحطة الأولى حين انتفضت ضد الطغيان، ها أنا أسترجع اليوم الذي وقفت فيه بين الأجساد المتناثرة في دهليز الدرب حين رأيت أحد غلاظ القلوب تشرب سوطه من جسد رفيقك الغض. رفعت ذراعك، وأنت الأسير، تتوعده إن لم يكف عن جبن يديه وتفاهة كبده. وأذكر أنه أوثقك وأعمل فيك سوطه ليرغمك أن تتوسل بكلمة استعطاف. ولزمت الصمت طويلا طويلا تحت لسعات سوطه، إلى أن فقدت الوعي، ولم تتوسل لنذل رعديد• فاضطروا إلى أخذك على عجل إلى المستعجلات كي لا تموت بدورك.. والمحطة الثانية حين اخترت حكمة المصالحة، وقفت في الطريق الصعب وتهاطلت حولك الضربات من الأقرباء قبل الأبعدين. وكنت تعرف وتدرك كل شيء. كنت أراك ذاهبا لموعدك مع التاريخ هادئا كنسيم، ثابتا كجبل، راسخا كشجرة، منهمرا كسلسبيل. كانت خطواتك تقول إن التاريخ ليس قدرا أعمى.التاريخ إرادة البشر كذلك. التاريخ يبدأ بحلم صبي، ويُبنى صرحا للأجيال. وجاء في الخضم من يعلمك المشي وهو كسيح الروح ويعلمك قص الشارب هو الأمرد. جاء من يذكرك بالخلق والمبدأ، جاء من اكتشف النبوة بعد أن أيقظته شمس الظهيرة من سبات...ولم تأبه. وفي داخل حلم الحقيقة والإنصاف، كنت تقول لي عندما ترق للكلام وتتجرأ على الانتباه إلى ذاتك: أشعر أن موجة تحملني من دون أن أدري وترفعني عاليا وأنا لم أفعل إلا ما أملاه علي ضميري. فأقول لك يا إدريس إن قوة الإيمان واندفاعة الأمل وصدق السريرة، هي التي كانت السبيل إلى اللقاء مع انعطافة التاريخ..•فتصمت في سكون الليل والموج الأطلسي على مرمى حجر وأنت تحمل عشرات الملفات لاستكمال العمل في منزلك. ثم تتحدث عن بلدتك وجذرك الضارب في أرض المغرب المعطاء وتقول لي آه لو أستطيع أن أعود إليها وأعيش بين حقولها وناسها البسطاء، فأقول لك: حينما تنتهي من الكلي، يا إدريس، سنسمح لك بالجزئي، هيهات يا أخي ويا رفيق دربي، يا وجع الفقد وحسرة الوداع• فتمسح دمعة لا تسقط من جفنك إلا نادرا ثم تقول: الحنان يا صديقي• الحنان مستقبل البشرية...أقول لك: اذهب تستريح، اذهب فالليل قارب الانتصاف... تتلكأ في النزول من السيارة فأتجرأ عليك: من حسن حظ جيلنا أنك كنت أحد رموزه الكبار. من حسن حظنا أن لا طمع لك في متاع ولا جاه ولا نفوذ ولا سلطة. فتبتسم وتقول بين دعابتين: هل تدري يا صلاح أنني أغبطك في لحظاتي الصموتة? فأضحك منك وأشعر أنني كبرت في ثنايا جملتك، كبري في قلبك الطافح أيها العزيز العنيد... المحطة الثالثة وأنت تواجه الموت، تبتسم كلما وقفت قرب فراشك الأبيض بعيدا عن نظرات الممرضات والأطباء الذين أحبوك المحبة التي لا تباع ولا تشترى. تمضي بما ترك المرض فوق هامتك من نبض. تمضي في جلالك رغم الوهن، تمضي وأنت تعلم أن الأمر مقضي، لتقول الكلام الذي يرتج منه الحجر: لكل ابن آدم حقٌّ في الحياة لا يمكن أن يستلمه منه إلا خالقه. فليتوقف حكم الإعدام عن قطف الأعناق في كل بلاد المعمور... تسمع إلى من يتحدثون بشراهة عن تعاليم الله، فتبتسم ولا ترد، فأقرأ في عينيك حكمة الحكماء: احترام خلق الله أقدس مما تدعون. خلق الله أمام ناظري، رائع الجمال، فيما التأويل الكسيح لتعاليمه لا يوجد إلا في أدمغة شاخت حتى لم يبق بها شبر لحياة. وحكمة الله لا تحتاج إلى دركيين بقلنسوة إلهية• واللهُ أدرى بدعوته منكم أيها المؤولون على الحواشي الإلهية، الشرهون في الموائد المقدسة، المشتهون لملاذ دنياه، الحسبة لوعود الآخرة، الجشعون النهمون في المآدب السفلى... تصر على الاستمرار في العمل كلما أمهلك الإنهاك، وتحدث كل واحد منا عن مهماته وتضرب المواعيد للآتي كأنك تعيش أبدا، وترتعش يداك إلا عندما طلبت أن تبصم بيمناك على ميثاق العناية الصحية بكل من قاسموك محن الكفاح من أجل الحرية، لأنك تعلم أن العلاج، ليس ترفا للجسد، بل جزءا من الكرامة المستعادة.أودعك وأقف أمام الغرفة البيضاء وأرفع بصري فلا أرى إلا نوارس في فضاء مديد... من بين ثناياك تتدفق الوديان، أنت الضارب في الأرض، المنتشر في المحبة، الموغل في التاريخ، الصاعد من سلسبيل الحياة.أعود إليك مجددا. متمددا بين اليأس والرجاء، بين الممكن والممكن، تقاوم الوهن وتبتسم. يخبرك الطبيب أنني بباب الغرفة البيضاء. لا أطلب أن أراك، لأنني أراك منذ رأيتك في ليل القهر، لأنني أستبطن في رحابة الكون وجودك الآدمي، بعدك الجوهري، الذي لا يستنجد بحيلة مع الوجود، إلا الصدق وصفاء النفس. كنت دائما أكبر من الألم وأنا اللحظة لا أنتظر شيئا سوى أن تنام في هدأة النفس وهجعة السريرة... في البعيد تتمدد السحابات. تمر في هدوئها الأبيض وسكينتها الهفهافة. فمن يربت على كتفي بعد اليوم حين أغضب من تفاهة، كما كانت تقول لي عيناك قبل لسانك: تمهل يا صلاح، فهذا كذلك من مشقة الطريق... أنت الآن تمر بالقرب مني. لست فوق سريرك المرهق المضني. أنت الآن متوحد بأبعادك القصوى، تلك التي أنبتتك في قرية صغيرة من قرى المغرب، شجرة صفصاف وشلال ماء وينبوع عزيمة لا تقاوم••• حملت الوطن في قلبك حتى تماهيت معه، وحين رحلت حج إليك الوطن كله، كأنه يأوي إلى ملاذه: النساء يتبعن نعشك سافرات مزغردات، والرجال يبكونك بالدمع الساخن، وكبار البلد والبسطاء، أصدقاؤك وخصومك: جميعا راجلين خلف نعشك خاشعين لفقدك، وحين وقفتُ على الرابية التي اخترتَها مثوى أبديا لجثمانك، رأيت: بحرا هادرا من الحب، ذلك الحب الدافق غير المشروط بشرط، خفقا في سماء اليقين أو على رموش المآقي، خفيفا كأسراب السنونو، مختلجا من عمق كبد الأرض السخية، من جغرافية الوطن، تلك التي أشفيت جراحها وصالحتها مع تاريخها...أذكر حين سلمتك كلمة كتبتها في أكتوبر الماضي، عن صديق لك شقيق هو أحمد حرزني. وقلت لي يومها متأثرا: هذا كتبته عن أحمد، ترى ما الذي ستكتبه عني حينما أمضي??? داريت جزعي ضحكا ولم أكن أنتظر هذا الإعجاب من طرفك• فأنت مقل في ذلك دائما. وحين رحلت، رجعت إليها لأراها من جديد، فوجدتها تنطبق عليك حرفيا، وربما كنت تريد أن تقول لي وقتها بحيائك الأسطوري: ألا تهبني منها شيئا يا صديقي? وهاأنذا اليوم أطلب منك يا أحمد أن تعيرني كلماتي لأتحدث عن إدريس الراحل وعنك أنت المستمر في الحياة لأداء الرسالة نفسها. أفلا تنطبق نفس الكلمات حرفيا على صفيك إدريس? هو من هؤلاء الرجال الحاملين للمعنى: ذرةٌ من ذرات الكون ولحظة في استدارة الأرض، وحبة من رمل إفريقيا وحجر في تضاريس الأطلس وغصن في شجرة الأركان وملح في أمواج الأطلسي وشيء من عراقة المغرب . لسان حاله يقول: لأجعل من جسدي أداة أفكاري ومن روحي مختبر اختياراتي، ولأقم بواجبي كما لو تأهبت للصلاة ولأقل كلمتي في كل لحظة كما لو كنت أملي وصيتي، ولأتصرف في كل لحظة كأنني أتصرف لآخر مرة، أنا الفاني بين الفانين، المتجدد في الآتين . فنم هانئا يا إدريس، فبلادك التي تنهض اليوم بعزم للقاء مصيرها، بلادك التي أنجبتك من ألم وأطعمتك من رجاء، تعرف من من أبنائها يحفظ العهد، وتعرف أن القلب الذي كان يدق في صدرك هو أحد مسبارات مسارها المعمد بطموح القلب وشكيمة الروح... بلادك المغرب، قالت على لسان ملكها النبيل في نعيك، كلاما لا ينبع إلا من القلب: فقيد الوطن الكبير، سيظل خالدا في الذاكرة..  .
.صلاح الوديع
*abdelhafid
17 - يونيو - 2007
مكفوفون يفضلون النسيان ... والموسيقى    كن أول من يقيّم
 
 
امجد سمحان
رام الله :

?اعتذر لا استطيع ان اجري مقابلة، الناس حولنا يظنون انها للتسول، ولا يقدرون اننا بشر لهم قصة ومشاعر لو يعرفها الآخرون ليتعلموا منها.. واولادي لكثرة ما جاء صحافيون اليهم، تذكروا انهم لا يبصرون?.

رفض فايز الشافعي، من مدينة رام الله، في البداية اجراء المقابلة ثم وافق شرط عدم توجيه اي سؤال لاولاده قائلا ?لست مستعدا لحرمانهم من نعمة النسيان، فهي افضل من تذكر ما هم فيه?.

الشافعي، في الاربعينات من عمره، فقد بصره منذ كان في الخامسة، اب لثلاثة اولاد، اثنان منهم مكفوفان ـ الفتى ماهر والفتاة شروق، في حين ان زوجته وابنه الآخر يتمتعان بنعمة ""البصر مئة على مئة?، بحسب قوله فيساهمان في تسيير ?عجلة حياة? هذه العائلة المحصورة بين تصليح الدراجات.... وعزف الموسيقى.

للشافعي محل صغير لتصليح الدراجات الهوائية يعمل فيه منذ 30 سنة ?هو ارث العائلة، ومصدر الدخل الاساسي?. خلال اللقاء جاء اليه فتى شرح له ان في دراجته خللا، نهض الشافعي من مكانه، وذهب الى الدراجة على بعد امتار وكأنه يراها، تحسس عجلاتها بيديه. اخرج أدوات التصليح من صندوق مجاور وفي اقل من خمس دقائق اصلح الدراجة. قال: ?اعرف الدراجة الهوائية عن ظهر قلب، استطيع ان ارى كل انملة فيها وكل قطعة اين تبدأ واين تنتهي، اراها بيدي?.

تهكم على المبصرين بالقول ?الفرق بيننا وبينكم هو الدقة، انتم تعيشون في الفوضى، ونحن نحب الدقة?. ويروي ?ذات مرة كنت امشي الى جانب صديق مبصر، كان يمسك بيدي واذا به يقع في حفرة، لو انتبه قليلا لما وقع، اما انا فقد احسست بالحفرة قبل ان اصلها ولم اقع فيها، لقد احسست بها بقدمي. هاتان القدمان دقيقتان، لا تخطئآن ابدا?.

كان اولاد الشافعي داخل المحل يراجعون درسا في الموسيقى. يتجادلون في توزيعات احد المقامات. هم يعزفون على كل الآلات الموسيقية لكن مع بعض التخصصات. شروق على آلة القانون، ماهر على الكمان، وحمودة على العود، اما الاب فيعزف على الاورغ. يقول ""الموسيقى حياتنا وتعزز شعورنا بالسعادة .

الا ان سعادة اسرة الشافعي تضررت كما يقول بسبب الاحداث الدامية في غزة. ويرى ان ?المستقبل مشؤوم بالتأكيد، ولا اعرف كيف سيعيش اولادي?.
عن السفير اللبنانية 19 حزيران 2007

*ضياء
19 - يونيو - 2007
يوميات 000للشاعر الفلسطينى / محمود درويش    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى دمنا على أيدينا... لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن? وهل كان علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء?
كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء!
أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك! أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً مع مَنْ يحبّونَنا - تلك هي دُونيّة المُتعالي، وغطرسة الوضيع!
أيها الماضي! لا تغيِّرنا... كلما ابتعدنا عنك! أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم? وماذا تريدون مني? فنحن أيضاً لا نعرف. أَيها الحاضر! تحمَّلنا قليلاً، فلسنا سوى عابري سبيلٍ ثقلاءِ الظل!
الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة! تَقَنَّع وتَشَجَّع، وقتل أمَّه.. لأنها هي ما تيسَّر له من الطرائد.. ولأنَّ جنديَّةً أوقفته وكشفتْ له عن نهديها قائلة: هل لأمِّك، مثلهما?
لولا الحياء والظلام، لزرتُ غزة، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبي سفيان الجديد، ولا اسم النبي الجديد! ولولا أن محمداً هو خاتم الأنبياء، لصار لكل عصابةٍ نبيّ، ولكل صحابيّ ميليشيا! أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين إن لم نجد مَنْ يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى!
مهما نظرتَ في عينيّ.. فلن تجد نظرتي هناك. خَطَفَتْها فضيحة! قلبي ليس لي... ولا لأحد. لقد استقلَّ عني، دون أن يصبح حجراً. هل يعرفُ مَنْ يهتفُ على جثة ضحيّته - أخيه: ?الله أكبر?. أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو: أصغرَ من كائنٍ بشريٍّ سويِّ التكوين?
أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن، ابتسامةَ النصر عن الكاميرا. لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه. رُبَّما لأن النصّ المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل. ما حاجتنا للنرجس، ما دمنا فلسطينيين. وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة... ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد?.
لافتة كبيرة على باب نادٍ ليليٍّ: نرحب بالفلسطينيين العائدين من المعركة. الدخول مجاناً! وخمرتنا... لا تُسْكِر!. لا أستطيع الدفاع عن حقي في العمل، ماسحَ أحذيةٍ على الأرصفة. لأن من حقّ زبائني أن يعتبروني لصَّ أحذية ـ هكذا قال لي أستاذ جامعة!.
.(أنا والغريب على ابن عمِّي. وأنا وابن عمِّي على أَخي. وأَنا وشيخي عليَّ). هذا هو الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة، في أقبية الظلام. من يدخل الجنة أولاً? مَنْ مات برصاص العدو، أم مَنْ مات برصاص الأخ? بعض الفقهاء يقول: رُبَّ عَدُوٍّ لك ولدته أمّك!. لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في التلفزيون!. سألني: هل يدافع حارس جائع عن دارٍ سافر صاحبها، لقضاء إجازته الصيفية في الريفيرا الفرنسية أو الايطالية... لا فرق? قُلْتُ: لا يدافع!. وسألني: هل أنا + أنا = اثنين? قلت: أنت وأنت أقلُّ من واحد!. لا أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف. ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون. أنت، منذ الآن، غيرك!.
********
موقع فولتير
*عبدالرؤوف النويهى
20 - يونيو - 2007
فيروز تحمل لبنان إلى أرض اليونان    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
لقاء أسطوري على مسرح ?هيرود أتيكوس? التاريخي
ليلـة فيـروز مـلأت أثينـا
فيروز في امسية اثينا
جانب من المشاهدين في المدرجات
اسكندر حبش :
أثينا :

نظرت إليّ الشابة الكويتية، الجالسة أمامي، بكثير من الاستغراب حين قلت لها مازحاً بأني لا أحبّ فيروز. نظرة لا تنم عن شيء، إلا عن هذه الرغبة في أن تكسر شيئاً على رأسي على سبيل المثال، أو في أن تقول لي إنني جاهل لا أفهم شيئاً. وحين سألتها هل هي تقيم هنا، في أثينا، أجابت: لا، بل هي أتت خصيصاً من الكويت لتحضر هذه الحفلة. ربما فهمت استغرابها الكبير في تلك اللحظة. فهمت هذه المشقة الكبيرة التي تحملتها مع أخواتها للمجيء من أجل ألا تفوت عليها رؤية فيروز وسماعها. أدركتْ مدى ترددي، فأضافت سائلة عن سبب مجيئي إن لم أكن أحب هذه الفنانة الكبيرة، إذ لا يعقل ألا يحب المرء فيروز. قررت أن أستمر في اللعبة لأضيف أن ظروف تواجدي هذه الأيام في أثينا دفعتني إلى الحضور مع بعض الأصدقاء اليونانيين الذين يحبونها ويعشقون صوتها. لم يكن في ابتسامتها سوى تأكيد آخر على جهلي، إذ من غير المعقول أن يحبها اليونانيون بينما أنا لا أبالي بالأمر. استدارت لتستعد للمشاهدة تاركة إياي مع هذه الأفكار التي لم تفهمها.
لم يكن بعض أهل الكويت وحدهم الذين جاؤوا لحضور هذا الحفل (مساء السبت أول من أمس)، بل ثمة الكثير من أهالي الجنسيات الأخرى ـ الواضحة المعالم ـ جاؤوا ليحضروا. الكثير من العرب، من الأوروبيين ذوي اللغات المختلفة. الكثير من اليونانيين بطبيعة الحال، واللبنانيين المقيمين في أثينا، كما العديد من اللبنانيين المقيمين في أوروبا الذي قرروا المجيء. بالتأكيد لم يكن هناك أي حنين أبله دفع بهم لتذكر الوطن السعيد الذي غادروه منذ سنين. فقط جاؤوا لرؤية هذه القامة الوارفة التي تظلل الجميع. ففيروز هي بالتأكيد هذا اللبنان الآخر الذي لم يتوقف أحد عن التفكير فيه، عن حبه، عن نسجه في مخيلته إزاء كل ما يحصل. بمعنى آخر، بقيت فيروز هذا الوطن الطاهر الذي ارتفع فوق الجميع ليشيد قصة خرافية، حكاية أسطورية، لا يمكن لأحد أن يتخطاها. بالأحرى، أصبحت جزءاً من حياة لا تستقيم من دون أن تكون للمشهد الفيروزي حصته الكبيرة في هذا الفضاء الذي نتحرك ضمن نطاقه. هو أيضاً هذا الهواء النقي الذي يخبرنا كم أن الأشياء الجميلة لا تزال ممكنة، إن أردنا ذلك بالطبع.
 
?الديفا الأخيرة?

هل هذا ما أراده هذا الحشد المجتمع، في هذه الليلة الفيروزية، التي لا تشبه في واقع الأمر إلا الليالي الفيروزية الأخرى? كل شيء، ومنذ البداية، كان يخبرنا بذلك. حتى قبل الحفل بأيام طويلة، إذ كان من الصعب ألا يمرّ يوم، من دون أن تقرأ في صحيفة يونانية، مقالة عن فيروز وعن مكانتها الكبيرة في المشهد الفني والثقافي العالمي. عديدة هي الصفات التي أطلقت. وعديدة أيضاً كانت التحليلات التي قدمت مقاربات متنوعة لفنها ولصوتها، بدءاً من أنها تجمع الشرق والغرب في كلمة واحدة (مثلما قال عنها كبير الفنانين اليونانيين هازيتاكيس، والذي يعد اليوم خليفة ثيودوراكيس، في مقابلة معه) وصولاً إلى أنها آخر ?ديفا? حية، مروراً بكونها هذا الرمز الذي لا يمكن تغييبه.
ربما لأنها آخر ?ديفا? حية، دعاها مهرجان أثينا ـ الذي أصبح في العاشرة من عمره ـ لأن تكون إحدى ركائزه هذا العام. ليس ذلك فقط، بل يضاف أن فيروز هي أول فنان عربي يعتلي مسرح ?هيرود أتيكوس? التاريخي، الذي يشكل معلماً ثقافياً من معالم اليونان. مسرح روماني في الهواء الطلق، (على طريقة المسارح الرومانية المعروفة)، يقع عند أسفل معبد الأكروبول اليوناني. حتى المكان كان يجمع حضارتين في طيّاته، لتُضاف إليه حضارة ثالثة، أخرى، ذات سمة عربية. لم تسمع أعمدة المسرح كلمات عربية من قبل. إنها المرة الأولى. ولا شك ستبقى الكلمات والأغاني والألحان محفورة لزمن طويل، بين الأعمدة والهياكل، إذ من الصعب أن يأتي شخص آخر ليحتل هذه المساحة. أقصد أن اليونانيين يحترمون (إن لم نقل يقدسون) مكانهم هذا ولا يسمحون لأي شخص أن يعتليه، من هنا قوة الرمز ـ بالنسبة إلى أهل هذه البلاد ـ في أن تكون فيروز أول فنان عربي يقف بين أركان هذه المساحة التي تخبر عن تاريخ كامل، لا يزال صداه يتردد في الأرجاء.

لكن، ومع ذلك كله، ثمة تعليقات لافتة، كتبتها الصحف اليونانية، قبل يوم الحفل، لا بدّ أن تستوقف، إذ قالت إن حفل فيروز هذا، هو آخر حفل ستقدمه الفنانة في مسيرتها، لأنها قررت اعتزال الظهور على المسرح، وأضافت أن الفنانة الكبيرة كانت قد تلقت عروضاً للمشاركة في عدد من المهرجانات العالمية هذا العام، لكنها رفضتها كلها كي تأتي إلى هنا. من الصعب التأكيد على أخبار مماثلة، كذلك من الصعب عدم التفكير في ألا تكون هذه الأقاويل نوعاً من ?دعاية? لجلب العدد الأكبر من المتفرجين. لكن مهما يكن من أمر، إنها المرة الأولى أيضاً التي تمتلئ فيه مدرجات مسرح ?هيرود أتيكوس? حتى آخرها. لم يكن هناك أي مكان فارغ حتى لشخص قرر الوقوف. حشد هيستيري لا يمكن إحصاؤه تقدمه العديد من الشخصيات السياسية اليونانية كما الكثير من السفراء العرب، وبالطبع الألوف من المشاهدين الذين مسّهم تيار سحري حين ظهرت فيروز على المسرح. كان من المفترض أن تبدأ الغناء في الثامنة والنصف، كما كان مقرراً، لكنها لم تبدأ إلا بعد ساعة، في التاسعة والنصف، بسبب هذا الحشد الذي لم يستطع الوصول إلى أمكنته، على الرغم من أن المسرح يملك أكثر من أربعة مداخل ـ مخارج.

تحيات وحضور

في أي حال، لم يكن للتأخير أي انعكاس سلبي ـ إذا جاز التعبير ـ بل ساهم في زيادة هذا الشوق المرتقب. شوق إضافي ساهم في إشعاله العديد من الأغنيات القديمة مثل ?أعطني الناي?، ?النبي?، ?يا أنا يا أنا?، ?شتي يا دني?، ?احكيلي عن بلدي?، ?بيي راح مع العسكر?... لا أعرف إن كان ثمة حنين ما حاولت فيروز أن تسترجعه في استعادتها لمثل هذه الأغنيات، لكن اللافت أن ?الريبرتوار? الذي قدمته كان يعود إلى أغانيها القديمة، تلك التي نجد فيها لعاصي الحضور الوافر. الأغنية الوحيدة من الأغاني التي قدمها لها زياد كانت أغنية ?اشتقتلك? (مثلما غنى الكورال ?عهدير البوسطة?، والتي كانت الأغنية الافتتاحية، هذا إذا استثنينا بالتأكيد، الأغاني التي قدم لها زياد توزيعاً جديداً وهي كانت عديدة في حفل فيروز اليوناني). ثمة تحية ما لا بد أن نشعر بها في استعادتها لأغانيها القديمة، حتى في الفواصل التي غناها الكورال لا بد من أن تذكرنا بنصري شمس الدين ونجيب حنكش ومقاطع من حوارات مسرحية ?فخر الدين?. هل أرادت فيروز في هذه الخيارات أن تذكرنا بلبنان آخر كان ممكن الحدوث? لم تغنِ لبنان اليوم، أقصد هذه الأغاني التي جاءت بعد فترة الحرب، ولم تغنِّ ?الحب الجديد? الذي عرفناه في ?ألبوماتها? الأخيرة، بل كان ذاك الحب القديم الذي عشقناه في ?حبيتك بالصيف? و?أمي نامت عبكير? و?يا قمر يا قمر...? ولبنان كان ذاك الوطن الذي ظهر في أغاني من مثل ?أرزتنا اللبنانيي? و?عم يركضوا الاولاد?...

في هذا الفاصل تحرك صوت فيروز في مداه ?الإغريقي? النابع من ?حضارة صوت? قلّ أن نجد لها مثيلاً راهناً. لا يزال هذا النقاء يملك صفاءه الأعمق الذي يقود إلى دواخل لا ينجح أحد في أخذك إليها سوى فيروز. دواخل كانت تشتعل عند الحضور عبر مرافقة بعض الأغنيات بالتصفيق، وعبر الصراخ أحياناً باسم فيروز حيث كانت الأصوات تهدر في مدرجات ومسرح وهياكل ستتذكر دوماً أن فيروز ?مرت من هنا?، بالأحرى كأنها كانت هنا دوماً، لكنها ظهرت اليوم مثل ساحرات المعابد التي تحدثت الأساطير اليونانية القديمة عنها.

سحر كان له بأن يكتمل في هذه العودات المتعددة. لم يتوقف الجمهور عن المطالبة بعودتها إلى المسرح كلما انتهت، وكانت تعود إما للتحية وإما لغناء مقطع يزيد الحماسة والسُكرِ. سُكرٌ لأكثر من ساعتين (بدون فاصل الاستراحة) لم نشعر به، مثلما لم نشعر كيف كنا نصفق ونصرخ بحماسة، ما جعل الفتاة الكويتية، الجالسة أمامي، تقول لي بعد الحفل ?كل هذا وأنت لا تحب فيروز، ماذا كنت لتفعل لو كنت تحبها??... هل بالفعل صدقت ?المزحة? منذ البداية أم انتبهت إلى هذه اللعبة وانساقت بها? لا أهمية لمثل هذه الأجوبة. الأهم أن فيروز احتلت أثينا في هذه الليلة.
 
 * عن السفير اللبنانية هذا الصباح
 
*ضياء
9 - يوليو - 2007
الخطابي..الزعيم الأسطوري ..( ملف خاص )    كن أول من يقيّم
 
الأسطورة التي صنعت مجد محمد بن ...


ترك الجاه والنفوذ ولفّ من حوله القبائل ليلحق ...

احتكاك ابن عبد الكريم الخطابي بالإسبان كان مبكرا، ذلك ...




- كثير من المؤرخين تساءلوا ولازالوا يتساءلون عن ...

فقدت إسبانيا في عهده الكثير من مستعمراتها ...

عندما أرسل المغرب ستة من جنوده إلى جزيرة ثوره (ليلى) قبل خمس سنوات من أجل حمايتها ...


- يتحدث مؤرخون عن ?خطإ كبير? ارتكبه الخطابي بعيد معركة ?أنوال? ...
 
* ملف خاص / جريدة المسـاء  **  العاالالعدد : 261 - الاحد 22 يوليو 200ال
*abdelhafid
24 - يوليو - 2007
إدوارد سعيد:    كن أول من يقيّم
 

 اللغة الفرنسية عائق أمام العالمية وسارتر من أهم الوجوه في القرن العشرين



ترجمة ديما فقيه




قبل فترة قصيرة من رحيله وبعد صراع مع مرض اللوكيميا اللمفاوية المزمنة دام عقداً ونيفاً من الزمن، وافق المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أن يجري حواراً استثنائياً مع الباحثين اللبنانيين – الفرنسيين كريم إميل بيطار وروبير فاضل، مخلاً بالوعد الذي كان قطعه على نفسه بعدم إجراء أي حوار تبعاً لظروفه الصحية. والحوار الذي لم ينشر في أي صحيفة أو مجلة نشره الباحثان في كتابهما المشترك الصادر حديثاً في باريس بعنوان ?نظرات الى فرنسا? (دار سوي).



في هذا الكتاب يشارك ثلاثون مفكراً وباحثاً من العالم متحدثين من وجهة نظرهم عن فرنسا، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ومحللين ?الأزمة الوجودية? التي تعيشها فرنسا راهناً. ومن الذيـــن شاركـــوا في الكتاب عبر حوارات أو دراسات: محمــد أركون، بطرس بطرس غالي، جورج قرم، كارلوس فوينتس، فاتسلاف هافل، ستانلي هوفمان، تيودور زيلدن وسواهم.

يكتسب هذا الحوار الأخير مع إدوارد سعيد طابعاً خاصاً نظراً الى أنه يأتي بمثابة ?وصية الى فرنسا?، ويحمل بعداً رمزياً مهماً، فالمفكر الراحل وجّه كلماته الأخيرة الى فرنسا ومفكريها، هو الذي خبر الثقافة والأدب الفرنسيين بعمق، على رغم إقامته في الولايات المتحدة وكان من المثقفين النادرين، الملتزمين نهجاً فكرياً عالمياً. وتكمن فرادة هذا الحوار في كونه يكشف وجهاً شبه مجهول من صاحب ?الاستشراق?. هنا مقتطفات من الحوار غير المنشور:

يتحدث إدوارد سعيد عن علاقته الشخصية بفرنسا وبدايات تعرفه الى ثقافة هذا البلد، وكان والده شارك خلال الحرب العالمية الأولى، في الحملة العسكرية الأميركية التي أتت لمساندة فرنسا قائلاً: ?بالنسبة الى شخص مثلي، ترعرع في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين ومصر، طالما شكلت فرنسا الخيار البديل. وكان لي كثير من الأصدقاء الناطقين باللغة الفرنسية، لا سيما في فيكتوريا كوليج في القاهرة وفي نوادي القاهرة حيث كنت أتمرن على لعب التنس. وبالتالي من الطبيعي أن تصبح اللغة الفرنسية اللغة البديلة والثقافة الفرنسية الثقافة البديلة بالنسبة إلي. إلا أنّ معرفتي بفرنسا كانت سطحية فلم يسبق لي أن زرت ذلك البلد. وكانت تقتصر على ما جلبه أبي من ذكريات: فرنسا، حب الحياة وبلد الجنس والنبيذ وكل هذه الكليشيهات. والغريب انني انتظرت مجيئي الى الولايات المتحدة في مطلع الخمسينات من القرن الفائت لمتابعة دراستي الثانوية، وأبدأ بالغوص في الأدب الفرنسي. وأذكر أن اتصالي الأول بالأدب الفرنسي حصل في سن المراهقة، عبر نص ?الجدار? لسارتر. وقد تأثرت كثيراً بآفاق هذا الكتاب الفلسفية والفكرية، وأدهشتني التعددية التي ينطوي عليها، لا سيما بالمقارنة مع الأدب الأميركي. ففي الفترة عينها، كنا نقرأ جون شتينباك إلا أن أسلوب سارتر ونظرته الى العالم مختلفان تماماً. وقد سحرني هذا الاختلاف. وما أن بلغت السابعة عشرة من عمري ودخلت جامعة برنستون، حتى التحقت بعدد من الدروس التي تتمحور حول الأدب الفرنسي، وكان يقدمها أستاذان رائعان. وكانت تدور حول الرمزية والرواية الفرنسية الحديثة، إضافة الى ما بعد الرمزية والسوريالية. وكانت المحاضرات خالية من أية نقاشات أو حوارات، كانت مجرد دروس نظرية غنية بالاقتباسات وعدد من المراجع التي كان يوصى الطلاب بقراءتها في نهاية كل حصة. لقد جُذبت كثيراً الى مفهوم التاريخ الثقافي في ذلك الوقت وتأثرت به. وسمحت لي قراءاتي باكتشاف فرنسا، هذا البلد الذي لم أذهب لزيارته زيارة مطولة إلا في العقد الثالث من عمري?.

وبضيف: ?خلال السنوات الأولى التي عملت فيها أستاذاً في جامعة كولومبيا، وقد عُيِّنت في منصبي هذا منذ 40 سنة، أي عام 1963، عاودت الاهتمام بالأدب الفرنسي. ووجدت فيه بديلاً للنظام الذي نشأت عليه ودرست فيه، أي التقليد الإنكليزي - الأميركي الوضعي، الذي يتسم بضيق الآفاق التاريخية. وبالنسبة إليّ، كان التقليد ?الروماني? هو البديل، وعلى رأسه فرنسا وإيطاليا. ومن خلال مؤلفات تعود الى أشخاص من قبيل الجامعي إيريك أورباك وهاري لفين، استاذي السابق في هارفرد ومؤلف كتاب هو من أهم الكتب عن الرواية الفرنسية في القرن التاسع عشر، تمكنت من توسيع دائرة اهتمامي بالأدب الفرنسي من القرن الثامن عشر الى القرن العشرين، كما بالنقد الأدبي. وكنت الرجل الأميركي الأول الذي تناول مدرسة النقاد الفرنسيين الجديدة في كتبه، وذلك ضمن مقال مطوّل حول لوسيان غولدمان. وقد اهتممت بفكرة أن غولدمان كان تلميذ جورج لوكاش في الثلاثينات، وانه كان ينتمي في تلك الفترة الى أنصار ?النقد الجديد?، وهي مجموعة تختلف عن النقد الأميركي بكل ما للكلمة من معنى. كانت مخالفة تماماً للفلسفة وتشدد على الجمالية على حساب البقية. وفي موازاة ذلك، لم أتوقف عن قراءة سارتر وميرلو بونتي والتقليد الفينومنولوجي، الناتج في معظم الوقت عن هوسرل وأحياناً أخرى عن هايدغر. ولعبت فرنسا دور الأرض الخصبة لهذا النمط من التفكير، ذلك أن الفرنسيين كانوا يلعبون دور الوسطاء بين الفلسفة الألمانية والتقليد الإنكليزي - الأميركي. وأخيراً، أتى العام 1966 وجلب معه حدثاً هائلاً يعيشه المرء مرة واحدة في العمر، إذ عُقد حينذاك المؤتمر المنتظر وعنوانه ?لغات الانتقاد وعلوم الإنسان? في جامعة جون هوبكنس واستطاع للمرة الأولى استقطاب كبار المؤلفين الذين قرأت أعمال بعضهم أو سمعت عن البعض الآخر منهم، ولا سيما جان هيبوليت ورولان بارت وجاك دريدا وجاك لاكان وجورج بوليه وجان بيار فرنان وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت... ويعود الفضل في دعوتي الى المشاركة في هذا المؤتمر الى مقالاتي التي سمحت لي بالتواجد مع كل هؤلاء الكبار على مدى أسبوع. وفي الواقع، أدهشني أمران متناقضان. الأول هو بعد نظرهم ولا محدودية فكرهم، فقد كان في إمكانهم أن يتحدثوا في طريقة متكلفة عن الفلسفة اليونانية أو الألمانية أو عن أي موضوع آخر. والثاني قدرتهم على التحول أشخاصاً متعصبين لفرنسيتهم. حتى أن بقية المفكرين كانوا يشعرون باحتكار المفكرين الفرنسيين للموضوعات المطروحة للنقاش، علماً أنهم كانوا يطرحون جدليات تعني العالم بأسره، ويتحدثون عن نيتشه وفرويد وهايدغر. وخُيّل للمشاركين الآخرين في المؤتمر – أي الأجانب (بعض الإيطاليين والأميركيين) – أن المفكرين الفرنسيين يوجهون الكلام بعضهم الى بعض لنيل الإعجاب المتبادل بينهم، غير آبهين لبقية الموجودين! كان ذلك مذهلاً حقاً!

أستطيع أيضاً أن أعزز كلامي بقصة حدثت مع رولان بارت. نظراً الى بعد حرم جامعة جون هوبكنس عن بالتيمور، كنا ننزل جميعاً في الفندق نفسه، ونلتقي يومياً. وفي كل صبح تنقلنا المركبة نفسها الى الجامعة. وعلى الطريق، اعتدت الجلوس بالقرب من رولان بارت، لذلك كان من الطبيعي أن نتبادل الحديث. اهتممت كثيراً بالمحاضرة التي ألقاها خلال ذلك المؤتمر والتي دارت حول فعل ?كتب?، الذي وصفه بالفعل غير المتعدي. وخلال أحد نقاشاتنا الصباحية، أخبرته أن أعماله تشبه، في كثير من نواحيها، أعمال أحد النقاد الأميركيين المشهورين والفريدين من نوعهم، كينيث بورك. بدا بارت مهتماً جداً بالموضوع، حتى انه دوّن اسم بورك وطلب مني أن أزوّده بلائحة تضم أهم كتبه. فاستجبت لطلبه قبل أن نعود الى حديثنا. وبعد سنتين، التقيت مجدداً برولان بارت، في مؤتمر كان يُعقد في شيكاغو. ألقينا التحية واحدنا على الآخر بحرارة وتكلّمنا عن أمور مختلفة، قبل أن أسأله إذا تسنّت له فرصة المقارنة بين أفكاره وأفكار بورك. وإذا به يجيب: ?أفكار من??. لقد فاته كلياً الأمر واضطررت الى الإصرار على مطلبي أكثر من مرة، على رغم أهمية بورك ونقاط التشابه بينهما. وأظن انني كنت في صدد تناقض شكلي الى أقصى درجة. فمن ناحية، هناك التعصب الى الانتماء الفرنسي، الذي أصفه بالمتطرف والذي كان يمنع المفكرين الفرنسيين من النظر الى خارج حدود عالمهم الفكري أو الاهتمام بالكبار دون سواهم، ومن ناحية أخرى، هناك انفتاح فعلي على بقية العالم في بعض الأحيان. فعندما كان كلود ليفي شتراوس يتكلم عن الفكر مثلاً، كنت أشعر انني أستمع الى مفكر عالمي بكل ما للكلمة من معنى. وبالطبع، ذلك هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة السائدة وهي العصبية الفرنسية. وليفي شتراوس كان يدحض هذه الفكرة. فهو تأثر كثيراً بالإثنولوجيا الإنكليزية - الأميركية. وبيار بورديو كان أيضاً استثناء في هذا المجال، نظراً الى تتبعه لكل ما يجري خارج الفلك الفرنسي. لكن سواهما من المفكرين كانوا منغلقين على ذاتهم، ولا يهتمون إلا بشخصهم. ولا أدري كيف أفسّر هذه الشوائب، قد يكون السبب عقليتهم أو النظام التربوي والبرامج التي تتخطى حدود المقبول في صرامتها?.

ورداً على السؤال: نظراً الى المكانة الخاصة التي يحتلها المفكرون في المجتمع الفرنسي، هل ترى أنهم يستغلون مكانتهم تلك ويستثمرونها في المكان المناسب بغية الدفاع عن قضايا مهمة، أم أن المسألة تختصر في المظاهر? هل نشهد اليوم تراجعاً للنفوذ الفكري الذي تتمتع به فرنسا، لا سيما بالمقارنة مع الفترة التي تلت الحرب مباشرة? يجيب: ?لم يستطع المفكرون الفرنسيون المعاصرون لي من لعب دور جوهري، واللغة هي أحد الأسباب التي أعاقتهم. فقلة قليلة منهم فقط متمكنة من لغة أخرى غير الفرنسية، كالإنكليزية على سبيل المثل. والمفكرون العرب يعانون أيضاً من عائق اللغة. فهم يعجزون عن التعبير بغير اللغة العربية ويكتفون بذلك، متسائلين، مثلهم مثل المفكرين الفرنسيين، ?لمَ عسانا نعقّد حياتنا بتعلّم لغات أخرى?? إن هذا النمط من التفكير مؤسف للغاية. ولكن هنا أيضاً، يمكنني أن أذكر أمثلة مضادة وأسماء لامعة مثل تودوروف. فأصول هذا الكاتب البلغارية لم تمنعه من أن يصبح مفكراً فرنسياً وهو من النادرين الذين يقرأون ويتكلمون ويفهمون اللغة الإنكليزية. إتيان باليبار يُعتبر أيضاً من الناطقين باللغة الإنكليزية. وهو يعطي دروساً، بين الحين والآخر، في الولايات المتحدة حيث تُرجمت كتبه وباتت موضع قراءة ودراسة. لكن أفكار الآخرين، حتى المفكرين اليمينيين الأكثر شهرة في فرنسا مثل فينكلكروت أو برنار هنري ليفي لا تتعدى حدود العالم الناطق باللغة الفرنسية ولا تلقى صدى واسعاً في العالم?.

لكن هؤلاء يحشدون جمهوراً واسعاً من خلال الشاشة الفرنسية الصغيرة. يقول سعيد في هذا الصدد: ?نعم، هذا صحيح. فجمهورهم التلفزيوني – إذا جاز التعبير – أكبر من جمهورهم الأكاديمي والجامعي. في المقابل، خُيّل إليّ لوهلة أن رجلاً مثل ريجيس دوبري قد يلعب دوراً مهماً خارج فرنسا. فقد منحه عمله في أميركا اللاتينية ومؤلفاته حول دور المفكر، خلفية دولية. إلا أن كتبه لم تلق الصدى الذي يليق بها في الولايات المتحدة، وقد تكون اللغة السبب وراء ذلك. وأتذكر الآن قصة تتعلق بدوبري وباللغة. منذ سنوات، عندما صدر كتابي ?عن المثقفين والسلطة? في باريس (دار سوي 1996)، التقينا في برنامج تلفزيوني أنا ودوبري وفينكلكورت. وفي المناسبة، شعرت ان الرجلين لا يستلطف واحدهما الآخر! وبالعودة الى صلب الموضوع، غمر الغضب دوبري عندما علم أنني وصفته في أحد مقالاتي بالكلمات الآتية: بـ ?المفكر اللامع والمتعدد الآفاق?. واستخدمت كلمة ?المتعدد? بمعناها في اللغة الإنكليزية، أي الرجل المنفتح والقادر على تناول مواضيع مختلفة في كتاباته. لكنه اعتقد انني استخدمت الكلمة بمعناها الفرنسي، أي الشخص المزاجي والمتقلب في أفكاره...?.

ويتحدث عن إميل زولا، الرواي والمفكر الملتزم قائلاً: ?لم أعاود قراءة كتابات إميل زولا منذ فترة طويلة، لكنني قرأته من خلال أحد زملائي الذي يعمل أستاذاً في قسم الأدب الفرنسي في جامعة كولومبيا. إن سيرة زولا الذاتية التي وضعها هنري ميتران، ذلك الرجل المتضلّع في كل شاردة وواردة تتعلق بزولا، هائلة، وقد سمحت لي أعماله أن أتعرّف أكثر الى زولا. بالطبع، سبق أن قرأت رواياته مثل ?جيرمينال? و ?نانا? وسواهما خلال فترة دراستي، وأعرف أن زولا كاتب موهوب لكنه لا ينتمي الى الكتّاب الذين أعاود قراءتهم مراراً وتكراراً، على غرار مارسيل بروست وغوستاف فلوبير الذي يُعتبر نقيض زولا على مستويات عدة. وهنا تأتي المقارنة في غير محلها. دعني أعترف إذاً أن إعجابي بزولا، المفكر الملتزم، يفوق إعجابي بزولا الروائي. فالسياق الذي تجري فيه أحداث روايات زولا مغاير تماماً للسياق الذي نعيش فيه اليوم ما أحببته في زولا هو مداخلاته العامة، والدور الذي لعبه كأحد الوجوه التي تركت بصمات واضحة في الثقافة الفرنسية. والمثير للاهتمام في ذلك الرجل هو ناحيته الفرنسية البحتة، وقدرة قضية ما على التأثير فيه ومسّه من الداخل وذلك بشهادة من المجتمع برمته. إضافة الى قدرته على دفع الأمور نحو مزيد من العدالة، كما حصل مع نصه ?أتهم?. وستبقى كلمة ?مفكر? مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بزولا.

مقولة ألبير كامو

وعن ألبير كامو وعن رأيه بمقولته الشهيرة: ?إذا خُيّرت بين العدالة وأمي، أختار أمي? التي تجسّد العلة التي يعاني منها العالم المعاصر، حيث يندرج الجميع تحت راية ذويه وجماعته ويغلّب النسب على الانتساب، ويفضل الولاءات القبلية والمجتمعية والشخصية على القيم والعدالة، يقول سعيد: ?أنا أعارض هذا الانقسام وأعتقد أن التصنيف خاطئ أساساً. وأظن أن ذلك يُعزى أولاً الى غياب أي معارضة طبيعية بين العدالة والأم. لم يُفترض بنا أن نختار? ولم لا يمكننا اختيار العدالة والأم معاً? من جهة أخرى، نحن نرتكب خطأ باعتقادنا بأن الدفاع عن العدالة قد يدفعنا الى التخلي عن أمنا، فالعدالة بذاتها أمر طبيعي للغاية. وفي نهاية المطاف، وحدها العدالة تستطيع تخليص الأمهات من كل شٍر يتربّص بهن. إن الدفاع عن العدالة لا يعني بالضرورة مخالفة الولاءات والانتماءات الفطرية والأساسية. ومن خلال هذا السؤال تبرز بعض النقاط التي تقف عائقاً بيني وبين كامو?.

في كتابه ?الثقافة والامبريالية?، يقارب سعيد ألبير كاموا بطريقة مستحدثة، من خلال تحليل اللاوعي الاستيطاني. ويبيّن أن كامو خضع، إما بكل وعيه أو من دون وعي، لسيطرة العقلية الاستيطانية. ويشير أيضاً الى أن الرجل العربي الذي قتله مرسو في رواية ?الغريب? كان شخصية مجردة، نجهل عنها الكثير... يقول سعيد عن كامو: ?أعتقد أن كامو كان رجلاً موهوباً، إلا أنه بالغ – الى حد التصنع – في إظهار أخلاقياته. كامو كان واعياً أخلاقياً، لكنني حاولت إظهار كيف أن انعدام النزاهة وحال الهروب والنظرة المخالفة للتاريخ التي ألقاها على المكان الذي عاش فيه، كيف أن كل تلك الأمور شوّهت هذا الوعي الأخلاقي. وأعني بذلك أن كامو لم ينقل العلاقة الفعلية بين المستوطن والمستوطَن كما هي في الجزائر. وبالنسبة إليه، شكّل الاستيطان سياسة سيئة مارسها نظام سيئ وحكومة فرنسية سيئة، لكنه لم يكن يرى أن ذلك يندرج في عملية تاريخية طويلة، تستند الى التجريد المنظم والى بناء عقلية استيطانية. وأعتقد أن ذلك أشبه بالوضع الذي نشهده في إسرائيل، وفي سلوك بعض المفكرين تجاه هذه المسألة بالتحديد. وما لا أستطيع فهمه هو أن الكثيرين من الفرنسيين ما زالوا يرون في كامو مثالاً للكاتب الأخلاقي والمفكر التقدمي. وقد أدركت الأمر عندما درس إبني كامو في المدرسة. كان يقرأ رواية ?الغريب? حينها. وسألته إذا ما كان الكتاب مدروساً بحسب سياقه، وإذا ما كانوا يتعرفون خلال الحصص المخصصة لدراسته الى الخلفية والكاتب والحياة في الجزائر... لكن الدروس لم تكن تجري على هذا النحو. ففي معظم الأحيان، يتم تجاهل كل هذه الأمور ويظهر كامو بالتالي كالكاتب الأخلاقي الفرنسي الكبير في القرن العشرين. لا شك في أن في وضع كامو قد يستغوينا التركيز على الأسلوب فقط. فنحن في وجه كتاب نثري رائع، في وجه ?كتابة بيضاء? أو كما سمّاها بارت. ومن المؤكد أن كامو كان يعيش في بيئة صعبة جداً، في بيئة منغلقة على فرنسيي الجزائر. لكننا لا نجد في شخص كامو وعياً لجهة استغلال شمال القارة السمراء. فيما أن الكاتب الفرنسي أندريه جيد كان يعي تماماً وجود هذا الاستغلال. وأنا لست أستغيب كامو، لطالما قلت، ولا أزال، إنه كان كاتباً موهوباً جداً، لكنه يخفي أمراً ما وذلك لا يريحني. فمن الطبيعي أن نرى فيه، كما نرى في أندريه جيد، مثالاً يُحتذى به لجهة الثقافة الفرنسية. إلا أنني أعتقد أن وضع جيد يختلف تماماً. كامو كان يعتبر نفسه مؤلفاً أخلاقياً وكاتب مقالات. أما جيد فكان قبل كل شيء من أنصار المتعية، وكانت أعماله منفتحة جداً ومتأثرة بهذه المتعية على طريقة أوسكار وايلد?.

وعن سارتر الذي عاد فجأة الى الطليعة، بعدما كاد العالم أن ينساه وعن الإرث الذي تركه يقول سعيد: ?مهما كثرت الإشاعات عنه، وعلى رغم كل سيئاته، يبقى سارتر بالنسبة إليّ أحد أهم الوجوه الفكرية التي عرفها العالم في القرن العشرين. وقبل الحديث عن سارتر الروائي، تجدر الإشارة الى أنه كان ناقداً أدبياً وفلسفياً فريداً. وفي هذا الإطار، تطاردني أعماله من كل ميل وطرف، أذكر منها كتابه الرائع عن فلوبير، ?أبله العائلة?، وكتابه عن بودلير والمقالات الأخرى التي تناولت باقة متنوعة من المؤلفين. وأظن أن أعماله تأتي في صدارة التحقيقات النقدية. وعرفنا سارتر أيضاً كروائي وكاتب مسرحي رائع، فكيف ننسى رواية ?الغثيان? وسواها من روائع المسرح التي تحمل توقيعه. ميزة سارتر انه كرّس معظم حياته ليطرح على نفسه كما على غيره أسئلة حيوية. وقد أثبت شجاعة كبيرة في تعاطيه مع الأمور، فتطرّق الى موضوعات شبه محرمة في المجتمع مثل فيتنام والجزائر. غير أن ذلك لا ينفي وجود بعض الشوائب والإبهام حول مسيرته الفكرية على بعض المستويات، ونذكر في هذا الإطار موقفه حيال القضية الفلسطينية?.

تميل مواقف سارتر حيال الصراع العربي – الإسرائيلي الى بعض من الغموض والتناقض خصوصاً في التزامه المطلق تجاه القضيتين الفيتنامية والجزائرية، أو المديح الذي قام به في المقدمة اللاهبة لكتاب فرانتز فانون ?محكومو الأرض?. ويقول سعيد: ?أو عندما نتذكر إعجابه الكبير بجان جينيه وبالعمل الرائع الذي أهداه إياه?.

وعن امتناع سارتر عن إظهار المزيد من الدعم للقضية الفلسطينية يقول: ?أعتقد أن سارتر تأثر بالحرب العالمية الثانية، وذلك طبيعي جداً. لقد أدرك فظاعة المحرقة التي أتت بمثابة ضربة أعادته الى الواقع وعززت وعيه السياسي والفكري. والأمر سيان بالنسبة إلى ميشال فوكو، على رغم صغر سنّه. فكلاهما شعر بعد الحرب أن إنشاء دولة إسرائيل خطوة طبيعية ومحقة، تأتي بمثابة تعويض لمعاداة أوروبا للسامية وقد تسمح بالتخفيف من وطأة شعور الذنب الذي يعذبهما ويعذب غيرهما بسبب الفظائع التي ارتُكبت بحق اليهود الذين تعرضوا للإبادة الجماعية خلال الحرب، على اختلاف جنسياتهم، فرنسيين كانوا أم ألماناً أم بولنديين. ومن هنا، عجز سارتر عن استيعاب وجهة النظر العربية. ونادراً ما اهتم بالعالم العربي، وكان ذلك غريباً بعض الشيء. فكان يرى في عبدالناصر رجلاً اشتراكياً من جهة، وفاشياً يشبه الألمان من جهة أخرى. لم تنشأ يوماً علاقة فعلية بين سارتر والثقافة العربية ولطالما غلب الانزعاج عليها وهذا ما لا أفهمه، وهو أحد الأسباب التي دفعتني الى مقابلته عام 1979. أردت أن أفهم الحقيقة، فصلة سارتر بالفكر العربي كانت ضعيفة في الوقت الذي كان على علاقة متينة ببعض الإسرائيليين، على غرار إيلي بن غال وبيار فيكتور اللذين أخذاه في رحلة الى إسرائيل وأعطياه صورة إيجابية عنها... أما العالم العربي والثقافة العربية فلم يعرفهما البتة. كل ذلك كان غريباً بعض الشيء. لكننا بشر ولكلٍّ سيئاته. هناك أمور تمسّنا وتؤثر فينا أكثر من غيرها. لقد أخطأ سارتر في قضايا كثيرة ولم تؤثر فيه معاناة الشعب الفلسطيني. صحيح أن موقفاً كهذا مخيّب للآمال، ولكن لا يكفي لنفي موهبته ومواقفه الشجاعة إزاء قضايا أخرى?.

سارتر والعداء لاميركا

وعن عدائية سارتر وسيمون دو بوفوار المتطرفة للولايات المتحدة، وهو شعور ذا طبيعة جوهرية لا يستند الى انتقادات شرعية لسياسات أميركية معينة، يقول سعيد: ?أزعجني ذلك، خصوصاً أن هذه العدائية لا تستند الى انتقادات شرعية، حتى انها لا تستند الى معرفة حقيقية للولايات المتحدة. ومن الواضح أن سارتر ودو بوفوار كانا يجهلان هذا البلد. والأمر سيان بالنسبة الى غيرهما من المفكرين الفرنسيين. فغالباً ما تنبع عداوتهم للولايات المتحدة من جهل فعلي لهذا البلد. وهذا ما دفعني في مرحلة ما الى كتابة مقالة تحت عنوان ?أميركا الأخرى?، التي صدرت في صحف عالمية عدة ومنها صحيفة ?لوموند ديبلوماتيك? الفرنسية، في آذار (مارس) 2003. أعتقد ان من الضروري أن نتذكر دائماً أن بوش وإدارته لا يمثلان سوى أحد أوجه الولايات المتحدة الكثيرة والمختلفة. كنت أود لو أن سارتر ودو بوفوار أوليا أهمية أكبر للوجه الآخر من أميركا. جان جينيه مثلاً، الذي التقيته للمرة الأولى في جامعة كولومبيا اهتم كثيراً بهذا الوجه الآخر. فقد نظر عن كثب الى الحركة المضادة للحرب التي نشأت في نهاية الستينات، والى النشاطات التي قام بها طلاب اليسار والجذريون وحتى البلاك بانثرز. جان جينيه كان متميزاً من هذه الناحية، على خلاف الكثير من المفكرين الفرنسيين التقليديين والتافهين في عدائهم لأميركا، لأن شعورهم ذلك ما كان يستند الى معرفة كافية بهذا البلد أو الى انتقادات شرعية ومفصلة?.

وعن تأثير مفكري ما بعد الحداثة في فرنسا على طلاب الجامعات الأميركية التي أبدت اهتماماً كبيراً بمفكرين مثل فوكو ودريدا وبودريار الذين يحظون بمحبة أكبر في الولايات المتحدة منها في فرنسا، يقول: ?إنه لسؤال صعب. إذا أخذناهم كل واحد على حدة، سأقول إن فوكو لا يحظى بالتقدير الذي يليق به كباحث وجامعي. فالكثيرون من الأميركيين يعتقدون أن فوكو هو فقط هذا الرجل الذي أطلق العنان لموضوعات أثارت ضجة كبيرة كالرغبة المثلية والجنس والجنون. وهي موضوعات منحت فوكو مكانة كبيرة، وجعلت الناس ينسون أنه جامعي كبير وفيلسوف رائع في الدرجة الأولى، ?فيلسوف جذري?، بحسب تصنيف نيتشه. هذا هو الوجه الذي أثار إعجاب جيل دولوز في فوكو والذي بقي مهمشاً بعض الشيء في أميركا، حيث يطغى الفكر المنظم والأنظمة الصغرى على البقية. عندما يتعلق الموضوع بمفكرين مثل دريدا وفوكو. فدريردا ومفهوم اللابناء يقعان اليوم في قلب نوع من البدعة الموجودة في الجامعات الأميركية. وقد ركّز الكثير على ذلك المفهوم من دون أن يفهموا أعمال دريدا الأولى. وأعتقد أن أعمال دريدا اللاحقة عكست، بطريقة أو بأخرى، التأثير الأميركي. فتحوّل كاتباً يتّسم بغموض أكبر ومنذ ذلك الحين فقدت أعماله رونقها لأنها كانت تفتقر الى الصراحة. إن مشكلة هؤلاء المفكرين لا تكمن بالمبالغة في تقديرهم، بقدر ما تكمن في أن بعض النواحي من أعمالهم، واشدد على ?بعض النواحي?، تحوّلت مجرد آليات متحركة. وبالتالي، بات من السهل الحصول على كميات هائلة من نسخ دريدا وفوكو، بدلاً من إنشاء أشخاص يحاولون فهم دريدا وفوكو، وانتقاد أعمالهما بالأسلوب نفسه الذي نقلاه في تعاليمهما. على صعيد آخر، أُصبت بخيبة كبيرة عندما علمت أن جاك دريدا قبل دكتوراه فخرية من الجامعة العبرية في إسرائيل... ولعل توقيعه على بيان يدين بقسوة السياسات الإسرائيلية هو بالضبط ما خيّب أملي. وقّع على البيان وقبل بلقب فخري منحته إياه جامعة تابعة لبلد وصفه بنفسه أنه يقمع الفلسطينيين وينتهك حقوق الإنسان ويضرب القانون الدولي بعرض الحائط! بالنسبة الى دريدا وبودريار، لا وجود لحجم التاريخ وأهميته. عندما يعلن بودريار أن عهد الخطابات الكبرى وزمن التحرر وعصر الأنوار ولت، أنا لا أوافقه الرأي بتاتاً. فالكثير من الناس في العالم، وفي الولايات المتحدة، يتأثرون حتى اليوم بكل ما له صلة بالعدالة والحرية والأمل والقيم الأخرى. ونظراً الى ذلك، أعتقد أن ما يروّج له بعض مفكري ما بعد الحداثة لا يخلو من الازدراء والاستخفاف بكل من يؤمن بهذه القيم. وهذا هو السبب عينه الذي يمنعنــي مـــن الموافقة على مفهوم ?نهايـــة التاريخ? لفوكوياما الذي يبسّط كـــل الأمــور الى حد التفاهة. أين الاعتراف بجهود الإنسان إذاً? أنا ألمس نوعاً من الكسل عندما أسمع أشخاصاً يأتون ليقولوا إنهم فقدوا كل اهتمام بتلك الأمور وبقضايا العالم الفعلية وبمعاناة البشر، وإنهم باتوا يهتمون بأفكار أخرى كالمسرح والمظاهر والروايات القصيرة والكفاءات التقنية...?.

ويتطرق إدوارد سعيد الى موقف بعض المفكرين من الصراع العربي – الإسرائيلي الذي يعيد الى مسألة ?العدالة وأمي? بحسب مقولة كامو، خصوصاً أن في عالم اليوم يتقدم النسب على الانتساب، ويقول: ?أعتقد بأن العلاقة التي يحاول البعض إيجادها بين قضية ما والسبب الذي يدفعهم الى الدفاع عنها هي في معظم الأحيان علاقة طبيعية تنبع من انتمائهم ونسبهم. كنت أتمنى أن ينبع خيارهم من قناعة شخصية. فالاختيار يفرض ألا يهرع المرء الى مساندة ?مخيمه? في شكل تلقائي. عندما انتقدت القيادة الفلسطينية بشدة، أثنى ريجيس دوبري على موقفي النادر، ذلك أن معظم المفكرين يميلون الى الدفاع اللامشروط عن مخيمهم وهذا ليس مفهومي لدور المفكرين. فمهمتهم الأولى تبقى الاعتراف بالحقيقة مهما كانت صعبة، وإن دفعت شعبهم الى التشكيك بهم. وفي نهاية المطاف، يعجز المفكر عن إتمام مهمته على الوجه الصحيح عندما يكتفي بإخبار جمهوره أو جماعته ما ترغب في سماعه وما يطمئنها ويثبّت قناعاتها السابقة والمكتسبة. وأظن أن هذا الفرق يستحق أن نتوقف عنده. إنه مسعى وراء النقاوة وتحقيق إنجاز ما. ثانياً، كنا نجد عند بعض المفكرين، حتى الكبار منهم، ما عدا البعض طبعاً، حاجة ماسة الى الإيمان بشيء ما. حتى عندما كانوا يتكلمون عن العلمانية، استطعنا أن نستشف فيهم صورة خيالية غير علمانية. وغالباً ما رأينا دفعاً شبه ديني يحثهم على المضي قدماً. لربما كان هذا الدفع بديلاً عن الإيمان الكاثوليكي. ولكن أعتقد أن المشكلة تكمن على هذا المستوى، هناك حاجة الى الإيمان بنظام سماوي ودفع شبه ديني وسعي وراء تحقيق إنجاز تام، مهما كان الثمن. ثم ان صورة المفكر الذي يلعب دور المحقق ويهتم بمشكلات الدنيا وبتفاصيل خاصة ويكرّس نفسه للنظر في الظروف التي يعيش فيها الأقل حظوة، ويقوم بدراسة القضايا الاجتماعية على مر التاريخ، ويزور الأماكن المهملة عادة والأحياء الفقيرة حيث يعيش المهاجرون والطبقة العاملة، أي المفكر الذي يتسلح بالشجاعة لمواجهة البؤس الاجتماعي، إن هذه الصورة إذاً باتت عملة نادرة في فرنسا، على الأقل قبل وصول بورديو، لأن بورديو غيّر مجرى الأمور، ولربما كان الوحيد الذي عالج مسائل ترتبط بالثقافة الشعبية والحياة اليومية بكل ارتياح، على الأقل أنا لا أعرف سواه. فبورديو كان يتوجه الى الشعب ويسعى الى استقطاب جمهور واسع. وفي الوقت نفسه، كان يأخذ احتياطاته من وسائل الإعلام. إلا أن حذره هذا لم يمنعه من الذهاب للبحث عن جمهوره والتواصل مع الشعب?.

معاداة السامية والعنصرية

وعن بعض المظاهر المخلة في فرنسا مثل بروز الشعور بمعاداة السامية والرهبة المرضية أحياناً من الإسلام والعنصرية ضد العرب يقول هو الذي كتب في ?الاستشراق? أن معاداة السامية والعنصرية ضد العرب ناجمتان عن الخلفية الفكرية نفسها والعقلية عينها: ?لا يمكن الفصل بين معاداة السامية والعنصرية ضد العرب. هذا مؤكد. فجذور الاستشراق هي نفسها جذور معاداة السامية، أي النظريات العرقية والأفكار الخاطئة حول اللغات السامية ومفهوم العرق السامي والفكرة السائدة التي تقول إن اليهود شرقيون فقط. بقي اليهود في فرنسا وبريطانيا شرقيين لمدة طويلة من الزمن، وكان يُنظر اليهم كفئة غير قابلة للدمج تماماً كما يُنظر الى بقية الشرقيين اليوم: فئة غير قابلة للدمج في المجتمع. إن أشهر الشخصيات اليهودية في الأدب الإنكليزي وردت في كتاب ?تاجر البندقية? وفي رواية ?دانيال ديروندا? لجورج إليوت. وفي العملين، نحن أمام شرقيين لا يهود من السكان الأصليين، بل غرباء. ولطالما بقي الوضع على هذا الحال في فرنسا?.

ويضيف: ?إن مكافحة العنصرية تحت كل أشكالها بدأت لتوها، ولكن أعتقد أن من الممكن تخطي تلك الأفكار المسبقة ولا سيما في فرنسا. ففي الولايات المتحدة، عندما نحاول الاهتمام بتاريخ الانشقاق وتاريخ معارضة العقائد المشددة وتاريخ العنصرية المضادة ومكافحة الأفكار المسبقة، والصراع من أجل الشمولية والانفتاح على العالم، تبقى فرنسا الأنوار المرجع الأول الذي يخطر في بالنا. هذا لا يعني أن المشهد كان خالياً من أي تناقضات، بل على العكس. فهذه التناقضات تتبلور مثلاً من خلال فولتير، أحد رموز عصر الأنوار، على رغم معاداته للسامية، هو الذي كان يروّج للعلمانية ويقوم باتفاقات جانبية مع البابا في الوقت نفسه.

ولكن، على رغم كل ذلك نقل لنا فولتير مبادئ الصراع من أجل الشمولية والعدالة وأعتقد أن هذا الصراع سيبقى خالداً مهما تغيّر الزمان. إنما، المذهل والغريب في فرنسا هو أنكم ستجدون دائماً، في وجه العنصرية والعصبية المحلية والعقول المحدودة، تياراً يتسم بالتسامح والعظمة وخطباً تدعو الى إرساء العدالة والحرية، ما يساعد على خلق إنسان مثل توسان لوفرتور. إن توسان لوفرتور كان في طريقة أو أخرى ثمرة الثقافة الفرنسية. فهذا الرجل الأسود قرأ إعلان حقوق الإنسان والمواطن على رغم ثقل العبودية ويديه المكبلتين، وقرأ أعمال ميرابو وتأثر بعصر الأنوار... فتحركت أحاسيسه وانكسرت الأصفاد لينتفض الإنسان الموجود في داخله من أجل محاربة العبودية في هايتي. هكذا كُتبت الأسطر الأولى من قصة تروي ثورة شعب أراد الحياة فاستجاب له القدر?.
 
المرساة :
  المصدر: دار الحياة
*abdelhafid
4 - أغسطس - 2007
سلام عليك أبا غالب .........    كن أول من يقيّم
 
بطاقة تعريف الكاتب الكبير: شكيب أرسلان
 
هو شكيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان، ولد سنة 1869، في بيت عريق من بيوت الإمارة اللبنانية في الغرب، والتي يعود نسبها إلى الملك المنذر بن النعمان من أشهر ملوك الحيرة.
 
ولد شكيب أرسلان في بلدة الشويفات في لبنان مركز العائلة الأرسلانية، والده الأمير حمود كان محباً للأدب والأدباء، وتجتمع إليه الشخصيات الفذة في بلده، وكان مسموع الكلمة مهيب الجانب على بسطة من الحياة والرزق والجاه، وكان مديراً لناحية الشويفات فإليه ترنو أبصار بلدته وأهله وعشيرته، تزوج من امرأة شركسية الأصل أنجبت له خمسة أولاد، أخذ بيدهم إلى العلم والثقافة وكان منهم الأمير شكيب أرسلان.
 
تعلم شكيب في بلدته الشويفات مبادئ القراءة والكتابة والقرآن على شيخ من أهل بلدته، ثم دخل مدرسة الأميركان، وتعلم فيها مبادئ اللغة الإنجليزية، ثم انتقل إلى بيروت ليتلقى دروسه في مدرسة الحكمة المارونية، والتي كانت مشهورة بتعليم أصول اللغة العربية، والفرنسية، والتركية. ونبغ شكيب في ذلك متفوقاً وبامتياز، ونال شهادتها سنة 1886، ثم انتقل إلى المدرسة السلطانية لتعلم اللغة التركية والفقه، كما حضر درس مجلة الأحكام العدلية على الإمام محمد عبده، ولازمه في مجالسه الخاصة، حتى كان للإمام عبده أثر كبير في حياة شكيب وفي تكوينه وتوجيهه، فاتخذه مثلاً أعلى لحياته، ورأى في أدبه وسيرته ودعوته للإصلاح وعمله لخير المسلمين طريقاً يسلكها، وشعاراً يرمي إليه، ونهجاً يسير فيه، حتى غدا يقلده في خطابه وفي آثاره ومقالاته.
 
نظم شكيب أرسلان الشعر وهو في منتصف العقد الثاني من عمره، وظهر نبوغه في الكتابة وغطت على شعره، فبدأ يراسل جريدة الأهرام المصرية بتوقيع (ش) وظل على ذلك سنين فاستفاضت شهرته، وفي عام 1887 نشر ديوان شعره الأول وأسماه الباكورة.
 
سافر شكيب إلى مصر وعمره إحدى وعشرون سنة، ولازم أستاذه محمد عبده وتعرف من خلاله إلى أرقى الشخصيات في مصر، وإلى مجموعة من طلائع النهضة العربية منهم: سعد زغلول، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، وكذلك أحمد زكي باشا الذي أصبح شيخ العروبة في تحقيقاته وكتبه وأدبه. وتعرف إلى كثير من الشعراء والأدباء والساسة تضيق عن استيعاب أسمائهم وأمجادهم سطور وسطور، وكان لهذه البيئة أثر في حياة شكيب حيث كانت تمثل أكبر جامعة من الجامعات دخلها وخرج منها على اطلاع وثقافة وسياسة فزادته يقيناً برسالته التي راحت تراود أحلامه وأمانيه، وهي رسالة الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن الخلافة والذود عن العرب ومناضلة الاستعمار.
 
سافر شكيب إلى باريس وهناك تعرف على الشاعر الكبير أحمد شوقي، كما تعرف على جمال الدين الأفغاني في الآستانة والذي قال له: (أنا أهنئ أرض الإسلام التي أنبتتك)، واتصل بالشيخ محمد رشيد رضا وامتدت صداقتهما حتى وفاة الشيخ.
 
تولى شكيب مديرية الشويفات مدة سنتين بعد وفاة والده الذي كان يشغل هذا المنصب ثم مدير منطقة الشوف مدة ثلاث سنوات، كما عُين نائباً في مجلس المبعوثان العثماني مرة عن اللاذقية ومرة أخرى عن منطقة حوران، وعُين مفتشاً لجمعية الهلال العثماني، وسافر تحت لواء هذا الهلال إلى طرابلس الغرب للدفاع عن إخوانه هناك فكان يحث الهمم ويؤمن المؤن ويضمد الجرحى، كما وقف في خطوط القتال مؤمناً بأنه: (إن لم ندافع عن صحارى ليبيا، لا نستطيع الحفاظ على جنان الشام).
 
دعا شكيب إلى الجامعة الإسلامية في ظل الحكم العثماني، ووقف في وجه التعاون مع الغرب ـ خاصة مع فرنسا وإنجلترا ـ ضد الدولة العثمانية، واعتبره أشد خطراً على الإسلام والعرب، وكان يدعم الخلافة العثمانية في مقالاته في جريدة (الشرق) ويدعو إلى نصرة الإسلام ضد الغرب المستعمر، ويعمل على وحدة المسلمين والإبقاء على سمعة الخلافة العثمانية وقوتها وسيطرتها كما كانت في عهد الأمويين والراشدين.
 
وبالرغم من دفاع شكيب عن الخلافة العثمانية قبل وفي ظل الحرب العامة، إلا أنه أخيراً استاء من سياسة القائد العثماني جمال السفاح، الذي طغى وبغى وقتل ونفى وهجر حتى طفح الكيل، حيث أنقذ الأمير شكيب من مظالم جمال باشا العديد من الشخصيات السورية واللبنانية نذكر منهم فارس الخوري الذي ظل حتى آخر حياته يذكر أن شكيب أرسلان أنقذه من الموت. ثم توترت علاقات الأمير بجمال باشا لتكاثر تدخلاته، وهُدد مراراً بعدم التدخل، وقد نصحه الكثيرون ألاّ يتمادى في التدخل حرصاً على حياته. فهاجر من سورية إلى استانبول سنة 1917، وقرر ألا يعود إلى سورية وجمال السفاح فيها.
 
دعته الحكومة الألمانية في نفس العام لزيارة عواصمها، فلبى الدعوة، وهناك وُفق في إقناع الألمان وساسة الأتراك في إرجاع جمال السفاح إلى الآستانة. وبهذا خدم شكيب قومه وأنقذ البقية الباقية من الزعماء السوريين من حبل المشنقة، كما خدم بلاده في إعادة منفيي سورية إلى أوطانهم.
 
لما انتهت الحرب العالمية بإخفاق الألمان والأتراك، انتقل شكيب إلى برلين وأقام هناك حيث أسس العديد من الجمعيات وانتخب رئيساً لـ (النادي الشرقي) الذي هو مؤسسه. وهناك نهج سياسة جديدة، فبعدما وقف من الثورة العربية أول الأمر موقف المخالف لأنها كانت ضد الخلافة العثمانية فلما انتصرت وعُين فيصل ملكاً، نراه يشد أزر مليكهم وينتصر لهم ضد دسائس المستعمرين الأوربيين، وأصبح ينادي بأنه جندي من جنود الأمة العربية له ثلاثة أهداف جليلة واضحة أولها: الاتحاد، وثانيها: التحرر، وثالثهما: السير في موكب النهضة والعلم. وكان يعرب عن أمله في مستقبل العرب والجامعة العربية فيرى أن ستين مليوناً يستطيعون أن يجندوا حوالي مليون جندي على الأقل لحماية الجامعة العربية.
 
وقد عرف الملك فيصل إخلاص شكيب للقضية العربية، ورأى أنه كان يعمل للعرب تحت ظل الخلافة الإسلامية. فلما قضت الخلافة راح يعمل لهم تحت ستر الإسلام ضد الاستعمار. فلما دخل الفرنسيون سوريا أيقن العرب صدق آراء شكيب إزاء الاستعمار، وهو الذي كان يقول: (هذا الاستعمار استمراراً للغزوة الصليبية، تغيرت الأسماء والألقاب أم لم تتغير). لذلك وجه له الملك فيصل بعد سقوط عرشه رسالة يقول فيها: (أشهد بأنك أول عربي تكلم معي في قضية الوحدة العربية).
 
وكانت تغلب على مبادئ الأمير شكيب الصبغة السياسية لأنه كان يرى أن إصلاح السياسة يصلح كل شيء. وهذا الإصلاح في السياسة قد انحصر عنده منذ بدأ مساهمته في الدعوة للجامعة الإسلامية حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى أي مدة ربع قرن في نقطتين الأولى: إصلاح الحكم الاستبدادي في الدولة العثمانية وفي سائر الدول الإسلامية الأخرى، وتقويم المعوج في شؤونها الداخلية. الثانية، تخليص الشعوب الإسلامية الواقعة تحت الحكم الأجنبي. وقد ظلت هذه النقطة الثانية  مدار عمله في هذا الميدان حتى النفس الأخير من حياته.
 
انتخب شكيب سكرتيراً أولاً للوفد المنبثق عن المؤتمر السوري الفلسطيني عام 1921 وعضواً في لجنته التنفيذية ليكون سفيراً لهم في الغرب يدافع عن سورية وفلسطين ويسعى لتحرير هذين القطرين من براثن الاستعمار ويسعى لاستقلالهما أمام جمعية الأمم المتحدة بجنيف. لذلك انتقل شكيب عام 1925 إلى سويسرا مقر عمله وأقام في لوزان أولاً حتى عام 1930 قبل انتقاله إلى جنيف. وقد نجح وفد المؤتمر السوري الفلسطيني في إفهام القضية السورية الفلسطينية، وأثارها في العواصم الأوروبية، ونبه أنظار الأمم إلى جرائم فرنسا في بلده، وجرها إلى مراقبة أعمالها، وتحذيرها من مغبة فسادها، فنقل بذلك أصوات السوريين إلى جمعية الأمم في جنيف وأقض مضجع المستعمرين.
*************************http://www.syrianstory.com/arsslanne.htm***
 
يتبع......        
*abdelhafid
8 - أغسطس - 2007
................. أمير البيان أمير القلم    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
ذاع صيت شكيب في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، وأصبح موضع ثقة العرب جميعاً ومحل احترامهم وإكبارهم، وزال عنه كثير من التهم التي كانت تلصق به في العهد العثماني بسبب وقوفه في وجه العرب المعادين للخلافة العثمانية، ولقي في سبيل هذه الشهرة عناء كبيراً، إذ راح العرب والمسلمون يكاتبونه ويسألونه ويشتكون إليه، وكان عليه بعد أن زحف نحو الستين أن يجيب من يعرف ومن لا يعرف بقلمه السيال وبيانه الفياض، فأصبح في كل ناحية له رسالة من خطه تنير أو تفيد في فتوى سياسية أو تعين في مشورة.
 
 انتخب شكيب أرسلان سكرتيراً لمؤتمر الشعوب المقهورة في جنوى، وفي عام 1923 ـ 1925 أقام في مرسين بتركيا ليكون على مقربة من سورية المتحفزة للثورات، وللقاء والدته وعائلته هناك. في عام 1926 نال شكيب أرسلان الجنسية الحجازية (السعودية لاحقاً).
 
كما انتخب شكيب في تموز 1926 في لجنة رئاسة مؤتمر الخلافة، وحركة مؤتمر الخلافة حركة إسلامية عارمة ثارت بعد قرار كمال أتاتورك إلغاء الخلافة في آذار 1924 وقطع روابط تركيا بالعرب والمسلمين.
 
دعاه عرب المهجر في أمريكا الشمالية إلى ترؤس مؤتمرهم المنعقد في (ديترويت) فلبى الدعوة عام 1927، وسافر إلى أمريكا بعد أن طاف في روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وأخذ يغذي الصحف العربية في كل مكان، وراح ينشر مذكراته في جريدة (مرآة الغرب) بنيويورك، تحدث فيها عن جمال السفاح ومقاومته له وردعه إياه عن فظائعه المنكرة في قتل الأحرار من العرب، وتحذيره لهذا الضابط المتكبر من نتائج أعماله على الدولة العثمانية وعلى رابطة العرب والترك.
 
في سنة 1929 ترك شكيب سويسرا ليحج إلى بيت الله الحرام، في سنة 1930 قام برحلة إلى أسبانيا، فجاس خلالها مدنها وقراها، وصافحت عيناه جدران الأندلس الحلوة ، فنقلها صوراً بارعة ورسوماً باكية ضاحكة إلى كتابه (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية).
 
كما وأنشأ في هذه السنة مجلة باللغة الفرنسية سماها (الأمة العربية) شهدت له بالنضال في سبيل العرب، والعمل لاستقلالهم، والانتصار لثوراتهم في كل مكان وتحريضه إياهم على الكفاح والنضال والإشادة بأبطالهم وبطولاتهم، غير مبال بغضب الإنجليز والفرنسيين.
 
وللأمير شكيب أياد بيضاء في محو كثير من أسباب سوء التفاهم الذي ينشأ أحياناً بين ملوك العرب أو بين أمرائهم أو سائر رجالاتهم وغالباً ما تكللت مساعيه بالنجاح بفضل ما كان يتمتع به عندهم من نفوذ وإكرام. ففي سنة 1934 اختير شكيب في الوفد الذي شكلته لجنة المؤتمر الإسلامي في القدس لحل الخلاف بين عاهل السعودية ابن سعود والإمام يحيى، فكان لشكيب يد فضلى في جمع الشمل.
 
 ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولى قلما جاء وفد عربي إلى باريس أو لندن أو جنيف أو غيرها من العواصم ليطالب بحقوق العرب ولم يكن الأمير شكيب من أبرز أعضائه أو كبار مستشاريه، كما ندر أن عقد مؤتمر عربي عام وكان بعيداً عنه، ولم تقم ثورة في قطر عربي في المشرق أو المغرب ضد الاستعمار إلا وكان المدافع عن القائمين بها ناشراً الدعوة لها وكاشفاً الستار عن أعمال المستعمرين في أوطانه.
 
وذكر عنه أنه قابل مع صديقه إحسان الجابري موسوليني، وباحثه في موضوع القضية الطرابلسية، وأقنعه بإعادة 80 ألف عربي لوطنهم في ليبيا وإعادة أراضيهم.
 
خطر لشكيب أرسلان عام 1936 أن يجمع ما كتبه من بحوث سياسية ومذكرات واحتجاجات ونداءات، وما كان يوزعه على وفود جمعية الأمم المتحدة ورجالها من خطابات، فوجد أنه يقع فيما يقارب العشرين مجلداً، وأنه يتعذر عليه طبعه فأهداه جميعاً إلى نظارة الخارجية السورية.
 
قال شكيب أرسلان عن نفسه أنه (لا يضيع دقيقة واحدة من وقته، وأنه يتلقى أكثر من ألفي مكتوب في دور السنة، فيجيب عليها كلها، ويكتب زيادة عليها مائتين إلى مائتين وخمسين مقالة في دور السنة. وينشر من التآليف بضعة آلاف من الصفحات المطبوعة تأليفاً). عرّفه خليل مطران بـ (إمام المترسلين)، ولقبه أخوه الخبير بعلمه وفضله السيد رشيد رضا بـ(أمير البيان).
 
في عام 1935 ترأس الأمير شكيب أرسلان المؤتمر الإسلامي الأوروبي الذي عقد في جنيف. وفي عام 1937 سمح للأمير شكيب بزيارة سورية، فطاف مدنها وخطب في قومه وحاضر في أندية علمية مختلفة، واختاره المجمع العلمي العربي بدمشق رئيساً له تكريماً لجهاده وإكباراً ليده، لكنه اعتذر احتجاجاً على فرنسا التي تنكرت للمعاهدة المعقودة مع سوريا سنة 1936، فاضطر للعودة إلى جنيف في ظل فترة الحرب العالمية الثانية، حيث نسج شبكة علاقات واسعة مع السوريين في أمريكا اللاتينية، فراسلهم وكتب المقالات في مجلاتهم ووجه خطواتهم في عقد المؤتمرات وتشكيل الجمعيات، كما شارك في الخطوات السياسية للزعماء العرب المعادين لفرنسا وبريطانيا والساعين لاستقلال ووحدة البلاد العربية، وأبرزهم الحاج محمد أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وعلال الفاسي ومصالي الحاج الزعيم الجزائري، وغيرهم في المشرق والمغرب على السواء.
 
الأمير شكيب أرسلان من الدروز وهو يعتز بهذا النسب ويقول: (والدروز فرقة من الفرق الإسلامية أصلهم من الشيعة الإسماعيلية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة، وهؤلاء هم من جملة المسلمين، وهم مسلمون ويقيمون شعائر المسلمين ويتواصون بمرافقة الإسلام والمسلمين في السراء والضراء، ويقولون إن كل من خرج عن ذلك منهم فليس بمسلم).
 
أما الأمير شكيب فقد كان شخصياً يتعبد على مذهب أهل السنة، فيصوم ويصلي ويزكي ويحج كما يفعل جمهور المسلمين. قال الشيخ سليمان الظاهر: (بأن الأمير شكيب كان المسلم الحقيقي الذي عرف أن الإسلام عقيدة وعمل وأنه دين إنساني عام لا دين شعوبية وقبلية وعصبية وإقليمية ولا دين أجناس وألوان).
 
موقف الأمير شكيب من الطائفية وكيف عالج الموقف:
بعد الحرب الطائفية في لبنان عام 1860 بين المسيحيين والدروز، كان النظام الجديد للبنان والذي تبناه ممثلو الدول الأوروبية الست الكبرى (فرنسا، إنجلترا، روسيا، ألمانيا، النمسا وإيطاليا) والباب العالي في حزيران 1861، كان مؤاتياً للطائفة المارونية، ويقوم على الاعتراف بالمبدأ الطائفي وتشجيعه له، فوفقاً لهذا النظام منح لبنان الحكم الذاتي المحلي في ظل حاكم مسيحي عثماني هو المتصرف، وكان نظام المتصرفية هذا وما يتبعه من تنظيم للقائمقاميات الطائفية لمصلحة الموارنة، وبسبب تهميش هذا النظام الجديد لجبل الدروز، حيث ظل الدروز على هامش التطور الاقتصادي الذي عرفه الموارنة بفضل الدعم الخارجي لهم، من الطبيعي أن يرى الأمير شكيب بأن الواجب يقتضي تدعيم موقع الأسرة الأرسلانية الدرزية في هذه القائمقامية، وأن يكون عل رأسها من يحمل تاريخ العائلة الفعلي ويجسد تراثها العربي الإسلامي ومن يعمل على التحام الدروز بالدولة العثمانية وتحقيق الذوبان الاستراتيجي للدروز وسط المحيط الإسلامي والسوري الأوسع. لذا نجد الأمير شكيب غاص في الصراعات الحزبية الجبلية الضيقة في السنوات 1892 ـ 1908، وقام بعدة مأموريات   عام 1902 في جبل حوران لإقناع الثوار الدروز هناك بالرجوع إلى طاعة الدولة العثمانية، وكان حاسماً وواضحاً في موقفه من ضرورة وحدة الدروز والتفافهم حول الدولة في تلك المرحلة، التي تميزت على حد وصف جميع المراقبين والباحثين بضعف الدروز وقوة الموارنة.
 
قام الأمير شكيب بجهود جبارة في توحيد القوى لإدراج جبل الدروز ضمن إطار الدولة، فقد أقام تحالفاً بين العائلات الدرزية والعائلات اللبنانية، وهذا التحاف قام بالحركة المعروفة باسم (المظاهرة الكبرى) حيث توجه وجهاء هذه العائلات على رأس وفود من أعيان البلاد من جميع الأقضية والطوائف إلى بيت الدين مطالبين بشمول الدستور لجبل الدروز... ثم تحولت هذه المظاهرات إلى حركة عصيان جماهيري أرغمت المتصرف المسيحي على إعلان الدستور في جبل الدروز. وكان من النتائج المباشرة لهذه الحركة عزل كبار المأمورين الذين كان المتصرف يعتمد عليهم، وتعيين مكانهم أشخاص من التحالف أو الحزب المؤيد للأمير شكيب ومن جملتهم تعيين الأمير نفسه قائمقاماً لمنطقة الشوف.
كان الأمير شكيب قد تزوج عام 1916 من السيدة سليمى بنت الخاص بك حاتوغو وهي قفقاسية ومن سكان منطقة السلط في الأردن، وأنجبت له: ولده غالب عام 1917 في جبل عالية بلبنان، ومي عام 1928 في لوزان، وناظمة عام 1930 في جنيف.
عاد شكيب أرسلان إلى بيروت في 30 تشرين أول 1946، فمتع نظره بمشاهدة وطنه حراً مستقلاً طليقاً من الاحتلال والاستبداد ـ إلا أنه تحالف عليه مرض تصلب الشرايين والنقرس والرمل في الكليتين، وثقل الثمانين عاماً، فلم تطل مقاومته فلفظ أنفاسه الأخيرة ليلة الاثنين في 9 كانون أول 1946.
ودوى النبأ الفاجع، فهرع الأمراء الأرسلانيون إلى بيته يرسلون إليه النظرة الأخيرة لوداعه، وهبت بيروت ودمشق إلى داره، وساد وجوم رهيب في أنحاء العالمين العربي والإسلامي لموته، وشيع في اليوم التالي بموكب مهيب وصلي عليه في الجامع العربي ببيروت، وسار في صدر هذا الموكب الحاشد رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك الشيخ بشارة الخوري، ونقل جثمان الراحل إلى مسقط رأسه في (الشويفات) فعاد إلى الربوع التي عرفته صبياً يافعاً. وقد كان فيمن رثاه الدكتور مصطفى السباعي بقصيدة صادقة مطلعها:
         سلام عليك أبا غالب         أمير البيان أمير القلم
           **http://www.syrianstory.com/arsslanne.htm
*abdelhafid
8 - أغسطس - 2007
 1  2  3  4