 | لكن عيبي أن مطلعي الغرب..     ( من قبل 5 أعضاء ) قيّم العلامة عبد الله كنون وليس جنون كما زعم المتحذلق ألا ما أقبح هذا الكلام ..وما أفجره.. ولم يَقتل النبوغَ شيءٌ كعمل هذا المنخوب في هذه الأمة التي تملأ أقطارها غرب آسيا وشمال أفريقيا, فليس إلا فأسا تهوي ومنشارا يصرم, وعصبية تحلق وتمحق, فلا ترى لغير قبيلها موضع كرامة ولا مقام فضل. وإن تعجب فعجب من أغيلمة الزمان, لا يكاد أحدهم يعقد الحبل في شيء من مبادئ العلم, حتى يتوثب مستعلنا عن نفسه بكلام أشبه ما يكون بنأنأة القرد الخرِف إذا فغر فاه ليتثاءب. فانظر إلى هذا المتحذلق ماذا أوحى له شيطانه وزينَ في ساعة يأس تبلد فيها احساسه, وضاقت فيها مذاهبه, فنحى بصرَه إلى الخريطة فنظر ثم حملق ثم أمعن في التحديق فلم ير فيها غير بلاد المغرب مرسوما عليها بخط عريض : غباء وبلادة وفساد طريقة. فجاء بهذا الكلام من تلك الحالة, وجعل جهازه العصبي يماده بالغث من الأفكار, والرذال من الرأي, فلا يخرج من قبيح إلا إلى أقبح منه, ولا يتخلص من منكر إلا إلى أنكر منه. وهذا شأن عجيب لا تقام عليه حدود البرهان ولاحجج التاريخ, وإنما حدود الجنايات العظيمة المغلظة, التي تستوجب التعزير وما فوق التعزير, إذ أن الرجل عمد إلى ركن شديد عتيق, وثيق الأطناب, متين الأوتاد, وجرده من ميزته وهي الاستقلال, فرماه بالتبعية, ودار دورة هزلية ليستنكر قرن النبوغ بأهل المغرب, ثم يتوغل في الشطط ليطعن على المغاربة في سلائقهم وجودة بيانهم. إنا لله..فأي حق رفع وأي باطل وضع.. وليت صاحبنا تسمى باسمه أو انتسب إلى قبيله, حتى نعرف أهو من نوابغ بني جعدة أم نوابغ بني ذبيان, أم هو ضرب آخر من النبوغ ذاك الذي نبغ في تجريد الشعوب والأمم من فضائلها ومعانيها جميعا, وضرب محاسنها بمعاوله, ورمي مآثرها بمشاقصه. وليت شعري من أسوء منه حالا وأردى مآلا?? وكذب الذملقاني في ما اختلق من الإفك ورمى به من الزور, وإني لأعلم الباعث على مثل هذه الغذمرة الطائشة, غير انحطاط الرأي وضعف المنة, فإنما هي العصبية المشرقية, التي تأخذ مأخذها في نفوس بعض المشارقة, حتى تخرج بهم عن نهج العقل وسبيل النصفة إلى العنت في الرأي ومجاوزة الحد في الذم. وكأني بصاحبنا جمرة متوقدة تغلي حنقا فتتدحرج على ثوب حضارتنا فلا تمر بمكان إلا تركت فيه ندوبها المحرقة. وأف لك..لو تعلم أنك تهدم المشرقين بهدم أحدهما..وتُذيل الأول بإذالة الثاني..فهما كالكفتين إذا فسدت إحداهما فسدت بها الأخرى وطُرح الميزان. والعقل المغربي في أدبه ونبوغه وعلمه, قائم في الحضارة العربية والاسلامية كالمنارة العظيمة تشع من كل جهاتها, وترسل نورها إلى أبعد أفق أسسته تلك الحضارة, وليس يجادل في هذا إلا أحد رجلين: مستشرق يبغي لنا الهوان, أو مستهتر يرمي بالكلام الدون, ولا يبالي أين يقع من الناس أفي محل نفع أم ضر. ولو كان رجال من ذهَبٍ لكانوا هم علماء المغرب ونبغاؤه, مفاتيح العلم ورواده, وطلاب المعرفة ورهبانها, وبزاة الأدب وحماته, نهضوا بالفلسفة بعد أن قعد بها أصحابها الأولون, ووثبوا بالطب بعد أن تعاوره الجمود, وقاموا بالهندسة وعلوم الهيئة والفلك والاحياء, ووصلوا سواد ليلهم ببياض يومهم في تحرير قواعد النحو والصرف, وشرح علل اللغة وأوضاعها, وتفننوا في وضع أصول الحجاج والمناظرة, واجتهدوا في الفقه أضعاف ما اجتهد المشارقة, وقلبوه على وجوه كثيرة, واستنبطوا منه واستحدثوا فيه وزادوا عليه وأثروا في مادته, فكانوا أحق بالنبوغ وأهله . فلا تراهم في القرويين وهي أقدم جامعات الأرض: إلا منحنية أصلابهم على دفاترهم, متحلقين حول شيوخهم, وقد أكلت الأرض ركبهم, وتلطخت بالمداد برانسهم, وهم إلى ذلك مستقلين الكلال في جنب الله, مستخفين بالنصب في سبيل الأمة. ولست عدادا رقميا فأحصي لك أسماء النابغين من المغاربة عربا وبربرا من أهل الاسلام وأبناء الذمة على تطاول الزمن, فهي أكثر من أن تحصى, وتزيد عدا على حبات الحصى, وهي في الوراق ملأ السمع والبصر, وما أعماك عنها إلا الجهل والعصبية, وإنما أُوجهك إلى (النبوغ المغربي نفسه) -إذ تقاصرت همتك وتصاغرت منتك عن مولفات الأقدمين- فقد حوى في أجزائه: أسماءهم وآثارهم المخلدة في العلم والأدب والسياسة من دولة الأدارسة إلى عهد العلويين,وأظهر وجه النبوغ, وأبان عن طريقتهم, وميزاتهم التي ينمازون بها عن غيرهم, ونزوعهم إلى الاستقلال سياسة وفكرا, كما أنحى ببعض اللوم على المشارقة, الذين تقاعسوا وقصرت بهم عزائمهم عن ادراك ذلك النبوغ وتفهمه والافادة منه, فكان من أعراض هذا التغافل نسخا متكاثرة من الجهالات, ولفافات محشوة بسوء الظن والجراءة والزعم والدعوى العريضة كالتي تلف مخ صاحبنا . كما لم يُبرئ المغاربة من الجناية على أدبهم وعلومهم بإهمالهم وقلة اكتراثهم بنشره حتى ضيعوه, وأوقعوا الغير في الجهل بهم والتقول عليهم. وليس الكتاب تحت يدي اليوم, وإلا لنقلته في مجالس الوراق فصلا فصلا. و لما ظهر الكتاب أول مرة كرهته نفوس الشانئين و المحزبين وتألبوا عليه, فأجلبوا وضجوا وشغبوا وأنكروا, وركبتهم الشياطين من كل قطر, ولبستهم أبالسة العصبية في كل أمة, فخلطوا وخبطوا, كدأب الذي أسلس المقادة إلى الجنون وما وراء الجنون, وركب رأسه, فلا يزال ينحط من رشد إلى حمق, ويخرج من حلم إلى نزق...فاللهم الهمنا العدل في القضية.. أما من كان منهم منصفا, وهم كثر ولله الحمد, فقد هنأوا الأستاذ به, وأثنوا عليه ثناء يرن رنينا, وأظهروا الاعجاب به, وأقروا بما جاء فيه, ومن هؤلاء المنصفين من هو حجة من الحجج على الناس, فهذا كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان كتب مقالا نشر في جريدة الوحدة المغربية في عدديها:422 و423 جاء فيه: '' من لم يقرأ النبوغ المغربي في الأدب المغربي فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي، بل هذا الكتاب في موضوعه أجدر بالإطلاق الشامل من كتاب'نفح الطيب' للعلامة ابن المقري...فأما النبوغ فهو خلاصة منخولة، وزبدة ممخوضة، استخلصها صاحبها من مئات الكتب المصنفة، وألوف من الأحاديث التي لقفها من أفواه العلماء الذين أخذ عنهم''.ثم يقول: إن الكتاب مزج بين :'' الحركات الفكرية والحركات السياسية مزجا عجيبا، حقق فيه الصلة الطبيعية التي لا تكاد تنفك في كل دور من أدوار الأمم بين العلم والسياسة، بحيث لا يرقى الواحد منها إلا برقي الآخر '' ثم يشير إلى حالة التقاطع والتباعد بين العدوتين وضعف الأخوة الاسلامية بسبب الانحطاط وتكالب الاستعمار, مما انتهى بالمشارقة إلى التنكر لمساهمات المغاربة والجهل بأحوالهم فلم يعد: '' الأخ يعرف شيئا عن أحوال أخيه، فقد عهدنا عندما كان الإسلام إسلاما، وكانت الرجال رجالا أن الحركات الفكرية إذا شاعت بالمشرق شاعت في المغرب، وإذا نبغ شاعر أو كاتب في أحدهما تناقل الناس أقواله للآخر''. ولكن مع تطور وسائل الاتصال اليوم فإن جهل المشرقي بأحوال المغرب ومآثره يكون صاحبه:'' جديرا باللوم وحقيقا بالرثاء لقصور معارفه''.انتهى المراد من كلامه. وكنت قد نشرت منذ أشهر معدودات مقالا في موقع (الاسلام اليوم), ترجمته (بإعلام المشارقة بأعلام المغاربة), نبهت فيه الحس العام في المشرق والمغرب إلى الحاجة الماسة إلى التواصل, وأن التدابر والتقاطع قد بلغ بنا غايته, وزاد عما كان عليه في الماضي, والحق أن يد المغاربة ممدودة لتحقيق الصلة لكن يد الشرق شلاء. وأنت إذا اعتبرت العقل المغربي في جميع أطواره وجدته مواكبا للحركة العلمية والأدبية التي تتموج بها أقطار المشرق, متابعا لها, راصدا لخطواتها, مفيدا منها, ووفيا لها مقرا بفضلها,من تواليفه العامة إلى مقرراته التعليمية, لكنك إذا اعتبرت ذلك في العدوة الأخرى لما وجدت شيئا ذا قيمة, وما هو إلا همس خفيف, بل إنك إذا سألت بعض صفوتهم عن: علال الفاسي, والمختار السوسي, ومحمد بن العربي العلوي, وأبي شعيب الدكالي, وأحمد العياشي سكيرج, وابن باديس, والابراهيمي, والثعالبي, والحجوي, وكنون, والهلالي.. وغيرهم من رواد النهضة العربية والاسلامية الحديثة ومن كبار المألفين- لطلسم وجهَه, وتقبضت أطرافه, وجعل يمسح ناصيته بيده, وكأنك صككته بطلاسم وأسماء من وضع الكهان. وإذا كانوا يزعمون أن الشرق أصل والمغرب فرع عنه, وأنا أقر لهم بذلك إلى حد ما, وهو فخر وأي فخر, فمن عادة الأصل أن يحنو على فرعه ويترفق به, ويتعهده بالعناية والرعاية, ويمده بأسباب النماء والحياة, لا أن يهمله وينبذه ويخذله. أما سليقة المغاربة فهي هي عند المشارقة: تشحذ بالمدارسة والتثقيف وتستصلح بالصبر والتورك على كتب اللغة والأدب, ومعالجة النحو وتوابعه, فليس ثمة في عصرنا سليقة سليمة تامة ابتداء, لا عند بدوي ولا حضري ولا مشرقي ولا مغربي ولا عربي ولا عجمي منذ هجوم اللحن على المنطق, ومداخلة اللكنة الأعجمية الألسن, فاستوى في ذلك هؤلاء وهؤلاء, فليس إلا فضل الاجتهاد والمذاكرة, وقوة المنة, ومواتاة القريحة. والقصد أن صاحبنا ومن يشاكله أتوا من وجهين لا ثالث لهما: نعرة حمقاء, وجهالة جهلاء. ورحم الله من قال: لايزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب. هذا وإني أشم في كلمات الرجل شيئا غير هذا ولا ذاك..وأرى في أثنائها معنى في غير هذه الناحية ولا تلك..وأخشى ما أخشاه أن يكون من أولئك الذين يرومون تجريد المغرب من عروبته..فدار هذه الدورة..والله أعلم بحاله. | *طه أحمد | 17 - أبريل - 2007 |