منع النساء من الكتابة
قبل أشهر طواها النسيان, نشرت في الوراق رأيا للإمام ابن حزم في طبائع النساء وأخلاقهن, فقام أستاذ فاضل يعجز من رأيي, ويعترض علي تصفحي على كلام ابن حزم. وأنا أقول إن تعليقه لم يكن تعليقا, وإنما صفعا ببسط الكف, ولم يكن ردا, وإنما قفذا في القفى, وإلا فكيف ينسب إلي ذلك الفاضل- تعنتا- أنني أرمي ابن حزم بالطعن في أعراض النساء هكذا?? وإنها لكبيرة تملأ الفم, وتجعل الدم يفور فورانا في العروق, ولا أدري ما الباعث على هذه الظنون الطائشة, والطعون الخادشة?? ولا أزيد..
وبعد ذلك جمعتُ الهمة على عقد فصل حول مذهب جماعة من الفقهاء والأدباء والوجهاء- ومنهم ابن حزم- في تصورهم الذهني للمرأة, وماهيتها, وكيانها العقلي, ووظيفتها في الهيئة الاجتماعية, لكنني اعترضتني أحوال وعاقتني أمور قطعت عني حبال البحث وحرمتنى مصادره ومواده, فاكتفيت بما دونته أوان توفر ذلك لي.
~ ~ ~ ~ ~ ~
مقدمة موجزة:
نبتت في التاريخ الفكري والأخلاقي للأمة الاسلامية, عقائد, وتصورات, عظمها لا يستنيم إلى الفكرة الاسلامية العادلة النيرة, وإنما استبدت بها الأهواء المتحكمة, وعصفت بها عواصف التقليد, وهواجس النفوس وشرورها التي تهفوا إلى السطوة والاستقواء,وغذتها ثقافات الأمم الأعجمية الداخلة في دين الله أفواجا متتابعة, باتساع الرقعة الاسلامية وتطاير الفتوحات في كل الجهات, فتضربت الفكرة بالفكرة, وأخذ العقل عن العقل, وحمل الطبع من الطبع, وتداخل الوحي بالوهم, والنور بالظلَم, وانعكس ذلك كله على مرآة الطبع, وانتقش في ألواح الشعور, وانتهى إلى التواليف والدواوين, فكان مادة مسمومة تستمد منها -من طرف خفي وستر رقيق- أحكام الفقه, ومعاني الأدب, وقوافي الشعر, وهي أبعد شيء عن فقه الاسلام, وأدب الاسلام, وشعر الاسلام.
ذكر صاحب نور النبراس أنه وقع في عهده بدمشق أن فقيها سئل هل يجوز أن يتعلم النساء الكتابة فأجابه: لا يجوز تعليمهن.
فأنت ترى تأثير الدسائس الفكرية, وروح الاجتماع, والأحوال المضطربة الناشئة من أغاليط الأمم في المرأة- على هذا الفقيه, فأفتى بتلك الكلمة العوراء التي تتملص منها كل آية في المصحف, وتتبرأ منها مبادئ الاسلام وعراه القائمة على المساواة في العلم والتعلم.
والسائل أيضا, إنما استملى سؤاله من البيئة الاجتماعية المحيطة به, لا من الدين الذي يدين به, وإلا فإن السؤال وجوابه ساقطان من اعتبار الشريعة, كضرطة عير بفلاة. ولو أن مشيئة القدر أخرتهم لهذا العهد, لما خطر ببالهما ما خطر ولو كانا من أبعد الناس نزعة, وأشدهم عنتا.
وأقرر هنا أن مناط الأمر ومعقده إنما هو الفكرة السائدة, والثقافة المتدسسة على الوحي في زمن معين, وليس الزمن نفسه, وذلك أنك إذا عكست في الماضي- عصر السعادة النبوي مثلا- ما طردت في المستقبل- لتماثلت لديك النتائج.
هذا وقد جعل بعض الباحثين هذا الفكر العليل سببا قويا في تأخر النهضة الأدبية عند نساء الشرق وتباطئها,تقول السيدة (جاكلين سلام) في دراسة لها ترجمتها 'بالقصيدة النسوية نافذة نحو أعماق الآخر':
لنسلم بلا مقدمات أن مقدرة النساء على الابداع الأدبي والعلمي أيضا لا تختلف في شيء عن مقدرة الرجال, وكانت تجربة الشاعرة نازك الملائكة جديرة بأن تضعنا أمام هذه الحقيقة لما كان لها من دور ريادي في فتح أبواب القصيدة على آفاق جديدة لتدشن وتشهد ولادة الشعر الحديث في الشرق مواكبة تجربة زملائها من المبدعين.
إذن النساء لسن قليلات عقل ورؤية ولكن ثمة قصور معلن وملحوظ حول مواكبة الكاتبات وتحديدا الشاعرات لمسيرة التجديد الحداثي.
أنطلق في مناقشتي للأسباب الكامنة وراء هذا التعثر باستعراض هذه المقولة القديمة لخير الدين نعمان أبي ثناء الألوسي في مخطوطة كتبها سنة 1898 حول:'' الاصابة في منع النساء من الكتابة'' جاء فيها: فأما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله, إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن لما كن مجبولات على الغدر, وكان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الفساد والشر, وأول ما تقدر المرأة على تأليف كلام فإنه سيكون رسالة إلى زيد أو رقعة إلى عمر وبيتا من الشعر إلى عزب وشيئا آخر إلى رجل آخر. النساء والكتب والكتابة كمثل شرير فاسد تهدي إليه سيفا أو سكير تعطيه زجاجة خمر, فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حال من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وأنفع'' ثم ينتقل إلى القول: لي مقت شديد لكل النساء المخربشات, إن إبرة الخياطة وليس القلم هي الأداة التي يجب أن يتعاملن بها, وهي الوحيدة التي هن قادرات على استعمالها بمهارة'' عن مجلة النساء '' انتهى كلام (جاكلين سلام).(1)
وأنا لا أماري في أن ما جاء على لسان العلامة الألوسي, ذخيرة جاهلية استقاها فكره من حواشي الأخبار المصنوعة, والاسرائيليات الملفقة, وكتب الأدب التي تشحذ الذهن بأيام العرب في الجاهلية, وطرائقهم في معاشرة نسوانهم, وأمثالهم المشتهرة على الألسنة إلى الآن في امتهانهن واستصغار شأنهن. وللشيطان في ذلك مسالك خفية وفجاج ضيقة يُدغل من خلالها دغاولَه للعقل على أنها من الشرع والحزم, والشرع والحزم يلعنانها ويبرآن منها.
كما أن هذا المنع من الكتابة, لم يكن متمددا في كل الأعصار, وجميع الأقطار الاسلامية, ولا يرتاب امرء له مسكة من علم في أن تاريخ الاسلام يزخر بملايين الفاضلات اللواتي اشتهرن بين الناس بالعلم, والكتابة, والرواية, والأدب, والشعر, والعلوم.
بيد أنه ينبغي مراقبة أحوال العصر, ومراعات تأثير الاجتماع في النفس الانسانية, فالعالم آدمي غير معصوم, ومهما بلغ علمه, واتسعت مداركه, وتنزه عن الهوى, وتجرد من أصفاد التقليد, فإنه لن يستطيع الخروج من زمنه إلى زمن لا يملك أسبابه ولا عدته.ولا يبعد أن (جاكلين سلام) نفسها لو كانت في محيط اجتماعي كمحيط الألوسي لما استشنعت مقالته.
إذ أن تطور الزمان علميا, وفكريا, الفضل فيه عائد إلى تلاحق الأفكار, وتراكم المعارف, لا إلى أجيال دون أجيال, أو أمة دون أمة, أو انسان في حقبة زمنية دون انسان آخر عاش في حقبة أخرى, وبعبارة أخرى أن الفضل عائد لمجموع عمل الانسانية في الحياة الدنيا, فهي بكليتها تزرع, وهي بأجزائها تجني, وتتفاوت في الافادة من الثمار, بتفاوت المدد, وتطاول العهد.
فإذا أردنا أن نعترض فكرة, أو نطعن على رأي, فلا بد أن نرد عواطفنا, ومنازعنا إلى عواطف ومنازع الزمن الذي عاشت فيه الفكرة ونمت في ظلاله, ثم نحاججها بمنطق الحق لذلك العهد, بعبارة واحدة أن نعيش بأرواحنا وأجسادنا وعواطفنا في ذلك الزمن.
هذا وإنه ظلم فاضح أن نجعل من الشبهات الناشئة من سوء فهم الاسلام, والأحوال المضطربة الناتجة عن هذا الفهم, ذريعة إلى تلويث الاسلام, وتلطيخ صورته, أو الطعن على جمهرة الفقهاء النبلاء, الذين ورثوا الأمة فقها ثريا متعدد المنازع والمشارب والأفكار, ووضعوا بين أيدي الأجيال عقلا كبيرا, يسح بالأفكار سحا, لم يستقر في ذاكرة أمة من الأمم العظمى مثله.
وأما بعد :
تابع... |