البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : اللغة العربية

 موضوع النقاش : الثنائية اللغوية وخطر زوال اللغة العربية?    كن أول من يقيّم
 ثائر 
18 - مارس - 2007
هناك نقاش قديم - جديد حول العلاقة أو الصراع بين اللغات العامية واللغة العربية الفصحى، فهناك من يعتبر العامية لغة محرفة عن الفصحى وفاسدة يجب محاربتها والقضاء عليها، وهناك من يرى أنها لغة مستقلة عن العربية ويجب دراستها واستنباط قواعدها ولها الحق في الوجود. وبين هذا الرأي وذاك نقرأ عن تهديد العامية للفصحى، وعن مستقبل قاتم للغة الفصحى ما لم نفعل شيئاً لإنقاذها قبل فوات الأوان. أعلم أن ما أقوله الآن قد قيل ونشر في العديد من المجالس، وجرت أنهار من المداد لتسطير آلاف الصفحات في هذا الشأن، لكني أعتقد أن الإستزادة من النقاش في هذا الشأن الخطير لا بد وأن يعود بفائدة، وحبذا لو ابتعدنا عن العواطف واحتكمنا إلى الكلام العلمي.
فهل اللغة العامية لغة مستقلة عن الفصحى? إذا كان الجواب بالإثبات فما هي لغتنا الأم إذن? وإذا كان بالنفي، فما هو موقع العامية في حياتنا اليومية? وكيف يمكن إنقاذ الفصحى من التدهور المريع الذي نشهده اليوم على كل الصعد? وما هي مسؤولية الدولة، والمحافل العلمية في هذا الأمر? أم أن هذا سباحة في عكس التيار? وهل الفصحى في طريقها إلى الزوال?
وأقول الصدق أنني ما كنت لأتطرق إلى هذا الموضوع في هذا المجلس الموقر لولا اطلاعي على كلمة خطيرة كتبها ونشرها على الإنترنت باحث مغربي هي خلاصة ندوة "لغة الطفل العربي في عصر العولمة" التي نظمها مؤخراً المجلس العربي للطفولة والتنمية، وهالني ما جاء فيها بغض النظر عن رأيي فيما قيل.
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
مقالة الدكتور علي القاسمي    كن أول من يقيّم
 
د. علي القاسمي
انقراض اللغة العربية خلال القَرن الحالي
(الجزء الأول) 
 
.        فتوى جديدة: العربية ليست مقدّسة، ولم يضمن الله حفظها.
.        3000 لغة تموت هذا القرن ومنها العربية، طبقاً لليونسكو.
.        سياسات الدول العربية تحقّق نجاحاً باهراً في القضاء على اللغة العربية.
 
مؤتمر عالمي ينعى العربية:
        نظّم المجلس العربي للطفولة والتنمية مؤتمراً عالمياً حول " لغة الطفل العربي في عصر العولمة" في مقر جامعة الدول العربية في المدّة من 17 ـ 19/2/2007م، شارك فيه أكثر من 500 باحث ينتمون إلى 19 دولة عربية وإلى عدد من الدول الأخرى. وهدف المؤتمر هو تدارس كيفية تنمية اللغة العربية لدى أطفالنا لتكون وسيلة فاعلة في اكتسابهم المعرفة، وتواصلهم مع تراثهم ومجتمعهم، وتعزيز هويتهم وانتمائهم، وبلورة الذات، ولتكون منطلقاً للتنمية البشرية ولغة مشتركة للأقطار العربية تساعد على تعاونها ووحدتها، كما أوضح الدكتور محمود كامل الناقة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر.
 
        بَيد أنّ البحوث التي قدّمها، إلى هذا المؤتمر، كبارُ العلماء في اللسانيات، والتربية، وعلم الاجتماع، والطب النفسي، ، كانت بمثابة رثائيات رائعة للغة العربية، وبكائيات بليغة ذُرِفت على موتها المؤكَّد القريب.
 
        وإذا كان بعض القرّاء الكرام (إذا كان هناك مَن يقرأ هذا المقال) يرى في ما سأنقله عن المؤتمر شيئاً من الكُفر أو ما يُشبه الكُفر، فإن " ناقل الكُفر ليس بكافر"، كما يقول المثل.
 
العربية ليست مقدّسة ولم يضمن اللهُ حفظها:
        يشعر كثير منا ـ نحن المسلمين ـ بأن اللغة العربية التي يبلغ عمرها ألفي عام تقريباً والتي أنزل الله القرآن بها، هي لغة مقدّسة ولا يمكن أن تنقرض كبقية اللغات. ويستدلّ هؤلاء المتفائلون على بقاء اللغة العربية بقوله تعالى في سورة الحِجر: ﴿ إنّا نحن نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظون﴾.
 
        ولكن المفاجأة الصارخة هي أن هذا المؤتمر أفتى بعدم قدسية اللغة العربية. وقد وردت هذه الفتوى في البحث القيم الذي قّدمه في الجلسة الأولى للمؤتمر فضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ الدكتور علي جمعة، الذي أوضح أن القرآن الكريم لا يشتمل على جميع اللغة  العربية من جذورٍ وتراكيبَ ومعانٍ، وإنما على نسبة ضئيلة منها (أقل من 30%  من الجذور العربية، مثلاً) وأن تلك النسبة الصغيرة في سياقاتها ودلالاتها المحددة هي التي تستمد قدسيتها من القرآن الكريم، وأمّا غالبية اللغة العربية، فليست مقدّسة، ولهذا فهي عرضة للتغيير ، وطبعاً للانقراض كذلك.
 
        وتكرّم اللغوي السعودي الدكتور أحمد محمد الضبيب (مدير جامعة الرياض سابقاً وعضو مجلس الشورى السعودي والمجامع العربية في بغداد ودمشق والرباط والقاهرة حالياً، ومن المؤمنين بضرورة تعريب التعليم العالي ولكنه لم يتمكن من تعريب التعليم في الجامعة أثناء توليه إدارتها) ـ تكرّم هذا الأستاذ الفاضل بتفسير الآية التي أوردناها سابقاً ﴿ إنّا نحن نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظون﴾، فأوضح أن الله سبحانه وتعالى لم يتعهّد بحفظ اللغة العربية أو ضمان بقائها، وإنما ضمن حفظ       " الذِّكر" (وهو القرآن الكريم). ولهذا فإن اللغة العربية يمكن أن تنقرض ويبقى الذِّكر الحكيم بشريعته. وضرب مثلاً لذلك بانقراض اللغة العربية في إيران بعد أن كانت لغة البلاد الرسمية والثقافة فيها، وبقي القرآن الكريم في تلك البلاد. والمثل ينطبق على إسبانيا كذلك، فقد انقرضت اللغة العربية هناك وبقي ثمة مسلمون يهتدون بالقرآن.
 
اللغات تضعف وتموت كما يموت البشر:
        يقول علماء اللسانيات إنه يوجد في الوقت الحاضر ما بين 5000 و6000 لغة (طبقاً لنوعية التصنيف واحتساب اللهجات أو عدمه). وتشير الإحصائيات العلمية أن ما بين 250 و 300 لغة تنقرض سنوياً بفعل سرعة التواصل والميل إلى استعمال اللغات العالمية الأكثر فاعلية. وهذا ما يسميه بعضهم بالغزو الثقافي أو اللغوي. وبعملية حسابية بسيطة، يتبيّن لنا أن القرن الميلادي الحالي سيشهد اندثار حوالي ثلاثة آلاف لغة، أي نصف لغات العالم.
 
وقد أكدت منظمة اليونسكو ذلك فقد " أسفر أحد تقارير اليونسكو الأخيرة عن أنّ عدداً من لغات العالم مهدّدة بالانقراض، ومن بينها اللغة العربية"، كما ورد في مداخلة اللغوي المصري الدكتور رشدي طعيمة، المعروف بتديّنه ودماثة خلقه. ولكي يُعزز الدكتور طعيمة أقواله ويضفي عليها المصداقية، أشهر في وجه المؤتمرين كتاباً ألّفه اللساني البريطاني ديفيد كريستال بعنوان " موت اللغة "
(David Crystal, The Death of Language) صدر عن مطبعة جامعة كمبرج. ويعدّد هذا الكتاب تسعة شروط لموت اللغة. وجميع هذه الشروط تنطبق على اللغة العربية في وضعها الراهن، وفي مقدمتها شرط انتشار لغة الغالب في بلاد المغلوب وحلولها محلّ لغته التي هي من مقوِّمات الأُمّة. وهذا مبدأ معروف في علم الاجتماع أرساه المرحوم ابن خلدون في "المقدِّمة" بقوله: إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده ... إن الأمّة إذا غُلِبت وصارت في ملك غيرها، أسرع إليها الفناء."
 
لعنة الازدواجية اللغوية:
        تعني الازدواجية اللغوية وجود مستويَين للغة الواحدة: أحداهما مستوى اللغة الفصيحة أو المشتركة الذي يُستخدَم في المناسبات الرسمية والكتابة والأدب والتعليم والإدارة،  والآخر مستوى اللغة العامية أو اللهجات الدارجة الذي يُستعمل في الحياة اليومية وفي المحادثات في المنزل والشارع. وكان أوّل من بحث هذه الظاهرة اللغوية في العصر الحديث اللغوي الأمريكي تشارلز فرغيسون Charles Ferguson ونشر بحثه عنها عام 1959 في مجلة " اللغة " الأمريكية "Language". وأكد هذا اللغوي أن الازدواجية ظاهرة موجودة في جميع اللغات الكبرى. فالانجليزية في بريطانيا، مثلاً، لها لهجات متعددة في ويلز واستكلندة وإيرلندة الشمالية وحتى لهجة الكوكني في لندن، إضافة إلى لهجات الإنجليزية خارج بريطانيا كاللهجة الكندية والأمريكية والاسترالية والنيوزلندية والجنوب أفريقية إلخ. وكذلك الحال بالنسبة للغات الفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرهما.
 
        ولكن اللغويين لا يتوقعون أن تحلّ لهجات اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية محلّ هذه اللغات في حين يتوقعون أن تحلّ، في المستقبل القريب، اللهجاتُ المصرية والعراقية والمغربية إلخ. محلَ اللغة العربية الفصيحة التي ستنقرض كما انقرضت اللغة اللاتينية في أوربا واستُعيض عنها بلهجاتها الإيطالية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية إلخ. التي صارت لغات مستقلّة.
 
        ونسأل لنتعلّم: وما هو الفرق بين الازدواجية في اللغة العربية والازدواجية في بقية اللغات العالمية? فيأتينا الجواب من العارفين بالقول: إن الفرق هو في الكم وليس في الكيف، بمعنى أن الفارق بين اللهجات الإنجليزية وبين اللغة الإنجليزية الفصيحة، مثلاً، هو فارق ضئيل جداً لا يحول دون الفهم، على حين أن الفارق بين اللغة العربية الفصحى ولهجاتها فارق كبير جداً. ونسأل لنستفيد: وكيف أصبح الفارق بين تلك اللغات العالمية ولهجاتها ضئيلاً? يجيب العارفون بأن الدول الغربية اتبعت ـ وتتبع دائماً ـ سياسات لغوية تفرض استخدام اللغة الفصيحة المشتركة في التعليم والإعلام والإدارة والتجارة وجميع مجالات الحياة، فيعتاد المواطنون على سماعها وقراءتها فيتمكنون منها وتقترب لغتهم الدارجة من اللغة الفصيحة. وفي فرنسا، مثلاً، يوجد فانون يعاقب مَن يُخطئ باللغة الفرنسية في الإذاعة أو التلفزة أو المدرسة، لأنه يُفسد لغة الأطفال وغيرهم.
 
        وقد ذكر كثير من الباحثين في المؤتمر أن السياسات اللغوية للدول العربية تميل إلى تفضيل اللهجات العامية واللغات الأجنبية في مجالات الحياة المختلفة كالإعلام والتعليم، وتشجّع العاميّة في الإذاعة والتلفزة ولا تمنعها أو تقلل منها. (وكاتب هذا المقال يرى أنه لا توجد سياسات لغوية مُعلَنة في الأقطار العربية، ما عدا ما ورد في دساتيرها من أن العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، ولكن ليس ثمة قوانين أو أنظمة لتفعيل ذلك). ويرى أولئك الباحثون أن هذه السياسات اللغوية للدول العربية تجعل لغة الكتاب العربية الفصيحة لغة غريبة نادرة الاستعمال يصعب استيعابها فلا يُقبل المواطنون على القراءة. وأدى ذلك، إضافة إلى أسباب أخرى كانتشار الأمية، إلى انخفاض نسبة القراءة وانحسار المعرفة في المجتمعات العربية. إذ تشير الإحصائيات إلى أن معدّل القراءة في إسرائيل هو 40 كتاباً للفرد الواحد (طبعاً باللغة العبرية، وهي لغة ميّتة تحييها دولة إسرائيل)، وفي معظم الدول الغربية 35 كتاباً للفرد، وفي السنغال 4 كتب للفرد، وفي بلادنا كتاب واحد لكل 80 فرداً (طبعاً باللغة العربية، وهي لغة حيّة تُميتها الدول العربية)، كما ورد في بحث الدكتور عبد الله الدنان من سوريا.
 
لعنة الثنائية اللغوية:
        تعني الثنائية اللغوية توافر لغتين في البلاد الواحدة، أو تحدُّث الفرد بلغتين مختلفتين، هما، بوجه عام، اللغة القومية ولغة أجنبية، أو اللغة القومية ولغة وطنية أخرى. ويتفق هذا المؤتمر على أن تعلّم اللغات الأجنبية ضرورة يستدعيها الانفتاح على الثقافات الأخرى أخذاً وعطاء والتعاون معها في سبيل خير الإنسانية. ولكن المؤتمر يؤكّد، من ناحية أخرى، أن إيجاد مجتمع المعرفة اللازم لتحقيق التنمية البشرية لا يمكن أن يتم إلا باكتساب المعارف والعلوم باللغة القومية التي تساعد على تعميم المعرفة العلمية والتقنية على نطاق واسع. فاللغة هي وعاء الفكر وهي الحاضنة له بدرجاته المتنوعة وصولاً إلى الإبداع، وهي وسيلة التواصل بين أفراد المجتمع ومؤسساته المختلفة وتبادل المعلومات والأفكار بينها. فهي كالعُملة في التبادل التجاري. وكلّما كانت العملة قوية وموحدة في البلاد، أصبح التبادل التجاري أيسر وأكثر نشاطاً.
 
 
(نقلاً عن موقع كيكا على الإنترنت، ويمكن الرجوع إلى الرابط وهو:
 
 
*ثائر
18 - مارس - 2007
الجزء الثاني    كن أول من يقيّم
 
د. علي القاسمي
انقراض اللغة العربية خلال القَرن الحالي
(الجزء الثاني) 
 
 
وقد قُدّمت بحوث في المؤتمر عن تجارب بلدان بلغت شأواً رفيعاً من التقدم والرقي بفضل نشر المعرفة بلغتها القومية. فقد ذُكِر أن اليابان استسلمت في الحرب العالمية الثانية تحت وطأة القنابل الذريّة الأمريكية، ففرض الأمريكيون شروطهم المجحفة على اليابان المستسلمة، مثل تغيير الدستور، حلّ الجيش، نزع السلاح، إلخ. وقد قبلت اليابان جميع تلك الشروط باستثناء شرط واحد هو التخلي عن لغتها القومية في التعليم، فكانت اللغة اليابانية منطلق نهضتها العلمية والصناعية الجديدة.
 
 وقدم الدكتور يوسف عبد الفتاح، الاستاذ بجامعة هانكوك للدراسات الأجنبية في كوريا الجنوبية دراسة عن كيفية اعتماد اللغة الكورية أساساً للتنمية البشرية (للتذكير: تحتل كوريا الرتبة 26 في تقرير التنمية البشرية 2006 للأمم المتحدة، وللمقارنة فإن ألمانيا تحتل الرتبة 21، ومعظم الدول العربية تحتل بجدارة الرتب ما بعد 120). وأشار الباحث إلى أن التعليم، في مختلف مراحله ومتنوّع تخصّصاته، يتم باللغة الكورية الفصيحة، مع العلم أن اللغة الكورية كانت قد مُنعت في المدارس الكورية وحلّت محلها اليابانية أثناء الاحتلال الياباني لكوريا الذي انتهى في الحرب العالمية الثانية. وتوجد في كوريا حالياً 110 قنوات تلفزيونية كلّها خاصة إلا قناة حكومية واحدة، " وجميعها تبثّ باللغة الكورية الفصحى السليمة " (طبقاً للسياسة اللغوية للدولة وتحت مراقبتها). ومن الطرائف التي ذكرها الباحث أنه عند وصوله أوّل مرّة إلى كوريا لم يعرف طريقه، لأن جميع اللافتات وأسماء المحلات بالكورية فقط والنادر منها، كلافتات السفارات والفنادق الكبرى، يضيف الاسم بالحروف الأجنبية الصغيرة تحت الحروف الكورية الكبيرة. وعندما سأل زميلاً له عن ذلك، أجابه فائلاً: إذا أردت أن تقرأ الأسماء بالإنجليزية فارحل إلى إنجلترا. وعندما ذهب إلى عيادة طبيب كان عليه أن يصطحب مترجماً. وسأل الأستاذُ المترجمَ: لماذا لا يتحدث الطبيب اللغة الإنجليزية? قال المترجم: وماذا سأفعل أنا? 
 
        إن الثنائية اللغوية في بلداننا تشكّل صراعاً غير متكافئ بين لغة قومية تلقى من أهلها أصناف الاحتقار والإهمال والتهميش، بل والتدمير، وبين لغة عالمية وافدة    " بكل سطوتها الثقافية وسلطتها الاقتصادية وهيمنتها الدولية، كما قال الشاعر المغربي الدكتور مصطفى الشليح في المؤتمر، فتلقى هذه اللغة الأجنبية الترحيب والتعظيم في بلداننا، وثمة " عوامل أخرى تشجّع على بسط نفوذ هذه اللغة (الوافدة)، تتهيأ بإرادة جهات مسئولة في مجتمعنا العربي" كما قال اللغوي السعودي الدكتور أحمد محمد المعتوق.
 
        وأدانت معظمُ بحوث المؤتمر الوضعَ اللغوي في بلداننا، فأشارت إلى أن أبناء النخبة يتعلّمون في مدارس أجنبية أو مدارس خاصة، ذات مناهج أمريكية أو بريطانية أو فرنسية أو إسبانية أو إيطالية، إلخ، وهي إن علّمت اللغة العربية فلا تخصّص لها أكثر من ساعتين في الأسبوع، ما ينتج عنه تفاوت ثقافي طبقي يهدّد السلم الاجتماعي. ومن ناحية أخرى فإن العلوم والتقنيات في الجامعات والمعاهد العليا تُدرَّس باللغة الأجنبية، الإنجليزية في بلدان المشرق والفرنسية في البلدان المغاربية. وأبناؤنا لا يجيدون اللغة العربية ولا اللغة الأجنبية. وإذا كانت اللغة وعاء الفكر، فإن الطالب العربي لا يحمل وعاءً سليماً بل ينوء تحت عدد من الأوعية المثقوبة التي لا تحتفظ بالمعارف والعلوم، ناهيك بعدم تمكّنه من تمثّل تلك المعارف والعلوم أو الإبداع فيها.
 
        ولقد ذكر باحث مصري أن إحدى رياض الأطفال الأجنبية أضافت اللغة العربية إلى منهجها، فاحتجّ أولياء الأمور لدى مديرها قائلين إنهم أرسلوا أولادهم إليه ليعلّمهم الإنجليزية وليس العربية. وتشكّت أستاذة جامعية من إحدى الدول المغاربية تشارك في المؤتمر من أن ابنتها التي تبلغ الخامسة من العمر وتتعلّم العربية والفرنسية في روض الأطفال ، ترفض مراجعة دروس اللغة العربية معها وتقول لها بالفرنسية: " ماما، أنا أكره العربية، لنقرأ الفرنسية." وقال مشارك آخر في المؤتمر من إحدى الدول المشرقية إن أبناءه الذين يتعلّمون في مدرسة أجنبية لا يفهمون العربية وهو مضطر إلى التحدث معهم في منزله باللغة الإنجليزية. وصرّح أحد المشاركين من دولة خليجية أنه عند عودته إلى منزله في المساء لا يفهم أطفاله الصغار فهم يتحدّثون بإحدى اللهجات الهندية، لأن المربّية هندية والخادمة هندية والسائق هندي، والإنجليزية الهندية هي السائدة في الأسواق والفنادق والمطاعم والمطارات وجلّ الأمكنة في البلاد. وأحيانا يضطر إلى استقدام مربيّة سيرلانكية بدل الهندية، فتتبلبل لغة أطفاله.
 
        وبيّن الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية الدولية للطب النفسي، في مداخلته في المؤتمر أن التعدد اللغوي في الطفولة قد يسبب اضطرابات نطقية ونفسية وعقلية. وأن الأطفال العرب الذين يتلقّون تعليمهم في مدارس أجنبية أو بمناهج أجنبية يميلون إلى الشعور بالنقص واحتقار الأهل والشعور بالاغتراب الثقافي في بلدانهم، وأن هذا النوع من الاغتراب هو من أهم أسباب هجرة الأدمغة من بلداننا إلى الغرب.
 
مؤشّرات دولية إلى انقراض اللغة العربية: 
        كنا قد ذكرنا في مقال سابق عنوانه " العربية لم تعُدْ لغة عالمية" أن منظمة الأمم المتحدة في نيويورك تتجه إلى إلغاء العربية من بين اللغات العالمية الرسمية في المنظمة وهي: الإنجليزية، الإسبانية، الفرنسية، الروسية، الصينية، العربية؛ وذلك لثلاثة أسباب:
1)      عدم استعمال ممثلي الدول "العربية" اللغة العربية في الأمم المتحدة، فهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية.
2)      عدم وجود مترجمين عرب أكفاء يجيدون اللغة العربية.
3)      عدم وفاء معظم الدول العربية بالتزاماتها المتعلّقة بدفع نفقات استعمال العربية في المنظمة.
 
وفي هذا المؤتمر، أوضح المفكّر التونسي الدكتور عبد السلام المسدّي ( سفير تونس ووزير التعليم العالي والبحث العلمي سابقاً، ومن المؤمنين بضرورة تعريب التعليم العالي، لكنه لم يتمكّن من تعريب التعليم العالي أثناء توليه الوزارة) أن ضغوط الدول الكبرى على اليونسكو جعلتها تُعلن مؤخّراً أن الحقوق اللغوية تنحصر في ثلاثة:
ـ الحق في لغة الأم (وليس اللغة الأم)
ـ الحق في لغة التواصل في المجتمع
ـ الحق في لغة المعرفة.
        وتعني هذه الحقوق بالنسبة إلى بلداننا ما يأتي:
ـ لغة الأم: اللهجة العامية أو إحدى اللغات الوطنية غير العربية مثل الدنكا في السودان، والسريانية في سوريا، والأمازيغية في الجزائر والمغرب.
ـ لغة التواصل: اللهجة العربية الدارجة
ـ لغة المعرفة العالمية: الإنجليزية (أو الفرنسية في بعض البلدان)
 
وهكذا، فالعربية الفصيحة المشتركة بين بلداننا لا مكان لها هنا بتاتاً ولا تشكّل حقاً لغوياً لأي فرد. وسيكون إعلان اليونسكو هذا ورقة ضغط إضافية بيد الدول الكبرى التي تسعى إلى إلغاء أية وسيلة تفاهم مشتركة بين بلداننا قد تشكّل أساساً لاتحاد عربي من أي نوع، طبقاً لبعض المشاركين في المؤتمر (أما  نحن فلا نرى ضرورة وجود لغة مشتركة لقيام اتحاد بين الدول، فقد يقوم على أسس غير لغوية، كما هو الحال في الاتحاد الأوربي الذي يستخدم برلمانه في ستراسبورغ 9 لغات أوربية وتستنفد نفقات الترجمة حوالي 5% من ميزانية الاتحاد).
        ومن ناحية أخرى، فقد اتُخِذ عدد من الإجراءات العملية مثل إلغاء تدريس اللغة العربية في بعض الجامعات الأمريكية والاستعاضة عنها باللهجات العربية مثل الشامية والمصرية والمغربية والعراقية، إلخ. وكان امتحان البكالوريا الثانوية في فرنسا يسمح للطالب باختيار لغة ثانية كالإنجليزية والألمانية والإسبانية والعربية. وابتداءً من سنة 1995، لم تعد العربية من بين هذه اللغات واستُعيض عنها بعدد من اللهجات العربية. وظل عرب 48 في إسرائيل، من مسيحيين ومسلمين، يحرصون على تعليم العربية في مدارسهم لتكون وسيلة للتعبير عن هويتهم وانتمائهم لشعبهم الفلسطيني العربي، ولكن إسرائيل اتّبعت سياسات إهمال اللغة العربية وتهميشها في الحيز المدرسي وتهجينها بالمصطلحات والتعبيرات العبرية والإنجليزية، كما أوضحت الباحثة الأستاذة جنان عبده المشاركة في المؤتمر من حيفا.
 
انقراض الحضارة أم انقراض اللغة?
        بعد أن سعدتُ بالعودة من المؤتمر إلى مقر إقامتي في شاطئ الهرهورة في المغرب، خرجتُ صباح اليوم التالي لأتمشّى مع جاري المفكّر الدكتور عبد الكبير الخطيبي. اغتنمتُ الفرصة لأستطلع رأيه في الموضوع، فسألته: هل ترى أن اللغة العربية ستنقرض? أجابني: هذا خطأ؛ مَن قال بذلك? ثم واصل كلامه قائلاً: إن الحضارة العربية الإسلامية برمّتها تسير حثيثاً نحو هاوية الاندثار، بكل ما فيها من طرائق التفكير والتعبير. وقد ناقش هذا الموضوع جماعة من الزملاء التقوا في منزلي، الأسبوع الماضي، بمناسبة زيارة الشاعر أدونيس لمعرض الكتاب في الدار البيضاء، وقد أجمعوا على ذلك الرأي.
        وعندما بدت أمارات الخيبة على وجهي، استخدم الدكتور الخطيبي، التشبية والاستعارة، ربما ليساعدني على الفهم، فقال: أنا أقول لك إن الرجل ميّت، وأنتَ تقول لي إن لسانه لا يتحرّك.
 
خاتمة:
        حاولتُ أن أنقل ما دار في المؤتمر، بأمانة ولكن بإيجاز شديد؛ وأن لا أبدي وجهة نظري إلا لماما، لكي أترك للقارئ الكريم تكوين الرأي في الوضع اللغوي، ونتائجه، وما الذي ينبغي فعله.
 
 (نقلا عن موقع كيكا على الإنترنت)
*ثائر
18 - مارس - 2007
حول حياة اللغات..    كن أول من يقيّم
 
*تحية الأستاذ ثائر، وبدوري يسعدني أن أدرج نص العرض الذي ساهم به محمد الولي، إلى جانب الدكتورين حسن بوقنطار ومحمد عياد، في معرض الكتاب ضمن المائدة المستديرة في موضوع التعدد الثقافي بالمغرب يوم 18 فبراير 2007
******************* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي -ملحق إبداع وفكر-
حول التعدد الثقافي في المغرب (*)
1 الثقافة هي، حسب كلود ليفي ستروس، نسق من الخبرات التي تتآلف باللغة والمهارات التقنية والفن والمعارف العلمية والاعتقادات الدينية والنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي• وهي تتنوع بتنوع التجمعات البشرية• بل ربما سجلنا تفاوتات ثقافية حتى بين التجمعات المتجاورة• ولكن يمكن أن نبالغ في رصد هذه التفاوتات لكي نتحدث عن تفاوتات ثقافية طبقية وحرفية ودينية وجيلية وجنسية و•••و••• ليست هذه هي التفاوتات الثقافية التي سنعتني بها هنا• إننا سنقتصر على تلك التفاوتات الثقافية ذات الجذور اللغوية• إذ إن هذه هي العنصر الأكثر صلابة وتماسكاً والأشد تعلقاً بالحياة• إن اللغة وحدها قادرة على تأمين حياة شعب• وهي النافذة التي ننظر من خلالها إلى العالم• بل باللغة يتحقق العالم وبها ندركه• باللغة يصبح العالم ممكناً ومرئياً وطيعاً• التعدد اللغوي هو تعدد للزوايا التي بها يتحقق العالم ويدرك ويعقل ويتحول• ولهذا وجب الحرص على التعدد اللغوي حتى نتمكن من التغلب على الرتابة التي تجعلنا ندرك العالم بصورة واحدة• والتعددية اللغوية لا تؤمن ثراء حياة الإنسان المعنوية والذهنية فقط، بل تؤمن حيات اللغات المجاورة أو المصاحبة• 2 أفضل طريقة لتأمين حياة لغة ما هي حماية محيطها اللغوي أو جاراتها من اللغات الأخرى• إن هذا شبيه لما يحصل في التجمعات الحيوانية• إن إبادة أجناس منها أو انقراضها يجعل القوة الإخصابية للأجناس الباقية ضعيفة وبالتالي يغدو سيرها نحو حتفها أمراً مرتقباً• وما يقال عن الأجناس الحيوانية والنباتية يقال عن اللغات• ولهذا يلاحظ جورج ستاينر وهو يتحدث عن الإنجليزية: إن الإنجليزية أو الأمريكية هي، بفضل انتشارها العالمي، العامل الأساسي في تخريب التعدد اللغوي الطبيعي، وقد يكون هذا التدمير الأكثر استعصاء على العلاج من بين الكوارث الإيكولوجية التي تسم عصرنا• بل الأكثر من هذا أن اختزال الإنجليزية إلى اسبرانتو التجارة العالمية والتكنولوجيا والسياحة لها آثار ضارة حتى على الإنجليزية نفسها• وبعبارة معاصرة، فإن الحضور المطلق يولد تغذية ذاتية سلبية لهذه اللغة1. والواقع أن هذا المصير الذي تتعرض له الإنجليزية متولد عن التوحيد أو السيطرة وإزاحة اللغات الأخرى من الطريق ثم إبادة اللوينات الثقافية الأصلية للغة الإنجليزية• وكأن ما يحصل هنا قرين ما يقدم عليه الغربيون حين يقبلون على أسواق بيع الحيوانات المنوية حيث تشترط الأغلبية الساحقة أن يكون الواهب أزرق العينين وصاحب قامة تبلغ المتر وثمانين• إلا أن هذا النزوع التوحيدي الجسدي سيؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى ولادات مشوهة• وما ينطبق على الأجنة ينطبق على اللغات• وما يسري على اللغات العالمية يسري على اللغات الوطنية• التوحيد اللغوي والثقافي يتولد عنه الضجر والرتابة والاختناق فالفناء• 3 لقد ورث الغرب هذا التصور للتوحد الثقافي اللغوي القاتل عن اليونان الذين أقاموا ديموقراطيتهم على التوحيد للعرق واللغة والثقافة الهيلينية• لا مكان للأغراب ولا للأقليات في مثل هذا التصور الفكري• وكذلك فعلت الكثير من الدول الغربية• ولقد انتبه الفكر المعاصر إلى هذا الوبال وما يجره على الإنسانية من كوارث• أنظروا إلى النازية وشبيهاتها في إسرائيل مثلاً دولة واحدة وعرق واحد وديانة واحدة• أليس هذا هو الاختناف عينه? 4 كنا في المغرب إلى عهد قريب نعتبر التوحد اللغوي هو الجنة الموعودة والواقع أنه عقاب وانحراف• >فمع اختفاء لغة ما تنفطر إلى الأبد خيوط تواصلنا مع الأمل< 2 ، حسب عبارة جورج ستاينر• للتعدد اللغوي الثقافي في المغرب وجوه عديدة• إنك بالانتقال من وجدة إلى العيون ستلمس تنوعاً ثقافياً مدهشاً• وإذا كان هناك من يتضايق من هذا الأمر فالحقيقة هي أن الأمم الراقية تعتبر هذا التنوع ثروة لا تقدر بثمن؛ وهي حريصة على حمايتها وتنميتها• إلا أن أهم عناصر التعدد الثقافي في المغرب هو ذلك الذي يستند إلى التعدد اللغوي، باعتبار اللغة أهم عنصر في الأنظمة الثقافية• بل ربما كانت هي السماد، إن لم نقل الحيوان المنوي، المخصب والمولد لكل العناصر الثقافية الأخرى• وإذا كان الكثير من المثقفين والمفكرين في المغرب يذهبون إلى حد المطالبة بإبادة هذا التعدد اللغوي بدعوى ما يمثله هذا الوضع من عراقيل في وجه تلقين المعرفة والتواصل بين أفراد الشعب ومعه• وباعتبار التحملات المادية المطلوبة لإشاعة تدريسها وتداولها• والواقع أن هؤلاء واقعون تحت تأثير تصور قدحي للتعدد اللغوي الذي أشاعته أسطورة برج بابل في العهد القديم، كما أشاعه النموذج السياسي التوحيدي الأثيني حيث كانت الألوان الثقافية اللغوية غير اليونانية مجرد بَرْبَرِيسْمُوسْ، أي لغط أو عجمة حيوانية• ونريد أن نسأل المفكرين الشهيرين المغربيين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي، الذي لا يخصه الناشطون الأمازيغ بما خصوا به عابد الجابري مع أن أطروحاته بصدد >طي الصفحة< هي أقسى حكم وأظلمه بشأن التعدد اللغوي الثقافي في المغرب وغير المغرب• والسؤال للمفكرين هو• ماذا خسرت إسبانيا التي أخذت بنظام التعدد اللغوي وبالتالي الجهوي من النواحي المادية والسياسية والأخلاقية• وماذا ربحت فرنسا التي أخذت بنظام التوحد اللغوي، اليعقوبي السيء السمعة، من النواحي المذكورة? 5 لقد أخذ المغرب هو الآخر بالأحادية اللغوية الثقافية مسايرة لما ورثه عن الأجداد ولما ورثه عن الاستعمار الفرنسي الذي فرض لوناً ثقافياً لغوياً واحداً هو الثقافة واللغة الفرنسية• وأعتقد أن المغرب قد نصب الفرنسية على الهرم اللغوي عندنا• وأنزل إلى الدرْك الأسفل باقي اللغات• ولقد كانت الأمازيغية هي الأكثر تضرراً من هذه القسمة• والحقيقة أن العربية نفسها لحقها ضرر كبير• ولكن من حقنا القول إن اللغة الإسبانية وهي لغة غير وطنية متضررة أيضاً• وقامت الحكومات المغربية المتعاقبة بمجهودات جبارة لمحوها من الوجود في مدارس الشمال• ولقد أغلقت هذه الحكومات بصنيعها هذا في وجهنا النوافذ التي نستقبل عبرها هبوب رياح التعدد اللغوي والتواصل الثقافي ليس مع إسبانيا وحسب بل مع كل القارتين الأمريكيتين المتحدثتين باللغة الإسبانية• وكان ذلك خسارة عظيمة• 6 حق الأمازيغية بهذا الشأن لا غبار عليه• ليس لأنها قد مرت من هنا بل لأنها ما تزال، ثقافة ولغة، مصرة على الحياة• إنها منطقة منكوبة، بل مناطق منكوبة• ينبغي إذن أن نعتبر تعزيز مكانتها وتأمين حياتها واستمرارها جزءاً من تأمين حياة كل ما يوجد فوق هذه الأرض الطيبة من نبات وحيوان وموروثات لغوية ثقافية• إننا نبكي على تخريب الطبيعة النباتية والحيوانية في المغرب ولا نعير اهتماماً للمورثات اللغوية الثقافية? هل هذا معقول? وهل يمكن أن نحمي نظام المجال الطبيعي والنباتي والحيواني ونحن ندمر اللغات المحلية? أليست هذه اللغات هي مستودع وخزان كل المعارف المتعلقة بالمجال الطبيعي? ألا نخرب الطبيعية حينما نعدم اللغة التي تتحدث عنها? هل يصبح لها وجود، مجرد وجود، حينما نعدم مقابلاتها اللغوية والمعجمية• لقد قتل البرازيليون الكثير من لغات الأمازون، وبإبادتهم هذه اللغات سهلوا إبادة البيئة الأمازونية• وبالإبادة الجسدية والثقافية للهنود أبادوا مساحات شاسعة من الأمازون• إذ إن هؤلاء المحملين بثقافتهم ولغاتهم هم وحدهم من يعرف كيف يتعاملون مع الغابة الأمازونية نظراً لما بينهما من تواطؤات لا يفهمها المصابون بوباء تخريب الطبيعة• 7 في المغرب هناك اليوم صحوة ما ثقافية• الهدف ينبغي أن يسير في اتجاه تأمين حياة كل الألوان الثقافية• إذ بدون تأمين هذه الألوان اللغوية والثقافية سنكون على موعد مع الكارثة• وأهم عنصر يتطلب تدخلاً سريعاً هو اللغة الأمازيغية• إنها، إلى جانب العربية، ما يشكل اللون الأساسي للثقافة المغربية• وبطبيعة الحال فليس من الضروري حينما نطالب بإنصاف لغة من اللغات ان نشن الحملة على اللغات الأخرى ولو كانت تتقاسمنا الجغرافية والتاريخ• لا شك مثلاً أن للفرنسية وجهاً استعمارياً في المغرب• ولكن من الجنون المطالبة بمحوها من مجالنا المعرفي• ما ينبغي عمله بشأنها هو مجرد جميل تدبيرها• وإذا كنا نقول هذا عن لغات الأغيار فما بالك بلغاتنا الوطنية• علينا إذن أن نعتني بهذا بدون أن نمس في أية لحظة بشكل مباشر أم غير مباشر بالإنجازات التي حققتها لغات أخرى على ترابنا الوطني• وبطبيعة الحال من حق المرء أن يندهش حينما يرى باحثاً أو فاعلاً لا يرى تقدم هذه اللغة أو تلك إلا بإزاحة لغة أخرى من موقعها• هذا المنطق يجب أن نتعبأ لأجل الكشف عن زيفه وبطلانه العلمي والأخلاقي، بل وعن نزوعه العنصري• لا ينبغي الانجرار نحو الأخذ بمنطق الاستئصال اللغوي أو البتر الثقافي• إذ إن لهذا المنطق تأثيرات كارثية ليس على اللغة التي ندعي محاربتها بل على اللغة التي نزعم أننا نحميها• والسبب بكل بساطة هو أن اللغة المجاورة هي متنفس لغتي ومستودعها وبراريها التي تلتمس فيها عناصر البقاء والنمو والعافية• تصوروا العربية بدون الفارسية واليونانية والسريانية والعبرية والآرامية والنبطية وغيرها من اللغات• تصوروا العربية أيضاً بدون اللغات لأوروبية المعاصرة• وهل اكتسبت اللغة الألمانية المشهورة بتحصيناتها ضد العناصر اللغوية الوافدة، المناعة إلا بتلك الثلاثين ألف كلمة التي اقترضتها من اللغات الأوروبية المجاورة3 • هذا هو الذي يدعى الاستضافة المتبادلة• وبهذا، فإن منطق الحرب الذي نراه حينما يكون الكلام دائراً على العربية أو الأمازيغية أو غيرهما هو منطق تخريبي، بل عنصري• 8 لا حياة للعربية في المغرب بدون الأمازيغية ولا حياة للأمازيغية بدون العربية، لأنهما تعيشان في نفس المحيط الطبيعي، بل وهما جزء ملازم لهذا المحيط ولن تقوم له قائمة بدونهما• بل هناك متسع جغرافي وبشري كبير لكليهما• فإذا كانت غينيا الجديدة تتسع لأكثر من 850 لغة فما هي الأضرار التي ترتبت عن هذا• ولماذا يتضايق البعض منا من توفر المغرب على لغتين? إذا كان المغرب حريصاً حقاً على التعددية الديموقراطية• وإذا كان حريصاً حقاً على التعددية الثقافية• فعليه أن يؤمن هذه بالالتفات إلى اللغات الوطنية وانتزاعها من براثن الشفوية المميتة• إذ بموتها نخسر نصفنا الثاني ونخسر دعامة أساسية للتعدد الثقافي• ولا شك أن ذلك الإنقاذ ممكن بوسيلتين هما• إدراج الأمازيغية في المؤسسة التعليمية، وتنظيم حملات محو الأمية بالعربية والأمازيغية• المنهجية المتبعة في المغرب هي تلك التي تعنى بهذه اللغة أو تلك بعيداً عن منطق الأقلية والأغلبية• وبعيداً عن تسييج لغة الأمازيغية في محميات على غرار ما تفعله أمريكا وكندا بلغة الهنود الحمر• إخراج الأمازيغية من أقاليمها الأصلية حررها في الواقع من المجالات التي يمكن أن تضيق بها جغرافياً وبشرياً• المنهج المتبع هنا إذن هو إدماج الأمازيغية في كل المدارس المغربية• وعلى الرغم من الصعوبات المستعصية فإن الأمازيغية محظوظة وكذلك المغاربة لأنهم عثروا على تميمة تعينهم على هضم التعددية الفكرية والسياسية• 9 يمكن في هذا السياق أن تعترض القائمين على شأن تدريس الأمازيغية معضلة توحيد الأمازيغية• هنا تطلب كل حنكة الدولة؛ وتطلب بالأساس حنكة وصبر وعبقرية الباحثين واللغويين في هذا الميدان• لا شك أن أهالي الشمال لا يتواصلون بسهولة، أو لا يتواصلون بالمرة، مع أهالي الجنوب رغم أنهما يتحدثان >لهجتين< >للغة واحدة<• الواقع أن الحدود بين اللهجة واللغة ليست واضحة دوماً• فاللغة هي عرضة لشروخ لهجية حادة حينما تتوزع على فضاءات شاسعة• وبالخصوص اللغات الشفوية وحيث تكون وسائل الاتصال ضعيفة أو منعدمة وحينما يتوزع ذلك على حقب زمنية مديدة• وربما لعبت السياسة لعبتها في الكثير فجعلت لهجتين متقاربتين جداً لغتين متباينتين• إن الاعتبارات التي تجعل الدانماركية والنرويجية والسويدية هي ثلاث لغات مختلفة وليست ثلاث لهجات للغة اسكندنافية مشتركة هي اعتبارات سياسية أكثر مما هي لغوية• ويمكن أن يقال نفس الشيء بصدد التشيكية والسلوفاكية والروسية والأوكرانية 4 ويقول جورج ستاينر: إن اللغات التي يكون محيط امتدادها واسعاً تولد أشكالاً ولهجات إقليمية• وإن التلفزيون والراديو يتكفل بتوحيد هذه اللهجات ويفتت التنوعات اللهجية• [...] والحقيقة أن لغات عديدة بلغ بها التنوع اللهجي حداً يجعلنا نرى هذه التنوعات لغات وليس مجرد لهجات [...] إن بين لهجتي ألمانيا العليا والسفلى فوارق كبيرة جداً• ومعروف أيضاً الصعوبة التي يعاني منها مواطن إيطالي من ميلانو وآخر من وبيركامو5 • أفلا يمكن أن يقال نفس الشيء عن الفسيفساء الأمازيغية• والواقع أن ما يهمنا في حالتنا، ونحن نتحدث عن محاولات التغلب على التعدد اللهجي الأمازيغي، أنه بدون تدخل التلفزيون، فإن توحيد الأمازيغية وإشاعتها قد يستغرق زمناً طويلاً جداً• أقول هنا التلفزيون الحقيقي لا هذه الأداة المسخرة عندنا لنشر السطحية والكسل واستغفال الناس بالإشهار لمواد لا تصلح لشيء وأمام مستمعين يعانون الأمرين مع الفاقة أو مع مجرد الحصول على عمل أي عمل• هذا التلفزيون لكي يقوم بنشر الأمازيغية ينبغي أن يوضع في أيد نبيلة لها مشروع حضاري أخلاقي لا بأيدي بائعي غفلة الناس للمؤسسات التجارية• 10 باختصار أعتقد أن الشعب المغربي متعلق بالسلم والسلام• وإنه لمن السداد اختيار تدريس الأمازيغية لكل المغاربة• مواطن واحد ووطن واحد بلغتين• التعددية عندي أن تكون العربية والأمازيغية لغتي هذا الشعب• لغتين وطنيتين متآخيتين تتكفل كل واحدة منها بما يخدم مصلحة الشعب وبما يؤمن التقدم، دون شعور أي منها بأن هناك مجالاً حيوياً تسيطر عليه الجارة• أو يمكن أن تسيطر عليه• هاتان اللغتان أساس الهوية الثقافية المغربية• هي هذه بعض جوانب التعددية• ولقد تطرقت إلى بعض جوانبها اللغوية• ويمكن الحديث عن جوانب أخرى• ولكن لكل حادثة حديث• (?) نص العرض الذي ساهم به محمد الولي، إلى جانب الدكتورين حسن بوقنطار ومحمد عياد، في معرض الكتاب ضمن المائدة المستديرة في موضوع التعدد الثقافي بالمغرب يوم 18 فبرلير 2007 1 George Steiner, Despues de Babel, p. 479 2 George Steiner, < Il faut avoir le courage des grands erreurs >, in Le magazine litteraire, George Steiner La culture contre la barbarie, n. 454, 2006 p. 29 3 ٍValentin Garcia Yebra, ?Prestamo y calco?, in. Teoria y practica de la traduccion, ed. Gredos, Madrid, 1984, p. 335 4 Mario Wandruska , Interlinguistica : esbozo para una nueva ciencia del lenguaje, tr. Hortensia Vines, ed. Gredos, Madrid, 1980, p. 112 5 George Steiner, Despues de Babel, p. 53
*abdelhafid
19 - مارس - 2007
العامية والفصحى    كن أول من يقيّم
 
أود أن أشكر الأستاذ عبد الحفيظ لاقتباسه هذه الدراسة الثمينة حول العلاقة بين العربية المغربية والأمازيغية، وأهمية الحفاظ على اللغات المحلية، لأنها الوعاء الثقافي لشعب أو جزء منه.
لست متخصصاً في الألسنيات، وبودي أن أتعلم من أساتذتنا الأفاضل الذين نذروا حياتهم لهذا الحقل الهام من حقول المعرفة. لكن لي رؤيتي المتواضعة – رؤية الهاوي المحب للألسنيات، ولغتيه المحكية والفصحى – في هذا الشأن، وأود إطلاعكم عليها، وأود لو أقرأ رأي المتخصصين في الأمر.
أعتقد أن الثنائية اللغوية عندنا لها خصوصية، فهي مختلفة عن حالة اللاتينية مع الإيطالية مثلاً، أو اللغات الألمانية المختلفة مع الألمانية "العليا" كما تسمى. فالعربية الفصحى، هي لغة الشعر والدين حتى قبل ظهور الإسلام، وكانت قبائل العرب تستعمل لهجاتها (لغاتها?) الخاصة بها، لكنها تقرض الشعر بهذه اللغة المعروفة للقبائل الأخرى، وقد جاء القرآن الكريم بهذه اللغة الفصحى السامية، فتعززت مكانتها. هذا من جانب، ومن جانب آخر، كانت للشعوب التي قطنت الدول التي امتد إليها الإسلام لغاتها الخاصة بها، من الآراميات في المشرق العربي، إلى القبطية في مصر، حتى الأمازيغية في المغرب العربي. وبتأثير العربية الفصحى التي دخلت مع الإسلام أخذت اللغات المحلية بالتأقلم مع الوضع الجديد، وبالتطور وفقه، فظهرت الإزدواجية اللغوية التي نراها اليوم.
والدليل على أن اللغات المحكية هي لغات مستقلة عن العربية، هو أنها مليئة بمفردات وتعابير وحتى قواعد اللغات الأصلية التي تطورت منها، ولا يسعني هنا سوى الكلام عن لغات المشرق العربي لجهلي باللغات القبطية والأمازيغية. وأصدق مثال هو لغات بلاد الشام التي يمكن اعتبارها سريانية الأصل، ولغة العراق ولهجاتها المتعددة التي نمت من آراميات بلاد الرافدين. ولا أعتقد أن الأمر معكوساً (أي أن لغات القبائل العربية التي انتقلت للعيش في الأمصار تأثرت بلغات سكانها إلى هذا الحد). وكان الناس في هذا البلد يتحدثون بلغتهم لغاية فترات متأخرة (خذوا مثلاً ملاحظات و"شكاوى" النحويين الأوائل من "عجمة" لسان أهل البلد، وتحدثهم النبطية مثلاً، والمقصود بالنبطية هو الآرامية، لأن الآرامية النبطية هي لغة الأنباط، وهم عرب).
وهناك مشكلتان برأيي في هذا الجانب: الأولى هي إهمال دراسة هذه اللغات المحلية بشكل كامل، فهي لم تدون، ولم تستنبط قواعدها، ولم توضع لها قواميس (إلا في أغراض محدودة، ومنتقاة). المشكلة الثانية هي تدريس العربية الفصحى، وانحسارها إلى مواقع ثانوية مقابل اللغات العالمية كالأنكليزية أو الفرنسية، خاصة في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية والإتصالات، بالتالي تضاءل عدد من يجيدونها، وبدرجة أهم تناقص عدد من يستعملونها فعلاً.
*ثائر
20 - مارس - 2007
وجهة نظر.    كن أول من يقيّم
 
 
 
  تحية طيبة للأساتذة الكرام، وأخص بالذكر (الأستاذ ثائر والأستاذ عبد الحفيظ).
  هذا الموضوع بداية خطير وجد خطير، وهو يكتسي أهميته من خلال استحضار ارتباط اللغة بالإنسان، فاللغة هي الكيان التواصلي بين شُعَب الإنسانية المتجدرة في التاريخ، فهي الحاملة لثقافته وكيانه وعلمه وأحزانه وأتراحه وأفراحه، أي إن اللغة هي تاريخ الإنسان.
  وحينما أقول تاريخ الإنسان فإني أكون بذلك متجاوزا للحيز الضيق للُغة بلد ما، أي أن الأمر يتعلق بجميع اللغات على اختلاف أنواعها وأصولها، ولي وجهة نظر خاصة ببعض الجزئيات المهمة المتعلقة باللغة العربية والأمازيغية، أوجزها في بعض النقاط كما يأتي:
.       عندنا اللغة العربية وهي لغة توجد بالعديد من الدول التي يقال عنها إنها عربية، هذا أصل يتفرع عنه في هذه البلدان مجموعة من اللهجات المحلية، أقول لهجات ولا أقول لغات، لأن هذه اللهجات يُطلق عليها من حيث الجملة اللغة العربية، فهي في هذه الحالة ليست لغات مستقلة وإنما هي تفرُّع حاكه الواقع المُتعارف بمختلف تجلياته الثقافية التاريخية، وفي أنماط مختلفة داخل هذه البلدان، فنجد في الشام لهجة خاصة وفي مصر لهجة خاصة، وفي الجزيرة العربية لهجة خاصة، وفي المغرب العربي لهجات خاصة، بل إن في المغرب عندنا لهجات تختلف من منطقة إلى أخرى، وذلك من حيث النطق والاستعمال لكثير من الكلمات، فالشمال الشرقي بخلاف الجنوب والناحية الغربية بخلاف الشمال الغربي، لكن يجمعها كلها رابط واحد هو العامية المغربية.
  وفي مصر حينما نجد العامية المصرية وهي تختلف من حيث الأداء والنطق والاستعمال من منطقة إلى أخرى، ونجد بالشام نحوا من ذلك وبالجزيرة العربية نحوا من هذا التقاسم، نقول بأن الرابط لها جميعا هو العامية المصرية والعامية الحجازية والعامية الشامية، وهكذا...
  وبنحو هذا أقول في هذه العاميات، أي أنها ترتبط برباط واحد يجمعها هو رابط اللغة العربية الفصيحة، فاللغة في هذه الحالة هي اللغة الرابطة والجامعة بينها، إذ إنها هي الأصل والمصدر وذلك يصدق على جميع اللغات.
  فهل يصح بعد هذا أن يُقال بأن هذه العاميات لُغات مستقلة وليست فروعا عن لغة يصح أن نطلق عليها اللغة الأم ?
.       في أحد البرامج المتلفزة بالقناة الثانية المغربية، وفي حوار مشحون بالآراء المتنافرة حول اللغة والهوية، قال بعض الباحثين في اللسانيات (من كلية الآداب بالرباط) إن العامية المغربية عبارة عن لغة مستقلة وقال بأنها هي اللغة الأم للمغاربة جميعا وليست الفصحى، واعتبر أحدهم اللغة العربية الفصيحة لغة دخيلة  على المغاربة ?? وأن اللغة الأم هي اللغة الأمازيغية.
.       ما يصدق على اللغة العربية الفصيحة يصدق على اللغة الأمازيغية، فهي لغة من حيث ما تتوفر عليه من مقومات أساسية، والمغرب توجد فيه لهجات مختلفة تدخل كلها في إطار جامع هو اللغة الأم (الأمازيغية) وتلتحق بها اللهجات بكل من الجزائر وليبيا ومالي وغيرها من البلدان التي ما زالت محتفظة بهذا الإرث اللغوي، غير أنه لا يمكن اعتبار كل هذه اللهجات المحلية لغات مستقلة.    
  والخُلاصة أن لكل لغة حية لهجات تنبثق عنها.
وللحديث بقية.
 
*سعيد
21 - مارس - 2007
ما هي مقومات اللغة?    كن أول من يقيّم
 
أود أن أستفسر، ما هي الشروط التي يجب أن تتوافر في لغة ما، كي تعتبر لغة مستقلة، قائمة بذاتها?
أرى أننا بصدد ظاهرة غاية في التعقيد، هي اللغة الفصحى والعاميات، والعلاقة بينها. لا أزال أعتبر العامية العراقية (فهذه أعرفها أفضل من غيرها) لغة خاصة، ولها لهجات محلية مختلفة. وأضرب لكم مثالاً آخر، هو لغة اليهود العراقيين الذين سكنوا أرض الرافدين 2700 سنة. وكان اليهود في العراق يتحدثون بلغة بابل الآرامية، التي أصبح اسمها عندهم التلمودية (نسبة إلى التلمود البابلي المكتوب بها)، وهي شقيقة اللغة البابلية المتأخرة، والمندائية لغة الصابئة المندائيين. لكن لغتهم وبمرور الزمن تطورت إلى ما نعرفه الآن، وهي قريبة جداً إلى لغة أهل الموصل (مع اختلاف في المفردات التي تنبع من الإختلاف الديني وتمايز العادات النابعة من ذلك)، ويقول بعض الكتاب أن لهجة بغداد الأصلية مماثلة للهجة الموصل في الأصل، لكنها تغيرت في القرن التاسع عشر الميلادي بسبب توطين قبائل من البادية فيها بعد أن كاد الطاعون والكوليرا أن يقضيان على سكان بغداد الأصليين تماماً. ما يهمنا هنا هو هذا التغير في لغة اليهود الذي جاء بتأثير من العربية الفصحى، وهي قريبة جداً من الآراميات في مفرداتها وبعض قواعدها كما هو معروف. هذا يعني أن اللهجات العامية قد تطورت من لغات سابقة، بتأثير قوي من اللغة العربية الفصحى، ولا يسعني أن استنتج بأن الأمر قد جاء بصورة معكوسة، كأن أخذت القبائل العربية التي قدمت مع الفتح الإسلامي لسان أهل البلاد الأصليين، لأن العربية هي لغة الحكام، ولغة الدين السائد، ولغة العلم والثقافة. في نفس الوقت حافظت الجماعات الدينية والعرقية على لغاتها الأصلية (مختلف اللهجات السريانية عند المسيحيين، والمندائية عند الصابئة لمبرردات دينية واضحة، واللغات الأصلية كالكردية والفارسية عند الأقوام غير السامية، لمبررات إثنية هذه المرة).
وقد يقول قائل ما دامت هذه اللغات العامية قد تطورت بتأثير من العربية الفصحى، فلماذا لا نعتبرها لهجات عربية (أو أنها أصبحت لهجات عربية)? هذا سؤال اوجهه للأساتذة المتخصصين باللسانيات. لكن لن يغير من حالة الثنائية اللغوية، وضرورة تحديد العلاقة السليمة والتوازن بين الفصحى والعامية، ولمصلحة اللغتين.
*ثائر
22 - مارس - 2007
العربية و أخواتها..    كن أول من يقيّم
 
 
*تحية أخوية صادقة أستاذي العزيزين .
 
**
من المعروف أن اللغة العربية لغة سامية تكون مع الحبشية القديمة ولهجاتها اللاحقة الفرع الجنوبي للغات السامية.

ولقد ميز العرب قديماً بين العرب العاربة (البائدة) والعرب المستعربة. وذكر الأوائل أن عرب الجنوب هم العرب العاربة، وأنهم كانوا يتحدثون لغة عربية قديمة يعرفونها بالحميرية، ويعرفون كتابتها بخط المسند. وأما العرب المستعربة، فهم بنو إسماعيل عليه السلام. ولغتهم، وهي الفصحى التي دُونت فيها أشعار الجاهليين، والأدب الإسلامي والمعارف والعلوم فيما بعد، فهي العربية الشمالية.

والحميرية في الواقع هي لهجة من اللهجات العربية البائدة التي كان عرب الجنوب يستعملونها. ويطلق الباحثون على اللهجات العربية الجنوبية اسم "العربية الجنوبية" تمييزاً لها عن العربية الشمالية.

وتتكون العربية الجنوبية من اللهجات التالية: السبئية والمعينية والقتبانية والحميرية والحضرمية وكلها لهجات بائدة. وقد حفظ الدهر لنا آلاف النقوش المدونة بالعربية الجنوبية وبخط المسند، ويختلف الباحثون كثيراً في تاريخ أقدمها الذي يرجح أن يكون في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد.

أما أقدم نص تناهى إلينا باللغة العربية الشمالية هو نقش الملك العربي امرئ القيس (غير الشاعر المعروف)، ويعود تاريخه إلى القرن الثالث الميلادي.

وأدت الأبحاث الأثرية في الجزيرة العربية منتصف القرن الماضي إلى اكتشاف لهجتين عربيتين على جانب كبير من الأهمية لأنهما حلقة الوصل (زمنياً وجغرافياً) بين العربية الجنوبية والعربية الشمالية هما: اللهجة الثمودية واللهجة اللحيانية.

ويجمع الباحثون على أن العربية الشمالية قد تناهت إلينا بصورة كاملة مما يجعلنا نجزم بالضرورة على أنها مرت بمراحل طويلة من التطور والتهذيب حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من التمام والكمال. ولكنا لا نعرف شيئاً يذكر عن تلك المراحل. الأمر نفسه ينطبق على أدبها القديم من شعر ونثر جاهليين، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بحور الشعر العربية أكثر بحور الأمم المتحضرة ـ ولا أستثنى منها واحدة ـ تطوراً وغناءً.

قد لا نستطيع الإجابة على الأسئلة الكثيرة التي يثيرها لدينا التأمل في لغتنا العزيزة دون الرجوع إلى اللغات السامية عموماً واللهجات العربية البائدة خصوصاً لأنها ـ أي اللهجات العربية البادئة ـ لهجات عربية قحة يؤدي البحث فيها إلى معرفة أعمق بتاريخنا وإلى حل لألغاز كثيرة نواجهها لدى قراءة الأدب الجاهلي أو عند التأمل في لغتنا الفصحى ...

وربما اطلعت أثناء قراءتك في كتب الأوائل على القصة التي تروي أن ملكاً حميرياً قال لأحد عرب الشمال "ثِبْ" (ومعناها "اجلس" بالحميرية)، فما كان من العربي إلا الامتثال لأمر الملك فقفز وسقط على الأرض ومات. فقال الملك الحميري: "مَن دخلَ ظفار حَمَّرَ"! وبالنظر في العربية الجنوبية نجد أن الفعل "وثب" يعني "جلس"، وبالنظر في الساميات يتبين أن هذا الفعل من الأضداد لأن معناه في العربية ضد معناه في سائر الساميات:

/يثب/ في الأوغاريتية، /وشابُ/ في الأكادية، ישב /يَشابْ/ في العبرية، وܝܬܒ /يتب/ في الآرامية وكله "جلس"؛ /أوسَبَ/ في الحبشية ومعناه فيها: "تزوج" ـ وهو معنى طريف جداً لأن الزواج يجعل الرجل "يجلس" ـ وهو كذلك في المصرية القديمة: /أسبت/ "عرش".

والقرابة بين اللغات السامية والمصرية القديمة ثابتة لأنها لغة حامية واللغات الحامية واللغات السامية من أصل واحد، ولي عودة إلى اللغات الحامية عموماً والمصرية القديمة والأمازيغية خصوصاً إن شاء الله.

لذلك أقترح هذا المنتدى ليتواصل عليه المهتمون بتاريخ اللغة العربية وآدابها القديمة، فقد يساعدهم هذا التواصل على فهم تاريخ لغتنا العزيزة، وفهم ما غمض منه، ومنها.

وأخيراً أدعو المهتمين الذين يودون تعلم قراءة خط المسند إلى تحميله من الرابط التالي وتركيبه على حواسيبهم:

http://www.omniglot.com/writing/sabaean.htm

عبدالرحمن السليمان.   http://www.wataonline.net/
*abdelhafid
23 - مارس - 2007