الجزء الثاني كن أول من يقيّم
د. علي القاسمي انقراض اللغة العربية خلال القَرن الحالي (الجزء الثاني) وقد قُدّمت بحوث في المؤتمر عن تجارب بلدان بلغت شأواً رفيعاً من التقدم والرقي بفضل نشر المعرفة بلغتها القومية. فقد ذُكِر أن اليابان استسلمت في الحرب العالمية الثانية تحت وطأة القنابل الذريّة الأمريكية، ففرض الأمريكيون شروطهم المجحفة على اليابان المستسلمة، مثل تغيير الدستور، حلّ الجيش، نزع السلاح، إلخ. وقد قبلت اليابان جميع تلك الشروط باستثناء شرط واحد هو التخلي عن لغتها القومية في التعليم، فكانت اللغة اليابانية منطلق نهضتها العلمية والصناعية الجديدة. وقدم الدكتور يوسف عبد الفتاح، الاستاذ بجامعة هانكوك للدراسات الأجنبية في كوريا الجنوبية دراسة عن كيفية اعتماد اللغة الكورية أساساً للتنمية البشرية (للتذكير: تحتل كوريا الرتبة 26 في تقرير التنمية البشرية 2006 للأمم المتحدة، وللمقارنة فإن ألمانيا تحتل الرتبة 21، ومعظم الدول العربية تحتل بجدارة الرتب ما بعد 120). وأشار الباحث إلى أن التعليم، في مختلف مراحله ومتنوّع تخصّصاته، يتم باللغة الكورية الفصيحة، مع العلم أن اللغة الكورية كانت قد مُنعت في المدارس الكورية وحلّت محلها اليابانية أثناء الاحتلال الياباني لكوريا الذي انتهى في الحرب العالمية الثانية. وتوجد في كوريا حالياً 110 قنوات تلفزيونية كلّها خاصة إلا قناة حكومية واحدة، " وجميعها تبثّ باللغة الكورية الفصحى السليمة " (طبقاً للسياسة اللغوية للدولة وتحت مراقبتها). ومن الطرائف التي ذكرها الباحث أنه عند وصوله أوّل مرّة إلى كوريا لم يعرف طريقه، لأن جميع اللافتات وأسماء المحلات بالكورية فقط والنادر منها، كلافتات السفارات والفنادق الكبرى، يضيف الاسم بالحروف الأجنبية الصغيرة تحت الحروف الكورية الكبيرة. وعندما سأل زميلاً له عن ذلك، أجابه فائلاً: إذا أردت أن تقرأ الأسماء بالإنجليزية فارحل إلى إنجلترا. وعندما ذهب إلى عيادة طبيب كان عليه أن يصطحب مترجماً. وسأل الأستاذُ المترجمَ: لماذا لا يتحدث الطبيب اللغة الإنجليزية? قال المترجم: وماذا سأفعل أنا? إن الثنائية اللغوية في بلداننا تشكّل صراعاً غير متكافئ بين لغة قومية تلقى من أهلها أصناف الاحتقار والإهمال والتهميش، بل والتدمير، وبين لغة عالمية وافدة " بكل سطوتها الثقافية وسلطتها الاقتصادية وهيمنتها الدولية، كما قال الشاعر المغربي الدكتور مصطفى الشليح في المؤتمر، فتلقى هذه اللغة الأجنبية الترحيب والتعظيم في بلداننا، وثمة " عوامل أخرى تشجّع على بسط نفوذ هذه اللغة (الوافدة)، تتهيأ بإرادة جهات مسئولة في مجتمعنا العربي" كما قال اللغوي السعودي الدكتور أحمد محمد المعتوق. وأدانت معظمُ بحوث المؤتمر الوضعَ اللغوي في بلداننا، فأشارت إلى أن أبناء النخبة يتعلّمون في مدارس أجنبية أو مدارس خاصة، ذات مناهج أمريكية أو بريطانية أو فرنسية أو إسبانية أو إيطالية، إلخ، وهي إن علّمت اللغة العربية فلا تخصّص لها أكثر من ساعتين في الأسبوع، ما ينتج عنه تفاوت ثقافي طبقي يهدّد السلم الاجتماعي. ومن ناحية أخرى فإن العلوم والتقنيات في الجامعات والمعاهد العليا تُدرَّس باللغة الأجنبية، الإنجليزية في بلدان المشرق والفرنسية في البلدان المغاربية. وأبناؤنا لا يجيدون اللغة العربية ولا اللغة الأجنبية. وإذا كانت اللغة وعاء الفكر، فإن الطالب العربي لا يحمل وعاءً سليماً بل ينوء تحت عدد من الأوعية المثقوبة التي لا تحتفظ بالمعارف والعلوم، ناهيك بعدم تمكّنه من تمثّل تلك المعارف والعلوم أو الإبداع فيها. ولقد ذكر باحث مصري أن إحدى رياض الأطفال الأجنبية أضافت اللغة العربية إلى منهجها، فاحتجّ أولياء الأمور لدى مديرها قائلين إنهم أرسلوا أولادهم إليه ليعلّمهم الإنجليزية وليس العربية. وتشكّت أستاذة جامعية من إحدى الدول المغاربية تشارك في المؤتمر من أن ابنتها التي تبلغ الخامسة من العمر وتتعلّم العربية والفرنسية في روض الأطفال ، ترفض مراجعة دروس اللغة العربية معها وتقول لها بالفرنسية: " ماما، أنا أكره العربية، لنقرأ الفرنسية." وقال مشارك آخر في المؤتمر من إحدى الدول المشرقية إن أبناءه الذين يتعلّمون في مدرسة أجنبية لا يفهمون العربية وهو مضطر إلى التحدث معهم في منزله باللغة الإنجليزية. وصرّح أحد المشاركين من دولة خليجية أنه عند عودته إلى منزله في المساء لا يفهم أطفاله الصغار فهم يتحدّثون بإحدى اللهجات الهندية، لأن المربّية هندية والخادمة هندية والسائق هندي، والإنجليزية الهندية هي السائدة في الأسواق والفنادق والمطاعم والمطارات وجلّ الأمكنة في البلاد. وأحيانا يضطر إلى استقدام مربيّة سيرلانكية بدل الهندية، فتتبلبل لغة أطفاله. وبيّن الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية الدولية للطب النفسي، في مداخلته في المؤتمر أن التعدد اللغوي في الطفولة قد يسبب اضطرابات نطقية ونفسية وعقلية. وأن الأطفال العرب الذين يتلقّون تعليمهم في مدارس أجنبية أو بمناهج أجنبية يميلون إلى الشعور بالنقص واحتقار الأهل والشعور بالاغتراب الثقافي في بلدانهم، وأن هذا النوع من الاغتراب هو من أهم أسباب هجرة الأدمغة من بلداننا إلى الغرب. مؤشّرات دولية إلى انقراض اللغة العربية: كنا قد ذكرنا في مقال سابق عنوانه " العربية لم تعُدْ لغة عالمية" أن منظمة الأمم المتحدة في نيويورك تتجه إلى إلغاء العربية من بين اللغات العالمية الرسمية في المنظمة وهي: الإنجليزية، الإسبانية، الفرنسية، الروسية، الصينية، العربية؛ وذلك لثلاثة أسباب: 1) عدم استعمال ممثلي الدول "العربية" اللغة العربية في الأمم المتحدة، فهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية. 2) عدم وجود مترجمين عرب أكفاء يجيدون اللغة العربية. 3) عدم وفاء معظم الدول العربية بالتزاماتها المتعلّقة بدفع نفقات استعمال العربية في المنظمة. وفي هذا المؤتمر، أوضح المفكّر التونسي الدكتور عبد السلام المسدّي ( سفير تونس ووزير التعليم العالي والبحث العلمي سابقاً، ومن المؤمنين بضرورة تعريب التعليم العالي، لكنه لم يتمكّن من تعريب التعليم العالي أثناء توليه الوزارة) أن ضغوط الدول الكبرى على اليونسكو جعلتها تُعلن مؤخّراً أن الحقوق اللغوية تنحصر في ثلاثة: ـ الحق في لغة الأم (وليس اللغة الأم) ـ الحق في لغة التواصل في المجتمع ـ الحق في لغة المعرفة. وتعني هذه الحقوق بالنسبة إلى بلداننا ما يأتي: ـ لغة الأم: اللهجة العامية أو إحدى اللغات الوطنية غير العربية مثل الدنكا في السودان، والسريانية في سوريا، والأمازيغية في الجزائر والمغرب. ـ لغة التواصل: اللهجة العربية الدارجة ـ لغة المعرفة العالمية: الإنجليزية (أو الفرنسية في بعض البلدان) وهكذا، فالعربية الفصيحة المشتركة بين بلداننا لا مكان لها هنا بتاتاً ولا تشكّل حقاً لغوياً لأي فرد. وسيكون إعلان اليونسكو هذا ورقة ضغط إضافية بيد الدول الكبرى التي تسعى إلى إلغاء أية وسيلة تفاهم مشتركة بين بلداننا قد تشكّل أساساً لاتحاد عربي من أي نوع، طبقاً لبعض المشاركين في المؤتمر (أما نحن فلا نرى ضرورة وجود لغة مشتركة لقيام اتحاد بين الدول، فقد يقوم على أسس غير لغوية، كما هو الحال في الاتحاد الأوربي الذي يستخدم برلمانه في ستراسبورغ 9 لغات أوربية وتستنفد نفقات الترجمة حوالي 5% من ميزانية الاتحاد). ومن ناحية أخرى، فقد اتُخِذ عدد من الإجراءات العملية مثل إلغاء تدريس اللغة العربية في بعض الجامعات الأمريكية والاستعاضة عنها باللهجات العربية مثل الشامية والمصرية والمغربية والعراقية، إلخ. وكان امتحان البكالوريا الثانوية في فرنسا يسمح للطالب باختيار لغة ثانية كالإنجليزية والألمانية والإسبانية والعربية. وابتداءً من سنة 1995، لم تعد العربية من بين هذه اللغات واستُعيض عنها بعدد من اللهجات العربية. وظل عرب 48 في إسرائيل، من مسيحيين ومسلمين، يحرصون على تعليم العربية في مدارسهم لتكون وسيلة للتعبير عن هويتهم وانتمائهم لشعبهم الفلسطيني العربي، ولكن إسرائيل اتّبعت سياسات إهمال اللغة العربية وتهميشها في الحيز المدرسي وتهجينها بالمصطلحات والتعبيرات العبرية والإنجليزية، كما أوضحت الباحثة الأستاذة جنان عبده المشاركة في المؤتمر من حيفا. انقراض الحضارة أم انقراض اللغة? بعد أن سعدتُ بالعودة من المؤتمر إلى مقر إقامتي في شاطئ الهرهورة في المغرب، خرجتُ صباح اليوم التالي لأتمشّى مع جاري المفكّر الدكتور عبد الكبير الخطيبي. اغتنمتُ الفرصة لأستطلع رأيه في الموضوع، فسألته: هل ترى أن اللغة العربية ستنقرض? أجابني: هذا خطأ؛ مَن قال بذلك? ثم واصل كلامه قائلاً: إن الحضارة العربية الإسلامية برمّتها تسير حثيثاً نحو هاوية الاندثار، بكل ما فيها من طرائق التفكير والتعبير. وقد ناقش هذا الموضوع جماعة من الزملاء التقوا في منزلي، الأسبوع الماضي، بمناسبة زيارة الشاعر أدونيس لمعرض الكتاب في الدار البيضاء، وقد أجمعوا على ذلك الرأي. وعندما بدت أمارات الخيبة على وجهي، استخدم الدكتور الخطيبي، التشبية والاستعارة، ربما ليساعدني على الفهم، فقال: أنا أقول لك إن الرجل ميّت، وأنتَ تقول لي إن لسانه لا يتحرّك. خاتمة: حاولتُ أن أنقل ما دار في المؤتمر، بأمانة ولكن بإيجاز شديد؛ وأن لا أبدي وجهة نظري إلا لماما، لكي أترك للقارئ الكريم تكوين الرأي في الوضع اللغوي، ونتائجه، وما الذي ينبغي فعله. (نقلا عن موقع كيكا على الإنترنت) |