تغيُّر أو تغيير الأحكام . كن أول من يقيّم
قديما كان الفقهاء يراعون مصالح الناس فتجدهم يفتون بالضعيف أو المرجوح من الأقوال مراعاة منهم لعدم إعنات الناس وإلحاق الضرر بهم، وليس ذلك منهم على سبيل التشهي، وإنما كان ذلك منهم من باب الوقوف على ما يصلح الناس في معاشهم، يستظلون بما تدل عليه أصول الشريعة من قواعد كلية ومقاصد راسخة ومبادئ عامة، وإذْ لابد من الإفتاء في كل ما يستجد في حياة الناس مما يتصل بجانب المعاملات خاصةً، فإن الفقهاء راعوا ذلك كله وتنبهوا له، ورحم الله الإمام سلطان العلماء حينما قال: (كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل). وهناك أمثلة كثيرة في دواوين الفقه، لمسائل تغير حكم الفقهاء فيها بالإيجاب أو التحريم بناء على تغير الموجب لذلك الحكم. فمن ذلك أن أبا حنيفة رحمه الله الإمام المبجل كان لا يرى تزكية الشهود اكتفاء منه بالعدالة الظاهرة، غير أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن لما رأيا فساد الناس وتغير الأحوال، كانت فتواهما المتعلقة بأحكام الشهادة على خلاف ما كان يفتي به الإمام، فاشترطا التزكية. ومن ذلك إفتاؤهم بنقيض ما كانت عليه الفتوى، بسبب فشو الشيء وظهوره بين الناس، ومثاله إفتاء الأحناف بعدم وقوع طلاق من سكر من البنج لضرورة، فلا يقام عليه الحد، وعليه الإجماع، ولكن بعد فساد الزمان وتناول الناس للمحرم من غير ضرورة قالوا: " ومن سكر من البنج يقع طلاقه ويحد لِفَشْوِ هذا الفعل بين الناس وعليه الفتوى في زماننا " الفتاوى الهندية / كتاب الطلاق / فصل فيمن يقع طلاقه وفيمن لا يقع طلاقه. وحينما رأى الفقهاء فشوا المروات ورغبة الناس في العلم والتعلم، واشتغال الناس بذلك حسبة من غير طلب للأجر والإحسان، قالوا لا يجوز الاستئجار على تعليم الولدان القرآن والفقه.. فلما فسد الزمان واختلت المروات ورأوا أن ذلك الحكم قد يؤدي إلى تعطل هذا الأمر قالوا بجواز أخذ الأجرة لتغير الزمان. وكذلك قالوا في تضمين الأجير المشترك، وأحكام التسعير، وأحكام المرأة المعتدة، وأحكام السوق، وأحكام الطلاق، وغير ذلك.. وهذا الباب الذي يتعلق ب: - تغير الأحكام بتغير الأزمان. - تبدل الأحكام بتبدل المصالح. - النظر في أحوال الناس وما آلت إليه أمورهم. - استثمار مقاصد الشريعة. - فتح باب التعليل للأحكام. من أصعب ما يمكن للفقيه أن يعانيه، ولست أقول إلا كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ( وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمرو الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا، وفسادا عريضا فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه ). |