يقول الدكتور القرضاوي: إن حاجة الانسان الى عقيدة دينية تنبثق
أول ما تنبثق من حاجته الى معرفة نفسه ومعرفة الوجود من حوله..
أي الى معرفة الجواب عن الأسئلة التي شغلت بها فلسفات البشر ولم
تقل فيها ما يشفي .. فالانسان منذ نشأته تلح عليه أسئلة يحتاج الى الجواب عنها : من أين ? والى أين ? ولم ? ومهما تشغله مطالب العيش عن هذا
التساؤل , فإنه لابد واقف يوما ليسأل نفسه هذه الاسئلة الخالدة
_ من أين جئت ولماذا جاء هذا المون العريض من حولي ?
_هل وجدت وحدي ام هناك خالق أوجدني ? ومن هو ? وما صلتي به?
_ هذا العالم الكبير بأرضه وسمائه , وحيوانه ونباته وجماده وافلاكه
هل وجد وحده ام اوجده خالق مدبر ?
_ ماذا بعد الحياة .. وبعد الموت ?
_ الى أين المسير بعد هذه الرحلة القصيرة على ظهر هذا الكوكب الارضي ?
_ اتكون قصة الحياة مجرد " ارحام تدفع , وارض تبلع " ولا شيء بعد ذلك ?
_ وكيف تستوي نهاية الاخيار الطاهرين الذين ضحوا لغيرهم في سبيل الحق
والخير , ونهاية الاشرار الملوثين الذين ضحوا بغيرهم في سبيل الهوى والشهوة?
_ اتختتم الحياة بالموت أم هناك وراء الموت حياة اخرى يجزى فيها الذين أساءوا بماعملوا والذين احسنو بالحسنى?
_ ثم لماذا وجد الانسان ?
_ لماذا أعطي العقل والإرادة وتميز عن سائر الحيوان ?
_ لماذا سخر له مافي السموات وما في الارض ?
_ اهناك غاية من وجوده ? أله مهمة في حياته ? ام وجد لمجرد ان يأكل
كما تأكل الانعام ثم ينفق كما تنفق الدواب ?
_ وان كانت هناك غاية من وجوده فما هي ? وكيف يعرفها ?
اسئلة تلح على الانسان في كل عصر وتتطلب الجواب الذي يشفي الغليل
ويطمئن به القلب ..
ولا سبيل الى الجواب الشافي الا باللجوء الى الدين .. الى العقيدة الدينية
الصافية .. الدين هو الذي يعرف الانسان _ اول ما يعرفه بحقيقة نفسه , فاذا
عرف نفسه عرف ربه .. يعرفه انه لم يخرج من العدم الى الوجود صدفة
ولا قام في هذا الكون وحده . وانما هو مخلوق لخالق عظيم , هو ربه الذي خلقه فسواه فعدله ونفخ فيه من روحه , وجعل له السمع والبصر والفؤاد .. وأمده بنعمه الغامرة منذ كان جنينا في بطن أمه " ألم نخلقكم من ماء مهين , فجعلناه في قرار مكين
الى قدر معلوم . فقدرنا فنعم القدادرون " المرسلات 20- 23
وهذا الكون الكبير الكبير من حوله ليس غريبا عنه ولا عدوا له , انه مخلوق مثله
لله , لا يسير جزافا , ولا يمشي اعتباطا , كل شيء فيه بقدر , وكل شيء فيه بحساب وميزان
انه نعمة من الله للانسان ورحمة ينعم بخيراته ويستفيد من بركاته , ويتأمل في آياته , فيستدل به على ربه " الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى " . الاعلى 2-3
" ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب " آل عمران 190
بهذه العقيدة يرتبط الانسان بالوجود الكبير , برب الوجود كله ولا يعيش منطويا على نفسه
معزولا عما حوله , او خائفا منه. والدين هو الذي يعرف الانسان : الى اين يسير بعد الحياة و الموت ? انه يعرفه ان الموت ليس فناء محضا ولا عدما صرفا انما هو انتقال الى مرحلة اخرى
الى حياة برزخية بعدها نشأة اخرى توفى فيها كل نفس ما كسبت , وتخلد فيما عملت , فلا يضيع عمل عامل من ذكر او انثى ولا يفلت من العدل الالهي جبار او مستكبر " يومئذ يصدر الناس اشتاتا ليروا أعمالهم , فمن
يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " الزلزلة 7-8 بهذا يعيش الانسان
بوجدانه في الخلود , ويعلم أنه خلق أنه خلق للابد , وانما ينتقل بالموت من دار الى دار..
شكرا لكم وتقبلوا تحياتي
_ |