رحيل شيخ مشايخ الطرق الصوفية كن أول من يقيّم
رحيل..شيح مشايخ الطرق الصوفية عمرو على بركات الآن بتعبير أهل الدنيا مات"نجيب محفوظ"، أما بتعبيراته الشهيرة هو ذاته، الآن يعيش "نجيب محفوظ "فى الحقيقة، مع "مارى مون"، و"اخناتون"، حيث ودع الرجل مناهج البحث عن الحقيقة الثلاث، وبكل الشوق والحب، يدخل الى الموت حيث سيستمر فى البحث عن الحقيقة بآخر مناهجها، أو بمنهجها الحتمى الأخير المتاح له، وهو الموت، لقد ذهب "نجيب محفوظ" الى الخلاء، فنفذ من أسوار التكية حيث مصدر الغناء المجهول، أكاد الآن اسمع صوته من بين أصوات الجوقة خلف السور مرحبين به مهللين بالحبيب القادم، الذى ظل طوال حياته ينشد" أغداً ألقاه يا لخوفى من غدى" هاهو يحيا الآن نشوة اللقاء والموعد الذى كان ينتظره طوال حياته وهو يتقلب بين مناهج المعرفة الثلاث العقلى والقلبى والجسدى، انه الآن يكتب الجزء الرابع المجهول من ثلاثيته الشهيرة، وسيرسل لنا باسم ذلك الجزء عبر هواتف أحلامه. " الموت مصدر معرفة " لا شك أن تصورات "نجيب محفوظ" مردها الى ثوابت فكرية من ناحية والى تجارب شخصية من ناحية أخرى, وقد عبر عن ذلك فى لحظات البوح النادرة فى حياته عندما سألت " منظمة اليونسكو " الحاصلين على جائزة نوبل عما لا يعرفوه ? فكانت إجابة " نجيب محفوظ " عن منهجه فى البحث عن الحقيقة الإلهية مصنفا مصدرها الى عقلى يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج , و مصدر قلبى لا مصدر له إلا ما وقر فى القلب مشيرا الى المعرفة الصوفية, إلا انه كشف عن خصوصية منهجه الصوفى، بأنه صوفى أعانه التصوف على مواصلة الحياة والتعامل مع تقلباتها . كما صرح " نجيب محفوظ " لمحمد سلماوى فى حواراته بتاريخ 15 ابريل 2004 بالأهرام. ربما كان مصدره لذلك المنهج الصوفى ديانات الشرق الأقصى فى البوذية, حيث مشى البوذى الباحث عن الحقيقة الإلهية فى الغابة يبحث عن الحقيقة حتى توحد معها إلا انه عاد الى بيته ماراً بالسوق يحمل الطعام, ( “جون كولر" فى كتابه الفكر الشرقى القديم ) انه نفس معيار أكل الطعام والمشى فى الأسواق للرسل الباحثين عن الله و الذى ذكر فى القرآن الكريم " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق " الآية 20 سورة الفرقان. وتتحول الصوفية الى رموز فى روايات " نجيب محفوظ " فهى أصوات خلف التكية فى رواية " الحرافيش " هى أشعار" حافظ الشيرازى".حتى تظهر هذه الإيحاءات فى حلمه بالزعماء فى قفص الاتهام حيث تتم محاكمتهم فيتكلمون بلغه غير مفهومة وكانوا ثلاثة رمزا للأديان السماوية، انه الآن يملك فك شفرات الحياة، وأصبح قريباً من المصدر المجهول لنا المعلوم له انه الموت المقرون بالمعرفة الصوفية. أتم نجيب محفوظ فترة نقاهته كانت آخر أعماله الإبداعية"أحلام" فى فترة النقاهة، فهو يرى أن الحياة فى نهايتها مثل فترة الشفاء من الأمراض الدنيوية يستعد فيها الباحث عن الحقيقة الى الحياة الحقيقية التى يتخلص فيها من أسقام الجهل وغشاوة الرؤى، ووهن الجسد، فالموت عند"نجيب محفوظ" هو لحظة التماثل للشفاء، إن أحلام ورؤى "نجيب محفوظ" ما هى إلا اشراقات صوفية لم يرها "نجيب محفوظ" كرؤى وإنما كحقيقة لا يدركها إلا هو، ومن أراد أن يدركها عليه أن يدخل الى عالم" نجيب محفوظ" الأعم والأشمل من خلال ثلاثيته " الجنس والعقل والقلب " وهى نفس الثلاثية " قصر الشوق " و "بين القصرين “ و " السكرية "، أو ينتظر لقاؤه فى الجزء الرابع الموت، والذى ولا شك كان سيسميه"الخلاء".انه كان يستعد لذلك اليوم بتلك النقاهة،فلماذا اختار " نجيب محفوظ " النقاهة لتكون عنوانا لفترة أحلامه? فالنقاهة هى من الانتقاء الذى يجريه على وسائله فى المعرفة هى أحلام النقاء, والتنقية, والتصفية, والتخلية أو ربما تكون فترة النقاهة من الأفكار التى أعيته. لقد كان هنا فى مقام " الكشف " والكشف الصوفى عند "ابن عربى" يلطف الكثيف حيث يشاهد من الشيء جوهره الصافى, ذلك هو النقاء فى الصفاء الذى يقصده " نجيب محفوظ “ حتى الحياة الحقيقية ما هى إلا حلم, أو كما قال "ابن عربى" فى فصوص الحكم:" أما العالم فى نفسه فليس إلا خيلا وحلما يجب تأويله لفهم حقيقته "، انه يجلس الآن وقد استرد عافيته ليراجع رموزه ويقرر الى أى مدى كان مصيباً فيها، ويحدد الدلالات المعجمية لشفراته. لقد أوجز فى رؤياه رقم 57 سيرته الذاتية، وأضاف عليها نبؤته لما بعد الموت، لتكون أول سيرة ذاتية يكتبها بشر لمصيره فى الحياة الآخرة. "درت حول الحصن مرتين " انه الحصن والقلعة والتكية و قبة الضريح رمز للدين فى معناه المجرد المحتوى لكل مصادر المعرفة القلبية المجهولة عند " نجيب محفوظ " وهو المكان الذى يتحصن فيه الإنسان من المجهول من مخاطر الطبيعة ومظاهرها التى كانت أول دوافع المعرفة بالله والقوى الغيبية, وهذا ما عبر عنه "عباس العقاد" فى كتابه " الله, فيكون الحصن هو تلخيصا لمفهوم" نجيب محفوظ" عن الدين كترجمان لحالة الضعف البشرى من القوى الغيبية. "حصن حجرى “ يصف " نجيب محفوظ " فكرة الدين التى تحصن بها الإنسان بأنها فكرة قوية قديمة قدم أقدم وسيلة للمعرفة الغيبية, قوية قوة سيطرتها على المؤمنين بها.فهى من قوة الحجر ومن قدم العصر الحجرى. هو رمز يعكس موقف " نجيب محفوظ “ الأساطير التى صنعت حول أرباب المعرفة القلبية فحجبت الحقيقة، انه الآن يتمم الأجزاء المفقودة من الأساطير القديمة. " نوافذه صغيرة كالثقوب, ومن كل نافذة يطل وجه أعرفه بل وأحبه " إنها نوافذ الأديان التى تشرف بها على الحقيقة يغيب عنها التبرير الكلى للحقيقة الغائبة من كل ثقب يقف صاحب الرؤية الخاصة من الأنبياء. فالمعرفة القلبية هى معرفة متنوعة بتنوع التجارب التى مر بها كل ساعى نحو الحقيقة.يسجل " نجيب محفوظ " إعجابه بأصحاب المعارف القلبية من أصحاب الأديان السماوية, إعجابه بالوجوه, هو إعجاب بالتجربة الذاتية التى مر بها كل واحد.وانتهت به الى شريعة سماوية. سيلتقى هناك بكل أصحاب التجارب الإنسانية الذين سبقوه فى استخدام مناهج البحث عن الحقيقة، ويجلس معهم يتسامرون، وسوف ترتفع قهقهاته مدوية فى سماء مجلسهم السرمدى، حاملة أصداء سيرة الرجل الذاتية. " البعض طال غيابه و الآخر رحل عن دنيانا من أزمنة مختلفة " من الأنبياء من هو منتظر عودته وهو سيدنا المسيح. ومن الأنبياء من انتهت رسالته السماوية دون وعد بالعودة مرة أخرى.لم يعد هناك زمن عند"نجيب محفوظ" فقد حان موعد لقاءه مع كل الغائبين فى حديقة الورد. " فنظرت بشوق وأسى و خيل الىّ أن كل وجه سألنى من أعماقه أن أحرره " نظرة الشوق المحفوظية هى الى معرفة ما عرفوه وكتموه, هى نظرة تلخص شغفه بالبحث عن الحقيقة وهو ما حكى فى هذا المعنى عن أبى بكر الصديق انه قال:" سبحان من لم يجعل للخلق طرقا الى معرفته إلا بالعجز عن معرفته “. ربما منهم من حجب حقيقة المعرفة الإلهية عن مريديه ملتزمى الشرعية التى سنها لهم رغم معرفته بالحقيقة كاملة, فقد قال سيدنا محمد (ص) " والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم الى الصعدات تأجرون الى الله، والله لوددت أنى شجرة تعضد “ رواه البخارى والترمزى، اى معرفة تلك التى يعرفها سيدنا محمد(ص) وأخفاها عن أتباعه حتى لا يفنون فى الحقيقة الإلهية ويتوحدون مع الكون حتى يتمنوا أن يكونوا شجرا أخضر ?أو ما هى تلك الحقيقة الموجبة للسخرية قليلا وللشوق والأسى كثيرا, والدافع للتسامى فى المتع الجسدية? ولكنه أبقاهم على قدر طاقتهم فى حصن الشريعة ، هل وصل "نجيب محفوظ" الى ذلك المقام? أم انه لايزال ينتظر على الصراط، خلف البشر المنتظرين أمامه لتلقى الحقيقة المحجوبة? " ونظرت الى الباب الحصن الحجرى بلا أمل " لا أمل فى خروجهم الطبيعى من باب الحصن حيث خروجهم على هذا النحو من الباب سوف يعرضهم لتقويض مبادئهم الدينية كلياً, أمام أتباعهم ممن تمسكوا بالشرائع التى انتهجوها لهم ، كان باب الحصن حجرياً،لا يمكن اختراقه، ولكن أصبح"نجيب محفوظ" بموته أثيرياً لا يقف أمامه أية حصون حجرية. "ووقفت خافق القلب منتظرا لقاء الأحبة بلهفة وشوق" إنها نبوءة الموت عند "نجيب محفوظ"، إنها تحمل مفهوم الموت عنده، إنها لحظة لقاء الأحبة، والتى ظل ينتظرها طوال حياته بلهفة وشوق. إن "نجيب محفوظ" يتطلع إلى المعرفة الإلهية فى أسمى معانيها فى أحلام فترة نقاهته وحياته نفسها هى اتساق مع تلك المعرفة الخالصة. فنراه يضع على باب بيته لافتة " قل هو الله أحد " مثل مولانا "الشبلى " الذى يقول " الله " ولا يقول " لا اله إلا الله " فلما سئل قال:" أستحى أن أوجه إثباتا بعد نفى...أخشى أن أوخذ فى كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار", وكذلك "نجيب محفوظ" اعترف بالوحدانية المطلقة فى مقام الأحادية التى لا تحدها وصف بالصمدية قد يشوبها ولا نفيا لإثبات السرمدية ب " لم يلد ولم يولد " ولا عدما للكينونة " لم يكن " فجرد الحقيقة الإلهية من الحصن الحجرى الذى يحيط بها حتى على لافتة باب بيته. ليكون متوحدا فى مقام الكشف والفناء ولكن بمشرب العقل فاستحق أن يكون "نجيب محفوظ" شيخ مشايخ الطرق الصوفية، الذى بموته خلا مقعد الولاية، رحم الله"نجيب محفوظ" ونحسبه وقد أحسنا الظن به فى جنة الخلد عند شجرة البلخ بجوار الأصيل. عمرو على بركات |