البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : التاريخ

 موضوع النقاش : مثقفونا الرواد الكبار ومواقفهم من الإحتلال والإستعمار    قيّم
التقييم :
( من قبل 27 أعضاء )
 عبدالرؤوف النويهى 
14 - يوليو - 2006
 
منذ فترة بعيدة ، وأنا مهموم بالثقافة والمثقفين وأناشد نفسي  التريث فيما تحاول طرحه على الساحة، سيما وأنه محفوف بالكثير من المخاطر و الظنون والتكهنات والإفتراضات  التى لا ترقى إلى مستوى اليقين ، وتوكلت على الله وقلت لنفسى :  سأحاول السير فى دربك وإخراج ما يدور بصدرى منذ عقود تولت 0
 
كنت أحاول ،ودأبى الذى يحاصرنى حصارا لافكاك منه ، الحديث عن الطبقة المثقفة بدءا من العدوان الفرنسى الإستعمارى  بقيادة نابليون واحتلال مصر سنة 1798ميلادية   ثم الخروج منها وتولى محمد على قيادة مصر ، والعدوان السافر وانتهاز البلاد الإستعمارية ضعف الخلافة العثمانية وشن الحروب على البلاد العربية واحتلالها والسيطرة عليها ، ولم تسلم دولة عربية من العدوان الأوروبى الغربى الهمجى الإستعمارى واحتلال الأوطان واستعباد شعوبها ونهب خيراتها  وتمزيق أوصالها وطمس الهوية وزرع الفتنة بين أبنائها ونشر النموذج والثقافة والقيم والعادات والتقاليد الإستعمارية0
 
 
السؤال المطروح بداخلى والذى أسعى للإجابة عليه 0000
 
ما هو الدور الذى لعبته الطبقة المثقفة (حملة الأقلام) فى الدفاع عن الوطن المحتل  والمقاومة لجيوش الإحتلال وغزوهم الفكرى والثقافى والتعليمى والتربوى و00000000000إلخ??
 
ما هوالدور الذى لعبه مثقفونا  الرواد  الكبار  فى مقاومة الإحتلال و الإستعمار، ليس فى مصر فقط   بل فى سوريا والعراق وليبيا والمغرب وتونس والجزائر ولبنان  وفلسطين وفى كل الأوطان العربية فى عصور الإحتلال آنذاك ??
 1  2  3  4 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
قاسم أمين 00000تحرير المرأة لا الوطن !!!!! (8)    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم
 
 
كثيرا مايذكر إذا اشتد الضيق بالرجل وتكدرت معيشته مع زوجته ويصرخ : الله يجازيك ياقاسم ياأمين !!!!
 
سمعت هذه الصرخة ولم أبال وقتها بمضمونها أو ما تعنيه على الخصوص ، كنا مشغولين بالزراعة والحصاد والتعليم والسعى على الرزق ، كبارا وصغارا ، صبايا وعجائز ، النساء بجوار الرجال يدا بيد ،خطوة بخطوة ، لم يكن لدينا الوقت للسفسطة والكلام الكثير ، وعيت للدنيا وهزيمة حزيران 1967  تقصم الرقاب وتحطم الكرامة ، مرض والدى يرحمه الله مرضا شديدا ، ولم يقو  جسد ( خالى) على تحمل الهزيمة وهوالشاب الثورى الناصرى العروبى ، سقط فى بئر الهزيمة ولم يخرج منها ،وتاهت المعالم وضاع الطريق وتشعبت الطرق أمامه ، حزنت عليه وأشفقت من خطاه المتعثرة ، واكتفى من دنياه بوظيفة تساعده على العيش وهوالذكى والذى أمل الجميع له بمستقبل باهر ووظيفة مرموقة ، كانت هزيمة مصر عبدالناصر، هزيمة شخصية له ، لم يفق منها  وسيطرت على حياته وسطرت مستقبله0
 
قاسم أمين صاحب كتاب( تحرير المرأة)، وكتاب (المرأة الجديدة) ،ودراسات أخرى ،لكن  كتاب تحرير المرأة الكتاب الثورة الذى لايزال أثره مطروحا على بساط البحث ويطبع طبعات متعددة ، ويأخذ مجدا وينال لعنا ، ويوصم بالعمالة  والتآمر،حينا  ، ويشاد بموقفه ويحمد مسلكه ،حينا آخر0
 
ولد قاسم أمين فى أول ديسمبر 1862م بالأسكندرية لأب تركى عثمانى (محمد بك أمين )وأم مصرية من صعيد مصر ،كان والده صاحب إقطاعيات بمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة حاليا ،تربى بمدرسة رأس التين الإبتدائية ،مدرسة الأرستقراطية من أبناء الأتراك والشراكسة والأثرياء ،ثم انتقلت الأسرة للإقامة بالقاهرة بحى الحلمية حى الأرستقراطية القاهرية ،ووالتحق بالمدرسة الخديوية (الثانوية العامة حاليا )ودخل القسم الفرنسى بها ،ثم التحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق وحصل على الليسانس سنة 1881م وكان أول خريجيها0
عمل قاسم أمين بالمحاماة ثم سافر إلى فرنسا فى بعثة دراسية بجامعة مونبلييه ،وبعد أربع سنوات حصل على شهادة تها بتفوق ، وأثناء إقامته بفرنسا ،حدثت أحداث الثورة العرابية ، واحتلال مصر احتلالا إنجليزيا وإجهاض الثورة ونفى زعمائها 0
التقى بالأفغانى ومحمد عبده بباريس وكان مترجما خاصا لمحمد عبده 0
عاد قاسم أمين إلى مصر سنة 1885م بالنيابة ،وفى سنة 1889رقى إلى منصب رئيس نيابة ،وتدرج فى سلك القضاء متنقلا بين أقاليم مصر ،حتى رقى مستشارا ،وانتهج الإصلاح الإجتماعى منهجا له بعيد ا عن مناوئة الإحتلال والتصدى له ،فكانت القضية التى شغلته ألا وهى وضعية المرأة فى المجتمع المصرى ودعوته إلى تحريرها ،وأصدر كتابه تحرير المرأة سنة 1899م ثم أعقبه بكتاب المرأة الجديدة سنة 1900م0وانتقل إلى رحمة الله تعالى ليلة 23إبريل سنة 1908بعد أسبوع من إلقاء خطابه للدعوة إلى إنشاء الجامعة المصرية والتعليم الجامعى ،غفر الله لنا وله 0
 
رأى قاسم أمين فى الإحتلال :
 
قاسم أمين من المد رسة السياسية التى تكونت بعد هزيمة عرابى والإحتلال الإنجليزى ،وهذه المدرسة تؤمن بطريق الإصلاح طريقا للتقدم والتطور ويرفضون الثورة ، وفى ظل الإحتلال البريطانى ، كانت قيادات هذه المدرسة تتعامل مع سلطات الإحتلال كأمر واقع لا مفر منه ، وأن المد رسة الثورية التى يقودها مصطفى كامل والجلاء الفورى وتحرير تراب الوطن مسألة فيها نظر ، بل كان محمد عبده يصف خطب مصطفى كامل (نوبات صرع )!!!!!!!!!!!!!!!
 
وهكذا شغل قاسم أمين نفسه بقضية تحرير المرأة لا الوطن ، وعلا صوته مطالبا بإصلاح وضعية المرأة لا المطالبة بجلاء الإحتلال عن مصر ، ودبج المقالات الثورية للإصلاح الإجتماعى ، ناقدا ومستهزأا وساخرا ومتهكما من الثوريين الوطنيين 0
 
والمدهش والمثير للكثير من الأسئلة، أن يطلب قاسم أمين من إنجلترا أن تحمل مسئولية مستقبل مصر مادامت تمسك مصيرها بين يديها ويأمل ألا يسمح إخلاص إنجلترا بعودة الفساد الدكتاتورى مرة اخرى وأن مصر قد بدأت تنتظم بالفعل فى طريق الحضارة وأنه قد أصبحت لديها حكومة أمينة مهيبة وذات مشاعر أبوية ،وأن مصر قد دخلت عصر النظام والحرية ،وأن كل هذه الإنجازات إنما هى من فعل الإنجليز (فكل ما وجد فى مصر من الحرية والنظام والعدل ،لم يوجد ولم يستمر إلا بعمل الأجنبى ،وعلى رغم أهلها )!!!!!!!!!!
 
*عبدالرؤوف النويهى
3 - أغسطس - 2006
حافظ إبراهيم والوطنية السجينة    كن أول من يقيّم
 
كم ذا يكابد عاشق ويلاقى         فى حب مصر كثيرة العشاق
إنى لأحمل فى هواك صبابة    يامصر قد خرجت عن الأطواق
لهفى عليك متى أرك طليقة     يحمى كريم حماك شعب راقى
 
   من القصائد الجميلة القريبة والمحببة إلى نفسى ، أجد هذه الأبيات على طرف لسانى وأرددها معجبا بها ، لمصر كثيرة العشاق 0
 
إنه الشاعر العربى   المصرى صنو أمير الشعراء أحمد شوقى ومعاصره ولايذكر أحدهما إلا وذكر الآخر (حافظ وشوقى أوشوقى وحافظ ) ، كانت حياتهما حافلة ومليئة بالأحداث التى ألمت بالوطن والعالم العربى 0
 
إنه محمد حافظ إبراهيم فهمى ، وشهرته حافظ إبراهيم شاعر النيل ، ولد كما ذكر على لسانه سنة 1872م فى سفينة (ذهبية )ترسو على شاطىء النيل أمام بلدة ديروط فى أعلى الصعيد   ، وكان يسكنها إبراهيم أفندى فهمى أحد المهندسين المشرفين على قناطر ديروط ، وأمه من أصل تركى 0
فى الرابعة من عمره ، مات أبوه ، وانتقلت إلى إلى القاهرة لتعيش فى كنف أخيها ودخل حافظ المدرسة الإبتدائية ثم الخديوية ولم صبرا على التعليم ، لكنه تعلم الإطلاع فى الأدب والشعر والشعراء والموسوعات وكتب التراث العربى0
 
عاش مع خاله وانتقل معه إلى مدينة طنطا وحاول أن يعيل نفسه ، فلم يجد إلا المحاما ة واشتغل بمكتب أحد المحامين ، ولكن طبعه لم يجعله دوؤبا على هذه المهنة ولم يطق صبرا ، رحل إلى القاهرة والتحق بالمدرسة العسكرية وتخرج منها ضابطا (ملازم ثان)ثم ملازم أول وذلك فى الفترة من 13/2/1891 حتى 6/5/1894
وملاحظ بوليس ثم عاد مرة ثانية لوزارة الحربية وأحيل على المعاش 1/11/1903وبعد عدة سنوات عين رئيس للقسم الأدبى بدار الكتب فى 14/3/1911وظل يعمل بها حتى إحالته على المعاش فى 4/2/1932،
 
وفى خلال هذه الحياة العريضة والواسعة ، كان الوطن مصر ينوء تحت نير الإستعمار الإنجليزى ، وسيف الحاكم الإنجليزى يقطع الرقاب ويستميل القادة ويرغبهم فى الأمن والأمان وينشر لهم أجنحة السعادة ويعطيهم االأموال ويجزل لهم العطايا والمزايا والمنح ويشجعهم على الصراع الداخلى والبعد عن نقده أو الوقوف ضده أو التآمر عليه ، هذا المغتصب الحقير ينسى أنه يغتصب بلدا حرا ويدمره ويقتل رجاله ويأخذ خيراته ونعمه 0
 
ويلتقى حافظ إبراهيم  بالشيخ محمد عبده ، ويتعلق به ويصاحبه ويتعلم منه وأصبح حافظ من تلاميذه المخلصين لأفكاره ومناهجه وتعاليمه ، أصبح عضوا فى مدرسة محمد عبده التى تطالب بالإصلاح الداخلى والتطوير للأزهر والتعليم والتربية ، حتى فى ظل الإحتلال ، والوقوف عن مناوئة المستعمر بل محاولة الإلتقاء معه والتفاهم وديا ، فكل ذلك لصالح الشعب وباعتبار أن الإحتلال واقع لامفر منه ولاصراع معه 0
(000وكان منصب السكرتير الشرقى من أكبر مناصب دار المندوب السامى ،إذ كان يلى المندوب السامى مباشرة،فكان يزور حافظا فى بيته بين الحين والحين 000) من المقدمة الثانية لديوان حافظ 0
ويصبح حافظ إبراهيم من مشاهير شعراء العربية ، ومن المجيدين فى الشعر وقصائده الرائعة والجميلة يترنم بها السيارة والركبان ، بل غنت له مغنية العصر والقرن العشرين السيدة أم كلثوم قصيدة شهيرة (وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبنى قواعد المجد وحدى )
ويكتب أشعاره فى المراثى والإجتماعيات والسياسة  ويتصدى له الدكتور / طه حسين ، ناقدا له ومثنيا عليه تارة وعاتبا تارة أخرى 0
 
رأى حافظ إبراهيم فى الإحتلال :
 
قلت وأكدت أن حافظا من مدرسة محمد عبده وأنه يسير معه خطوة خطوة ، لا يفارق منهجه ولا يثور على أفكار ه ، بل يؤيدالشيخ محمد عبده باطنا وظاهرا ، وصداقته للكثير من رجالات الإحتلال ، وكونه كان ضابطا سواء بالحربية أو الداخلية ، كانت الأطواق التى أخذت بخناقه ، ولم يكن حرا فى المقاومة والتنديد بالإحتلال ، والكفاح المسلح ضده 0
 
وجملة رأىَ استمده من الدراسات التى كتبت عنه والقراءة لأشعاره التى تندد بالمحتل الغاصب ،وقصيدته المشهورة تعليقا على حادث دنشواى والنيل من إبراهيم الهلباوى (جلاد دنشواى )
 
وفى وداع كرومر ،قال حافظ شعرا يذوب رقة وحنانا بل يشيد به لرحمته بالضعيف ،ولولا حادث دنشواى لذبنا أسى يوم الوداع لأننا نرى فيك ذاك المصلح المتوددا????!!!!!!!!!!!!!!!!
 
 
 
 
 
*عبدالرؤوف النويهى
29 - أغسطس - 2006
رحم الله نجيب محفوظ..    كن أول من يقيّم
 
*أرجو أن يخصص أستاذنا ع.الرؤوف النويهي حلقة أو حلقتبن من ملفه-الرواد الكبار...-
للراحل عنا إلى دار البقاء ، الدكتورنجيب محفوظ ، فقيد الأدب العربي تغمده الله بواسع رحمته..
مع جزيل الشكرو الامتنان.
*abdelhafid
31 - أغسطس - 2006
نجيب محفوظ فى رحاب الله (1)    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
أخى العزير الأستاذ/عبد الحفيظ  00
طلبك بشأن   نجيب محفوظ رحمنا الله وإياه ،يسعدنى تحقيقه وبكلمات متواضعة جدا ،وخشية من الوقوع فى الزلل،كنت قد سطرت سطورا فى ملف ولاد حارتنا،فى مجلس الأدب1/2/2006،وهذه السطور ،بلغت أربع مقالات ولم أتمكن من استكمالها كما كنت عازما ، ربما طلبكم _سيدى العزيز _يحثنى  مستقبلا على الإستكمال لما بدأته ،وعموما سأحاول  إعادة  نشرهذه المقالات ،هدية متواضعة جدا لأخى /عبد الحفيظ ،وعلى أمل أن تنال بعض البعض من الإعجاب لهذه الخربشات 0
 
 
حارتنا العجيبة ذات الأحدا ث العجيبة 00    (1)
 
ترددت كثيرا وكثيرا جدا ، فى المشاركة فى هذا الملف الرائد ، عن رائعة الأديب العالمى نجيب محفوظ ((أولاد حارتنا ))إذ أنها الوحيدة والمتفردة من بين أعماله التى أصابها وابل من النقد الجاد والنقد المغرض ، وكانت الأحكام تلقى جزافا دون روية وبلا أدنى إمساك بتلابيب أبسط مبادىء النقد الأدبى والثقافى ، بل بلغ السيل الزبى أن رماها بكل نقيصة ، كل من سمع عنها ولم يقرأها ، ولم أنس أن الشيخ كشك صاحب الأشرطة العديدة والخطيب الشهير، رحمنا الله وإياه  ، قد دخل المعركة المحفوظية ، لاعنا وشاتما ومهاجما ببشاعة وتحقير ، هذا العمل الفذ ، على الأقل من وجهة نظرى المتواضعة ، والذى صار حديث الساعة ، وهل تتطبع بمصر أما تظل خارج أعمال نجيب محفوظ ، المطبوعة والمتداولة بمصر ، لقد قرأتها مطبوعة عن دار الآداب _ببيروت_ ويقينى أن قراءة العمل الأدبى ينبغى أن تتسع دائرته إتساعا شاملا بالظروف التى إنبثق فيه العمل الأدبى ، فى محيطها ، سياسيا وإجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا وأى ظروف أخرى محيطة بالوطن ، هذا على المستوى القطرى ،وأيضا على المستوى الدولى 00فكل عمل إبداعى أيا كان له خلفية يرتكن عليها ويتوكأ على معطاياتها 0ولابد أن يوضع ، فى الحسبان ، هذه الظروف مجتمعة 00000حتى يصدر الحكم وفقا للمعايير النقدية والجمالية والفنية ، وليس نتيجة هوى أو موقف مسبق أو تعنت مرفوض أو جهل سقيم 0وعلينا أن نكون منصفين لأنفسنا أولا ، فلا ننجرف وراء المهاترات أو نتوه وسط الزوابع والعواصف والإبتزاز الفكرى والمقولات الفاسدة والنباح الكريه وليكن الرأى والرأى الآخر ،هما الدعامتان  الذين نستند عليهما ، ولنقدس فقه الإختلاف ، فلكل من رأيه وذوقه ، دون إصدار أحكام قاطعة ، فرأىَ خطأ يحتمل الصواب ورأى غيرَى صواب يحتمل الخطأ 0هذا ما نشأنا عليه وسرنا به مسيرة حياتنا 0000هذه إفتتاحية أحرص عليها ، موضحا ومركزا ، آملا وفى القريب جدا  أ ن أطرح وجهة نظرى فى هذا العمل الإبداعى الروائى الشامخ 0وشكرا لمن حفًزنى للكتابة000
*عبدالرؤوف النويهى
31 - أغسطس - 2006
نجيب محفوظ فى رحاب الله (2)    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
 
 
                         شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا (2)  
 
 و يبدأ نجيب محفوظ ، رائعته {أولاد حارتنا}
((((((هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق 0  لم أشهد من واقعها إلاطوره الأخير الذى عاصرته ،ولكنى سجلتها جميعا كما يرويها الرواة وما أكثرهم 0جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات ،يرويها كل كما يسمعها فى قهوة حَيه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال ،ولاسند لى فيما كتبت إلا هذه المصادر 0وما أكثر المناسبات التى تدعو إلى ترديد الحكايات ))))))أنهى نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة عام 1952،وظل صامتا ، يرقب الأحداث فى مصر المحروسة وإندلاع ما تم التعارف عليه بثورة يوليو 1952بقيادة الضباط الأحرار وعلى رأ سهم اللواء /محمد نجيب ،وخروج الملك فاروق وتنازله عن العرش لولى عهده الأمير أحمد فؤاد ، ومابين عامى 1952و1957وقعت أحداث جسام وأخطاء فادحة وخطايا القمع والتعذيب والحكم الدكتاتورى والبطش والإستبداد والمحاكمات العسكرية الظالمة والقهر الفكرى والثقافى،وإنجازاتها  المتعددة  فى مجال الإصلاح الزراعى والصناعى والتعليمى 00إلخ  
 وبدأ نجيب محفوظ وهو العين الناقدة والفاحصة والمتأملة وهو العقل المتوقد والذهن الجبار ، بدأ يرصد المتغيرات والإنقلابات ولم يكن بعيدا عنها بل عائشا فى خضمها وكما أكد فى الإفتتاحية ، معاصرا لها 0وفى عام 1959ومحمد حسنين هيكل يعتلى رئاسة جريدة الأهرام والأشهر عربيا وعالميا ، ومحمد حسنين هيكل المقَرب من الزعيم / جمال عبدالناصر وصديقه وموطن سره ومحط ثقته والصحفى الشهير ومقالاته المعنونة {بصراحة } والتى تذاع فى الراديو 0قام آنذاك بنشر رواية أولاد حارتنا ، مسلسلة ، وهنا قامت القيامة وهبت العواصف وأمتلأ الجو غيوما وضبابا وأعلنت الحرب الفكرية الشعواء على الرواية وكاتبها الكافر والزنديق والملعون ، والمطالبة بوقفها فورا ، وبمكانة هيكل لدى عبدالناصر إنتزع منه القرار بالإستمرار فى النشر ، ويقال أن المندوب الشخصى لعبدالناصر ، حسن صبرى الخولى ، إتفق مع نجيب محفوظ ، بعدم طبع الرواية بمصر ، ,وأن تطبع خارجها ، و أخيرا أكد نجيب محفوظ هذا الإتفاق 00000000000000000000ويستطرد نجيب محفوظ فى الإفتتاحية ص7 {شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا ،وعاصرت الأحداث التى دفع بها إلى الوجود "عرفة"إبن حارتنا البار ، وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل فى تسجيل حكايات حارتنا على يدى ،إذ  قال يوما :"إنك من  القلة  التى تعرف الكتابة ، فلماذا لاتكتب حكايات حارتنا ?000""ويسترسل قائلا :وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة فى حارتنا 000000000""ثم يتابع :"فإننى لاأكتب عن نفسى ولاعن متاعبى ،وما أهون متاعبى إذا قيست بمتاعب حارتنا 0حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة 0كيف وجدت ?وماذا كان من أمرها ،ومن هم أولاد حارتنا?
*عبدالرؤوف النويهى
31 - أغسطس - 2006
نجيب محفوظ فى رحاب الله (3)    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
                            أولاد حارتنا بين الثورة والإحباط ( 3)  
 
لم يكن نجيب محفوظ إلا ناقدا لواقع عايشه ، وأمسى يصحو وينام على تغيرات الثورة ، وإنفراد مجموعة الضباط الأحرار بمقاليد السياسة والحكم ، وتمكن عبد الناصر من الإطاحة بكل رأس تناطح رأ سه ، وإقدامه على تأميم قناة السويس وما تلى ذلك من عدوان ثلاثى واحتلال سيناء وا شتعال الحرب وتدخل القوتان العظمييان آنذاك موسكو ووا شنطن ، والخروج المذل والمهين لقوات العدوان الغاشم وتحرر سيناء ومازالت صورة عبدالناصر وهو يعتلى المنبر ويخطب بالجامع الأزهر بالقاهرة ، والقلوب والحناجر تهتف وتحيط به ، صورة صعب نسيانها ،  وصعود نجم عبدالناصر والذين معه صعودا ملك بعدها قلوب الشعب وعقلوهم ، بل لا أكون مبالغا إذا قلت أنه صار الحاكم الآمر الناهى لامرد لقضائه ، وأثرى الضباط الأحرار ثراءا فاحشا وهيمنوا هيمنة كاملة على البلاد والعباد ، وأصبح منهم الوزراء والمحافظون والكتاب والساسة 0
 
والشعب سكران بنشوة الإنتصارات وتحقيق الأحلام والسعى نحو إقامة مجتمع تذوب فيه الفوارق الطبقية وإقامة العدالة الإجتماعية وتحالف قوى الشعب العاملة 0وما أشبه الليلة بالبارحة 0فالشعب يئن ويئن ويئن ، وكأنك ياأبو زيد ماغزيت 0والسلطات والقيادات والمتعة والوجاهة والمجد للضباط الأحرار والذين معهم ، والقبض والسحل والسجون والمعتقلات والتعذيب للمفكرين والمثقفين وأبناء الشعب المخلصين الذين يطالبون بالحد الأدنى من الحياة الإنسانية المتواضعة ،ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمون والمعارضون لتوجهات الحكم السجون وطوردوا وعذبوا وإنتهكوا بدنيا وعقليا ونفسيا ، بل التصفية الجسدية إن أمكن ، والمحاكمات العسكرية العاجلة ، ولا أنسى الحكم البشع على خميس والبقرى بالإعدام ، وسبب ذلك مطالبهم المتواضعة فى حياة كريمة وهما العاملان بإحدى الشركات بكفر الدوار ، وهذا بالتأكيد إنذار مخيف وقاس وبشع وحقير ومرعب ، فالصمت الصمت الصمت 000
 
وفى هذا السياق التا ريخى لتلك الحقبة المرة والمريرة فى حياة مصر المحروسة وسقوط الأمل فى حفرة اليأس 0سجًل وبكل أمانة ودقة ، نجيب محفوظ هذه التداعيات المريعة التى أصابت الوطن والناس فى مقتل0 (((((ومع ذلك فلم تعرف حارة حدة الخصام كما عرفناها ،ولا فرًق بين أبنائها النزاع كما فرق بيننا ،ونظير كل ساع إلى الخير نجد عشر فتوات يلوحون بالنبابيت ويدعون إلى القتال 0حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالأتاوة ، والأمن بالخضوع والمهانة ، ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة فى القول أو الفعل بل للخاطرة تخطر فيشى بها الوجه 0وأعجب شىء أن الناس فى الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغارى والدرا سة والحيسنية يحسدوننا على أوقاف حارتنا ورجالنا الأشداء ، فيقولون حارة منيعة وأوقاف تدر الخيرات وفتوات لا يغلبون 0كل هذا حق ، ولكنهم لايعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين ، نعيش فى القاذورات بين الذباب والقمل ، نقنع بالفتات ، ونسعى بأجساد شبه عارية )))))))))ص7،6من الرواية 00000000000000وللحديث بقية
*عبدالرؤوف النويهى
31 - أغسطس - 2006
نجيب محفوظ فى رحاب الله (4)    كن أول من يقيّم
 
                           أولاد حارتنا بين الشكل والمضمون ( 4)   
 
فى المقالات السابقة ، حاولت وبإيجاز شديد ، أن أطرح وجهة نظرى المتواضعة ، والظروف الإجتماعية والسياسية سواء التى تجرى بالوطن أوالتحولات السائدة بدول العالم ككل ، بإعتبار أن السياق التاريخى للعمل الإبداعى لابد من وضعه فى الحسبان ، فلاشىء يأتى من عدم وإنما من واقع معايش ووجود نحياه بخيره وشره ، ويهمنى أن أ ستهل البداية ،  للولوج داخل العمل الإبداعى ومضمونه والشكل الفنى الذى يرتكن عليه  ولاأنسى مستويات التلقى للعمل الإبداعى والتراكم المعرفى والفكرى لكل متلق وقارئ، وكيف تشكل رؤيته ورأيه ومنهجه فى الحكم على المبدع وإبداعاته 000وبالتالى هناك مستويات متعددة للتلقى ، والعمل الإبداعى  أكبر من أن ينحصر فى رأى واحد ، ويحكمنا المنطق النقدى الصارم فى إظهار جمالياته ومثالبه ونقده 0والنأى بالعقل عن الفوضى والترهل والورم الفكرى المنغلق والمحدود الأفق والضيق االمدارك 0إن العقل أشر ف وأجلً من أن يسقط فى حمئة العفن والسباب واللعن والقذف 0000
 
وأبدأ وبإختصار الحديث عن (أولاد حارتنا) فهى رواية تقع فى 552صفحة من القطع الكبير ، تشمل إفتتاحية وخمس حكايات {{    أدهم  وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة }}}بعدد 114فقرة 0 وأوضح أكثر ، أن نجيب محفوظ وبعد إنتهائه من عمله الضخم "الثلاثية 0بين القصرين ،قصر الشوق ، السكرية "بإعتبارها من روائع روايات الأجيال على المستوى العالمى 0وصمته فترة طويلة ، ثم بدأ كتابة أولاد حارتنا ، على شكل حكايات ، فالسردية لدى نجيب محفوظ ، خيط متصل الأوصال  ،متشابك المواضيع ، مترابط النسيج 0بلاغة لغوية ساحرة وألفاظ منتقاة بعناية وعذوبة غامرة 0000
 
وتبدأ الحكاية الأولى                        (((أدهم )))  
    
 {{{ كان مكان حارتنا خلاء 0فهو إمتداد لصحراء المقطم  الذى يربض فى الأفق 0ولم يكن بالخلاء  من قائم إلا البيت الكبير الذى شيده الجبلاوى كأنما لتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطرق 0كان سوره الكبير العالى يتحلق مساحة وا سعة ، نصفها الغربى حديقة ، والشرقى مسكن مكون من أدوار ثلاثة 0ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتانى المتصل بسلاملك الحديقة 0وجاء الأبناء جميعا ، إدريس وعباس ورضوان وجليل وأدهم ، فى جلابيبهم الحريرية ، فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لايكادون ينظرون نحوه إلأا خلسة ، وأمرهم بالجلوس فجلسوا على المقاعد من حوله 0000000}}}}}
 
هكذا بدأت الحكاية  واثناء الإجتماع أصدر الواقف قرارا خطيرا  بإختياره  أدهم لإدارة  الوقف تحت إشرافه ، وتبودلت النظرات بين الأخوة تعكس مشاعر متابينة ، ودارى البعض مشاعره ، إلا إدريس إنفجر فى وجه أبيه  غاضبا  ،   ولكننى الأخ الأكبر 0000000000ولكن الأب لم يبال ، وأكد أنه راعى فى إختياره مصلحة الجميع 0000ويبدأ الصراع الإنسانى الأبدى بين من يستحق ومن لايستحق ، بين العدل والظلم ، بين الخير والشر ، بين الكبير والصغير ، ويتحمل  أدهم  المسؤلية فى إدارة الوقف بكل همة ونشاط 0000وتنفجربأعماق إدريس  أحط الإنفعالات وأ سوأها ، ويسلك السلوك المشين دون تعقل ، بل يهاجم وبضراوة والده  الذى طرده من البيت شر طردة لخروجه على الناموس الأبدى ، إحترام الأب وتوقيره وتبجيله والإنحناء له والإحسان به 00000
*عبدالرؤوف النويهى
31 - أغسطس - 2006
في وداع نجيب محفوظ    كن أول من يقيّم
 

على الطريق
عن الرجل الذي صار مصر: نجيب محفوظ

طلال سلمان
تمتزج صورة نجيب محفوظ بمصر فيكاد يستحيل الفصل بينهما حتى بالموت. لكأنه هي، لكأنها هو، بشخصه وتقاليد حياته اليومية، بملامحه التي لا تستوقف إلا من عرفه أو تعرّف إليه من صوره، لأنه يشترك فيها مع الكثرة الكاثرة من المصريين، بظرفه الفطري، بتذوقه للطرفة والنادرة والنكتة، باحترافه السؤال ليعرف أكثر، ثم بذلك الاعتداد بمصريته التي لا يرى فيها تنافراً مع العروبة، ولا مع إيمانه بوحدة الإنسانية، ولا خاصة مع إسلامه الذي يراه مساحة مشتركة مع المؤمنين الآخرين، القبط بالتحديد، وحتى مع اليهود في الدين.
لذلك تصعب الكتابة عن نجيب محفوظ بالاستقلال عن مصر.. فهو قد عاش فيها ولها، لم يغادرها تقريباً، وظل يسعى إلى روحها حتى امتلأ بها فكتبها.
ومصر هي القاهرة، عنده كما عند أكثرية المصريين.. ولأن نجيب محفوظ قد كتب القاهرة فهو قد كتب كل المصريين، وكتب مجتمعه بطبقاته وأطيافه السياسية وتحولاته التي زلزلته على امتداد سبعين عاماً أو يزيد، فنقلته من حال إلى حال ومن طور إلى طور ومن موقع إلى موقع حتى بات صعباً على غير نجيب محفوظ أن يؤرخ للتحولات بالبشر ذاتهم: طموحاتهم وخيباتهم، انتفاضاتهم بالرفض أو استكانتهم بالعجز، تشوقهم إلى التغيير وانكسار الأحلام أمام قسوة موانع الداخل وحروب الخارج.
ولعل بين مزايا نجيب محفوظ الباهرة تلك النزاهة التي تعامل بها مع مجتمعه، فهو لم يحاول، مرة، تزيين العيوب، أو طمس العورات، أو القفز من فوق وجوه النقص. لقد كتب بروح مصر، فلم يجامل المصريين ولم يتستر على عيوبهم. كتبها مجتمعاً متكاملاً بأبطاله، المجهولين قبل المعروفين، بنجومه المبهورين بالضوء والعاديين من أبنائه الساعين وراء رزقهم والمثقلين بهمومهم، بالموظفين المقتول طموحهم بالروتين، والشبان الطامحين إلى التغيير بالثورة، فإن تعذرت أو طال الطريق إليها فبعمليات الاغتيال السياسي، إلى النصابين والمخاتلين وأبناء السبيل، والنساء بمختلف أصنافهن ما بين الأم القديسة والعانس والمومس والمتهورة بزواج النصيب، وصولاً إلى المجاذيب الذين يشكّلون بوابات <سيدنا الحسين> الذي هو <دنيا الله> كاملة، والادلاء في الأحياء المجاورة والمتفرعة من حوله والتي صارت أسماء لرواياته، والتي تراكم فوق بواباتها التاريخ، فحجب أسماء بُناتها وإن بقي <الحرافيش> الشهود عليها وعليهم يملأون الأفق بتلك النعمة التي لا تجدها بهذه الكثافة في غير مصر: الرضا، الذي لا ينتقص أبداً من اعتدادهم بأنهم أبناء وحفدة أولئك البنائين الذين ماتوا تحت أثقال الحجارة التي بنوا بها الأهرامات بالسخرة، أو تحت سياط الذين حفروا قناة السويس في أرضهم لتمكين الاستعمار من مصر... وهم قد حفروها بالسخرة، أيضاً، وللأجانب هذه المرة.
? ? ?
أسعدني حظي بلقاء نجيب محفوظ، أول مرة، يوم الخامس من حزيران .1968 كنت أعمل في مجلة <الحوادث>، وقد طلبت أن أذهب إلى القاهرة لأكتب عنها بعد عام من الهزيمة.
قال لي الفنان الكبير الراحل بهجت عثمان: لقد استأذنت أن أصحبك إليه. تعرف، إنه يوم الخميس، وهو الموعد الأسبوعي للحرافيش. حظك طيب.. ستراه كما تحب أن تراه.
وذهبنا إلى منزل أحد المبدعين في الكتابة الساخرة، الراحل محمد عفيفي، وكان في منطقة الهرم، يقوم وسط حدائق التهمها العمران العشوائي في ما بعد. بعد التعارف، وبعض التشنيعات الطريفة التي تناوب على إطلاقها بهاجيجو وعفيفي، سألني نجيب محفوظ: كيف لبنان? وشرحت الصورة في بلدي، كما أراها، مراعياً الاختصار.. فاستزاد، وأفضت. وعلى غير توقع هبط عليّ سؤال (من خارج النص): هل ما زلتم تحبون مصر?! أكدت بهزات من رأسي، وهممت بالكلام، فرشقني بالسؤال الثاني: وهل ما زلتم تؤمنون بجمال عبد الناصر?. قلت بسرعة: أجل.. وها هو جيش مصر قد باشر حرب الاستنزاف.. لم تنته الحرب، أليس كذلك?! هز رأسه، والتفت إليّ فلمحت عينيه من خلف الزجاج المعتم للنظارتين، قال بنبرة غضب: أكان ضرورياً أن نحارب فنهزم?
? ? ?
صار من تقاليد زياراتي للقاهرة، أن أذهب بصحبة بهجت إلى <الحرافيش> كل خميس. وشدتني الصداقة، من بعد، إلى عدد منهم، أبرزهم من الأحياء المخرج السينمائي توفيق صالح.
وأذكر أنني في إحدى سهرات الحرافيش، وكان لبنان غارقاً في دمائه أيام الحرب الأهلية، أن نجيب محفوظ توجه إليّ بالسؤال: وما أخباركم في بيروت? كيف تستمر الحياة في هذه المدينة التي لا تقتلها حرب، ولا ينهيها اجتياح إسرائيلي?! اشرح لي كيف تنتصرون على الموت..
بدأت كلامي محاولاً رسم خارطة سياسية، فتدخل ثروت أباظة مناقشاً فإذا بنجيب محفوظ يهب به صارخاً: يا أخي دع الرجل يشرح لنا ظروف هذا العالم الهائل الذي اسمه لبنان... بعد ذلك بلغه رأيك!
قلت مستفيداً من جو التعاطف: لو أنك تقبل دعوتي، برغم معرفتي بنفورك من السفر، لكن بيروت تستحق..
ارتسمت ابتسامة في عينيه، من خلف الزجاج المعتم للنظارتين، ثم قال: الصحة لا تسعفني، لكن بيروت تستحق.
? ? ?
ذات خميس، اقترح بهجت على نجيب محفوظ أن يمضي <الحرافيش> يوم غد الجمعة في القناطر الخيرية. وأعجب <الأستاذ> بالفكرة، فوافق... وانطلقنا مع الصباح إلى ذلك <السد> الذي بني أيام محمد علي للتحكّم بمياه النيل وتوزيعها على الدلتا. وهناك رأيت وجوهاً جديدة لنجيب محفوظ. كان في غاية الانشراح، خصوصاً وقد جاءه <حرفوش> بمنظار مقرّب، فطفق يتابع المتنزهين والمتنزهات، وكثرة بينهم عائلات، أما القلة فمغرمون اختلسوا بعض الوقت ليمضوه بعيداً عن العيون، وسط الماء والخضرة وغابات الصفصاف حامية الأسرار.
عقدنا حلقات نقاش تداخلت فيها الثقافة بالذكريات الشخصية بالهموم السياسية، وكان نجيب محفوظ مستمعاً في الغالب الأعم، يتدخل أحياناً بملاحظة، أو تحبك معه نكتة فيطلقها ويضحك لها أولاً... ثم <همدنا> فظل نجيب محفوظ على كرسيه يدور بنظره حيث لا نعرف، حتى انتبه بهجت فهمس لي بغيظ: كنا نفترض أننا <نتفرج> عليه، فإذا به كل الوقت يتفرج علينا!
? ? ?
في آخر لقاء، قال لي نجيب محفوظ: تعبت مصر، اتركوها ترتَح قليلاً ولا تتعجلوها. لا تخافوا على روحها. مصر لا تشيخ ولا تموت. لكنها متعبة. لا تنظروا إلى حكامها.. لطالما حمل ماء النيل إلى البحر أثقالاً. ألا تسمع كلمة <الصبر> ألف مرة في اليوم? مصر صبورة، لكنها تعود دائماً إلى ذاتها، وتستعيد دورها. ولكن ارحموها. مصر بحاجة إلى مصر، الآن، اتركوها لزمنها. بين مصر والزمن علاقة خاصة جداً، هي تفهمه، فلا تخافوا عليها.
وحين قمت مودعاً، سألني وقد أشرق وجهه بتلك الابتسامة التي تشعل السمرة:
أما زالت دعوتك لزيارة لبنان قائمة. احفظوا لبنان، إنه بلد هايل، هايل. إنه نقيض مصر، لذلك فالحب بينهما بلا حدود! احرصوا على لبنان، وأحبوه. لا يعيش وطن بلا حب أهله.
لقد كتب نجيب محفوظ مصر، مصر الأمس واليوم والغد.
كتب عن الوطنية ولكن دائماً مشفوعة بطلب الديموقراطية. وظلت ثورة 1919 تسكن كل كتاباته. وبرغم أنه تعايش مع نظام جمال عبد الناصر إلا أنه لم يعترف يوماً بهذا النظام كثورة، وإن أحب في عبد الناصر وطنيته وإيمانه بمصر. لم يكن يحب <الضباط>، ولم يقبل الجيش <كقائد> سياسي ولا خاصة كبديل من الوفد.
ثم إنه بحق، وبالممارسة الدؤوبة، معلم جيل. فلقد شهدت بعض جلساته في العصارى، من أيام الخميس، في مقهى الجزيرة مع الأدباء الشبان وطلبة كليات الآداب.. يأتونه بنتاجهم فيأخذه ويسجل ملاحظاتهم، ثم يعود إليهم مناقشاً... أما في جلسات الثلاثاء فغالباً ما يناقش نتاج الآخرين، من الكتاب العرب، وأحياناً من أعمال الأدباء الأجانب، إذ يكلف البعض نفسه بأن يأتي <للأستاذ> بملخص عن بعض الأعمال الجديدة، ليكون موضوعاً للنقاش.
ولعل بين صفات <الكاتب المصري> تلك الحيوية الهائلة التي مكّنته من إنتاج كل الروائع التي أنتجها، ثم من ممارسة دور <المثقِّف> و<الناقد الأدبي> و<المصحح> و<المحاور> الذي لم يتعب من أدائه إلا بعد أن هدت محاولة الاغتيال حيله وفرضت عليه قيود الأمن.
أما بين كفاءاته المؤثرة فإنه لم يتصرف يوماً، مع نفسه ثم مع الغير، أنه قد أنجز أمراً خارقاً...
وعلى اعتزاز المصري العادي بنجيب محفوظ <العالمي> فهو لم يعرف من رواياته بقدر ما عرفه من تلك التي حوّلت إلى أفلام سينمائية، ولكنه سرعان ما أحله في منزلة الخالدين بعدما أتى لمصر بجائزة نوبل.
إنه، هنا أيضاً، كان كمن كتب مصر على لوحة الشرف العالمية، ولعل إحساسه بالزهو أنه وصل بمصر إلى هذه المرتبة... فهو يكون بمصر، ولا يكون من دونها.
حمى الله مصر.
عن السفير اللبنانية 2 أيلول 2006
 
 
*ضياء
2 - سبتمبر - 2006
رحيل شيخ مشايخ الطرق الصوفية    كن أول من يقيّم
 
رحيل..شيح مشايخ الطرق الصوفية
                                                                عمرو على بركات
الآن بتعبير أهل الدنيا مات"نجيب محفوظ"، أما بتعبيراته الشهيرة هو ذاته، الآن يعيش "نجيب محفوظ "فى الحقيقة، مع "مارى مون"، و"اخناتون"، حيث ودع الرجل مناهج البحث عن الحقيقة الثلاث، وبكل الشوق والحب، يدخل الى الموت حيث سيستمر فى البحث عن الحقيقة بآخر مناهجها، أو بمنهجها الحتمى الأخير المتاح له، وهو الموت، لقد ذهب "نجيب محفوظ" الى الخلاء، فنفذ من أسوار التكية حيث مصدر الغناء المجهول، أكاد الآن اسمع صوته من بين أصوات الجوقة خلف السور مرحبين به مهللين بالحبيب القادم، الذى ظل طوال حياته ينشد" أغداً ألقاه يا لخوفى من غدى" هاهو يحيا الآن نشوة اللقاء والموعد الذى كان ينتظره طوال حياته وهو يتقلب بين مناهج المعرفة الثلاث العقلى والقلبى والجسدى، انه الآن يكتب الجزء الرابع المجهول من ثلاثيته الشهيرة، وسيرسل لنا باسم ذلك الجزء عبر هواتف أحلامه.
 " الموت مصدر معرفة "
لا شك أن تصورات "نجيب محفوظ" مردها الى ثوابت فكرية من ناحية والى تجارب شخصية من ناحية أخرى, وقد عبر عن ذلك فى لحظات البوح النادرة فى حياته عندما سألت " منظمة اليونسكو " الحاصلين على جائزة نوبل عما لا يعرفوه ? فكانت إجابة " نجيب محفوظ " عن منهجه فى البحث عن الحقيقة الإلهية مصنفا مصدرها الى عقلى يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج , و مصدر قلبى لا مصدر له إلا ما وقر فى القلب مشيرا الى المعرفة الصوفية, إلا انه كشف عن خصوصية منهجه الصوفى، بأنه صوفى أعانه التصوف على مواصلة الحياة والتعامل مع تقلباتها . كما صرح " نجيب محفوظ " لمحمد سلماوى فى حواراته بتاريخ 15 ابريل 2004 بالأهرام. ربما كان مصدره لذلك المنهج الصوفى ديانات الشرق الأقصى فى البوذية, حيث مشى البوذى الباحث عن الحقيقة الإلهية فى الغابة يبحث عن الحقيقة حتى توحد معها إلا انه عاد الى بيته ماراً بالسوق يحمل الطعام,  ( “جون كولر" فى كتابه الفكر الشرقى القديم ) انه نفس معيار أكل الطعام والمشى فى الأسواق للرسل الباحثين عن الله و الذى ذكر فى القرآن الكريم " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق " الآية 20 سورة الفرقان.  
وتتحول الصوفية الى رموز فى روايات " نجيب محفوظ " فهى أصوات خلف التكية فى رواية " الحرافيش "
هى أشعار" حافظ الشيرازى".حتى تظهر هذه الإيحاءات فى حلمه بالزعماء فى قفص الاتهام حيث تتم محاكمتهم فيتكلمون بلغه غير مفهومة وكانوا ثلاثة رمزا للأديان السماوية، انه الآن يملك فك شفرات الحياة، وأصبح قريباً من المصدر المجهول لنا المعلوم له انه الموت المقرون بالمعرفة الصوفية.
 أتم نجيب محفوظ فترة نقاهته
كانت آخر أعماله الإبداعية"أحلام" فى فترة النقاهة، فهو يرى أن الحياة فى نهايتها مثل فترة الشفاء من الأمراض الدنيوية يستعد فيها الباحث عن الحقيقة الى الحياة الحقيقية التى يتخلص فيها من أسقام الجهل وغشاوة الرؤى، ووهن الجسد، فالموت عند"نجيب محفوظ" هو لحظة التماثل للشفاء، إن أحلام ورؤى "نجيب محفوظ" ما هى إلا اشراقات صوفية لم يرها "نجيب محفوظ" كرؤى وإنما كحقيقة لا يدركها إلا هو، ومن أراد أن يدركها عليه أن يدخل الى عالم" نجيب محفوظ" الأعم والأشمل من خلال ثلاثيته " الجنس والعقل والقلب " وهى نفس الثلاثية " قصر الشوق " و "بين القصرين “ و " السكرية "، أو ينتظر لقاؤه فى الجزء الرابع الموت، والذى ولا شك كان سيسميه"الخلاء".انه كان يستعد لذلك اليوم بتلك النقاهة،فلماذا اختار " نجيب محفوظ " النقاهة لتكون عنوانا لفترة أحلامه? فالنقاهة هى من الانتقاء الذى يجريه على وسائله فى المعرفة هى أحلام النقاء, والتنقية, والتصفية, والتخلية أو ربما تكون فترة النقاهة من الأفكار التى أعيته. لقد كان هنا فى مقام " الكشف " والكشف الصوفى عند "ابن عربى" يلطف الكثيف حيث يشاهد من الشيء جوهره الصافى, ذلك هو النقاء فى الصفاء الذى يقصده " نجيب محفوظ “ حتى الحياة الحقيقية ما هى إلا حلم, أو كما قال "ابن عربى" فى فصوص الحكم:" أما العالم فى نفسه فليس إلا خيلا وحلما يجب تأويله لفهم حقيقته "، انه يجلس الآن وقد استرد عافيته ليراجع رموزه ويقرر الى أى مدى كان مصيباً فيها، ويحدد الدلالات المعجمية لشفراته. لقد أوجز فى رؤياه رقم 57 سيرته الذاتية، وأضاف عليها نبؤته لما بعد الموت، لتكون أول سيرة ذاتية يكتبها بشر لمصيره فى الحياة الآخرة.
"درت حول الحصن مرتين " انه الحصن والقلعة والتكية و قبة الضريح رمز للدين فى معناه المجرد المحتوى لكل مصادر المعرفة القلبية المجهولة عند " نجيب محفوظ " وهو المكان الذى يتحصن فيه الإنسان من المجهول من مخاطر الطبيعة ومظاهرها التى كانت أول دوافع المعرفة بالله والقوى الغيبية, وهذا ما عبر عنه "عباس العقاد" فى كتابه " الله, فيكون الحصن هو تلخيصا لمفهوم" نجيب محفوظ" عن الدين كترجمان لحالة الضعف البشرى من القوى الغيبية.
"حصن حجرى “ يصف " نجيب محفوظ " فكرة الدين التى تحصن بها الإنسان بأنها فكرة قوية قديمة قدم أقدم وسيلة للمعرفة الغيبية, قوية قوة سيطرتها على المؤمنين بها.فهى من قوة الحجر ومن قدم العصر الحجرى. هو رمز يعكس موقف " نجيب محفوظ “ الأساطير التى صنعت حول أرباب المعرفة القلبية فحجبت الحقيقة، انه الآن يتمم الأجزاء المفقودة من الأساطير القديمة.
" نوافذه صغيرة كالثقوب, ومن كل نافذة يطل وجه أعرفه بل وأحبه " إنها نوافذ الأديان التى تشرف بها على الحقيقة يغيب عنها التبرير الكلى للحقيقة الغائبة من كل ثقب يقف صاحب الرؤية الخاصة من الأنبياء. فالمعرفة القلبية هى معرفة متنوعة بتنوع التجارب التى مر بها كل ساعى نحو الحقيقة.يسجل " نجيب محفوظ " إعجابه بأصحاب المعارف القلبية من أصحاب الأديان السماوية, إعجابه بالوجوه, هو إعجاب بالتجربة الذاتية التى مر بها كل واحد.وانتهت به الى شريعة سماوية. سيلتقى هناك بكل أصحاب التجارب الإنسانية الذين سبقوه فى استخدام مناهج البحث عن الحقيقة، ويجلس معهم يتسامرون، وسوف ترتفع قهقهاته مدوية فى سماء مجلسهم السرمدى، حاملة أصداء سيرة الرجل الذاتية.
" البعض طال غيابه و الآخر رحل عن دنيانا من أزمنة مختلفة " من الأنبياء من هو منتظر عودته وهو سيدنا المسيح. ومن الأنبياء من انتهت رسالته السماوية دون وعد بالعودة مرة أخرى.لم يعد هناك زمن عند"نجيب محفوظ" فقد حان موعد لقاءه مع كل الغائبين فى حديقة الورد.
" فنظرت بشوق وأسى و خيل الىّ أن كل وجه سألنى من أعماقه أن أحرره " نظرة الشوق المحفوظية هى الى معرفة ما عرفوه وكتموه, هى نظرة تلخص شغفه بالبحث عن الحقيقة وهو ما حكى فى هذا المعنى عن أبى بكر الصديق انه قال:" سبحان من لم يجعل للخلق طرقا الى معرفته إلا بالعجز عن معرفته “. ربما منهم من حجب حقيقة المعرفة الإلهية عن مريديه ملتزمى الشرعية التى سنها لهم رغم معرفته بالحقيقة كاملة, فقد قال سيدنا محمد (ص) " والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم الى الصعدات تأجرون الى الله، والله لوددت أنى شجرة تعضد “ رواه البخارى والترمزى، اى معرفة تلك التى يعرفها سيدنا محمد(ص) وأخفاها عن أتباعه حتى لا يفنون فى الحقيقة الإلهية ويتوحدون مع الكون حتى يتمنوا أن يكونوا شجرا أخضر ?أو ما هى تلك الحقيقة الموجبة للسخرية قليلا وللشوق والأسى كثيرا, والدافع للتسامى فى المتع الجسدية? ولكنه أبقاهم على قدر طاقتهم فى حصن الشريعة ، هل وصل "نجيب محفوظ" الى ذلك المقام? أم انه لايزال ينتظر على الصراط، خلف البشر المنتظرين أمامه لتلقى الحقيقة المحجوبة? 
" ونظرت الى الباب الحصن الحجرى بلا أمل " لا أمل فى خروجهم الطبيعى من باب الحصن حيث خروجهم على هذا النحو من الباب سوف يعرضهم لتقويض مبادئهم الدينية كلياً, أمام أتباعهم ممن تمسكوا بالشرائع التى انتهجوها لهم ، كان باب الحصن حجرياً،لا يمكن اختراقه، ولكن أصبح"نجيب محفوظ" بموته أثيرياً لا يقف أمامه أية حصون حجرية.  
"ووقفت خافق القلب منتظرا لقاء الأحبة بلهفة وشوق" إنها نبوءة الموت عند "نجيب محفوظ"، إنها تحمل مفهوم الموت عنده، إنها لحظة لقاء الأحبة، والتى ظل ينتظرها طوال حياته بلهفة وشوق. إن "نجيب محفوظ" يتطلع إلى المعرفة الإلهية فى أسمى معانيها فى أحلام فترة نقاهته وحياته نفسها هى اتساق مع تلك المعرفة الخالصة. فنراه يضع على باب بيته لافتة " قل هو الله أحد " مثل مولانا "الشبلى " الذى يقول " الله " ولا يقول " لا اله إلا الله " فلما سئل قال:" أستحى أن أوجه إثباتا بعد نفى...أخشى أن أوخذ فى كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار", وكذلك "نجيب محفوظ" اعترف بالوحدانية المطلقة فى مقام الأحادية التى لا تحدها وصف بالصمدية قد يشوبها ولا نفيا لإثبات السرمدية ب " لم يلد ولم يولد " ولا عدما للكينونة " لم يكن " فجرد الحقيقة الإلهية من الحصن الحجرى الذى يحيط بها حتى على لافتة باب بيته. ليكون متوحدا فى مقام الكشف والفناء ولكن بمشرب العقل فاستحق أن يكون "نجيب محفوظ" شيخ مشايخ الطرق الصوفية، الذى بموته خلا مقعد الولاية، رحم الله"نجيب محفوظ" ونحسبه وقد أحسنا الظن به فى جنة الخلد عند شجرة البلخ بجوار الأصيل. 
عمرو على بركات
 
 
 
 
 
 
 
عمرو على بركات
8 - سبتمبر - 2006
(إحنا عندنا كام نجيب محفوظ) ا لرئيس /جمال عبدالناصر    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم
 

عبدالناصر يقرأ ثرثرة فوق النيل
بقلم : رجاء النقاش

تفضل الأستاذ الكبير سامي شرف بالاتصال بي وحدثني بالتفصيل عن موقف الزعيم الراحل جمال عبدالناصر من رواية نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل?,? وقد صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولي سنة?1966,? وذلك بعد نشرها مسلسلة في الأهرام?,? وكنت قد أشرت منذ أسبوعين إلي غضب بعض المسئولين الكبار في ذلك الوقت علي الرواية وعلي نجيب محفوظ?,? وكان علي رأس الغاضبين المشير عبدالحكيم عامر?,? حيث كان هناك من أبلغ نجيب محفوظ أن المشير بعد أن قرأ الرواية هدد وتوعد بإنزال العقاب بنجيب محفوظ بسبب ما جاء في الرواية من نقد عنيف لسلبيات قائمة في المجتمع?,? وسمع البعض المشير وهو يقول?:? نجيب زودها قوي ويجب تأديبه ووقفه عند حده?.? وقد كان حديث الأستاذ سامي شرف معي يدورحول ثرثرة فوق النيل بالتحديد?,? وهذه محاولة لتقديم تلخيص دقيق بقدر ما أستطيع لما سمعته من الأستاذ الكبير?:?

بعد صدور رواية ثرثرة فوق النيل اتصل الفنان المعروف أحمد مظهر?,? وهو صديق قديم وحميم لنجيب محفوظ?,? بالأستاذ سامي شرف الذي كان مديرا لمكتب الرئيس عبدالناصر في ذلك الوقت?,? وقال له?:? إن نجيب محفوظ يشعر بقلق شديد مما يسمعه من هجوم عليه وعلي رواية ثرثرة فوق النيل من جانب بعض المسئولين وعلي رأسهم المشير عامر?,? وأن نجيب محفوظ لا يجد مبررا لهذا الغضب الرسمي عليه?,? فهو ليس بأي حال من الأحوال من أعداء الثورة?,? وأن ما جاء في الرواية من نقد لبعض السلبيات هو نقد من داخل الثورة وليس من خارجها?,? أي أنه نقد إيجابي يهدف إلي تصحيح بعض الأخطاء الواضحة حتي تسير سفينة البلاد دون كوارث أو أزمات?.? وهذا هو واجب أديب كبير صاحب ضمير وطني مثل نجيب محفوظ?.?

وطلب الفنان أحمد مظهر من السيد سامي شرف أن يتفضل بعرض الموضوع علي الرئيس عبدالناصر?,? والرئيس يعرف أحمد مظهر جيدا?,? فقد كان زميلا له في الكلية الحربية?,? كما كان واحدا من الضباط الأحرار?,? كما هو معروف?,? وقد كلفه عبدالناصر قبل الثورة ببعض الاتصالات السياسية?,? خاصة أن أحمد مظهر كان متزوجا من ابنة وزير الخارجية الشهير في عهد الوفد الدكتور محمد صلاح الدين?.?

استجاب السيد سامي شرف لما طلبه أحمد مظهر من عرض موضوع رواية ثرثرة فوق النيل علي الرئيس عبدالناصر?,? وكان السيد سامي شرف يعلم بأن هناك غضبا ضد الرواية بين عدد من كبار رجال السلطة في ذلك الوقت?,? وكانت بداية الغضب الشديد عند صلاح نصر رئيس المخابرات آنذاك?,? ومعه مسئولون آخرون مثل شمس بدران?,? وتم تصعيد الغضب إلي المشير عامر?.? ومعني هذا أن نسبة الغضب علي الرواية كانت أعلي بكثير مما تصوره نجيب محفوظ وأحمد مظهر?,? وكان هناك مسئولون كبار آخرون في مواقع السلطة من الغاضبين علي الرواية والمطالبين بالتصرف معها?,? ولم يكن التصرف يعني بالطبع سوي المصادرة ثم توقيع عقاب مناسب علي نجيب محفوظ?,? والله وحده يعلم ماذا يمكن أن يكون مثل العقاب الذي كان يدور في خاطر رجال أشداء لهم كلمة مسموعة ونفوذ واسع في ذلك الوقت مثل صلاح نصر وشمس بدران?,? فضلا عن المشير عامر?.?

عرض السيد سامي شرف الموضوع بكل تفاصيله علي الرئيس عبدالناصر?,? وأوضح أمامه قلق نجيب محفوظ?,? كما وضع أمامه صورة من غضب المسئولين الثائرين علي الرواية وصاحبها?.?

وطلب عبدالناصر نسخة من الرواية وقرأها?,? ويروي السيد سامي شرف ما قاله عبدالناصر بعد قراءة الرواية?,? وأحاول هنا أن أتذكر ما سمعته من الأستاذ الكبير سامي شرف بدقة متناهية?..?

ماذا قال عبدالناصر?
قال ما معناه?:?
?1? ـ إحنا عندنا كام نجيب محفوظ? انه فريد في مكانته وقيمته وموهبته?,? ومن واجبنا أن نحرص عليه كما نحرص علي أي تراث قومي وطني يخص مصر والمصريين?.?

?2? ـ إن نجيب محفوظ لم يثبت عليه أبدا سوء نية تجاه الثورة مثل غيره من بعض الكتاب المعروفين وهنا ذكر عبدالناصر اسما كبيرا محددا?,? ولكن الأستاذ سامي شرف طلب مني عدم ذكر الاسم لأسباب كثيرة لا مجال للحديث عنها هنا?,? وأنا أعد الأستاذ الكبير بعدم ذكر الاسم لأحد علي الإطلاق?..? حتي لو كان ذلك بطلب من النيابة العامة?!.?

?3? ـ الأهم من ذلك كله?,? أن رواية ثرثرة فوق النيل فيها نقد?,? وأن النقد الذي تنطوي عليه صحيح?,? وأن علينا أن نعترف بوجود السلبيات التي تشير إليها ونعمل علي الخلاص منها بدلا من أن نضع رأسنا في الرمال وننكر حقيقة ما تنبهنا إليه الرواية?,? وكأنه غير موجود?..? رغم أنه موجود ونحن نعترف بيننا وبين أنفسنا بذلك?.?

تلك هي خلاصة دقيقة لكلام عبدالناصر بعد أن قرأ ثرثرة فوق النيل?,? والمرجع فيه هو السيد سامي شرف وهو عندي مرجع صادق وأمين?.?

بعد ذلك كان هناك لقاء بين المشير عامر وبين عبدالناصر حول الرواية التي أوشكت فيما يبدو أن تشعل حريقا كبيرا كاد يلتهم في طريقه نجيب محفوظ?..? وفي اللقاء بين الرئيس عبدالناصر والمشير عامر شرح عبدالناصر وجهة نظره بوضوح تام?,? وطلب استبعاد أي إجراء سلبي في حق الرواية وكاتبها الكبير?.? واقتنع المشير عامر بوجهة نظر عبدالناصر وزال غضبه علي الرواية والكاتب?,? وعندما اقتنع المشير بذلك?,? تابعه في الاقتناع صلاح نصر وشمس بدران وآخرون من الذين كانوا بين الغاضبين الثائرين المطالبين بمصادرة الرواية ومعاقبة نجيب محفوظ?.?

بقي أن نتساءل ماذا كان في ثرثرة فوق النيل من نقد اثار كل هذه العاصفة??..? أفضل إجابة هنا هي ما سمعته من نجيب محفوظ في حواراتي معه?,? حيث يقول?:? ظهرت رواية ثرثرة فوق النيل في عز مجد عبدالناصر?,? وفي وقت كان فيه الإعلام الرسمي يحاول ليل نهار أن يؤكد انتصار الثورة والنظام وانعدام السلبيات والأخطاء?,? فجاءت ثرثرة فوق النيل لتنبه إلي كارثة قومية كانت قد بدأت تطل برأسها علي السطح?,? وكان لابد أن يكون لها نتائجها الخطيرة?,? وكنت أعني بذلك محنة الضياع وعدم الإحساس بالانتماء?,? وهي المحنة التي بدأ الناس يعانون منها?,? خاصة في أوساط المثقفين الذين انعزلوا عن المجتمع?,? وأصبحوا يعيشون في شبه غيبوبة?,? فلا أحد يعطيهم الفرصة المناسبة للعمل والمشاركة?,? ولا هم قادرون علي رؤية الطرق الصحيحة?,? وفي المرة الوحيدة التي حاولوا فيها أن يعرفوا الطريق ارتكبوا حادثة رهيبة في شارع الهرم?,? ولاذوا بالفرار?.?

هذا بعض ما جاء في ثرثرة فوق النيل?,? وقد كانت شجاعة من نجيب محفوظ أن يعبر عن هذه السلبيات?,? وكانت شجاعة أكبر من عبدالناصر أن يقول عن الرواية إنها صادقة?,? وإن علينا أن نستفيد من هذا النقد السديد الخالي من سوء النية?.?
 
*****************************************
مقالة تؤكد على أن الحرية فى بلادنا هى للطبقة الحاكمة سواء كانت ثورية أو ملكية أو بين بين 0
والكتاب يموتون ذعرا ورعبا ،ويتعرضون لأبشع العقوبات مالم تكن هناك سلطة تحميهم، ويحكى النقاش عن شجاعة عبدالناصر وصدقه ودفاعه عن نجيب محفوظ (إحنا عندنا كام نجيب محفوظ)0000المقالة منشورة بجريدة الأهرام،الأحد17/9/2006
                                                                          عبدالرؤوف النويهى
 
 
 
*عبدالرؤوف النويهى
17 - سبتمبر - 2006
 1  2  3  4