يبدو لى ، أن التاريخ هو الحياة ولايمكن العثور على الحاضر إلا بالتنقيب عن حفريات الماضى ، وكم سعدت وأنا طالب يكلية الحقوق جامعة القاهرة ، بقراءة متأنية لتاريخ القانون وفلسفته على يد الأساتذة الكباروهمت حبا فى اللحاق بركب المؤرخين ، ابن إياس بدائع الزهور فى وقائع الدهور ، وكان والدى رحمه الله يحكى قصصا من هذا التاريخ ويتحدث عنه بتقدير ،والعدوى أصابتنى ، سعيت وراء كتب التاريخ ، الجبرتى والمقريزى و الرافعى وابن كثير و0000
أقنعت نفسى بأن التاريخ هو إمساك بحقائق ، وكنت معجبا بكتاب قصة الحضارة لول ديورانت ، ولم أنس وأنا استعيربعض أجزائه من المكتبة العامة وأسير فخورا بحمله ، معجبا بنفسى وقدرتى فيما بعد على فهمه والصبر على قرائته 0
وكان عبد الرحمن الرافعى من مؤرخى مصر الحديثة ، الذى حمل على عاتقه إستكمال تاريخ مصر بعد الجبرتى ، وكتب موسوعته التاريخية تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم فى مصر 0
ولد عبد الرحمن الرافعى 18/2/1889بحى الخليفة بالقاهرة وكان والده عبداللطيف من رجال القضاء الشرعى ،إذ كان القضاء فى مصر آنذاك، قضاء شرعى وقضاء مختلط ، فمصر ترزخ تحت الإحتلال البريطانى واللورد كرومر يحكم البلد بيد من حديد، مهندس الإحتلال ،وكان يفرض على القصر الخضوع لأوامره ،بل فى خروجه للبلاد وعودته إليها ،لابد من إستقبال حكومى على أعلى مستوى ،أليس هو الحاكم الفعلى وعداه طراطير !!!!!!!
،ويحكى أن أحد وزراء الحقانية (العدل)إبراهيم باشا فؤاد فى وزارة مصطفى باشا فهمى ،جالسا بمكتبه بالوزارة مع مجموعة من أصدقائه المقربين ،وفجأة دخل عليه سكرتيره ليعرض عليه مجموعة من القرارات الوزارية للتوقيع عليها ،،،،،،،فسأل سكرتيره :هل وقع المستشار الإنجليزى على هذه القرارات ? فأجابه السكرتير : نعم 000فأشار الوزير إلى ختمه الموضوع على المكتب قائلا "الوزير عندك على المكتب إختم به "
فى هذه الأجواء والإحتلال يمسك مقاليد الأمور بيده ، أنهى عبد الرحمن الرافعى الدراسة الثانوية وأراد أن يدخل مدرسة الحقوق ، لكن معارضة والده وحرصه على أن يتعلم إبنه بالأزهر ، وصعوبة مخالفته وتدخل بعض الأقارب ، سمح لإبنه دخول مدرسة الحقوق على أن يدخل بعد تخرجه الأزهر الشريف ، ودخل الرافعى مدرسة الحقوق وتأججت الوطنية بداخله ، وكان التيار الوطنى ضد الإحتلال قد صحا من غفوته وتحركت نوازع الوطنية بالقلوب والأفئدة ، كان مصطفى كامل قد أصدر جريدة اللواء ونشاة الحزب الوطنى وتصاعد الحركة الشعبية ضد الإنجليز، وبقدر قوة هذا التيار الوطنى خلال هذه المرحلة ، بقدر ما كان تقبل الرافعى لهذا التأثير وتعصبه لوطنيته ولعن الإحتلال والوقوف ضده والتصدى له ، وتخرج الرافعى من مدرسة الحقوق ، حاملا شعلة وقادة من الوطنية الجارفة ولعنة حارقة على الإستعمار ، وقيدإسمه بجدول المحاماة وعمل محاميا ,وكان محاميا بارعا وملتزما وعفيفا 0
رأى الرافعى فى قضية الإحتلال :
نالت هذه القضية من فكر الرافعى أوفى نصيب وشغلت أكبر حيز ، كانت قضية الوطنية هى الدم الذى يجرى فى العروق ، بل طالب بتكوين الجمعيات السرية والعلنية لحماية الشعور الوطنى من العبث والتبدد ,وانه يجب على الأمة استخدام القوة التى وحدها وبها سيخرج الإحتلال وعدم الركون إلى الراحة ،وأن اعتماد المصريين على أنفسهم واستخدام القوة ومقاتلة الإحتلال فى كل شبر من أرض مصر ،وأنه لا استقلال مع وجود قوات أجنبية على أرض مصر فالاستقلال الحقيقى هو فى جلاء القوات الإستعمارية ،
بل لم يتوان وفى غمرة دعوته للمقاومة المسلحة ضد الإحتلال الإنجليزى أن يشن الهجوم تلو الهجوم على الوزارات وتوجيه الإتهامات الصريحة بالرجعية والإستبداد وأنها تستند فى سياستها على قوة الإحتلال وأنها تقف فى صف واحد مع الإحتلال ، وما يجرى على الإحتلال يجرى عليها ، وظل الرافعى مؤمنا بعدالة قضيته مدافعا عنها بكل ما يملك ، لم يهادن ولم يناور ولم يتواطىء ولم يلن ولم يمسك العصا من منتصفها ، بل كان شعلة الحرية والنضال ضد الإحتلال 0
واصل الرافعى تأريخه لتاريخ مصر حتى تاريخ وفاته فى الثالث من ديسمبر 1966وورى جسده التراب فى ذلك البناء الذى احتوى من هام بهم حبا وتقديرا مصطفى كامل ومحمد فريد وليطوى الموت صفحة رجل كان ولايزال فخرا للوطنية وتجسيدا حيا للمقاومة ضد الإحتلال 0