لماذا يبتعد مثقفونا عن العربية?
من يلاحظ الحركة الثقافية اليوم ، يندهش للتدني الحاصل بها ، على مختلف الأصعدة ، أصبح إنساننا العربي لا يبالي بكثير مما يجري حوله
تخرج مدارسنا الملايين كل عام ، من الثانوية العامة ، يذهب هؤلاء الى التخصصات المختلفة ، وأحيانا دون رغبة منهم ، الذي حصل على الدرجات العليا يحثه أهله على دراسة العلوم ، ومن لم يسعفه حظه بالحصول على درجات تؤهله للدراسة العلمية ، ينصحه العارفون ببواطن الأمور ، ان يذهب الى الدراسات الأدبية ، دون ان يبالي الأغلبية من هؤلاء ان التلميذ ليس له إلمام بالأدب ، ولا يميل الى الكتابة ، ولا يجد في نفسه حبا الى القراءة ، جميع الطلاب الذين لم يحبوا الدروس العلمية ،، ولم يتوافقوا معها ينصحهم الناصحون ،، ان يسجلوا في الدراسات الأدبية ، متناسين ان كل دراسة يجب ان يتوفر بها الطالب على شرطين أساسيين لايمكن النجاح بها الا بهما ، وهما الرغبة والتمكن من المادة
تخرج مدارسنا الآلاف من الطلبة كل عام من الفرع الأدبي ، لأنهم لم يفهموا العلوم فقط ، وهؤلاء الطلاب يكونون من تدني المستوى العلمي ، وعدم الرغبة في التحصيل ، والأحجام عن الدراسة والمطالعة عبئا على الدراسات الأدبية ، يتخرج الواحد منهم من اجل الحصول على الشهادة فقط للتباهي وليس لاكتساب المعرفة والعلوم ، اغلب هؤلاء الطلاب لا يحسنون ان يكونوا جملة مفيدة تتضمن معنى مفهوما كما يعرف علماء اللغة الجملة المفيدة ، قد يكسب الواحد منهم منزلة عالية ووظيفة مرموقة في الدولة ، وهو لا يعرف اصول الكلام وليس الكتابة فقط
يدعي البعض منهم القدرة الأدبية والموهبة الأصيلة وهو يكاد لا يعرف تكوين الجمل الصحيحة ، فيرتكب بها العديد من الاغلاط الإملائية والنحوية والأسلوبية
فما الأسباب التي جعلت طلاب الدراسة الأدبية لا يحسنون الكتابة بلغة بلادهم ، وما هي اسباب التدهور المرعب الذي جرى في مستويات التعليم في بلداننا العربية ، فما هي العوامل ? هل تكمن في سيطرة الأعلام المسيس على عقل وفكر وعاطفة المواطن العربي ، فاصبح لا يرى الا ما تبثه القنوات الفضائية ، ولا يعتقد الا بما تعتقد به هي من آراء وطروحات ، هل ان سياسة التهميش التي تتبعها الحكومات العربية هي التي جعلت المواطن العربي لا يحسن استعمال ما لديه من ملكات ذهنية وفكرية طال أمد توقفها حتى أصابها الصدأ ولم تعد صالحة للاستعمال حتى يمكن إيقادها مرة أخرى ? وكل مادة لا يجري تشغيلها فترة من الزمن يصيبها العطل وتحتاج الى أعمال صيانة ، فالعقل الذي لا يستعمله صاحبه باستمرار يتوقف عن التطور والازدهار
هل ان تدهور كتابتنا اليوم يعود الى ثقتهم من تردي وضع المتلقي وأميته ، ما الذي يجعل الإنسان يطور أساليبه بالعمل مثلا ? ان كان هناك من يرى عمله ويشجعه في أمور الصواب وينقده في مواطن الخلل ، ان كان إنساننا العربي يصفق استحسانا لكل مشهد تمثيلي يراه على الشاشة الصغيرة او في السينما ،
او ان كل عمل مطبوع يلقى آيات التمجيد ،، حتى لو كان لا يستحق ، واذا كان بعض مثقفينا لا يفرقون بين الكسرة والفتحة ، وكانوا واثقين تماما ان المتلقي أكثر جهلا منهم في هذه الناحية ، فمن يدعو الى تطور حينئذ ، ومن يهتم ان تتجمل طرق تفكيرنا وتصبح اكثر معاصرة ? مئات القصائد والقصص والروايات وكل الأجناس الأدبية ،تطبع وتنشر أمام الجمهور ، فيصفق لها طربا وهو لا يعلم أنها مليئة بالا غلاط الإملائية والنحوية ، وبعيدة عن العناصر الضرورية في كل عمل أدبي ، ولا تتضمن أي فكرة ، فإذا كان بعض كتابنا لا يحترمون اللغة التي يكتبون بها ، ولا يحرصون على تطوير أدواتهم الفنية والمعرفية ، ما الذي يجعل القاريء البسيط حريصا على تثقيف نفسه واكتساب المعارف التي لم يستطع اكتسابها في السابق ، أيكون سبب تدهورنا انعدام النقد الهادف والبناء ، ذلك الذي يتصدى للعمل الأدبي مبينا مواطن السلب والإيجاب ، فيتعلم منه الكتاب ويزيد إبداعهم جودة ، ويتعلم منه القراء ، فيقبلون على العمل الجيد ، لأنهم يعرفون ماهي الجودة
وضعنا مؤسف أيها الأعزاء علينا ان نتصدى للحالة المزرية التي نحن فيها وان نبين وبشجاعة مواطن الخلل كي نستفيد ويمكن لنا ان نتعاون معا لاصلاح الخلل الذي نشهده اليوم ومعالجته قبل ان يستفحل الداء اكثر ويصبح من العسير معالجته
صبيحة شبر |