البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : السينما و المسرح و التلفزيون

 موضوع النقاش : فيلم قف للمخرج رشيد مشهراوي    قيّم
التقييم :
( من قبل 2 أعضاء )
 abdelhafid 
3 - يونيو - 2006

عرض أخيرا في معهد العالم العربي الشريط الأخير للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي يحمل عنوان "قف" أو "انتظار" كترجمة لعنوانه بالفرنسية.

الشريط إنتاج مشترك مع القناة الثانية المغربية و أرتي الفرنسية، وأطراف أخرى، من بطولة أرين عمري، محمود المصاد و يوسف برود بالإضافة إلى نخبة من الممثلين، أحداث الفيلم عن قصة مخرج ـ أحمد ـ يتولى تحمل مسؤولية اختيار كاستينغ لتأسيس فرقة مسرحية.

وبالتالي عليه أن يجوب مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لاكتشاف أعضاء الفرقة الوطنية، تقوده الرحلة مع بيسان الصحفية التلفزيونية و ضوء المصور الصحفي إلى كل من الأردن، سوريا و لبنان، ليأتي "قف"، كشيء من السيرة الذاتية للمخرج رشيد مشهراوي الذي يقول عن عمله : "لقد كنت في أوروبا عندما بدأت كتابة السيناريو ووقتها منعتني السلطات الإسرائيلية من دخول بلدي و بيتي في رام الله".

يقرر المخرج الذهاب إلى المخيمات في الدول المجاورة حيث يعيش اللاجئون الفلسطينيون حالة انتظار منذ خمسين سنة، أي تاريخ احتلال الأراضي و ذلك بحثا عن ممثلين يلعبون دورهم الحقيقي في الحياة بحجة الامتثال لقانون الانتظار وسط طريق لا يبدو في آخرها إلا السراب.

وقد رأى رشيد مشهراوي في هذا الوضع حالة اجتماعية تعكس الصورة الحقيقية للمواطن الفلسطيني المحروم من بلده بعد أن اضطرته ظروف الاحتلال مرغما، على الخروج منه ليحل ضيفا ثقيلا على جيرانه و يعيش على أمل العودة إلى بيته، لكن الانتظار يطول ليشمل أجيالا أخرى تعاني من تعنت إسرائيل و ممارساتها الهمجية في فرض سياستها الإمبريالية على أصحاب الأرض الحقيقيين، عن هذا الوضع يضيف مشهراوي: "نحن كشعب فلسطيني لنا إحساس بأننا لا نتحكم في مصيرنا ونعيش يوميا على أمل إيجاد حل سريع وفي كل مرة يتبخر هذا الحلم لنعودالى طابور الأنتظار وبالتالي تصبح هذه العملية جزءا من حياتنا".

الشريط مستمد من واقع مسجل في تاريخ القضية الفلسطينية، بحيث يبلغ اليوم عدد اللاجئين حوالي أربعة ملايين من ثمانمائة مليون مواطن فلسطيني هاربين من جهنم الاحتلال، أو مهجرين، أو مطرودين في الفترة ما بين 1948و 1950 إبان الإنزال الإسرائيلي و السطو على الأراضي العربية الفلسطينية، و الهدف من الفيلم هو رسم الخريطة الإنسانية لفلسطين.

البطل أحمد و هو المخرج في الفيلم، من بين الناس الذين يتحدثون كثيرا عن الهجرة و لايستطيعون الابتعاد عن الأرض، يحمل دائما معه حجرا في حقيبته كدليل على ارتباطه بها، "هناك قاسما مشتركا بيني و بين البطل أحمد، يقول رشيد مشهراوي، فعندما أغيب عن فلسطين أترك فيها جزءا مني".

أما بيسان فتنضم إلى صفوف ما يسمى بالعائدين بعد اتفاقية أوسلو سنة 1993 و تمثل جانبا آخر من الأسر الفلسطينية التي تأثرت بالوضع باختياره لضوء المصور الصحفي يريد المخرج الإشارة إلى اللاجئين الذين أمضوا حياتهم في المخيمات معزولين عن العالم، و لأول مرة يكتشف ما يجري في محيط جديد خارج حدود المخيم الذي فقد فيه أعضاء من أسرته فيما تعرض اخوه للسجن واختصاص أحمد الفني هو رصد الانفجارات و التقاطها عبر الصورة.

مشروع المسرح الوطني بالطريقة التي طرحها المخرج لاتوجد في الحقيقة لكنها ترمز إلى حياة الفلسطينيين و إنشاء هؤلاء لخشبة خاصة بهم يتحركون فوقها بحرية ككيان مستقل.

يتساءل رشيد مشهراوي: "هل من الضروري أن يكون هناك طرف ثالث ليمنحنا حقنا، و هل من العدل أن نبقى تحت رحمة هذا الطرف? علما أن الحق ينتزع" هذه الاستنتاجات وظفها بطريقة ذكية في بناء أحداث الفيلم، كالحوار الحضاري كما يسميه الزعماء السياسيون ـ الديموقراطيون، وصانعو القرارات من عظماء فصيلتهم، حول إحلال السلام في المنطقة، لقاءات، نقاشات، حوارات مصنوعة من فصوص ملح لو اقتربت من الماء تدوب لأن الواقع يقر بأن لغة المصالح هي السائدة ليبقى الشعب الفلسطيني في قاعة الانتظار لعل الباب يفتح و يهب منه نسيم الحرية، و الجميل في هذه العملية الفنية هو توظيف المخرج لطاقات ابداعية من فلسطينيين الشتات ليقوموا بالأدوار و هو أسلوب إيجابي يعطي مصداقية للعمل لأن الممثل في الأخير لايقوم إلا بدوره في الحياة دور ممزوج بشيء من داخله.

وعليه فدور المخرج أحمد يقوم به سينمائي فلسطيني يقيم في هولندا، و للفيلم طابع سياسي ككل الأفلام الفلسطينية حتى لو عالجت قصة حب لأن كل الجوانب الحياتية اليومية في فلسطين لا تخلو من أحداث لها علاقة بالمجرى العام للسياسة في المنطقة باعتبار أن القضية الفلسطينية عالمية، وهم عربي موحد و بالتالي فمن الطبيعي أن يصبح الهواء الذي يستنشق فيها له نكهة خاصة ، و عليه يؤكد المخرج أنه : "مجرد حمل الهوية الفلسطينية يعتبر عملية سياسية في نظر العالم".

ويستمر في تحليله الفلسفي لوضع معين عاشه كباقي اللاجئين الذين سطرت لهم الأمم المتحدة حياة خاصة يأكلون و يشربون و يلبسون حسب ذوق و برنامج المشرفين على المخيمات دون الالتفات إلى واقع الأمر في الوقت الذي يصنعون و"يفبركون" فيه صورة أخرى للفلسطيني في محاولة تجريده من حقوقه تحت غطاء المساعدة في الوقت الذي يساهم الإعلام في رواج هذه الصورة التي رسمتها اقلام السياسة "قف" إذن أو انتظار كما يحلو لي تسميته يرصد عناصر مهمة في حياة اللاجئين و يقول للعالم إن الانتظار "طال و طول".
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
بدون تعليق..    كن أول من يقيّم
 
 
    حاولت مرارا أن أرسل صورتي عبر البريد الالكتروني
فلم أفلح ..إلا بهذه الطريقة **أصل الراجل ده بيموت في السـيما**أخرجوني من فضلكم من
هذا المعتـقل...!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
عبد الحفيظ أكوح
*abdelhafid
14 - يونيو - 2006
السينما و التاريخ ..    كن أول من يقيّم
 

السينما و التاريخ .. توترات الذاكرة و الحكي

نور الدين أفاية

للزمن في السينما أهمية استثنائية، سواء بوصفه موضوعا أو باعتباره آلية مكونة لبناء الرواية السينمائية• وقد انتبه مفكرون كثر إلى هذه الأهمية، كما قدم جيل دولوز فهما من أكثر المساهمات الفكرية عمقا للظاهرة السينمائية في علاقتها بالزمن1. لكن كيف يمكن استحضار الزمن الماضي من خلال صياغة سردية سينمائية? إلى أي حد تتشابك المخيلة مع عناصر الذاكرة في عملية جعل الماضي حاضرا بالحكي ومن خلاله? وما هي حدود ?الوفاء? لوقائع الماضي ?وصدق? التذكر سيما في سياق يتميز بأنواع متفاوتة من حرب الذاكرات، ونزاع المشروعيات? أسئلة عديدة تفرض نفسها ونحن نتحدث عن التاريخ والحكي السينمائي، بل وتبدو صعبة المعالجة، خصوصا حين يتعلق الأمر بأعمال سينمائية، أو مشاريع روائية تتناول فترات صراعية من التاريخ السياسي المغربي تندرج ضمن ما أجمع المتتبعون لهذا الموضوع على نعته بسنوات الرصاص، أي تلك الفترة التي شهد فيها المغرب انتهاكات جسيمة لحقوق المغربي، وتجاوزات تعسفية لتحطيم كرامته، والتشويش على نزوعه للمشاركة، والفعل والخيال• عرف الإبداع الأدبي المغربي كتابات السجن والاعتقال ابتداء من أواخر السبعينيات بشكل أساسي، شعرا ونثرا، خصوصا من خلال كتابات عبد اللطيف اللعبي بالفرنسية، وعبد القادر الشاوي بالعربية، كما شهد إصدار نصوص عديدة من طرف معتقلين سابقين كتبوا عن واقع السجن، ومعاناة الاعتقال، ووصفوا درجات القهر الذي تعرضوا لها، وتناسلت النصوص بشكل بارز ابتداء من سنة 2000 تمكن العشرات من الأقلام، نساء ورجالا، من أهل اليسار او من غيرهم، من تفجير ما اختزنوه من محن أثناء الاعتقال، وسردوا تفاصيل حياة النفي، والاضطهاد، والقمع، والسحق الوجودي داخل المؤسسة العقابية، باختلاف السنوات والمجموعات والتهم الموزعة2. تداخلت في هذا المتن اعتبارات الذات، وتوترات الذاكرة، ورصد الوقائع• وهو ما يطرح أكثر من سؤال على صدقيته باعتباره مصدرا من مصادر وصف لحظة فارقة في الصراع السياسي المغربي، بحيث تتوزع أصحاب هذا المتن نزوعات الإعلان عن شهادة، وتأكيد لوقائع وحكم على سياسة، وقراءة لمرحلة• مما يجعل مهمة الناقد الأدبي، المهجوس باعتبارات التاريخ والسياسة، من الصعوبة بمكان، فضلا عن حيرة المؤرخ الذي ينوي الاستناد إلى الرواية الأدبية، السيرذاتية أو غيرها، في إعادة بناء وقائع التاريخ• تحضر نفس الحيرة حين يتعلق الأمر بالمجالات التعبيرية الأخرى، وعلى رأسها المسرح والسينما• سمحت السنوات الأولى للألفية الجديدة بمساحات كبيرة لحرية التعبير، والمطالبة بالمحاسبة، والبحث عن الحقيقة مهد لهذه الحركية في الوعي والزمن والرواية، بأشكالها المختلفة، دينامية حقوقية، ومداً مدنيا تمكن، بالتدريج، من الخروج من الحجر الذي فرضته السياسة على العمل الحقوقي المدني المستقل• عبرت هذه الصيرورة عن ذاتها من خلال خطابات متفاوتة في أشكالها ومضامينها،غنية بدلالاتها ورموزها• متعارضة أحيانا في خلفياتها ومقاصدها، ولكنها متكاملة لتكثيف لحظة وعي مركبة بالذات، بالزمن، بالدولة، وبالمجتمع• فمن ?الحقيقة والإنصاف? إلى ?الإنصاف والمصالحة?، رحلة قطعها الوعي السياسي والرواية السردية للإحاطة بتوترات مرحلة معقدة من تاريخ مجتمع صارعت مكوناته من أجل إعادة بناء هويته السياسية والثقافية والوطنية، في تنوعها وتعددها، الفعلي لا الافتراضي• وسقط في الصراع ضحايا، وتعرضت الحقوق للانتهاك، والكرامة للخدش، والهوية للتشويش• لا شك أن الموضوع أشمل مما يحركنا في هذا المقام• وما يهمنا فيه هو جانبه الحكائي• وبالضبط ما يتعلق فيه بعلاقة الزمن والذاكرة والرواية السينمائية• وتعقد الموضوع يبدأ من تعقد الأسئلة التي يستدعيها، ذلك أن الرواية السينمائية أو غيرها تجد نفسها موزعة بين نمطين من السؤال: الأول ينزع إلى الحديث عما جرى وهو توجه قد تطغى عليه إرادة الوصف، والرصد، ولكنه يصعب الانفلات من اعتبارات مكبوتة تختلط فيها مقتضيات التأريخ بإسقاطات الذات؛ وأما الثاني فيدعو إلى الوقوف عند الأسباب التي كانت وراء ما جرى• ففي الحالة الثانية قد يميل البعض إلى اعتبار سبب ما جرى يعود إلى استبدادية الدولة وعنفها ?اللامتكافئ?، أو إلى أن الصراع كان محتدما بين أطراف التجأت الدولة إلى وسائل قهرية لحسمه لصالحها، أو من يرى بأن الانتهاكات وقعت، كيفما كانت الأسباب وأشكال تدبير الصراع، ويتعين النظر إليها باعتبارها انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان، والحديث عنها بوصفها كذلك• والظاهر أن هناك فرقا بين الجواب عن سؤال ?لماذا جرى ما جرى?? والرهان الذي يمكن أن يعقده أي فاعل على رواية هذا الماضي3. لأن الأمر يقتضي احتياطات كبرى في استعمال الرواية الشفوية إذا كانت تحركها اهتمامات تأريخية، وما يفترضه من شروط القرب من الحدث، أو من الضحايا، أو من الصدق، أو رهانات قول الحقيقة•••الخ، لأن الأمر يتعلق بتدوين أو تسجيل حكايات أشخاص، وجماعات، وشكاوى مناطق تعرضت للظلم والقمع، لمعرفة ?حقيقة? ما جرى، قصد التفكير في شروط الإنصاف، والتصالح مع الذات• ولأن الذاكرة تتوزع إلى ما هو تكراري وما هو تخيلي، ويجد أصحابها أنفسهم، في كثير من الأحيان، مورطين في أحداث ومشاركين فيها، بكيفيات مختلفة، فإن المرء يواجه مشكلة نزع الطابع الإسقاطي على الحدث، أو الشحنة الإيديولوجية على الحديث، والانتباه إلى العمق الدرامي للكلام عن أحداث مأساوية• وهو أمر لا أحد يمكن ضمان شروطه كلية• فالسياق الانتقالي من مناخ الاحتقان إلى مسلسل تحرير الرواية والكلام قد يشهد انزلاقات، من بينها اختزال المرحلة المقصودة في الانتهاكات، أو على العكس اللجوء إلى التبرير لإضفاء الشرعية على سياسة أو على اختيار، التاريخ وحده، ضمن جدلية التذكر والنسيان، أو التدوين والمحو جذير بروايته وتثبيته في النص والواقع• ليست هذه العملية هينة على كل حال، لأنها مركبة، معقدة، وموضوع سجال، ومعرضة لتأويلات تحت تأثير صراع للذاكرات وللمشروعيات، غير الواعية دائما بالأبعاد التاريخية لهذه العملية• قد يتقدم التاريخ أحيانا بوصفه فاعلا لإصلاح الأعطاب الماضية، أو استحضار ما تم طمره بفعل القهر والنسيان• فحينما لا تجد فئات محددة من المجتمع نفسها في الرواية الوطنية الكبرى، أو في التاريخ الرسمي المركزي، أو حين لا تتعرف ذاكرات بعينها عن رموزها في السرد التاريخي العام جراء التمييز، والاستبعاد أو الإحساس بالانتماء إلى مواطنة من الدرجة الثانية، أو الشعور بأنه ضحية لسياسة ظالمة، حين يحصل ذلك، وقد حصل بالفعل في كل تواريخ بلدان العالم، فإن كتابة التاريخ، في مناخ من الحرية والهدوء، تفترض إعادة بناء تنظيم التراتبية بين الذاكرات الجزئية للجماعات، ومنحها المكانة المنصفة في الذاكرة الوطنية العامة• اقتضت المعالجة السياسية والمؤسسية أن يسائل المغرب ذاته في التعامل مع التاريخ المعاصر استنادا إلى لغة جديدة بل وإلى حساسية وطنية تضمنت درجة عالية من عناصر ثقافة الاعتراف، والنزوع إلى فتح جروح بدون حرج ولا عقد، وذلك بهدف المصالحة استنادا إلى إقرار الإنصاف وجبر الضرر•4 وأما التناول الإبداعي لهذه المرحلة فقد تفاوتت النصوص والأعمال، كما ونوعا، حسب مجالات التعبير، وتميز هذا المبدع أو ذاك• وقد عملت السينما على اقتحام موضوع ?سنوات الجمر? بطرقها الخاصة• ابتدأت محتشمة مع الفيلم المطول الأول لسعد الشرايبي ?يوميات من حياة عادية? الذي تعرض فيها لعلاقة صداقة شتتها الاعتقال السياسي لأحدهم، ولحالة الاغتراب التي سيعانيها بعد خروجه من السجن، والصدمات التي يتلقاها من صديقه القديم، ومن طرف استقبال المجتمع له• كما تناول عبد القادر لقطع في فيلم ?وجها لوجه? قصة شاب كبر على واقع فقدان أبيه، ووعى شيئا فشيئا بأسباب هذا الفقدان مما دفعه إلى مغامرة البحث عن الحقيقة• حقيقة اختطاف أبيه، المهندس المتخصص في السدود، الذي مثل، بسبب أفكاره ومواقفه، خطرا على مصالح كبرى تمكنت من القضاء عليه بطريقة لا أحد يعرفها، كما لم يتمكن ابنه من الكشف عنها• الأفلام التي اتخذت من الاعتقال السياسي موضوعا مركزيا لها هي ?جوهرة? ?بنت الحبس? لسعد الشرايبي، و?درب مولاي الشريف? لحسن بنجلون، و?ذاكرة معتقلة? لجيلالي فرحاتي• ثلاثة أفلام متفاوتة القصة والبناء والمعالجة• فيها ما وضع لها نص السيناريو بشكل مباشر، (فيلما سعد الشرايبي، وجيلالي فرحاتي)، وآخر (فيلم لحسن بنجلون) اقتبس من كتاب، لمعتقل ذاق مرارة الحرمان من الحرية، وعانى من بطش المؤسسة القمعية، وهو كتاب ?الغرفة السوداء? لجواد مديدش• فيلم ?جوهرة وبنت الحبس? سقط في نزعة تضخيمية لحالات إنسانية في ظل الاعتقال وظروف التعذيب• تسجيل هذه الملاحظة لا علاقة له بالطبيعة القهرية لأجهزة القمع والعقاب، بل للقول بأنه لا يكفي تناول موضوع الانتهاكات التي تعرضت لها فئات من المناضلين السياسيين الملتزمين حزبيا، أو شرائح من الشباب الذين اعتنقوا مبادئ اليسار الجذري، لكي نحكم على العمل السينمائي بالجودة بداهة• فارتباك البناء العام للسيناريو، والتقديم الباهت لشخصيات الفيلم، والاختفاء وراء بعض المجازات التي يبدو عليها طابع إقحام أكثر من اعتبارها عناصر تدعم التكوين الدرامي أو الصياغة الحكائية للفيلم (الحذاء الضخم الذي توظفه الفرقة المسرحية في الفيلم•••)• عناصر عديدة تجعل فيلم ?بنت الحبس? تطغى عليه نزعة الافتعال، والتضخيم، مع ارتباك بارز في عدم احترام عناصر الديكور، والعلامات، والأشياء التي تعود إلى المرحلة التي يؤطر فيها الفيلم أحداث روايته• لا يكفي أن تهتم السينما بموضوع مركب من قبيل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، انطلاقا من عواطف، أو من نوايا حسنة• فإذا كان هذا الموضوع يستدعي تعبئة فكرية للاقتراب من أسئلة الزمن والتاريخ في علاقتها بالذاكرة والمخيلة، أي ما ينعته ?بول ريكور? بـ?سياسة الذاكرة?، فإن المجال الإبداعي، السينمائي بشكل أخص، يفترض، إضافة إلى هذا الشرط، ?سياسة تخيلية? تمنح للزمن عمقه الحكائي وللأحداث والشخصيات صدقيتهما المناسبة في نسيج البناء والحبكة الروائية• ?درب مولاي الشريف? لحسن بنجلون يتناول موضوع الانتهاكات، والاعتقال، وسطوة الأجهزة القمعية، والتذكر بذكاء واضح، وتواضع بارز، ربما لأن مؤلف السيرة الذاتية ?الغرفة السوداء? شارك في كتابة السيناريو• إذ تمكن من صياغة تركيب حكائي لا إزعاج فيه بين الذاتي والموضوعي• ذاتية المناضل الذي تعرض لما تعرض له من انتهاكات، وموضوعية الوقائع التي يلتقي حول ?حقيقتها? عدد كبير ممن خبر هذه المحنة• لا مجال للإشارة إلى أن الذاتية والموضوعية والحقيقة والواقع، مفاهيم ليس من السهل ضبطها مفاهيميا حين يتعلق الأمر بسرد سينمائي تدخل في بنائه عناصر تقنية ودرامية لها منطقها الخصوصي الذي لا يستجيب، بالضرورة، للحمولة الدلالية التي يمكن أن تكون لهذه المفاهيم في خطاب العلوم الإنسانية والتجريبية• نحن بإزاء عمل تخيلي أراد استحضار أحداث مضت، أو تطلع إلى إعادة تملك زمن مضى استنادا إلى ذاكرة مجروحة، أو إلى جسد ما يزال يحتفظ بكثير من جروح ذلك الزمن القاسي• ولعل الرهان الكبير الذي يواجه كل من يريد الخوض في هذا النوع من الرواية، يتجلى في تمثل الماضي باعتباره ذاكرة: بل إنه اللغز الأكبر، إذ يطرح ذلك على المؤرخين والمفكرين، كما على الكتاب والسينمائيين، وبكيفيات متفاوتة ومفارقة، ضرورة الصياغة التركيبية بين الحضور، والغياب، الماسبق، أي أن الصور المستندة إلى التذكر تتقدم بوصفها وقائع أو حوادث، أو أشياء كانت، وجرت في زمن مضى، ولم تعد الآن• انشغل الفكر الفلسفي بهذه المفارقة منذ أفلاطون وما يزال• لا يتحدث أفلاطون عن الذاكرة ضمن معادلة الغياب والحضور فقط، ولكن باعتبارها استحضارا أو تذكرا، وحين يحصل ذلك - من طرف من له القدرة على القيام بهذه العملية- يتحقق ما يسمى بالتعرف، يتداخل هنا عمل الذاكرة ونشاط المخيلة من خلال عملية التفاف على الذاكرة من خلال المخيلة، لأن الأمر يفترض تمثلا حاضرا لشيء غائب• ويلاحظ بول ريكور أن برغسون هو من جعل مسالة التعرف على الزمن الماضي مركز كل إشكالية الذاكرة•5 يتم التعرف على الماضي عليه باعتباره مضى• لذلك فإن التاريخ يمكنه تقديم روايات بوصفها نتاج إعادة بناء للوقائع، لكن ما بين هذه العملية، كيفما كانت دقتها وقربها من الأحداث، وما بين التعرف هناك ?بون منطقي وفينومينولوجي? يعود إلى مسألة قدرات الذاكرة على ?الوفاء?، وإلى الأزمنة المعقدة والمتشابكة لحركة التاريخ• في سياق هذا الأفق من البحث عن الحكاية، أو عن شروطها الزمنية المعقدة، وعن مساحة التخيل في عملية استحضار ما مضى من خلال التذكر والتعرف، يأتي دور الشهادة• ما وقع في المغرب سنة 2005 تاريخي بكل المقاييس• إذ تمكنت ?هيأة الإنصاف والمصالحة? من تنظيم أكبر عملية اهتمام بالذات وبالذاكرة في تاريخ المغرب المعاصر• وفي غضون سنتين أطلقت دينامية جماعية، متعددة ومتراكبة بدأت بالبحث في تفاصيل الملفات، والتاريخ الشخصي لمن تقدم باعتباره ضحية من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ورافقتها بنبش في الأرشيفات والمراجع الكفيلة بإضاءة مسلسل التعرف، وكشف بعض تفاصيل ?الحقيقة?، وبتأطير جلسات استماع ?لشهادات? أشخاص ضحايا ارتأى أصحاب القرار السياسي، بشجاعة ملحوظة، بثها مباشرة عبر التلفزيون• حدث سياسي وإعلامي وثقافي وإنساني ناذر• شهادة مركبة• تداخلت فيها أسباب المحاكمة، والبوح بالمعاناة، والقراءة البعدية للأحداث، والمحاسبة السياسية، والنقد الذاتي، وتكسير دائرة الخوف• لم يكن الاستماع مجرد عملية إدراكية لتبادل الكلام والإنصات• كان أكبر من ذلك• كان لحظة اعتراف متعددة الأبعاد• اعتراف الدولة بانتهاك حقوق المغربي في مرحلة محددة، اعتراف الضحايا بما جرى لهم جراء هذا الانتهاك، وبالمعطيات السياسية التي كانت وراء ذلك، اعتراف البعض منهم بأخطاء في التقدير السياسي لإدارة الصراع••• الخ • قد تكون جلسات الاستماع خضعت لبروتوكول في التأطير والإخراج• وهذا منتظر ومحسوب• لكنها مثلت حدثا، بالمعنى التاريخي الكثيف للحدث، ومنعطفا يؤشر على استعداد الدولة على الإقرار بما صدر عنها من تعسف، والابتعاد قليلا عن النزعة الأبوية الساحقة التي توهمت ترويض الكائن المغربي من خلال عملية استبعاد منهجية لوجوده ولكرامته، ويؤكد على جموح ظاهر للبوح، وإطلاق حرية القول والجهر بما جرى • كل حسب ما أسعفته ذاكرته وقدراته على ?التعبير? عن جراحاته ومعاناته من نبش في الذاكرة وفي الوثائق، وبين ثنايا الكلام ودبدبات المشاعر، إلى نبش تحت الأرض لكشف قبور جماعية، حاولت ?هيأة الإنصاف والمصالحة? استحضار تفاصيل زمن قريب مضى• لا مجال للجدال حول مدى ?حقيقة? ما تم استحضاره، أو الانخراط في اعتبارات قضائية وجنائية تفترض المحاسبة والمسؤولية• فهذا جدال له شرعيته التامة، ولكنه يحوز إطاره السياسي والقانوني الملائم• المهم أن جدارا تم تكسيره، ودوائر تحوط وخوف خضعت للخلخلة والاختراق، وحكايات انطلقت، ومعاناة ضمنت شروط الاستماع إليها، وشهادات انتزعت مدى أوسع لتلقيها والتقاطها، والتعرف فيها على ما كان للظلم من سطوه، وسياسة الاستعلاء من مهانة• وراء ذلك اعتبار كبير يتمثل في تحقيق المصالحة بين الدولة والمجتمع، والالتزام بأن لا يتكرر ما جرى ضمن التزامات قانونية وسياسية وأخلاقية يتعين إدماجها في البناء التشريعي للبلاد• للشهادة على ما جرى، أصدر جواد مديدش كتابه ?الغرفة السوداء?، وحوله حسن بنجلون إلى فيلم• وسواء تعلق الأمر بالكتاب أو بالفيلم، فإن سؤال الشهادة يطرح نفسه بقوة• من أي زاوية يمكن النظر إلى هذه الشهادة? هل هي تعبير عن تذكر، وعن تفاصيل زمن تعرض فيه صاحب الشهادة إلى ما تعرض له من ألم ومعاناة? أم هي شهادة تمثل امتدادا لذاكرة مؤطرة ببنية سردية لها منطقها ولغتها وعمقها الوجداني، وخلفياتها ومقاصيدها? سؤال إشكالي لا ندعي أن سياق هذا الحديث يسمح بالتعمق فيه• والمؤكد أن الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا تمكن الحكي الذي يرصد واقعة ما من الانتقال من الخاص إلى العام، ومن المعايشة الذاتية إلى تقديمها للآخرين• تؤكد الذات، أمام الآخر، بأنها كانت شاهدة على أحداث وقعت وفي هذه الحالة يجوز مقارنة ومقايسة أو مواجهة شهادات مختلفة حول نفس الأحداث موضوع الحكي، مما يطرح، مرة أخرى، صدقية الشهادة والشهود، كما يقول بول ريكور• فيلم ?درب مولاي الشريف? شهادة، حكي، وتذكر، وتركيب• وإذا كانت الشهادة تطرح مشاكل فإن واجب التذكر، من خلال الحكي والتركيب المختار لبنائه، مثل، إلى حد ما، نوعا من الإدانة لمرحلة، ومن المطالبة بالإقرار بتاريخ تميز، من بين ما تميز به، بالانتهاك والتعسف• هل استطاع الفيلم إبراز هذه المعادلة على صعيد التمثيل والإخراج، هذا سؤال نقدي في حاجة إلى معالجة خاصة، لكن يكفي أن نشير إلى أن هذا الفيلم، لربما أقل من مبالغات ?جوهرة بنت الحبس? أظهر، مرة أخرى، أن طرق تماهي الممثلين مع شخصيات في فيلم يعالج مسألة جدية، كثيرا ما تظهر درجة كبيرة من الافتعال، وغياب الأصالة• ذلك أن المخرج، باستناده إلى أجهزته التصويرية وأجساد تمثيلية لم يتمكن من ابتكار صور قريبة من متخيل كاتب الكتاب، أي أن المشاهد يلاحظ نوعا من الفارق السردي بين ما يعرضه متواليات الفيلم وبين متخيل الاعتقال• وهذا مفهوم نظرا لغربة أغلب الأفلام المغربية عن المتخيل الجمعي، وحتى إذا انطلقت منه فكثيرا ما تسقط في نمطية تفقد إبداعية المتخيل، وتضيع قدرتها على الإقناع والجذب• هذا فضلا عن العجز الكبير في تصوير العنف• الفيلم شهادة عن عنف مورس على أجساد وأرواح، لكن العنف المعروض سينمائيا يفقد الشهادة قوتها• وليس الأمر يقتصر على هذا الفيلم، لأن المخرجين المغاربة لا يعرفون تصوير مشاهد عنف ، خصوصا الجسدي منه• بل سأجازف بالقول بأن الملاحظة تنطبق على السينما العربية برمتها، اللهم إلا استثناءات قليلة، على رأسها فيلم ?عرب? لفاضل الجعيبي، ومظاهر من العنف المحبوك في أفلام برهان علوية ?بيروت اللقاء? و?رسائل من زمن الحرب?، حتى المخرج يوسف شاهين لم يبرع كثيرا في صياغة العنف سينمائيا خصوصا في ?وداعا بونابارت? حين تضمن مشاهد مواجهة عديدة أغلبها تم تقديمه بطريقة غير مقنعة، مع أن الفيلم توفر، إنتاجيا، على إمكانيات مريحة• المشكلة ليست مادية فقط في الممارسة السينمائية مرة أخرى، وإنما في القدرة على التحكم في العملية السينمائية في تأطير أجساد ومشاعر ورموز وإيقاعات مرتبطة بحالات عنف سواء المادي أو المعنوي• ولذلك فإن "درب مولاي الشريف"، وإن كشف تجربة الاعتقال وإرادة نفي الخصم في الصراع السياسي، فإنه قام بذلك، ببساطة، ودون إدعاء مزعج• قد تظهر بعض صور التسرع في اللغة أو الميل غير الضروري لإضفاء البعد الدرامي على مشاهد ليست في حاجة إلى ذلك، ولكن أصحابه قاموا بالاختيار المعقول: تقديم رواية سينمائية اعتمادا على شهادة• وهو عمل ليس سهلا كما أشرنا إلى ذلك لأنها شهادة مركبة• بدون إلغاء النزوع الطبيعي لأصحاب الفيلم للتعبير عن التضامن مع من تعرض للانتهاك الجسيم لحقوقه أو للاحتجاج الظاهر أو الخفي ضد أجهزة القهر، غير أن هذا النزوع يبين، مرة أخرى، صعوبة تقديم رواية تستحضر تجربة معاناة مضت، بدون الخوض في لعبة الانتقاء والتمييز، والإظهار والإخفاء، ودون اشتباك صور المخيلة بأشياء الذاكرة• 1 Gilles Deleuze ; Limage-temps, Ed de Minuit, Paris, 1983 2 اقتربت النصوص التي كتبت في هذه المواضيع من مائة كتاب 3 لقد دخلت هيأة الإنصاف والمصالحة في رهان تأريخي وسياسي كبير حين قررت توثيق الذاكرة الوطنية بخصوص الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب بين 1956 و1999 وقد واجهتها أسئلة كبرى من طبيعة ?علمية? وسياسية، وعملية، لإعادة بناء هذا القسط من الذاكرة اعتمادا على الرواية الشفوية، بل واعترضتها صعوبات كبرى لإنجاز هذا المشروع• 4 لا يتعلق الأمر بقرار سياسي هين، وإنما يختزن أبعادا رمزية، واجتماعية، ونفسية، وإنسانية كبيرة• فالدولة نفسها التي انتهكت الحقوق تقر بالتجاوزات، وإن تغيرت المسؤولية السياسية العليا، وتدعو إلى الإنصاف، بما يفيد اعترافا بأشكال من الظلم مورست على أشخاص، وجماعات ومناطق، قصد المصالحة لإعادة بناء الثقة لمكونات الجماعة الوطنية• لا تقتصر المسالة، حسب ما يظهر، على فتح أفق جديد لتقديم قراءة جديدة للتاريخ المغربي القريب، وإنما لتأسيس بعض المقومات الكفيلة بإعادة بناء الدولة في اتجاه إقامة علاقات أكثر ديمقراطية مع المجتمع، لا تتكرر فيها حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولا الانتهاكات المعنوية للمجتمع، وهي اختيارات ليست بسيطة من منظور التاريخ، ولا بديهية في سياق تنازع الذاكرات والمواقع السياسية• ولكنها تمثل في كل الأحوال، تجربة غير مسبوقة في المجال العربي والمتوسطي، سيما حين نعرف أن بلدانا مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا لم تغامر بعد بفتح ملفات الانتهاكات الكبرى التي شهدتها في العهد الديكتاتوري• 5 Paul Ricur ; Mémoire, Histoire, Oubli ; Esprit ; Mars ?Avril 2006. P22

 

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي-المغربية -

*abdelhafid
17 - يونيو - 2006