البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : علم الاجتماع

 موضوع النقاش : تخليدا للذكرى 600 لوفاته    قيّم
التقييم :
( من قبل 1 أعضاء )
 abdelhafid 
27 - أبريل - 2006

ابن خلدون

لقد كان وعيه بتأثير الظاهرة المدينية في تطور البلدان من ألمع عطاءاته العلمية
إذ أبان توالي القرون بكيفية واضحة مدى عمق المقاربة الخلدونية لدور المدينة في قيام الحضارات وانحطاطها مما جعل من إشكاليته مدخلا ضروريا لفهم ما آلت إليه من تقهقر وتخلف أو نمو وازدهار البلدان.

بنسالم حميش يتناول من جانبه سيرة ابن خلدون في محاولة لرسم صورة تقريبية عنه على اعتبار أنه شخصية "من الصنف الذي لا يعرف إلا بالبوح والمكاشفة والتأمل الاستبطاني، وإن كانت كلها لا تتميز حقا عن لغة النص، التي تظهر فيه متوسطة بين التألق البلاغي الباهر والتألق اللفظي بالسجع والبديع، كما عرف ذلك عند لسان الدين ابن الخطيب وغيره من المعاصرين".

ويتناول الباحث بنّاصر البُعزّاتي موضوع "العلوم الفلسفية بالغرب الإسلامي زمن ابن خلدون"، إذ يتطرق لمظاهر الحفاظ على الإرث العلمي خلال الثُلث الأول من القرن الرابع عشر للميلاد، بعناية ابن باص وابن الرقّام والمصمودي وابن البناء وأبي مقرع؛ حيث نشط هؤلاء في العلوم العقلية، خصوصا في علوم الرياضيات والفلك.

لكن الأفكار العلمية لم تتفاعل في ما بينها لكي يخصّب بعضُها بعضاً؛ وقد أدرك أولائك العلماء مشاكل التواصل العلمي وعوائق انتشار الأفكار مثلا، لم تنتشر الأفكار العلمية لابن الرقام، كما لم ينتشر كتاب أبي علي المراكشي في الفلك قبله، في ربوع الغرب الإسلامي؛ إذ تكوّن أبو علي وألف بمصر فظلت المعارف العلمية المتداولة مبعثرةً، لا ترتبط في ما بينها برباط وثيق بل اتخذت الكتابات العلمية بالذات شكل ملخصات وشروح للملخصات.

ويرى الباحث أن الفاعلية العلمية ظلت محدودة، وخالية من أي تجديد خلال القرن، نتيجة تراجع اللحمة الفلسفية التي تشكل الوعاء الحاضن للعلوم باستمرار.

وهناك إشارات لدى ابن الخطيب وابن خلدون وغيره لما آل إليه الفكر الفلسفي من ضحالة، نتيجة المراقبة فقد فرض الفقهاء المتزمتون رقابة شاملة، لا على العلوم الفلسفية فحسب، بل على مدارس علم الكلام وأصول الفقه، المتفتحة على المنطق، بل حتى على المنطق الشرعي المتقدم أحيانا.

تتلمذ على يد ابن البناء عدة علماء؛ لكنهم لم يؤلفوا، أو أنهم تركوا كتابات سرعان ما ضاعت هؤلاء نشروا العلم عبر التدريس؛ لكن منهج التدريس السائد آنذاك، القائم على التكرار والتذكّر، كرّس ذهنية الخمول.

إن الخصوبة العلمية، يقول البعزاتي، تقتضي توفّر مناخ فكري تتنافس في أحضانه الفرضياتُ المختلفة، أي أنها تتطلب تعددا في المذاهب تشحذ الأدلة وتنظر في الأمثلة والأمثلة المضادة لكن اختفاء الفكر الفلسفي، وتراجع الجدل الفكري عامة، أمات روح التنافس، إنما ظل الخِلاف بين علوم شرعية (اللغة العربية والحديث والفقه المالكي) وممارسات معرفية متعلقة بالطلاسم والمعارف غير النقدية (الأنواء والرمل والطب النبوي).

كما ساد خلاف، بعد امّحاء علامات التصوف الفلسفي، بين التصوف السني والتصوف الشعبي؛ والأول مجرد فصل من الفقه المالكي، بينما الثاني خليط من المعتقدات العتيقة الساذجة.

فاضمحلت القدرة على التمييز بين العلم العقلي والممارسة الساذجة، بسبب غياب النقد وكتّاب الشروح الرياضية والفلكية، كابن قُنفذ والعُقباني والمَواحِدي ابن هَيدور، الذين عاصروا ابن خلدون، لم يضيفوا شيئا إلى كتابات ابن البناء وابن خلدون ابن هذا المناخ.

الباحثة التونسية منيرة شابوتو سلطت الضوء من جانبها على ابن خلدون ووجوده في مصرحيث تناولت في بعض الأسباب التي جعلته يهاجر من وطنه الأم المغرب الكبير الى الشرق ويستقر بمصر سنة 1382 ميلادية.

وتساءلت الباحثة عن العوامل التي جعلت ابن خلدون يقرر الهجرة الى مصر، مستعرضة بعض جوانب حياته الفكرية والسياسية سواء بالمغرب الكبير أو بمصر التي مارس بها مهامه كعالم وكقاضي بعد تقربه من السلطات الحاكمة في هذا البلد.

وأشارت إلى أن الأزمات التي عاشتها بلدان المغرب الكبير إبان ذلك العهد كان لها دور كبير في اتخاد هذا القرار وهي أزمات تمثلت على الخصوص في انهيار ديمغرافي كبير بسبب تفشي أمراض الطاعون الجارفة وعدم الاستقرار السياسي في ظل الأزمات التي عاشتها بعض القبائل مثل قبيلتي بني هلال وبني سليمية.

وتناولت جوانب من حياة ابن خلدون في مصر، موضحة أن هذا المفكر المغاربي الذي خصص لمصر كتابات غزيرة واعتبرها أهم البلدان العربية على الإطلاق في ذلك الوقت، لاحظ خلال مقامه بالديار المصرية الفرق بين النظام السياسي لهذا البلد ونظيره بالمغرب الكبير، حيث تطرق في كتاباته إلى علاقاته بالممالك الذين حكموا مصر في ذلك الوقت، كما حاول تقييم علاقاته بالعلماء والمثقفين المصريين.

 

*جريدة الصحراء المغربية 24/4/2006

*مع تحياتي لأصدقائي في مجلس الفلسفة .

تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
ابن خلدون والوعي بالتحولات    كن أول من يقيّم
 

 

الفكر الخلدوني وسياق التحولات

د.إسماعيل نوري الربيعي

كلية الآداب ? قسم العلوم الاجتماعية

 

يكاد اسم ابن خلدون 808 هجري، يمثل قاسما مشتركا، في المجمل من الدراسات العربية الإنسانية الحديثة والمعاصرة، باعتبار طريقة النظر الجديدة التي جاء بها، وحالة النقلة النوعية في مسار الدرس التاريخي الذي أحدثه.حيث الخروج من إسار النقل الذي كان طاغيا على المجمل من الدراسات، ليجعل منه مادة خاضعة للعقل، بل أن المسعى البارز الذي أسس عليه مؤرخنا ، إنما اعتمد فيه على تقديم مجال التجربة، بعد أن كان الدرس التاريخي يدور في فلك الأخبار ومتابعة الأحدث والروايات. وهكذا يتبدى المنهج الخلدوني من خلال العناية بالدرس التاريخي، حيث المسعى نحو البحث العميق في باطن التاريخ، بعد أن كان مقصورا على الظاهر منه.

التاريخ بوصفه منطلقا منهجيا

توجه المؤرخ العربي ، نحو العناية بالخبر، جاعلا منه بمثابة الغاية والهدف الرئيس ، باعتبار البحث عن الحقيقة ومحاولة التثبت من نقل الرواية عبر العناية بسلسلة الإسناد، ومن هذا راح المؤرخ العربي يشدد على طريقة الربط بين الراوي، واعتباره المنطلق والأصل الذي يتم من خلاله تحديد وتوجيه مسار الخبر التاريخي، وفي أحسن الأحوال ، فإن البعض منهم راح يتوسع في دائرة النقل ، في محاولة لتقديم أكثر من وجهة نظر ، ولكن في مسار نقل الرواية، حتى برز الجهد الذي قدمه المؤرخ الطبري 310 هجري، في تقديم أكثر من رواية في مصنفه ، من أجل توسيع مجال التمييز لدى المتلقي، حتى أنه لم يتردد من القول(( كان العلم بما كان من أخبار الماضين وماهو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم، ولم يدرك زمانهم، إلا بأخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستمزاج بالعقول)) تاريخ الرسل والملوك ج1 ص6 ،لابد من التوقف هنا عند أهمية التدقيق بين الاتجاهين ، العقل والنقل، فالأمر لا يقوم على مفاضلة مطلقة، أو تبخيس هذا الاتجاه على آخر ، بقدر ما يستند إلى أهمية التوقف عند السياقات التي فرضت أنماط التفكير السائد في حقبة تاريخية محددة ، فالنقل الذي ميز اتجاهات المؤرخ العربي المسلم كان مرتبطا بالعلوم الدينية ، بل أن الكثير من النتاج التاريخي ، إنما حفزته المدارك في سبيل التوجه ، نحو محاولة اللحاق بركب علوم تفسير القرآن الكريم، وهي العلوم النفيسة القدر ، وعليه كان الحرص نحو الضبط والتدقيق والتثبت.

الجهود المعرفية

تواصلت الجهود المعرفية في مجال الدرس التاريخي ، حتى كان مجال التصنيف الذي برع فيه المؤرخ المسعودي 346 هجري، والذي لم يتردد من القول(( فإنا صنفنا في أخبار الزمان، وقدمنا القول في هيئة الأرض... والأمم الدائرة والقرون الخالية، والطوائف البائدة على مر سيرهم في تغير أوقاتهم وتصنيف أعصارهم)) مروج الذهب ج1 ص 9.وهكذا تتضح معالم التنوع والاختلاف في طريقة التناول والتداول للموضوع التاريخي ، والذي لم يكن متوقفا عند مسار محدود ، بقدر ما برزت المحاولات الساعية نحو تثبيت الركائز المعرفية لعلم التاريخ، لكن النقلة الخلدونية تبقى حاضرة باعتبار ، حالة المخاض الذي أبرزته المرحلة التاريخية، حيث النهاية المفجعة التي تعرضت لها حاضرة الخلافة العربية الإسلامية في أعقاب سقوط بغداد على يد المغول عام 656 هجري، حتى كانت المقدمة والتي لم تكن مصنفا تاريخيا يسير على الطريقة المعهودة في تناول الأحداث والمرويات والأخبار ، بقدر ماكانت بمثابة ردة الفعل العقلية بإزاء الشتات والتشظيات والتوزعات والتقسيمات التي راحت تنال من جسد الأمة الإسلامية.

التفسير والتبرير

يعمد المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى وصف المقدمة قائلا(( فليس الشيطان وحده هو الذي يستطيع أن يجد في المقدمة ما يرضيه أو يسخطه، بل أن المؤمن والملحد، والكاهن والمشعوذ، والفيلسوف والمؤرخ، ورجل الاقتصاد ، عالم الاجتماع..... كل أولئك يستطيعون أن يجدوا في المقدمة ما به يبررون أي نوع من التأويل يقترحون لأفكار ابن خلدون)) كتاب العصبية والدولة ص 8،و بالفعل تبرز الظروف التي أحاطت بكتابة المقدمة، والتي صنفها خلال إقامته في قلعة ابن سلامة للفترة 776- 780 هجري. بعد سلسلة طويلة من المغامرات السياسية والمواجهات المحتدمة، بين الحظوة والتقدير والجاه في قصور الأمراء خلال خمس عشرة سنة حيث الحواضر والقصور، وعشر سنوات من حياة البادية، فكانت رؤاه التي عززتها التجربة المباشرة ، إن كان على صعيد المعرفة السياسية المباشرة ، أم على صعيد التجربة والوعي الاجتماعي.حيث حالة التبدل في ظروف المعاش التي نالته في أعقاب نهاية سلطان أمير بجاية على يد هجمات الأعراب ، تلك التي مثلت إشكالية في طريقة تناول ابن خلدون لهذا المصطلح، ، حتى كانت نقمته الشديدة عليهم ، ليحملهم أسباب الخراب وزوال الحضارة.فيما تتبدى منابع التفكير الخلدوني من طريقة دراسته وتلقيه العلوم على يد أساتذته، لا سيما  شيخه وأستاذه الآبلي، الذين غرسوا فيه المدى الموسوعي في التفكير، حيث الاشتغال المتنوع في العلوم الدينية والفلسفية والمنطق والتاريخ.

ما هي السمات الأساسية التي قامت عليها منهجية ابن خلدون،و ما هو الجديد الذي أضافه على المعرفة العلمية العربية، لقد كان التركيز عند البحث العميق عن مصدر الخبر باعتبار التدقيق في الصدق الذي يحمله أو الوهم والخطأ الذي من الممكن أن ينزلق فيه، فكان المسح الأولي الذي استثمره ابن خلدون في ترسيم معالم الموضوعية بإزاء العامل الذاتي، والذي يتبدى في الكثير من الأحوال والأوضاع، إن كان مناصرة لفريق على حساب آخر ، أو محاباة وطمع من أجل الحصول على مكاسب شخصية، أو الخضوع لتأثير الروايات المجزوءة الناقصة التحقيق.حتى أنه لا يتردد عن الإشارة المباشرة إلى أهمية توجه المؤرخ نحو التثبت والتحقق والسعي نحو توسيع المدارك والمعارف، من خلال العرض على الأصول والقياس بالأشباه والبحث عن الحكمة والوعي بطبائع الكائنات، كل هذا جعله بمثابة الموجه نحو القراءة والتحليل ، حيث السعي نحو التجريب والملاحظة المباشرة وتطبيقها على المجتمع الإنساني، واضعا أمامه القياس العقلي في طريقة اختيار الموضوعات ، فالعقل هو الميزان الذي يتم من خلاله تحديد أهمية القضايا والمسائل القابلة للبحث والتنقيب .

imseer@yahoo.com

 

 

 

 

 

*اسماعيل نوري
29 - أبريل - 2006
ابن خلدون الحاضر في العقل العربي    كن أول من يقيّم
 

ابن خلدون؛ الحاضر في العقل العربي

د.إسماعيل نوري الربيعي

1

 

 

يقترن اسم ابن خلدون بمسألة إعادة الاكتشاف، والإعادة هنا لا تتعلق بحالة الاكتشاف المباشر لمقدمته ،الذي جاء أوربيا في أعقاب الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830.أو عربيا حين توجه الشيخ محمد عبده لتدريس المقدمة في دار العلوم، ولا في طباعتها في العام 1858 في باريس و القاهرة. بقدر ما يقوم الأمر على القيمة المعرفية التي تنطوي عليها، وحالة التجديد الكامن فيها ، من حيث طبيعة المعالجة الفكرية، المستندة إلى النقد والتحليل وإحكام العقل فيها ، حتى لتتبدى كجهد عقلي فيه التنوع والفاعلية والحراك المعرفي الدقيق، القابل للاستجابة من مختلف زوايا النظر،  ومن واقع التفعيل لمفاهيم العصبية وتعاقب الدول والعمران والتطور التاريخي، تكون المقدمة بمثابة الجهد البشري الخارق، والتي عمد المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي إلى وصفها قائلا: ((إن  ابن خلدون قدم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تعد أعظم عمل لم يسبق أن أنجزه عقل بشري، في أي زمن وأي مكان من قبل.)). والواقع أن المقدمة تبقى متجددة فيها من التكيف الشيء الكثير بالنسبة لعنصري الزمان والمكان، حتى ليكاد القارئ ، يستشعر فيها قوة الحجة ورصانة الجملة واكتمال الفكرة، بل أن حالة التماهي بين النص والقارئ يكاد يكون بمثابة الثيمة البارزة للمقدمة ، تلك التي يكون لها القدرة على التسلل اليسير والسهل في نفس المتلقي، من دون أن يبرز ثقل الفاصل الزماني، بل أن الأسلوب والمنهج الذي اختطه ابن خلدون يكاد يكون متوافقا، مع مشغلات التفكير المعاصر.حتى برزت العديد من الدراسات المعاصرة التي راحت تقدم رؤاها المعرفية المكينة استنادا إلى الدرس الخلدوني العميق والفريد، والذي راح يتبدى حاضرا في المجمل من الدراسات الإنسانية العميقة ، والتي اجتهد في تقديمها أساطين الفكر العالمي الحديث والمعاصر.

2

تنطوي الرؤية التاريخية الخلدونية على القدرة النابهة والواضحة في طريقة المعالجة ، والمستندة إلى الفصل الواضح لقراءة الحدث التاريخي، وتمييزه ، والسعي الجاد والعميق نحو بلورة تفاعلاته مع مجمل العلوم في المجال العربي الإسلامي، إن كان على صعيد علوم الحديث، أم على صعيد تأثير السياسة في التاريخ، ومن هذا الفصل قيض لابن خلدون الوقوف على حالة الإفصاح البين الخالي من التداخل بين المفاهيم السائدة ، وعلى هذا نراه يقف وبثقة غير قابلة للبس أو التشابك بين المصطلحات، ليقف على تحديد أبرز المصطلحات التي زينت مقدمته والقائمة على تحديد سمات مفاهيم من نوع الخلافة والملك والسلطان والدولة والأمة، ومن واقع التوظيف العميق والدال ، للمزج بين الاجتماعي والتاريخي، موضحا مدى العلاقة الراسخة والعميقة بين التاريخ بوصفه وعيا والعمران البشري بوصفه الفاعل والمنتج والمؤثر الأهم في الصنع والتكوين والتراكم وتحديد مسار التجربة. ومن هذا فإن السمة المنهجية المميزة لعلم التاريخ، إنما تبرز على يد هذا المؤرخ الذي قيض له أن يحدد للتاريخ مقوماته الخاصة ، والتي تفصله عن بقية العلوم السائدة والمتداولة.لكن الملفت في التجربة الخلدونية تبقى مستندة إلى طغيان العنصر الزماني، الذي راح يتفاعل في مسارين ، تمثلا في ؛ بروز حركة فكرية واضحة المعالم والقسمات خلال القرن الرابع عشر الميلادي ، ومن روادها ابن منظور في علوم اللغة وابن بطوطة في الجغرافيا والبلدانيات وابن خلدون في علم التاريخ. وحالة التوقف الممض الذي أعقب تلك الحقبة حتى لحظة الاكتشاف الذي تم في القرن التاسع عشر.

3

تكمن القيمة المعرفية للجهد الذي قدمه ابن خلدون، في توجهه العميق نحو إبراز ملامح علم التاريخ والسعي نحو تمييزه عن باقي العلوم التي ارتبط بها، والواقع أن التمييز هذا جاء عبر منظومة منهجية دقيقة ، تم له من خلالها الوقوف على المقارنات والتحليلات والنقد والفحص والعناية بالخبر التاريخي،. ومن هذا كان الوقوف على جملة من القوانين التاريخية، والتي أبرز المدى والقدرة المميزة التي تحصل عليها ابن خلدون، هذا بحساب قدرته على ربط العلاقات من خلال توظيفه البارع بين التجربة والبرهان، ومن هذا فإنه تمكن من تفعيل التاريخ بزخم التجربة الواعية ودمجه مع طبائع العمران، بوصف هذا الأخير موضوع التاريخ الأصيل. وعلى هذا كان تطلعه نحو استقلال التاريخ وتمييزه بوصفه حقلا خاصا له مقايساته وشروطه واجتهاداته البعيدة عن شروط واجتهادات وبراهين العلوم الأخرى.فالتاريخ بهذا المعنى يكون بمثابة المرصد للاجتماع البشري ومجمل الأحوال والأوضاع التي تمر على الموجودات والعمران من تطور وتأخر، عمران وخراب، ازدهار وانحطاط، أقوام ومجتمعات، دول وملوك وأمراء وسلاطين، حضارات ونظم وفعاليات اقتصادية وأنشطة حرفية وتجارية وعلوم وثقافة وعادات وتقاليد وطبائع. فالتاريخ هنا يمثل الكل الموضوعي الذي يميز هذه المجموعة البشرية عن تلك.

4

يبقى ابن خلدون ممثلا للثقافة العربية الإسلامية، تلك الحاضنة والوعاء الثقافي الذي وفرت له القدرة على التمييز والعطاء، حيث الخبرة المعرفية والإنسانية التي هيأت له المعطيات التي استند إليها في بحثه العلمي الدقيق والنابه. ومن هذا فإنه وفق للتماهي مع هذه المعطيات عبر الاستيعاب الواعي للدرس المنهجي العربي الإسلامي والذي تمثل في نقد الأخبار والتحقق من الأسانيد، والتمييز في مجال العلوم العقلية والنقلية ، تلك التي كانت بمثابة المهاد الذي استوعب المنهجية الخلدونية ، عبر الاندراج في التوظيف العميق والدال، لمنظومة النقل من خلال شرط العقل، والعمل على نقد الخبر التاريخي ، من خلال وضعه تحت مشرط العقل ومحاولة مقارنته مع الواقع ومدى مطابقته له.والواقع أن الدربة المنهجية تلك لم تأت عبر مصادفة عرضية ، بقدر ما ارتبطت بطبيعة النشأة وتراكم الخبرات التي توفرت لهذا الرجل الذي عمل في الحقل السياسي والسفارات والقضاء والعلوم الشرعية.، بل أن المساهمة تبرز عبر طبيعة الأحداث والظروف والوقائع التي أحاطت به.وهكذا يكون ابن خلدون نتاجا واقعيا لطبيعة الظرف التاريخي الذي أحاط به، من حيث المكونات السياسية التي برزت في المغرب العربي، وحالة الشقاق والصراع بين الإمارات المتصارعة والمتطاحنة بحثا عن الملك والسطوة والجاه، وحالة الفصل الفاضح التي استشرت في توزيع الكيانات السياسية في المنطقة، حتى كان الحديث يترى عن الخلافة والإمامة والملك والسلطنة.، وبالقدر الذي كان فيه ابن خلدون قد تماهى مع هذا القدر من الصراع السياسي المرير الذي طبع المنطقة ، فإن عزلته التي اختارها بنفسه من أجل كتابة سفره المعرفي، تأتي عبر قرار واع ، شديد التحديد، حيث التصميم والإرادة نحو الفهم والتفسير النابع من عمق التجربة الشخصية، حتى كان قرار الحياد، والذي يمكن توصيفه (( بالتصوف المعرفي)) حتى راح ينظر إلى الموجودات والحالات والظواهر بعين الرقيب المحايد المتطلع نحو رصد الظواهر والعمل على فهمها وبالتالي تفسيرها.بل أن الفسحة التي توفرت له ، قيضت له التمييز بين الحقول ، حتى كانت سياحته المعرفية المستندة إلى توسيع مجال الرصد ، الذي وفر له مجال  الترقب لمجمل الحقول المؤثرة والفاعلة في التاريخ.

imseer@yahoo.com

 

*اسماعيل نوري
29 - أبريل - 2006
اتجاه معاكس..    كن أول من يقيّم
 

متى تظهر عندنا خلدونية مضادة?

عبد السلام بنعبد العالي

ينتظر كثير من مثقفينا بفارغ الصبر مناسبة ذكرى وفاة ابن خلدون كي يعاودوا الحديث عنه ليذكرونا من جديد بأنه كان سباقا إلى ميادين فكرية متنوعة ، و أنه تقدم هردر و كونت و دوركهايم و ماركس???نحن على أتم تأكيد، وهم كذلك، أن هذا "الإحياء" لن يتجاوز الذكرى، و أن صاحب المقدمة سيوارى التراب إلى أن تحل إحدى مضاعفات المائة من جديد? منذ أطروحة طه حسين و ابن خلدون، الذي كان موضوعا لمعظم أطروحات الدكتوراة في الفلسفة في كثير من الجامعات العربية،ينال من العناية الكبيرة دراسة و مقارنة، إلا أنه لم يستطع ،على رغم ذلك،أن يرقى إلى مستوى الخصم الفكري عند الدارسين? لا يعني ذلك بطبيعة الحال، أنهم لم يهجروه ولم ينبذوه، و إنما أنهم لم يتملكوه بحيث يرتفعون به إلى مستوى من نعلو بهم حتى نجعلهم خصومنا فكريا، و من نفكر معهم و بهم حتى نتجاوزهم، ومن نشكل استمرارا لهم حتى ننفصل عنهم? هذا شأن عظام المفكرين، و هذا ما حدث لأرسطو مع أفلاطون، و لأرسطو ذاته مع ديكارت، ولديكارت مع من أعقبه? بل وما وقع لهيجل مع ماركس، و لهايدغر مع هوسرل?عندما قال أرسطو "الذي كان يحب معلمه و كان حبه للحقيقة أفضل"، عندما قال لا لأفلاطون، و قال ديكارت لا لأرسطو ، وقال ماركس لا لهيجل، و قال باشلار لا لديكارت، فان ذلك يعني أن كل واحد من هؤلاء قد تملك فكر الآخر و تماهى معه إلى حد أن جعله آخر"ه"? فليس التملك في ميدان الفكر هو الملكية، ربما كان العكس هو الصحيح، فنحن لا نتملك إلا الأفكار التي نفقدها، و إن هي غدت ملكا لنا امتلكتنا و صارت عقيدة و رأيا و دوغمائية ?على هذا النحو لا يمكن لإحياء الذكرى أن يتم بامتداح المفكر والنظر إليه على أنه فلتة لن يجود التاريخ بمثلها، و لا باسترجاع القضايا التي طرقها للبحث عما إذا كان لها امتداد في حاضرنا?إن إحياء الذكرى لا يقتضي الوقوف على التأثيرات و تقصي الآثار، لكنه لا يقتضي بالأولى تمجيد الماضي و إعلاءه بحيث يغدو جاثما بثقله على الحاضر ? إحياء الذكرى هو أن نجعل الماضي ينفجر اندفاعة نحو المستقبل، تفتحا على المستقبل بطبيعة الحال، و لكن أيضا وفاء للماضي


12/5/2006 ***عن جريدة الاتحاد الاشتراكي .

*abdelhafid
16 - مايو - 2006
إصلاح التعليم..كما يراه ابن خلدون .    كن أول من يقيّم
 

إصلاح التعليم الديني من منظور ابن خلدون

عبد الرحمن حللي
كاتب سوري
info@almultaka.net

يشهد هذا العام ندوات ومؤتمرات علمية في مختلف أنحاء الوطن العربي بمناسبة مرور ستة قرون على وفاة العلامة ابن خلدون أبرز مفكر في التاريخ الإسلامي عالج القضايا الحضارية من منظور شامل، وكانت له الريادة في ميدان ما أسماه "العمران" الذي ربط به مختلف العلوم والصنائع، وسنعرض في هذا المقال منظور ابن خلدون للتعليم ودوره الوظيفي الذي يؤديه في العمران, حيث عرض في مقدمته رؤيته حول التعليم الديني مشخصاً مشكلاته ومقترحاً عناصر للعلاج.
يعتبر ابن خلدون أن تعليم العلم صنعة من جملة الصنائع لا بد لحصولها من ملكة وذلك بالإحاطة بمبادئ العلم وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وهذه الملكة هي غير الفهم والوعي الذي يشترك فيه الجميع، فنظريته تقتضي أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، فثمة علاقة عضوية بين ازدهار العلوم والعناية بها وبين استمرار العمران وازدهاره واتصال سند التعليم في البلاد، (يستشهد لذلك بحال الأندلس والمشرق)، ويصنف العلوم الواقعة في العمران مقيداً هذا التصنيف بعهده تحصيلاً وتعليماً إلى صنفين: الأول: صنف طبيعي وهي العلوم الحكمية الفلسفية والتي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها، والصنف الثاني: نقلي يأخذه عمن وضعه، وهي العلوم النقلية وكلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن.
ثم يحاول ابن خلدون في تحليله لوضع التعليم الديني في عصره الوقوف على الأسباب التي تحول دون تحول التعليم إلى ملكة لدى المتعلم بحيث تسهم في العمران، ويمكن تلخيص تلك الأسباب التي يراها أضرت بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته في طول مدة التعليم ويعزو طولها إلى قلة الجودة في التعليم خاصة، لاسيما وأن تلك المدة التي يقضيها الطالب إنما تتم دون نقاش وحركة فيها، فتذهب أعمار الطلاب ولا يحصلون الملكة المطلوبة، كما ينبه إلى الخلط بين الملكة العلمية والحفظ، فالعناية بالحفظ أكثر من الحاجة، فساد الظن أن الحفظ هو المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك، ويلاحظ ابن خلدون أن اختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها وكثرة التآليف في العلوم تشكل عائقاً عن التحصيل، وذلك من زاوية مطالبة الطالب بتحصيلها والوقوف عليها فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولابد دون رتبة التحصيل، ويرى كذلك أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم تشكل فساداً في التعليم وإخلالاً بالتحصيل، وهي ما غدا يعرف بالمتون، وذلك لأن فيها تخليطاً على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد، وهذا من سوء التعليم، ثم في ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم، فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة. ومما يلاحظه ابن خلدون من مساوئ التعليم تحويل علوم الآلات إلى علوم مقصودة لذاتها، كما حصل في صناعة النحو والمنطق وأصول الفقه فأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها من المقاصد وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة فهي من نوع اللغو وهي أيضا مضرة بالمتعلمين فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد.
وبعد تشخيص ابن خلدون لمشكلات التعليم يرى إصلاحه من تصور مكانة التعليم في العمران ودوره كصنعة أساسية لا تحققها الطرق السائدة في عصره، لذلك نجده يقترح في هذا المجال التركيز على تحصيل الملكة، وأهم طرق تحصيلها وأيسرها فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها، وقد أشار إلى كون طرق التعليم الممتدة تعتمد على الحفظ والتلقين ويغيب فيها الحوار ويقضي الطالب وقتاً طويلاً وهو ساكن لا يتحرك، ويتخرج وهو لا يجيد الكلام والحوار، وينصح بإتباع وجه الصواب في تعليم العلوم من خلال التدريج في التعليم شيئاً فشيئاً بحيث يحصل التعلم في ثلاث تكرارات حسب مستوى المتعلم، وعدم تداخل المسائل والعلوم ببعضها، وتقصير مدة التعليم، لأن طول المدة ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها، والتوسع في العلوم المقصودة بالذات كالشرعيات والطبيعيات والإلهيات، والاقتصار في العلوم الآلات التي هي وسيلة وآلة لغيرها كالعربية والمنطق، فإن ذلك يزيد طالبها تمكناً في ملكته. وأخيراً يحذر ابن خلدون من الشدة على المتعلمين لأنها مضرة بهم، ويعتبر الشدة من سوء الملكة، فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب، ويورد ابن خلدون في هذا السياق كلاماً يشرح فيه أثر الشدة في التعليم وما يورثه في العمران عموماً، ونصه هذا يصلح تشخيصاً لحال المسلمين اليوم ويفسر عقم التعليم وغياب الإبداع لدى المتعلمين، يقول: "ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضَيَّقَ عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحَمَل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحَمِيَّة والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف".
إن ما أورده ابن خلدون في تشخيصه لقضايا التعليم وما اقترحه من علاج لمشكلاته إنما هو جزء من تصوره لمكانة التعليم في العمران كصنعة أساسية من صنائعه، وكأن ابن خلدون فيما نظَّره قبل ستة قرون إنما يتحدث عن سنة حضارية ندرك آثارها اليوم، فالعلاقة بين التعليم والتنمية اليوم وما يطرح في هذا المجال ما هي إلا صياغة حديثة لما أورده ابن خلدون حول العلاقة بين التعليم والعمران، وأهم مشكلات التعليم المعاصر تحوُّله من ملكة وصناعة فاعلة إلى تلقين وحفظ وسنوات طويلة تقضى بالدرس والامتحان بغض النظر عن جدواها، ولا يتم تقييم أثرها في العمران والتنمية، وبالخصوص في مجال التعليم الديني الذي لم يكن منفصلاً عن غيره، حيث ما يزال وصف ابن خلدون لأحوال التعليم الديني والمتعلمين في عصره - والذي نجد للمصلحين وصفاً شبيهاً به لأحوال التعليم في القرن العشرين ? صالحاً اليوم لاسيما في المعاهد الشرعية التي تخرج حفظة للمتون بغض النظر عن حصول الملكة فيها وتوظيفها في الحياة، بل وإن المحاورة والجدل الذي اعتبره ابن خلدون هو الذي يفتق الملكة لدى المتعلم يبقى الغائب الأساسي في التعليم اليوم سواء في المدارس أو الجامعات وبجميع الاختصاصات، وما اقترحه ابن خلدون من علاج لهذه الأدواء التي شخصها إنما هي قواعد عامة تمثل سنة حضارية لا تتخلف عبر العصور.
فهل تكون استعادة فكر ابن خلدون بعد ستة قرون على رحيله مؤشراً على بداية جادة للنهوض الحضاري أم تبقى مهرجاناً كسائر المهرجانات الثقافية تفاخر بماضيها وتؤكد عجز التعليم والفكر العربي والإسلامي عن إيجاد شخصية بوزن ابن خلدون.

26 Apr 2006
*abdelhafid
19 - مايو - 2006
عبدالرحمن بن خلدون يزور القاهرة    كن أول من يقيّم
 

     

    

الأخ العزيز / عبد الحفيظ

     بعد عظيم الإحترا م والتقدير

أبت _ نفسى_ إلا أن تشارككم ذكرى الخالد أبدا_ ابن خلدون _، ولم يكن لديها سوى حب وإجلال لهذا العلم ، ونظرا لقراءتى قصة حياته ،أقدم مشاركة   ، أرجو أن تنال إعجابكم 0

  يقول ابن خلدون عن القاهرة ((((0000فانتقلت إلى القاهرة أول ذى القعدة 784، فرأيت حضرة الدنيا،وبستان العلم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام ،وكرسى الملك، تلوح القصور والأواوين فى جوه، وتزهر الخوانك والمدارس بآفاقه ؛ وتضىء البدور والكواكب من علمائه؛ قد مثل بشاطىء بحر النيل نهر الجنة ،ومدفع مياه السماء ،يسقيهم النهل والعلل سيحه؛ وبجبى إليهم الثمرات والخيرات ثجه0 ومررت فى سكك المدينة تغص بزحام المارة ،وأسواقها تزخر بالنعم، وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه فى العمران ،واتساع الأحوال 0ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه0سألت صاحبنا قاضى الجماعة بفاس، وكبير العلماء بالمغرب؛ أبا عبدالله المقرى_ مقدمه من الحج سنة أربعين _ فقلت له: كيف هذه القاهرة? فقال :من لم يرها لم يعرف عز الإسلام 0وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجايه مثل ذلك قال : كأنما انطلق أهله من الحساب ، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب 0حضر صاحبنا قاضى العسكر بفاس، الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجى بمجلس السلطان أبى عنان_ منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر، وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم، سنة ستة وخمسين، وسأله عن القاهرة فقال : أقول فى العبارة على سبيل الاختصار : أن الذى يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التى يتخيلها ، لا تساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة ، فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها 0فأعجب ا لسلطان والحاضرون بذلك 0))))

*عبدالرؤوف النويهى
24 - مايو - 2006
القاهرة    كن أول من يقيّم
 
 

كنتُ قد قرأتُ عن أساليب العلاج بالابر الصّينية كعلاج لكثير من أمراض العصر. كثيرا ما نكتب بفعل هذه الابر. وعلى عاتقها تقع المسؤولية وعلى (الموغوز) الصبر والاحتساب. يشكك الكثيرون بجدوى هذه الصناعة وينظر آخرون اليها على أنها مجرد سلعة للاستهلاك السريع تخلو من القدرة على الديمومة لانها تفتقر المتانة التى تمنح الاشياء سرّ مواجهة فعل الزمن وعوادى الدهر. إبر ابن خلدون المغربيّة هذه تثير سؤالا مشرقيّا: ما الذى يجعل الناس يهربون من العزِّ الى غير عز?! هل لانهم لم يعودوا يأمنون من العواقب? أم أن القاهرة لم تعُد قاهرة الاّ لابنائها? ولم يعد الابناء قادرين على تحمّل قهر الآباء لهم?

alsaadi
24 - مايو - 2006
تجربة ابن خلدون السياسية .    كن أول من يقيّم
 
أكد الأستاذ الجامعي بنسالم حميش أنه "لولا تجربة ابن خلدون السياسية على المسرح المغاربي والأندلسي وفي المشرق الإسلامي، لما اهتدى إلى ما اهتدى إليه في مجال التنظير السياسي والعصبية كمحرك للتاريخ".
وأوضح حميش، في محاضرة ألقاها بالمكتبة الوطنية بالرباط، أن احتكاك ابن خلدون في سن مبكرة بفطاحلة الفكر والمعرفة فتق عبقريته وانشغاله العلمي، وهو ما يؤكد انتماءه الفكري والوجداني والسياسي والاجتماعي للمنطقة المغاربية، إذ أبدع في المغرب الأوسط (الجزائر) بقلعة ابن سلامة مثلا مقدمته الشهيرة.

وفي هذا الإطار أشار بنسالم حميش خلال هذه المحاضرة التي نظمتها وزارة الثقافة ضمن الشطر الأول من فعاليات تخليد الذكرى الستمائة لوفاة العلامة ابن خلدون، إلى أن هذا الأخير كان يرفض تلك الوطنية الضيقة فهو "مغربي جواني ومغاربي" من المغرب الذي هو موطنه ومنشأه، ومصري حيث أهله وجيله.

وحول نفسية ابن خلدون، قال الأستاذ حميش إنه كان ذا شعور مأساوي، فرضه عليه فرضا عصره العصيب والصعب، ومن ذلك واقع العالم الإسلامي في هذه الفترة، والذي انعكس على الذهنيات والسلوكات، ثم الوقائع الدرامية التي تعرض لها ومنها موت والديه وبعض مشايخه بتونس بسبب الطاعون، واغتيال لسان الدين ابن الخطيب، الذي كان من أعز أصدقائه، ثم شقيقه الأصغر يحيى ابن خلدون، وبعده فقدانه أسرته غرقا في البحر.

وقد تلقى ابن خلدون، الذي قال "إن الإنسان ابن زمانه"، هذه الصدمات واستبطنها، وكل ما كتبه عنها: "فكثر الشغب علي من كل جانب وأظلم الجو علي من أهل الدولة ووافق ذلك مصابي في الأهل والولد وصلوا إلى المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت فذهب الموجود والسكن والمولود وعظم الجزع ورجح الزهد".

وبدل أن ينصاع ابن خلدون، يضيف الأستاذ حميش، "لهذه المصائب العظام، سيحاول استيعاب قواعد علم الاجتماع، والتكيف مع وسطه، ومن تم كانت طبيعته التي قيل عنها إنها كانت متقلبة ومحتالة"، مشيرا إلى أنه قدم خدماته للكثير من الملوك كما أنه كلف بسفارات عدة أشهرها تلك التي أوفده بها محمد الخامس الغرناطي إلى بيدرو الطاغية ملك قشتالة واعتبر حميش أن الحديث عن ابن خلدون، باعتباره من فطاحلة الفكر العربي، ليس من باب التقديس ولا التحنيط، وإنما هو محاولة لرسم صورة تقريبية لشخصية هذا المؤرخ والمفكر والفيلسوف الذي ولد في تونس سنة 733 ه موافق 1332م

وأضاف أنه ولد للعلم عندما احتك بالعلماء والفقهاء الذين صاحبوا أبا الحسن المريني عندما غزا مدينة تونس واحتلها، وحيث سيتعرف ابن خلدون وهو ابن السادسة عشرة على العلامة التلمساني إبراهيم ابن إبراهيم النافلي أستاذه في الشرعيات والعقليات

وقد استعرض المحاضر كذلك المهام التي شغلها ابن خلدون، الذي كان في خضم هذه الأحداث يعرف كيف يستفيد من النزاعات والتناقضات بين الفرقاء والعصبيات، مشيرا إلى أنه عندما كان يشتد عليه الأمر ويحس بخطر عظيم يجد لنفسه مخرجا للفرار.

وأكد المحاضر أن ابن خلدون كان يمارس السياسة إلى حد ما، ويتجلى ذلك "من الكلمات التي كان يستعملها ومنها "ظلمة الجو" و"اكتساح الخرق" و"التخلص من الشواغل" و"أحوال الملوك".

وفي المحور الخاص برحيل ابن خلدون إلى مصر التي وصلها سنة 1384 م وعلاقته بالسلطان برقوق ومن بعده خلفه السلطان فرج، ومشاركته في مفاوضة تيمور الأعرج حول مصير دمشق، أبرز تخلي ابن خلدون "عن عقلية التحايل والمراوغة والإخلاف بالوعد التي كان يشتغل بها وهو في بلدان المغرب، وتحليه بالاستقامة والورع وتشبثه بالزي والخط المغربيين".

وخلص المحاضر في ختام عرضه إلى التأكيد على ضرورة الاحتفاء بذكرى هذا العلم الذي يعد واحدا من رموز الثقافة العربية، مشددا على أن ذلك يعد من آليات "التصدي للثقافات الساعية إلى محو ذاكرة الشعوب، ولكي لا نظهر عرايا من هذا التراث الذي هو تراثنا قبل أن يصبح تراثا عالميا بكل المقاييس .
*abdelhafid
29 - مايو - 2006