ابن خلدون والوعي بالتحولات كن أول من يقيّم
الفكر الخلدوني وسياق التحولات
د.إسماعيل نوري الربيعي
كلية الآداب ? قسم العلوم الاجتماعية
يكاد اسم ابن خلدون 808 هجري، يمثل قاسما مشتركا، في المجمل من الدراسات العربية الإنسانية الحديثة والمعاصرة، باعتبار طريقة النظر الجديدة التي جاء بها، وحالة النقلة النوعية في مسار الدرس التاريخي الذي أحدثه.حيث الخروج من إسار النقل الذي كان طاغيا على المجمل من الدراسات، ليجعل منه مادة خاضعة للعقل، بل أن المسعى البارز الذي أسس عليه مؤرخنا ، إنما اعتمد فيه على تقديم مجال التجربة، بعد أن كان الدرس التاريخي يدور في فلك الأخبار ومتابعة الأحدث والروايات. وهكذا يتبدى المنهج الخلدوني من خلال العناية بالدرس التاريخي، حيث المسعى نحو البحث العميق في باطن التاريخ، بعد أن كان مقصورا على الظاهر منه.
التاريخ بوصفه منطلقا منهجيا
توجه المؤرخ العربي ، نحو العناية بالخبر، جاعلا منه بمثابة الغاية والهدف الرئيس ، باعتبار البحث عن الحقيقة ومحاولة التثبت من نقل الرواية عبر العناية بسلسلة الإسناد، ومن هذا راح المؤرخ العربي يشدد على طريقة الربط بين الراوي، واعتباره المنطلق والأصل الذي يتم من خلاله تحديد وتوجيه مسار الخبر التاريخي، وفي أحسن الأحوال ، فإن البعض منهم راح يتوسع في دائرة النقل ، في محاولة لتقديم أكثر من وجهة نظر ، ولكن في مسار نقل الرواية، حتى برز الجهد الذي قدمه المؤرخ الطبري 310 هجري، في تقديم أكثر من رواية في مصنفه ، من أجل توسيع مجال التمييز لدى المتلقي، حتى أنه لم يتردد من القول(( كان العلم بما كان من أخبار الماضين وماهو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم، ولم يدرك زمانهم، إلا بأخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستمزاج بالعقول)) تاريخ الرسل والملوك ج1 ص6 ،لابد من التوقف هنا عند أهمية التدقيق بين الاتجاهين ، العقل والنقل، فالأمر لا يقوم على مفاضلة مطلقة، أو تبخيس هذا الاتجاه على آخر ، بقدر ما يستند إلى أهمية التوقف عند السياقات التي فرضت أنماط التفكير السائد في حقبة تاريخية محددة ، فالنقل الذي ميز اتجاهات المؤرخ العربي المسلم كان مرتبطا بالعلوم الدينية ، بل أن الكثير من النتاج التاريخي ، إنما حفزته المدارك في سبيل التوجه ، نحو محاولة اللحاق بركب علوم تفسير القرآن الكريم، وهي العلوم النفيسة القدر ، وعليه كان الحرص نحو الضبط والتدقيق والتثبت.
الجهود المعرفية
تواصلت الجهود المعرفية في مجال الدرس التاريخي ، حتى كان مجال التصنيف الذي برع فيه المؤرخ المسعودي 346 هجري، والذي لم يتردد من القول(( فإنا صنفنا في أخبار الزمان، وقدمنا القول في هيئة الأرض... والأمم الدائرة والقرون الخالية، والطوائف البائدة على مر سيرهم في تغير أوقاتهم وتصنيف أعصارهم)) مروج الذهب ج1 ص 9.وهكذا تتضح معالم التنوع والاختلاف في طريقة التناول والتداول للموضوع التاريخي ، والذي لم يكن متوقفا عند مسار محدود ، بقدر ما برزت المحاولات الساعية نحو تثبيت الركائز المعرفية لعلم التاريخ، لكن النقلة الخلدونية تبقى حاضرة باعتبار ، حالة المخاض الذي أبرزته المرحلة التاريخية، حيث النهاية المفجعة التي تعرضت لها حاضرة الخلافة العربية الإسلامية في أعقاب سقوط بغداد على يد المغول عام 656 هجري، حتى كانت المقدمة والتي لم تكن مصنفا تاريخيا يسير على الطريقة المعهودة في تناول الأحداث والمرويات والأخبار ، بقدر ماكانت بمثابة ردة الفعل العقلية بإزاء الشتات والتشظيات والتوزعات والتقسيمات التي راحت تنال من جسد الأمة الإسلامية.
التفسير والتبرير
يعمد المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى وصف المقدمة قائلا(( فليس الشيطان وحده هو الذي يستطيع أن يجد في المقدمة ما يرضيه أو يسخطه، بل أن المؤمن والملحد، والكاهن والمشعوذ، والفيلسوف والمؤرخ، ورجل الاقتصاد ، عالم الاجتماع..... كل أولئك يستطيعون أن يجدوا في المقدمة ما به يبررون أي نوع من التأويل يقترحون لأفكار ابن خلدون)) كتاب العصبية والدولة ص 8،و بالفعل تبرز الظروف التي أحاطت بكتابة المقدمة، والتي صنفها خلال إقامته في قلعة ابن سلامة للفترة 776- 780 هجري. بعد سلسلة طويلة من المغامرات السياسية والمواجهات المحتدمة، بين الحظوة والتقدير والجاه في قصور الأمراء خلال خمس عشرة سنة حيث الحواضر والقصور، وعشر سنوات من حياة البادية، فكانت رؤاه التي عززتها التجربة المباشرة ، إن كان على صعيد المعرفة السياسية المباشرة ، أم على صعيد التجربة والوعي الاجتماعي.حيث حالة التبدل في ظروف المعاش التي نالته في أعقاب نهاية سلطان أمير بجاية على يد هجمات الأعراب ، تلك التي مثلت إشكالية في طريقة تناول ابن خلدون لهذا المصطلح، ، حتى كانت نقمته الشديدة عليهم ، ليحملهم أسباب الخراب وزوال الحضارة.فيما تتبدى منابع التفكير الخلدوني من طريقة دراسته وتلقيه العلوم على يد أساتذته، لا سيما شيخه وأستاذه الآبلي، الذين غرسوا فيه المدى الموسوعي في التفكير، حيث الاشتغال المتنوع في العلوم الدينية والفلسفية والمنطق والتاريخ.
ما هي السمات الأساسية التي قامت عليها منهجية ابن خلدون،و ما هو الجديد الذي أضافه على المعرفة العلمية العربية، لقد كان التركيز عند البحث العميق عن مصدر الخبر باعتبار التدقيق في الصدق الذي يحمله أو الوهم والخطأ الذي من الممكن أن ينزلق فيه، فكان المسح الأولي الذي استثمره ابن خلدون في ترسيم معالم الموضوعية بإزاء العامل الذاتي، والذي يتبدى في الكثير من الأحوال والأوضاع، إن كان مناصرة لفريق على حساب آخر ، أو محاباة وطمع من أجل الحصول على مكاسب شخصية، أو الخضوع لتأثير الروايات المجزوءة الناقصة التحقيق.حتى أنه لا يتردد عن الإشارة المباشرة إلى أهمية توجه المؤرخ نحو التثبت والتحقق والسعي نحو توسيع المدارك والمعارف، من خلال العرض على الأصول والقياس بالأشباه والبحث عن الحكمة والوعي بطبائع الكائنات، كل هذا جعله بمثابة الموجه نحو القراءة والتحليل ، حيث السعي نحو التجريب والملاحظة المباشرة وتطبيقها على المجتمع الإنساني، واضعا أمامه القياس العقلي في طريقة اختيار الموضوعات ، فالعقل هو الميزان الذي يتم من خلاله تحديد أهمية القضايا والمسائل القابلة للبحث والتنقيب .
imseer@yahoo.com
|