البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : هدية للبنت التي تبلبلت ..    قيّم
التقييم :
( من قبل 1 أعضاء )

رأي الوراق :

 abdelhafid 
15 - أبريل - 2006

دنيا الحكي في مواجهة الخوف والموت البطيء

محمد برادة

تُبلور علوية صُبْح، في رواية "دنيا"، لُعبة السرد التي اعتمدتْ بعض عناصرها في "مريم الحكايا"، وهي لعبة تقوم في أساسها، على جعل مشكلات السرد وعلائقه مع الكاتبة المحتملة والشخصيات الساردة، جزءا من نص الرواية، أي بمثابة ميتا ـ نص مندمج في صلب المحكيات، له وظيفة فنية ودلالية، بعبارة ثانية، فإن الحديث عن معضلة تنظيم السرد، وعلائق المحكي بالواقع واستحالة الكتابة، هو أيضا مدخل الى استكشاف دلالات الرواية، ومحاولة لإعادة النظر في مفهوم الكتابة الروائية ذاتها. تقول دنيا عن الكاتبة: "كلما كتَبتْنا، صار لنا أجساد وملامح وأسماء ووجوه وحكايات. هي تمَّحي ونحن ننْكتب" ص 379. تُحيل هذه الإشارة إلى العلاقة المعقّدة بين الروائي وشخوصه، وتنفي سمة الإله عن المبدع لتُضفي على الشخصيات صفة الوجود المستقل، المتمرِّد على خالقه. وضمن هذا الطرح، يبرز التشكيك في الشكل السردي المعروض، واحتمال تغييره من خلال القراءة، أو تخيُّل نص آخر تكتبه الشخصيات الساردة، المناوئة للكاتبة... ولا أظن أن علوية صبح إنما قصدت إلى حَبْك محكياتها على أساس الاستطراد الشهرزادي، كما ذهب الى ذلك بعض مَن قرأوا "دنيا"، بل إن استراتيجية السرد عندها تلتئم مع نسج الدلالة نسجا مراوغا، وعلى مهل، ليفضي الى بنية عميقة تقول أشياء كثيرة عبر ترميز يتداخل فيه الحميمي بالعــام، كما سنُحلل ذلك لاحقا ...
تتناوب على السرد كل من دنيا (13 فصلا) وفريال (3 فصول)، وتبدو حوافز الحكي عند كل واحدة منهما، مشدودة الى تواطؤ يجعل محكياتهما تتداخل وتتقاطع فيما هي تُلاحق الذاكرة العائلية ورواسب الحرب الأهلية، ومآزق الحب والجنس والمرض... لكن الكاتبة المحتملة حاضرة في مُخيلة الساردتين من خلال المنامات المشتَركة بينهنّ، هنَّ الثلاث. وكأن كل واحدة تحكي نفس المحكيات طِبْق المنامات المشتَركة. من ثم، تخبرنا دنيا، منذ البدء، بأنها ستقرأ جميع فصول الرواية لتتأكد من أن الكاتبة لم تتلاعب بمصيرها ومصير مالك وفريال، وإذا تبيَّنت تشويها فستقتل الكاتبة! وأرى أن كل هذا الميتا ـ سرْد له علاقة بالمسافة الفنية التي تحرص عليها علوية صبح، حتى لا يكتسي السرد طابعا مباشرا يجعل القارئ يتماهى مع الحكايات، غافلا الأسئلة الملغومة التي تدسُّها الكاتبة من خلال تعليقات دنيا وفريال على سيرورة السرد وعلاقته بالمنامات... والعلاقة بين النوم والموت واليقظة حاضرة بقوة، وتأخذ منعرجات لتتبلور في أن: "الناس نيام، فإذا حكوا انتبهوا. والدنيا منام لا ينتهي، ولا نُفيق منه إلا حين نحكيه ونتذكره" ص 400. للحكي إذن، في حد ذاته، سلطة تنعكس على ما نعيشه ونتخيَّله ونتذكّره، وما من أحد يستطيع أن يمايز بين المحكي والواقع، بل هناك تداخل يجعل السرد في الرواية وكأنه من صنع الجماعة وليس الكاتبة وحدها: "والتَبَس عليها الأمر، فلم تعد تعرف ما إذا كانت هي الكاتبة أم أنا، أو فريال..." ص 390.
لاتشك أن علوية صبح قد استثمرت جيدا تلك اللعبة التي بدأها سيرفانطيس "في دونكيشوت"، عندما شكَّك في نسبة النص الى كاتبه وجعل له أصلا متشابكا يعود الى مخطوط باللغة العربية عثر عليه الكاتب وترجمه الى الإسبانية، وأيضا عندما عدَّد الساردين، بل جعل دونكيشوط وتابعه سانشو يلتقيان، في الجزء الثاني من الرواية، بـ "دونْ ألبارو"، الشخصية الواردة في الجزء المنْتَحَل من رواية "دونكيشوط" ليدور بينهم حديث عن الرواية الأصلية والرواية المنتَحلة...
في "دنيا"، استطاعت علوية أن تكسّر خطية السرد وتحدَّ من سطوة الشخصيات، وذلك من خلال تدخل "كاتبات" النص اللائي يُمرِّرن أشياء كثيرة عبر السرد اللَّعِبي وتنويع الأصوات ذات الحمولات المتعارضة. واستكمالا لهذا البناء، تضطلع محكيات الشخوص بتأثيث فضاء الرواية الذي يرتسم أمامنا، بنوع من التَّوازي والتجاوز على رغم تباين أزمنة الحكايات. هكذا نسمع أصوات الجدة والعمّة، والعم عبد الله، وسهى وماغي، وروز ورؤوف، ودلال والدكتور كمال وصديقه شوقي... إلى جانب قصة دنيا ومالك المحورية، ثم قصة فريال وخالد. ويأتي السرد على خلفية الحرب ونُدوبها، لكن اليومي يحتل حيزا واسعا، خاصة أحاديث النساء عن الجنس والرجال والحب، وكأن مجتمع النساء المحاصر وراء كلام الرجال ورقابتهم، يخترق الحصار ليُفسح المجال أمام دفْق كلام النساء الصريح، الجارح الذي يسخر من عنجهية الرجل وبَطْركيّته:"وما قهرني إلا ها الشيخ اللي بيحكي على الراديو، سألته وحدي مرة: يا شيخنا إذا وحدي تجوّزت أول زلمي وطلّقت، ورجعت تجوزت مرة ثانية، مين بيطلعلها بالآخرة إذا راحت على الجنة، جوزا الأول والا الثاني? قلَّلها: "جوزا الأولاني" ولو تجوزت عشر رجال بعده. خذوا ها الشحار والتعتير، معقولي? ما عرفتِش كيفْ أخلص منه وارتاح، تيرجع يطلعلي بالآخرة، شو ها الظلم والشحار?" ص 10.
سواء كانت شخصية المرأة تنتمي الى جيل قديم أو الى جيل أحدث، فإن نساء "دنيا" يتوفَّرن على وعي مُتحذِّر من تجربة قاسية مع الرجل وسلوكاته الأنانية. ويطالعنا من خلال صوتي دنيا وفريال، نموذج لوعي المرأة اللبنانية المثقفة التي تعيش مرحلة انجلاء الأوهام، لتكتشف كذب الرجل وانفصاميَّته وهشاشة الإيديولوجيا ومرارة الانهزام. تستحضر دنيا صورة زوجها مالك الذي أصبح مشلولا على هذا النحو: ".. لم يكن عطش مالك الى الجنس عطشا للنساء وحسب، لاسيما في الفترات الأولى لزواجنا، بل ربما كان عطشا للتأكد من أن عضوه ليس وَهْما كالجغرافيا (...) الآن، أحلم أن يرى جسدي مشلولا مثل جسده. نظراته إليّ وأنا أعبر أمامه كانت تعلن عن شهواتها ليصير جسدي نقطة ساكنة، إذ كيف يمكن أن يكون لي جسد يتحرك ولا يُسيطر هو على حركته وسكونه?" ص 105.
وفي المقابل، نجد فريال، أستاذة العلوم، قد عاشت تجربة حب ... مع خالد، لكنها تستفيق على قطيعة من جانبه لا تفهم أسبابها إلا بعد أن يبلغها أن حبيبها قد تزوج من فتاة عادية خضوعا لمشيئة عائلته. عندئذ تعيد النظر في الحب والمحبوب وفي الصورة المثالية التي ملأت كيانها: "كأنه في الغرام رسمَني صورة عشِقَها، أما في الزواج فقد رسم صورة لأخرى. كأننا نحن النساء لسنا سوى صور موزعة في كادرات ثابتة مرسومة بدقة في رأسه. صور للرّحم والإنجاب، للجنس والجسد، وأخرى للروح أو للعقل، نازعا في تلك الصور كلها لحم كل أنثى عن أحشائها، كمن ينزع الروح عن الجسد. كأن الأنثى في خياله مجزأة إلى صور لنساء لا يمكن جمعها في امرأة واحدة" ص 304.
من هذه الزاوية، زاوية تداخُل المحكيات وتنوعها وملامستها للخاص والعام على السواء، نستطيع القول بأن استراتيجية البناء والكتابة عند علوية صبح، تتوخى البحث عن "معادِلات" موضوعية وذاتية في آن، تغدو تمثيلا فنيا لأوضاع وتجارب يختلط فيها الحميمي بالمشاع، وتصبح السلوكات في تجسُّدِها الفردي مشدودة إلى خيوط لامرئية، لها تأثير متبادل مع التاريخ العام الذي يُنيخ على الأفراد بوطأته، ويشلُّ حركاتهم واندفاعاتهم وشهواتهم... وهذه استراتيجية تعي جيدا أن ما يتهدَّد فنية النص، هو الذهاب مباشرة إلى تسمية الأشياء بمسميات متداولة وكأن ذلك سيُعين على فهمها. لذلك تُشرع علوية الأبواب أمام الحكي والمحكيات، وتُعدِّد الساردات، وتتحايل بالتشويق والحوارات إلى أن تنتهي من رسم البناء الروائي الذي سيُوحي لنا بدلالاته ويعرض علينا صورا معبرة لا تُطاولها المصطلحات والتسميات....
الحقيقة هي ما نرغب فيه
ونحلم ونتذكَّر
إن الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في ماض قريب، لاتزال ممتدة بتجليات أخرى داخل المجتمع، وهي الخلفية التي تستند إليها رواية "دنيا" من دون أن تستحضر تفاصيلها الوقائعية. لكن ذاكرة الناس، خاصة النساء في فضاءات "دنيا"، تريد أن تلتجىء الى النسيان لتنفض الغبار عن الأجزاء الأخرى من الذاكرة التي همَّشتها فظائع الحرب. من ثم تنبثق المحكيات المتصلة بالطفولة والمراهقة والزواج ولحظات الحب الهنيَّة القصيرة، وكأنما هي تُذكرنا بأن تلك الشخصيات لها ماضٍ إنساني عادٍ قبل أن يصعقَها كابوس الحرب. ويضطلع الحكيُ بدور أساس في مواجهة حالة الشلل والضياع المتحذِّرة من عواقب الاقتتال والهزائم، والتي يمثلها مالك زوج دنيا، بوصفه رمزا للبطركية المشلولة التي تتشبث، رغم ذلك، بسلطة القمع تجاه الزوجة الساهرة على إسعافه.
وراء البِنية الظاهرة المستندة الى محكيات متداخلة، واستحضار حيوات متقاطعة، يمكن استشفاف بنية عميقة لرواية "دنيا" هي تلك الفسحة القائمة بين ذاكرة الحرب الرازحة، ومحاولة النسيان، استعادة أصوات النساء التي كانت مُغيَّبة من قبل بفِعل أحادية الصوت الذكوري البطركي. من هذا المنظور، نجد أن رواية "دنيا" تقدم كتابة تحتفي عُمْقِيا بصوت المرأة التي تسعى إلى حمل "شقائقها" على الاعتراف بوجودها وذاكرتها وجسدها. ذلك أن أحد مظاهر أزمة مجتمعاتنا العربية هو عدم الاعتراف بالمرأة، لا من حيث الحقوق والقوانين، وإنما على مستوى الوجود البشري، بل الفلسفي، إذا صح التعبير، الذي يعتبر المرأة كائنا حرا، مستقلا في ذاكرته وجسده ورغائبه، غير محتاج إلى وصاية... ولأجل تغيير هذه العلاقة المجحفة، تأتي المحكيات المتدفّقة من أفواه نساء "دنيا" لتُعرب عن وعي مختلف، وكأنها تَكْمِلة وإضاءة لنضالات المجتمع المدني الهادفة إلى تقويم الخلل وإقرار المساواة بين الجنسين. ذلك أن التغيير ـ أي تغيير ـ يحتاج إلى محكيّ يُعلن عنه ويؤشّر على محتواه...
على ضوء هذه الملاحظات، يمكن الاقتراب من منظور للتأويل يأخذ في الاعتبار البنيتيْن الظاهرة والعميقة. بالفعل، يقوم نص "دنيا" على بناء متظافر وخادع: إنه يوهم بأن الحكي هو عزّ الطلب، ويجعله يتحقق عبر تداخُل الواقع والتخييل واستبدال أحدهما بالآخر، وعبر الاهتمام بلغة التواصل الشفوي وكأنها غاية تُغْنِي عن ما عَداها... لكن كل ذلك البناء يُخفي ترميزا أوسع، يَنْتسج على مهل لِيُلَمْلمَ أجزاء الصورة المتشظية التي تؤول إلى استعارة تُمثل للوضع الغريب، المخيف، لذلك "الرُّعب اللاَّ يُسمَّى" الذي أشار إليه إليوت في تحليله لمسرحية هاملت والبحث عن "معادل موضوعي" يشخص الحالات الشعورية الدقيقة... والرعب اللاّ يُسمّى في "دنيا" هو التفتُّت المتسارع للجسد العربي الذي طالما تستَّر وراء الذكورة والبطولة وأمجاد الماضي، ليمارس بطركية مُطلقة على المرأة، غير مدرك لعوامل التآكل المتسرِّبة إلى كيانه...
وأعتقد أن الفصلين: 15 و 16، يشكلان منعطفا جوهريا في تحويل دفَّة السرد المفتوح نحو أفق الترميز الأشمل الذي يربط الخاص (مسار مالك المشلول، وعواقب الحرب اللبنانية...) بما هو أعمّ، أي حالة العالم العربي الذي يعيش موتا سريريا وكوابيس خانقة للأنفاس. من خلال حُلم ترويه دنيا رأت فيه نفسها وكأنها الكاتبة تذهب لزيارة مالك لتسأله عن شلله وكيف يعيش مرضه، نقرأ ضمن أجوبة مالك، ما يلي: "... وتابَع أنه لولا الأمل لكان مات، فالناس يموتون أحيانا من اليأس أو القهر أو الذل، ومَن يتطلع حولايه في العالم العربي، يرى أناسا تشمَّعت وجوههم من القمع تماما، كما يتشمَّع كبدُ الإنسان. بعضهم يحتج بالبكاء أو اللامبالاة، بل حتى الاستسلام، وأن بعضا آخر يحتج بجسده: "في ناس بيَحتجُّوا بِطيزُنْ كمانْ وبالرقص" ص، 383.
وفي الفصل 16، يتأكد لدنيا، من خلال لقطات تلفزيونية، أن العنف يهدد العالم وخاصة ما يحدث في أقطار عربية، فوجدت نفسها تربط بينهما: "... وشعرتُ في تلك اللحظة أن المدن اختلطت ببعضها، الأموات بالأحياء، المنام باليقظة، باطن الأرض بسطحها، والمقابر الجماعية تحت قشرة الأرض العربية كأنها امتدت لتتواصل مدنا للموت. عادت الى ذهني المقابر الجماعية في الحرب اللبنانية، وتطلعتُ إلى ساقيْ مالك فرأيتهما قد صارتا في القبر، بل جسده كله صار فيه. واختلط عليّ المشهد فخُيِّل إليَّ أن أرجاء العالم العربي صارت في القبر هي أيضا" 18.
وتكتمل عناصر الترميز من خلال ما تقوله دنيا عن علاقتها بمالك: ".. ولم أقل لها إن حلمي أن يستعيد قدميْه وقوة ساقيْه، وإنه مادام مشلولا، لن تكون لي ساقان قويتان أسير بهما الى حريتي وأستعيد ملامحي" ص، 396. إن قوة الصورة الاستعارية المستخلصة من مجموع الرواية هي التي تضيء جوانب من المسكوت عنه. وكل اختزال لها في مفاهيم مجردة يقلص من قوتها.
لكن الرواية لا تنتهي عند هذه الصور المعتمة، بل هي تشير إلى نقطة ضوء تنبعث من دنيا، من رحم المرأة التي تدرك أن الحقيقة تنبع من الرغبة والحلم والذاكرة "التبَسَ عليَّ إحساسي في تلك اللحظة وسألت هل صحيح أن كل شيء وَهْمٌ? أنا ومالك والغرفة والليل وحتى الحكاية? أم أن الحقيقة هي ما نرغب فيه ونحلم ونتذكر والرغبة بالدنيا المستحيلة صارت موجودة فيَّ أنا، دنيا التي انفصلت عن دنياها، لِتَيْنَع لها رغباتٌ تبدأ مثل كل الرغبات بالخوف والألم" ص 400.
هامش:
"دنيا": علويّة صُبْح، دار الآداب، 2006


4/14/2006

تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
إلى الأستاذ عبد الحفيظ    كن أول من يقيّم
 

 

هديتك إلى "البنت التي تبلبلت" جميلة ومعبرة . تمنيت لو كنت قد قرأت رواية علوية صبح لأقول أكثر ، لكنني لم أحصل عليها بعد . لو تيسر لي قراءتها قريباً لعدت إلى هذا الملف لأقول ما أفكر فيه . اليوم أكتفي بالشكر لإهتمامك ب "البنت التي تبلبلت " والتي سأكون مسؤولة عن بريدها ، سكرتيرتها يعني ، فشكراً ، جداً .

*ضياء
15 - أبريل - 2006
كن أمينا في نقلك    كن أول من يقيّم
 
  كن أمينا ياعبد الحفيظ ، واذكر الجريدة التي نقلت منها بالحرف موضوع : "دنيا الحكي في مواجهة الخوف والموت البطيء" لمحمد برادة ....
أبو أمين
15 - أبريل - 2006
هي بلبلــة..    كن أول من يقيّم
 

البنت  التي تبلبلت

 

تقاسيـم على                                 أوتار القلب ..

                           عزف منفرد

 

البنت  التي تبلبلت

 

تقاسيـم على                                 أوتار القلب ..

                           عزف منفرد

البنت  التي تبلبلت

 

تقاسيـم على                                 أوتار القلب ..

                           عزف منفرد

 

البنت  التي تبلبلت

                              

تقاسيـم على         .   

    .                 أوتار القلب ..

                           عزف منفرد

البنت  التي تبلبلت

 

تقاسيـم على                                 أوتار القلب ..

                           عزف منفرد

*abdelhafid
20 - مايو - 2006
قراءة في كتاب ..    كن أول من يقيّم
 

قراءة في كتاب : السياسة بالسياسة للدكتور محمد سبيلا : الحداثة السياسية لا تتحقق إلا بالفصل بين الأخلاق والسياسة

الاحد 27 غشت 2006
يمكن تقسيم هذا المؤلَّف الهام إلى ثلاثة أقسام موضوعاتية تتمحور حول السياسة والسلطة والعمل الحزبي. وهي تسير من الأعم إلى الأخص على نحو يمكِّن القارئ من فهم آليات السياسة و من ضبط استراتيجيات السلطة و من استيعاب ذرائعية الحزب. ويتوسل الأستاذ سبيلا بترسانة من المفاهيم و النظريات السياسية الحديثة و يقوم بإعمالها في الحقل السياسي العربي عموما و المغربي تخصيصا لغاية تشريح أعراضه و أمراضه ومن أجل تبيُّن و استبيان ما يعتوره من تأرجح بين حداثة هجينة و تقليد مخاتل.
ما لم يتم إزاحة القناع الأخلاقي عن السياسة باعتبارها نزاع مصالح، وصراعا مميتا على السلطة، وما لم تُفهم على أنها مجال لتوزيع الثروات المادية والخيرات الرمزية، والمراتب والسلط بكل أشكالها، فلن يتأتى فهمها على حقيقتها...
لا ينبغي التوهم بكون السلطة تعبير عن رغبة جامحة في السيطرة، فسيكون هذا من قبيل التبسيط المُعيب،الذي لا يفطن إلى التركيب المعقَّد للطبيعة الإنسانية، هذا إذا سلّمنا بوجود مثل هذه الطبيعة
الأحزاب السياسية لا تعدوأن تكون في عالمنا العربي وفي بعض دول العالم الثالث أطراً فارغة لممارسات لا عقلانية، تنظِّمها شبكة من الولاءات. للحزب في عالمنا إيديولوجيته المغلقة، ولغته الطقوسية، وقاموسه الاستعاري، وأساطيره المؤسِّسَة
أ: في السياسة بعد أن يبرز للقارئ أن السياسة هي جماع الكل الاجتماعي ومفتاحه وصندوق عجائبه وشريانه الرئيسي الموزِّع، يتطرَّق إلى مفهوم الحداثة السياسية الذي تمثَّل في انفصال السياسي عن الديني، وفي ارتفاع المتعالي عن المتداني، وفي الطَّلاق بين الشرعية الإلهية والتمثيل الشعبي، وفي الفصل بين السلط، وفي تقديس حقوق الإنسان. كان من شأن هذه التحولات الهائلة أن شرعت الأبواب لكي ترتسم معالم الحداثة في الفكر السياسي، وتؤدي إلى انهيار منظومة التقليد، وإلى تفكك العلاقات الأبوية والقرابة الدموية، وإلى انهيار أشكال الاستبداد السياسي وإلى حلول الحوار والمناقشة وتوسيع التمثيلية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في أوربا وأمريكا الشمالية لكن دون أن تفوته الإشارة إلى مقاومة البنيات التقليدية في المجتمعات العربية لهذا المدِّ الحداثي الغربي الذي لا يتأتى بالنقل الميكانيكي لآلياته. يعرض الأستاذ محمد سبيلا أشكال هذه المقاومات، المتمثلة أساسا في التقاليد الشفوية الموروثة عن الماضي، والمترسِّبة في اللا وعي الجمعي، والتي تستمدُّ شرعيتها من الانتماء للعشيرة، ومن القرابة الدموية، لا من العلاقات المجردة بين الأفراد. ما تزال الحداثة السياسية في مجتمعاتنا العربية متعثرة بسبب هذه المــــــقاومات الواعية واللا واعــــــية، وبســـــبب البنيات التقليدية المناوئة لسيرورة دَهْـــــرَنَة العالم processus de sécularisation du monde والمعادية لنزع سلطة المقدَّس من الفضاء السياسي العمومي. ومن أهم القضايا التي يثيرها الكتاب الانفصال الضروري بين الأخلاق والسياسة، والذي من دونه لا يمكن تحقيق الحداثة السياسية. ما لم يتم إزاحة القناع الأخلاقي عن السياسة باعتبارها نزاع مصالح، وصراعا مميتا على السلطة، وما لم تُفهم على أنها مجال لتوزيع الثروات المادية والخيرات الرمزية، والمراتب والسلط بكل أشكالها، فلن يتأتى فهمها على حقيقتها. يقول الأستاذ سبيلا: "تنتمي الأخلاق إلى مجال القيم وما يجب أن يكون، في حين أن السياسة تنتمي إلى عالم الواقع، وإلى الصراع اليومي من أجل التملك وحيازة السلطة واكتساب الحظوة" (ص 60). 1- آليات اشتغال السياسة يحاول الأستاذ سبيلا فهم ما انغلق من آليات السياسة، التي تعتبر بحق مفتاحا لفهم الكلِّ الاجتماعي، وعلى رأسها تبجيل وتهويل الحاضر، وإضفاء جاذبية وسحر عليه بما يسمح باستثماره إلى أقصى حدٍّ من أجل ترسيخ آليات وتقنيات التعبئة والخطابة والتنظيم والاستقطاب. زمن السياسة هوزمن اللحظة الراهنة الذي هو زمن مطَّاط يتمدَّد ويتقلَّص حسب موقع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. يقول الأستاذ سبيلا: "هكذا نلاحظ أن للحاضر جاذبية خاصة في كل أنواع السياسة...فجل الأنظمة السياسية تميل إلى استثمار كل من الماضي والمستقبل في الحاضر بدرجات متفاوتة، حسب متطلَّبات الصراع السياسي"(ص100). تعتمد هذه الآلية السياسية على تكثيف الزمن في اللحظة الراهنة، وإضفاء طابع درامي عليها، ووصفها بأنها لحظة حاسمة، ومنعطفا تاريخيا، من أجل تعبئة وحشد الجماهير عبر اصطناع عدوٍّ خارجي أوإثارة نعرات جماعية أوإذكاء حسٍّ وطني أوتمثيل أوتوبي.
-  2-السياسة بين المبدإ والاحتراف يرصد الأستاذ محمد سبيلا الفروق بين أصناف السياسيين، فهناك: - أصحاب العقائدية السياسية أوالسياسيون الكبار، ورجال الدولة الأفذاذ أمثال جمال عبد الناصر وشارل دوغول ولينين... وهؤلاء يعيشون من أجل المبادئ الكبرى والمثل العليا.
-  وفئات مُحْتَرِفِي السياسة أو من يتعيَّشون بها، فلا يهمُّهم سوى تحقيق الذات والاستمتاع بنشوة السلطة.
-  وأخيرا فئة ثالثة من المخادعين يرفعون الشعارات بيدٍ ويمارسون الاختلاس بيدٍ أخرى،وليست السياسة بالنسبة إليهم سوى كرنفال كبير تتحكَّم فيه الرَّساميل ووسائل الإعلام والأقلام المأجورة، وينعتهم الأستاذ سبيلا بالسَّاسَةِ السِّيَاسَوِيِّين وذئاب السياسة، وهم ماكيافيلليون بالمعنى السيء للكلمة. ب - في السلطة 1-استراتيجيات السلطة يعتبر الأستاذ سبيلا أن مدار السياسة هوالسلطة وما تمثِّله من حظوة وامتياز، بعيدا عن أيِّ وهم أتوبي، أوعن أيِّ ادِّعاء خادع بكونها خدمة للصالح العام. وفي هذا المقام أظن أن الأستاذ سبيلا أقرب إلى التحليل الواقعي الذي يقدّمه ماكيافيللي منه إلى الحلم الأتوبي الأفلاطوني. ولعلَّ ماكيافيللي هوأوَّل من أسَّس المقاربة الواقعية للمجال السياسي بعد قرون طويلة من هيمنة اللاهوت السياسي. السياسة حرب بوسائل أخرى، الشيء الذي يكشف طابع الصراع والنزاع في مجال السياسة، وما تنطوي عليه من وسائل الخداع والكذب والحيلة. يرصد الأستاذ سبيلا ثلاث استراتيجيات للاستحواذ على السلطة:
-  استراتيجية الشراسة والقوة السافرة والعنف العاري من أيِّ تجميل أومساحيق.
-  استراتيجية الكذب والخداع والمخاتلة.
-  استراتيجية الوهم والإيهام وتقديم الوعود والآمال. يحاول الأستاذ سبيلا الإجابة عن السؤال ذي البعد النفسي: لماذا السلطة تُغوي وتفتن، ما سرُّ سحرها للناس حتَّى تجعلهم يتصارعون عليها ويتقاتلون? وهنا يستعين بالتحليل النفسي للسلطة، فيجد أنها ترضي ميلا عميقا للعُظام، وللشعور بالسُّمو والاعتلاء، ويرجع ذلك إلى ما هوأعمق، أي إلى البعد الميتافزيقي المتناهي للكائن البشري الذي لا يجد عنه بديلا أوعِوَضاً سوى بامتلاك مزيد من القوة والنفوذ اللذين تمدُّهما به السياسة. 2- الجذور الميتافزيقية للسلطة يرجع الأستاذ سبيلا هذا التعطش وهذا الظمأ للسلطة إلى شعور عميق بالدونية والنقص لدى الكائن البشري، وأيضا إلى الضعف الميتافزيقي والأنطولوجي، وإلى تناهي الوجود الإنساني ومآله الحتمي إلى الموت، وهوما يعزِّز لديه الرغبة الجامحة في امتلاك وسائل القوة وأسباب السلطة. ويورد الأستاذ سبيلا عبارة لفانسن طوماس من كتابه Mort et pouvoir يقول فيها:" إن هذا التهافت ناتج عن الحاجة الملحَّة إلى مراكمة الحياة وبالتالي إبعاد الموت"(ص 140). لذة السلطة هي اللذة العظمى لأنها تجعل مالكها فوق مصافِّ البشر بل وتوهمه بالخلود. لا ينبغي التوهم بكون السلطة تعبير عن رغبة جامحة في السيطرة، فسيكون هذا من قبيل التبسيط المُعيب، الذي لا يفطن إلى التركيب المعقَّد للطبيعة الإنسانية، هذا إذا سلّمنا بوجود مثل هذه الطبيعة. فهناك أيضا رغبة دفينة لدى البشر في الخضوع والانقياد، ويستشهد الأستاذ سبيلا من المفكِّر السياسي La boétie بفكرة بالغة الأهمية وهي فكرة العبودية الطَّوعية، فالبشر ينقادون وراء أغلالهم وكأنها ذروة حرِّيتهم. كانط نفسه يتحدّث عن الميل الطبيعي لدى الإنسان للانقياد إلى غيره، وهيجل يتكلَّم عن العبودية كخشية وخوف من المخاطرة بالحياة، وسارتر يحلِّل سوء النية mauvaise foi بوصفها مؤشرا على عدم تحمُّل الإنسان لحريته، أما فرويد فيتكلم عن الحاجة اللاشعورية للتماهي بالأب المتسلِّط. ج- في التحزب وفي الأخير ينتقل الأستاذ سبيلا لتحليل الحزبية والتحزُّب، ودوره في السياسة من منظور التحليل النفسي، كاشفا عن الجذور اللاواعية لحاجة الفرد إلى الانتماء السياسي والانتساب الحزبي والانضمام إلى العقائدية الجماعية. -1- الحزبية والنظام الأبوي يرى الأستاذ سبيلا أن النظام السياسي أقرب إلى البنية البطريكية الأبوية، وغالبا ما يلعب التماهي بالأب وتقمُّص شخصه دورا في النظام الحزبي فهو بمثابة لا شعور سياسي، فالزعيم الحزبي يقوم بدور الأب، بل يرتبط لدى المنضوين في الحزب بكيفية لا شعورية بصورة الأب، وغالبا ما تمثِّل استقالته من الحزب موتا رمزيا للأب، وتتخذ طابعا جنائزيا. إن المنطق الأبوي أوالبطريكي هوالغالب على الانتماء الحزبي ويمثِّل معضلة في منطقتنا العربية، ويبدوالموت هوالكائن الديمقراطي الوحيد الذي يُنهي بيولوجيا دور الزعيم-الأب. ولا يختلف دور الزعيم الحزبي عن دور الشيخ أوالمُلْهِم ما دام يتمتَّع بنفس الكاريزم أوالهالة. 2 - من الزاوية إلى الحزب الحزب في العالم العربي امتداد للزاوية، وما أقصر الطريق من الحزب العصري إلى الزاوية التقليدية، ولم يدرك علاقتهما أي تغيير كبير. يقول الأستاذ سبيلا:" إذا قمنا بتجريد الحزب السياسي من ترسانة مصطلحاته وخطاباته التبريرية، ومن شعاراته البرَّاقة، ومن عقلانيته الشكلية وديمقراطيته الداخلية المزعومة...فسنعثر في النهاية على الهيكل العظمي لزاوية طُرُقية تقليدية بِهَرَمِيَّتِهَا التَّرَاتُبِيَّة المنحدرة من الشيخ"(ص165). من المفترض أن تكون الأحزاب تنظيمات عصرية من أجل التنافس السِّلْمي على السلطة، والصراع الشرعي -النَّابذ للعنف- على الحكم، ومن المفترض بالتالي أن تمثل ركيزةً أساسية للحياة السياسية العصرية،نظراً لكونها تحلُّ مشكلتين: أوَّلها مشكلة التمثيلية la représentativité أي أنها تنهض بوظيفة تمثيل وتأطير وتعبئة الجماهير العريضة ثانيـــــها مشـــكلة تــــقاسم وتداول السلطة rotation du pouvoir la ، بمعنى أنها تنظِّم احتكار السلطة بكيفية سلمية وبطرق مشروعة، وهوما يفترض سعيا حثيثا منها لإقصاء العنف والاحتكام إلى أقوى حجة لا إلى حجة القوَّة، وتبعا لذلك تعتبر الأحزاب السياسية تنظيمات عصرية من أجل تدبير الاختلاف، ومظهرا أساسيا من مظاهر العقلانية السياسية التي تتطلب حدا أقصى من البراجماتية، وقَََدراً أدنى من العقائدية الإيديولوجية ومن الشعارات الفضفاضة. لكن الأحزاب السياسية لا تعدوأن تكون في عالمنا العربي وفي بعض دول العالم الثالث أطراً فارغة لممارسات لا عقلانية، تنظِّمها شبكة من الولاءات. للحزب في عالمنا إيديولوجيته المغلقة، ولغته الطقوسية، وقاموسه الاستعاري، وأساطيره المؤسِّسَة، ينتصب في أعلى هرميته زعيم مُلْهَمٌ وكارزمائي charismatique لا يختلف عن شيخ الزاوية في علاقات الخضوع مع حوارييه. يقول الأستاذ سبيلا:" وهكذا تتحول القيادة السياسية إلى مجرد نسخ باهتة لأيقونة مومياء واحدة". خلاصة للحداثة عند الأستاذ سبيلا مستويات، أعمقها المستوى الفلسفي والثقافي لأنه أكثر بطئا وأشدُّ تعقيدا، وذلك وفق تغيير بطيء للذهنيات، ابتداء بسيرورة نزع القداسة عن العالم وكشف بُعْدِهِ الميكانيكي الآلي، ومرورا بانحسار اللاهوت، وأخيرا الانتقال إلى الارتكاز على مرجعية الذات وفاعليتها وحريتها، وهذا ما جعل الإصلاح الديني وحركة التنوير والثورة الفرنسية أمرا ممكنا. أما المستوى السياسي فديناميكيته أسرع مخاضا لكونها مرتبطة بالحدث العيني الملموس. ويمكن رصد هذا المظهر السياسي في السيرورات الآتية: اتساع مساحة المشاركة السياسية لفئات عريضة من المجتمع واتساع الديمقراطية الشكلية، التقنين الصوري للعلاقات الاجتماعية بين الحاكمين والمحكومين، انتقال احتكار السلطة من العصبيات إلى التكتُّل الطبقي، وفك الارتباط بين المقدَّس والسياسي وبين الدين والدنيا. يمكن القول أخيرا إن ما تزرعه الفلسفة تحصده السياسة، بمعنى أنه لولا المخاض العميق للأفكار الفلسفية على امتداد العصر الحديث لما كانت المؤسسات السياسية من دولة حديثة(دولة الحق والقانون) وبرلمان وقضاء مستقل ودستور أشياء ممكنة.
معزوز عبد العلي. أستاذ التعليم العالي، شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن امسيك
*abdelhafid
28 - أغسطس - 2006
كتب ، وكتابة ......    كن أول من يقيّم
 
 
أرى بأن هذا الكتاب الذي تحدثت عنه : السياسة بالسياسة ، للدكتور محمد سبيلا ، ينحو منحى الكتاب الذي ذكرناه يوماً في مجلس الفلسفة بعنوان : هل الرأسمالية أخلاقية ? لأندريه كونت ـ سبونفيل . المشكلة هي أننا لم نعد نجد مكاناً للأخلاق بظل " الواقعية " الراهنة .
 
وبمناسبة حضوري إلى هنا ، أخبرك يا عبد الحفيظ بأنني قرأت مؤخراً علوية صبح ، في مريم الحكايا . وجدت فيها كتابة ذكية ، والذاكرة حاضرة بقوة السرد وهي ، كما أراها ، نوع من المقاومة ضد التغريب والتهميش .
حبذا هناك فخ ، فالذاكرة تواصل وامتداد وهي تبدو عند علوية صبح وكأنها رصد للواقع ، هي إقرار وإذعان بما هو متغير ومتحول بمعنى الفصل لا بمعنى الوصل ودون أن تلوح في الحكايا أية إمكانية لتوجيهه أو أية رغبة حقيقية في مقاومة هذا الواقع .
هذا موقف أخلاقي أيضاً ، وينحو نفس منحى الكتاب أو الكتب التي ذكرنا . 
*ضياء
29 - أغسطس - 2006
خوان غويتصولو..    كن أول من يقيّم
 
.ترجمة*: عبدالرحمن بن الأحمر
دفاتر الشمال: لقد انتبهنا بعد تحديد موعد لقائنا إلى أنه يمثل لحظة بالغة الأهمية في التاريخ والتراث المسيحيين، فيوم 6 يناير يصادف عيد التجلي، ولذا يحلو لنا بالمناسبة أن نتقمص شخصيات الملوك السحرة1، ليس لأننا نحمل معنا سحرا شرقيا، وإنما لكوننا نتوخى النظر في قوة سحر المتخيل واستشراف دوره في بلورة حوار ممكن بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، أي بين أطراف ما زالت علاقتها محكومة بالهيمنة. وهي هيمنة تتأسس على هويات حمقاء وتستند إلى قيم جاهزة. فهل يمكن للخيال الأدبي-في نظرك- أن يكون وسيلة تقويض لأسس هذه العلاقة؟
خوان غويتصولو: أشير بداية فيما يتعلق بيوم التجلي إلى أنني ولدت ليلة هذا العيد، ولقد كان أفراد أسرتي يرددون بأنني كنت هبة من الملوك السحرة. ثم أدركت لاحقا، بعد الحرب الأهلية الإسبانية، بأن هذه "الهدية" كانت بالأحرى هبة مثيرة للمتاعب؛ فقد عانت أسرتي من عنف تلك السنوات، وهو أمر طبعني بآثار لن تنمحي أبدا.
أما فيما يتعلق بمسألة الثقافة الإسبانية الممتدة خلال القرون الخمسة الأخيرة، فقد تم ترسيخ ما يشبه تقليدا تحول إلى وثن عاجز عن الإحاطة بغنى محتوياته الخاصة أو الخوض فيها. وأنا ما أفتأ أردد بأنه  توجد ثلاث مجالات محرمة في الثقافة الإسبانية تحكم نظرتنا للماضي:
أول هذه المحرمات هو رفض اعتبار الأدب القشتالي [الإسباني] في قرونه الثلاث الأولى أدبا مدجنا. والحقيقة أن أدب هذه المرحلة كان أدبا مكتوبا بالقشتالية، غير أنه استلهم -في الغالب- نماذجه الأدبية من الأدب العربي أو من آداب شرقية مترجمة إلى العربية، انتقلت إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. ولذا فإن منينديس بيدال Menéndez Pidal 1869-1968 يهذي لما يزعم أن "إنشاد الميوسيد"2Cantar del Mío Cid يرتبط  بالإنشاد القوطي  الملحمي. وقد  دقق غالميس فوينطيس Galmés de Fuentes أصول هذا الإنشاد ونماذجه الأدبية المتمـثلة في فن الفخر العربي، كما أشار أمريكو كـاسترو Américo Castro 1885-1972 لاحقا إلى أن كتابEl Libro de Buen Amor  عمل مدجن هو الآخر، شأنه في ذلك شأن كتاب El conde Lucanor. فمن غير المعقول –إذن- أن يقدر الجميع الأدب المدجن وفي نفس الوقت يتم نفي أصوله، بل ومن العبث الاعتقاد بأن هذا الفن وجد تلقائيا، لقد وجد الفن المدجن بوجود مجتمع مدجن، وبوجود ثقافة وأدب مدجنين أيضا. إن رفض هجانة الأدب الإسباني هي أحد المحرمات التي واجهتها باستمرار، لكن دون نتيجة تذكر، لأن المواقف المتحجرة ما زالت ترفض البداهات... ويتمثل ثاني هذه المحرمات في مسألة النسب الممتدة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وأوائل السابع عشر. إن أغلب الكتاب الإسبانيين في هذه الفترة ينحدرون من أصول مدجنة، فهم مسيحيون جدد ذوو أصل يهودي. وقد عانوا كلهم من التمييز لأنهم يفتقدون نقاوة الدم، بل لم يسلم من ذلك حتى أولائك  الذين تنصروا بالفعل. وتتجلى أهمية هذه المسألة في كونها تجسد أول مواجهة ثقافية ضد وضع سياسي وديني شمولي. إن إستراتيـجيات هؤلاء المسيحيين الجدد إستراتيجيـات دفاعيـة تثير الإعجاب، لأنهم يسخرون من نقـاوة الدم.  فكـل الأعمال الروائية انطلاقا من رواية Lazarillo de Tormes 3 تمثل ردا على التطهير العرقي، أي على مسألة الشرف والنسب. وتَمثُل هذه السخرية أيضا في كل متن سيرفانتيس1547-1616 Miguel de Cervantes Saavedra، كما نجدها لدى فراي لويس دي لـــيون Fray Luis de León (1527-1591). ولعلهم كانوا كتابا مسيحيين نُصر آباؤهم عنوة، فانسلخ معظمهم عن تراث أجداده اليهودي ولما يستقر  في نفوسهم الإيمان المسيحي، الذي كان يُفرض عليهم تحت تهديد المحارق ومحاكم التفتيش...ويجسد هذه الحالة بجلاء فرناندو دي روخاسFernando de Rojas (حوالي 1465-1541)، فعمله الأدبي4 La Celestina كان أول وأهم عمل كتب في الغرب دون أن يتضمن كلاما عن الإله...فكيف تمكن شاب يافع في الثالثة والعشرين من العمر من كتابة أهم عمل رافض في الأدب الإسباني؟ إن عمله الأدبي عمل رائد، لكنه عمل لا دور فيه لغير متعة السلطة وسلطة المتعة، ولا كلام فيه إلا عن الجنس والمال... كيف ترسخت لدى شاب في الثالثة والعشرين من عمره صورة شديدة القتامة والسلبية؟... فشخصيات هذا العمل، حين تتكلم عن الخلق، لا تكف عن ترديد "هذا سوق، هذا مهرجان، هنا يباع ويشترى كل شيء"... نعرف الآن حقيقة كانت مجهولة في السابق، فهذا [الكاتب]  حوكمت  أسرته أيام طفولته ، وحرق أبوه حيا. بمعنى، أن هذا الشاب ذا الثالثة والعشرين دوَّن بذكاء تجربة رهيبة، ثم لزم  الصمت لاحقا، إذ لم يتمكن من الاستمرار في الكتابة. يمكن أن نقف-أيضـا- على نفس التلميحات لدى ماطيو ألمان Mateo Alemán (1547-1613) في روايته Guzmán de Alfarache...هذه الرواية لما قرأتها منذ ثلاث وثلاثين سنة لم أكن على بينة مما أقرأه. والآن اكتشفت، بعدما امتلكت أدوات القراءة، أنها عمل مدمر، يُزيح أقنعةَ كل الرهبان ويحطم رؤوسَ كل الأيقونات (التماثيل): إنها رواية تقوض كل شيء... [وهذا طبيعي]، فقد كان ألمان، هو الآخر، سليلَ مدجنين... لقد عزم سيرفانتيس، بعد مرحلة الاحتجاز بالجزائر، على الرحيل إلى إسبانيا الجديدة(المكسيك)، لكنه منع بسبب أصله، أما ماطيو ألمان فقد تحقق له ذلك، وقد وُجدت اليوم وثيقة تثبت أنه تنازل لراهب عن منزلين كان يمتلكهما، وعن حقوق تأليف كتابه حتى يُرخَص له بالهجرة. طبعا، كانت هناك الرشوة. ومعنى ذلك أن شهادة نقاوة الدم كانت تمنح بالمقابل... هكذا فلت ماطيو ألمان بجلده مسافرا إلى المكسيك، لأنه كان يتوجس شرا بعد أن أصدر روايته Guzmán de Alfarache... ثالث المحرمات هو استثناء الأدب الإيروتيكي من الأدب الإسباني، فكتاب 98، كأونـــا مونو Unamuno (1864-1936) ومن بعده مننديس بيدال، يؤكدون أن الأدب الإسباني أدب عفيف، وذلك بخلاف الأدب الفرنسي. غير أن رواية5 El retrato de la lozana andaluza، التي نشرت بإيطاليا تكذب ذلك، وهي رواية رفيعة، وعمل رائد يحكي عن حياة مومس إسبانية يهودية بروما.
إن مواجهتي لهذه الصورة الوثنية حددت بشكل من الأشكال نظرتي للأدب، كما حددت سيرورة إبداعي... ولربما الخيال وحده يمكن أن ينتبه إلى  بعض الأمور التي يعجز الوصف أو الكرونولوجيا عن الإحاطة بها, فالوثائق الرسمية بالرغم من توفرها أحيانا على معطيات إلا أنها لا تنتبه إلى الحقيقة، هذا بخلاف الخيال الذي يمكن أن يكشفها...
دفاتر الشمال: وماذا عن مساهمة المتخيل في بلورة حوار متكافئ بين الشمال والجنوب؟
خوان غويتصولو: يمكن أن أحيل بهذا الصدد على  بعض كتبي، ففي كتاب Las virtudes del pájaro solitario  وكذلك في كتاب La Cuarentena يوجد مزيج من المتخيل المسيحي والمتخيل الإسلامي، وهذه طريقة في الكشف عن المطابقة.  أستهل الكتاب الأول باستشهاد يجمع مقطعا شعريا لـسان خوان دي لاكروثSan Juan de la Cruz(1542-1591) ومقطعا آخر لـابن الفارض(عمر بن علي 1235م/632هـ)، بحيث يبدوان بيتا شعريا من إبداع نفس الشاعر... ولما وقفت على ترجمة الخمرية، التي تكنى في الفرنسية بمدح الخمرة، وجدتني أمـام نص لا يختــلف في شيء عما كتبه سان خوان دي لاكروث، مع أنه لم يكن على دراية بهذا النص الذي كُتب قبله. لقد انتهى هؤلاء عبر طرق مختلفة إلى لغة عجيبة. وما فتنني باستمرار في شعرهم الصوفي هو اكتشافه لغة تصل إلى حدودها القصوى، لقد انتهوا إلى أقصى تخوم اللغة. ولذا ما يهمني من أمرهم، ليس تجربتهم الدينية التي لا أتقاسمها معهم، وإنما تجربتهم الأدبية التي تجعلني أستشعر قربا في ذات الوقت من سان خوان دي لا كروث ومن ابن الفارض وابن عربي وغيرهم من المتصوفين...وأعتقد ضمن هذا السياق أن قوة الخيال تتيح لنا الاقتراب من حقائق، وتمكننا بالخصوص من الكشف عن تطابق [نصوص] شاعرين مرموقين ينتميان إلى تراثين مختلفين.
دفاتر الشمال: ينشغل الأكاديميون بالبحث عن أصل وعلة تطابق هذه الأفكار-التي أشرت إليها- في الثقافات المختلفة، غير أن ما شغلك أنت هو الظاهرة في حد ذاتها، أي، التشابه بين المتصوفة الإسلاميين والمسيحيين حتى لا نقول التماثل. ونحن يهمنا ضمن هذا السياق التساؤل حول مدى أهمية الانشغال باللاعقلي، وحدود آثار مثل هذا الاهتمام في إعادة بناء كينونة الإنسان وعلاقته بالآخرين...ألا يمكن أن نعتبر مثل هذه العودة رهانا لمجاوزة الهيمنة التي ما زالت تحكم إلى اليوم العلاقات بين الجماعات المختلفة؟        
خوان غويتصولو: لا يمكن أن يكون جوابي عن هذا السؤال إلا  جواب ذاتي. إن الإنسان المتكامل يحتاج بشكل من الأشكال أدبا متكاملا؛ أي أنه يحتاج أدبا يشمل العقلي واللاعقلي. إنني أردد باستمرار: إن عقلي لا يتبع المنطق الغنوصي، لكن قلبي بخلاف ذلك. وأحيانا أضطر عند الكتابة أن أتبع منطق القلب. وجلي جدا أنني لو اعتمدت فقط المعايير العقلية الخالصة في الكتابة لصارت كتابتي مملة. لذا عند الاحتكام لهذه المعايير يستحسن أن نكتب المقال التحليلي. غير أن التحليلات العقلانية الخالصة كثيرا ما تخطئ، فما دام المجتمع يتغير فإنها سرعان ما تفقد صرامتها ودقتها هي الأخرى. ومن ثمَّ أرى بخلاف ذلك ضرورة الإحاطة بالوضعية الإنسانية في تكاملها، والإجابة أيضا عما تطرحه هذه الوضعية إجابة تكاملية تشمل العقلي واللاعقلي. إن رغبة الخلود لدى الجنس البشري-مثلا- لا يمكن أن تعقل، فهي شيء متأصل في الإنسان... ولا مفر من الانتباه إلى هذا التعدد لكي نكتب ما أعده عملا قيما.  
دفاتر الشمال: يفرض هذا السياق اعتبار الوجه الآخر لهذه المسألة، ونقصد الجانب اللغوي،  فالمعروف أن عددا من دارسي أعمالك يجمعون على أنك نجحت في التفرد بلغة وأسلوب خاصين منذ كتابك Señas...
خوان غويتصولو: انطلاقا من الفصل الأخير من Señas ...  
دفاتر الشمال: طبعا... ويلاحظ أيضا انطلاقا من هذه المرحلة تزايد أثر العبارة العربية في أدبك. كما يبدو جليا أن بحثك عن صيغ لغوية جديدة توخى امتلاك بنيات قادرة على تأزيم اللغة، التي تشكل سندَ إسبانيا المقدسة. كل هذا يدفعنا إلى التساؤل عن فعالية هذا التجوال في بلورة قيم جديدة.
أو ليس هذا هو مدار تجربتك وغايتها؟ ثم ألا يمكن أن نعد هذه الرحلة رحلة إيروتيكية أكثر منها رحلة تيه؟   
خوان غويتصولو: لقد حدث التغيير مع ما أعده كتابتي الناضجة. فسابقا كنت كاتبا ينتسب لجيله، لكن انطلاقا من الفصل الأخير من كتابَيْ Señas وConde don Julián صرت كاتبا يمتنع عن التصنيف، فأنا لم أعد  أنتسب لأية مجموعة، ولا يمكن أن أصنف مع كتاب آخرين. قد يكون هذا المسار مسارا جيدا أو رديئا، لكنه يظل مع ذلك مسارا يخـصني: إنه  مسار له  ما له   وعليه  ما  عليه، وإني  لأتحمل المسؤولية الكاملة في ما أنجزته منذ الفصل الأخير من كتابي Señas. أما كتابتي السابقة فقد كانت نتيجة لتربية ناقصة تلقيناها. إن واجب الكاتب والتزامه الحقيقي هو أن يعيد للجماعة اللسانية التي ينتسب إليها، عند إبداعه، لغةً مختلفة عن تلك التي تلقاها منها: هذا هو الالتزام الحقيقي. هذا المجال الجديد أو هذا الفرع الذي يضيفه الكاتب إلى ما أسميه شجرة الأدب، هو عين إبداعه، وبالمقابل فعدمه كوجوده إن هو لم يضف شيئا إلى هذه الشجرة، ومن ثم لن يؤثر ذلك على الأدب. فنحن في إسبانيا لو استثنينا فيرناندو دي روخاس وسان خوان دي لاكروث وسرفانتيس وكفيدوQuevedo  (1580–1645) وغونغـــورا Luis de Góngora  (1561-1627) لما وجد الأدب الإسباني على الصورة التي نعرفها الآن...
على الكاتب أن يحرص باستمرار على غزو هذا المجال الجديد، وإبداع فرع مستحدث في شجرة الأدب يسوِّغ وجوده كمبدع. ومن جهة أخرى فإن المبدع فيما يتعلق بالكينونة الإنسانية قد يتبنى التزامات ترتبط بالحياة المدنية، غير أن التاريخ سيحاسبه على ما أضافه للأدب وليس على سلوكه المدني النزيه: إن الالتزامات المدنـية شيء آخـر لا عـلاقة له بالأدب. إني أعرف شخصيات ذات نوايا حسنة، وقفت باستمرار ضد الفاشية والعنصرية، والتزمت مواقف أكن لها كل الاحـترام، غير أنها لم تضف شيــئا يذكر للأدب. وبالمقــابل، ومن حـــين لآخر، يظهر سفلة-هذه هي الكلمة المعبرة- أغنوا الأدب، مثل كفيدو الذي كان يكره النساء والمثليين واليهود والموروس والزنوج: لقد كان مسخا يكره الجميع.
وعِلاوة على هذا كله كان يتفاخر بالوطنية مع أنه كان يتقاضى أجرا من السفارة الفرنسية؛ فبالإضافة إلى تطرفه الإيديولوجي كان خائنا. لقد كان سافلا بالفعل، غير أنه كتب شعرا رائعا...ونجد في الأزمنة الحديثة حالة سيلين L.F.Céline (1894-1941) الذي كان يعادي السامية، كما كان يتعاون مع النازيين، غير أنه كتب رواية Voyage au bout de la nuit(1932) وهي إحدى أهم روايات القرن العشرين.
إن التاريخ يحفظ لكفيدو اللغة العجيبة التي أبدعها، وترك جانبا مظهر حياته المنفر وأفكاره المثيرة للاشمئزاز. وهو ما حصل مع سيلين أيضا... وهكذا فإن ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الالتزام الأدبي والمسؤولية الأدبية، ثم تلي ذلك الأمور الأخرى. إني أعرف أصدقاء كثيرين يعدون كتابا مرموقين غير أنهم لا يهتمون البتة بمشاكل المجتمع، ولا يكترثون بمآل الهجرة أو العنصرية... طبعا، أنا لا أعد نفسي نموذجا يحتذى: كل ما في الأمر أنني أسلك وفق طبيعتي.   
دفاتر الشمال: نود الإلحاح في السؤال عن أهمية  تجربتك في تقويض إسبانيا المقدسة، وعن مدى علاقة هذه الرحلة  بما هو إيروتيكي.
خوان غويتصولو: لما كنت بصدد دراسة أدب القرون الوسطى  أثار انتباهي ما يعرف في الأسفار التاريخية أو أسفار مسلمي أوربا las Crónicas Sarracinas بهدم إسبانيا المقدسة. وهي تروي أسطورة لا تختلف عن تلك التي يرويها الإنجيل، والتي ترجع كل مساوئ الإنسانية إلى حواء، آكلة التفاح الأبدية. بمعنى آخر إنها تصر على اعتبار المرأة مسؤولة باستمرار عن تلك المساوئ. وهذه الحكاية، التي سادت خلال قرون وروجت لها الأسطورة الإسبانية التقليدية، حكايةٌ تروي عن خيانة الكونت دون خوليان  Conde don Julián، وهي بمثابة إجابة على اغتصاب ابنته من لدن الملك دون رودريغو don Rodrigo (؟-711)، وخطيئة جسدية كانت علة في اندحار إسبانيا. وإنه لبالغ الدلالة أن تعد هذه الفتاة مومسا، والحالة أن المغتصَبة ليست مومسا، لكن هذه الأسطورة تشير إليها كذلك. ثم تروي حكاية لاحقة -أثارتني كثيرا- عن موت دون رودريغو بعد الهزيمة المفترضة في معركة Guadalete المزعومة– وهي مزعومة لأن كل الأمور تدعو إلى الشك، ذلك أن الوثائق التاريخية لا تؤكد الوقائع التي تذكرها- أنه بعدما بكى فقدان إسبانيا، أشار عليه راهب بحبس نفسه في كهف مع ثعبان. بعد ذلك شرع الثعبان في التهام قضيبه فطفق يصيح: "إنه الآن يلتهمني، الآن يلتهمني من حيث كانت فظاعة الخطيئة شنعية". لا حاجة لأن يكون المرء متخصصا في متن  فرويد Freud لينتبه إلى كل دلالات فقدان إسبانيا الجنسية. فالثعبان الذي يلتهم قضيبه يرمز إلى العقاب على الشبقية... وقد كانت غايتي في كتاب  Don Julián أن أقف ضد النزعة الوطنية الكاثوليكية الإسبانية، التي تمتد من القرون الوسطى إلى حرب فرانكو Franco الصليبية، وذلك  في نفس الوقت الذي أهاجم فيه أساس هذه النزعة المتمثل في النظرة الجنسية السائدة إلى يومنا هذا. فمن النفاق الحديث عن العزوب الأسقفي، ومن النفاق أيضا إدانة الإجهاض أو استعمال وسائل منع الحمل: إن ارتعاب النزعة الوطنية الكاثوليكية الإسبانية من الجنس لا زالت مع الأسف حية داخل الكنيسة كلها... ولقد توسلت في هذه الكوميديا الآثمة carajicomedia بسخرية لاذعة، معتمدا أقصى ما تيسر لي من هذه اللغة.  
دفاتر الشمال: لا يخفى على أحد تجديدك في الحقل اللغوي عبر إبداعك الأدبي، وأنت ما تفتأ تدعو إلى العودة إلى جذور الأدب الإسباني لإقامة الحوار بين فروع شجرة الأدب المختلفة. ألا يمكن أن يؤدي هذان الموقفان إلى الارتباك لدى بعض القراء بالرغم من أنك تنتصر بوضوح للحداثة؟   
*abdelhafid
12 - فبراير - 2009
خوان غويتصولو.. 2    كن أول من يقيّم
 
خوان غويتصولو: كان باختين يقول –وهو،في نظري، أهم ناقد أدبي في القرن العشرين- إن الأدب لا يمكن أن يتجه صوب المستقبل دون أن يستند إلى الماضي، فما ينتمي للحاضر فقط، يتلاشى بتلاشيه. وقد كان صائبا كل الصواب في كلامه هذا. إن التطابق بين ما سمي الأدب الطلائعي في القرن العشرين وتراث القرون الوسطى الشفوي تطابق فاتن؛ فإذا قرأتم لـجويس James Joyce (1894-1941) أو لسيلين ستنتهون إلى أن القراءة الجهورية هي أفضل القراءات. ولذا فإن أغلب ما كتبتُه منذ  Don Julián كتب ليُقرأ جهوريا... أتذكر، لما نشر كتابي Makbara، أنني عوض أن أوقع نسخا منه بأحد المتاجر، اقترحت على الناشر تنظيم جولة في اثني عشرة جامعة إسبانية، لقراءة شذرات من النص قراءة جهورية، حتى يكتشف الناس أن طريقتي في وضع علامة النقطتين ليست عشوائية إطلاقا. فالنص يفرض عند قراءته نمطا من الموسيقى والإيقاع وطريقة في الإلقاء، وكل ذلك  يجعل القراءة الجهورية أفضل القراءات. طبعا، أنا لا أطلب من جميع القراء أن يقرأوا بصوت عال وهم يتجولون بجامع الفنا، وإنما القصد أن يضبطوا الإيقاع والإملاء. إن الجديد في الأمر هو الوقوف على العلاقة بين ما يمكن أن نعده أكثر أنماط الأدب التي تنحو منحى الإبداع والتجديد في القرن العشرين، وبين تراث القرون الوسطى. وهذا يزيدنا غنى، ومن هنا اهتمامي بالتراث الشفوي والدفاع عن التقليد الشفاهي.  
دفاتر الشمال: كيف نفسر-إذن- تجاهل المدافعين عن الجوهر الإسباني المزعوم لمثقف مثلك يخوض في الأصول؟ أم أن الأدب لا علاقة له بهذا الجوهر؟
خوان غويتصولو: لا. لاوجود لأعمال جوهرية، ولا وجود لجوهر. فالجوهر مجرد ابتكار ابتكرته النزعات الوطنية. لقد تحدث منينديس بيدال سابقا، في كتابه La Historia general de España (تاريخ إسبانيا العام) الذي كان من الأفضل أن يعنونه أسطورة إسبانيا العامة، عن الإمبراطور الإسباني طراخانو6 Marco Ulpio Trajano (117-53): هذا كلام في منتهى العبث. فما نعرفه هو أن إسبانيا تأسست في القرن الحادي عشر، ولذا فإن إضفاء صفة الانتماء إلى إسبانيا على القوطيين والرومان والقرطاجيين تراجعيا مجرد هذيان تأريخي... وعندما نقف على أفكار هؤلاء [أصحاب النزعة الوطنية] المسبقة نجدهم يقصرون هذه الصفة على الرومان والإغريق والقوط دون اليهود والعرب، فهؤلاء دخلاء على إسبانيا مبتكرة. إنني لم أؤمن أبدا بجوهر، فإسبانيو اليوم يختلفون عن أولائك الذين وجدوا منذ ثلاثين سنة، فهؤلاء الذين عاصروا مرحلة فرانكو يختلفون هم الآخرون عن الذين عاشوا مرحلة الجمهورية، بمعنى أن المجتمعات تتطور. ومن ثم لا يمكن افتراض خصائص مميزة، كما يقول بذلك أصحاب النزعة الوطنية المتطرفة في أوسكادي، أو في بلاد الباسك وفي كاطلونيا. 
ومن التهافت أن يكتب أحد المؤرخين: "لما وصل الفنيقيون إلى أرض كاطلونيا وجدوا أهلها يرقصون رقصة السردانا7Sardana"، أو أن يقول أرثايوث Arzalluz [أحد قادة الحركة الوطنية الباسكية]: "نحن الباسك لم نبرح مكاننا منذ ثلاثين ألف سنة"... فلربما من سوء حظ هؤلاء ألا يخطر ببالهم طول هذا الدهر التجوال ولو قليلا في العالم...
تقود كل هذه النزعات الجوهرية الأسطورية إلى الحرب العرقية، مثل ما حصل في يوغوسلافيا. وقد انتهيت إلى إقامة تواز بين النزعة الوطنية الكاثوليكية الإسبانية والنزعة الوطنية الصربية الأرثوذوكسية المتطرفة، إنهما متطابقتان. ويبدو ذلك واضحا في الأساطير، فحيث يتم الكلام في إسبانيا عن الغزاة العرب يتم الكلام هناك عن الغزاة الأتراك... ويماثل الملك دون رودريغو الأمير لاثار، كما يماثل الخائن دون خوليان صهر الأمير، أما إسبانيا المقدسة فتطابقها صربيا السماوية [...] إننا إزاء نفس الشيء: نفس الأساطير لتعليل الهمجية التي تم اقترافها بالبوسنة، وتسويغ إبادة ما يزيد عن مائة ألف مسلم بوسني يعدون أتراكا. لابد من مواجهة كل هذه الأساطير، وتقويض كل جوهر يسجن الكائن الإنساني في وعاء منغلق لا يسمح له بالتطور، في حين أن الحياة هي التطور نفسه.   
دفاتر الشمال: إن إحدى الأفكار البارزة التي كانت ولا تزال ماثلة في التاريخ الإسباني هي فكرة الإسبانيتين las dos Españas، التي ترسخت مع جيل 98. وبالمقابل تحدث خوان كارلوس كوروتشيJuan Carlos Curutchet[...]عن إسبانيا ثالثة ممكنة تاريخيا، وهي إسبانيا كلارين 8Clarín(1901-1852) وسيرفانتيس ولارا M.J. Larra (1809-1837) وكيفيدو. أو ليس من العملي إضافة ابن رشد وابن ميمون؟
خوان غويتصولو: لم يرقني أبدا الحديث عن إسبانيتين، وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة أعمال بلانكو وايت Blanco White: إن المثقفين والكتاب وأصحاب النزعة الإنسانية، الذين أعد نفسي أحدهم غالبا ما انهزموا. وفي إسبانيا مازال الكلام ينبني على الجهل بالتاريخ، إذ يقال إن الإسبانيين طردوا الموروس واليهود، عوض أن يقال إن الإسبانيين المسيحيين طردوا الإسبانيين المسلمين والإسبانيين اليهود، الذين لا يقل انتسابهم إلى إسبانيا عن المسيحيين. غير أن تحويلهم إلى غرباء سوغ إبادتهم وقتلهم. وأحب ها هنا أن أذكر مثالين: لما التحقت أيام الدراسة بقسم الباكالوريا، وذلك مباشرة بعد الحرب الأهلية، أي خلال أفظع فترات النزعة الوطنية الكاثوليكية وأرعب لحظات الفرانكاوية قيل لي مرارا: "لا يمكن للشخص أن يكون إسبانيا دون أن يكون كاثوليكيا". ومعنى ذلك أن الشخص إذا لم يكن كاثوليكيا فهو ليس إسبانيا. وبما أنني فقدت الإيمان مبكرا، قلت مع نفسي: "أنا لست كاثوليكيا إذن أنا لست إسبانيا". وألفيت نفسي حرا... نجد اليوم نفس الحالة في بلاد الباسك إذ يقال: لا يمكن أن يكون الشخص باسكيا دون أن يكون وطنيا، ومعنى ذلك أن نصف الباسكيين غير الوطنيين لم يعودوا باسكيين. ولذلك أرى ضرورة العودة إلى جذور المسألة، فما دمنا لم نفهم بجلاء أن الإسبانيين المسيحيين هم الذين طردوا الإسبانيين اليهود والإسبانيين الموريسكيين، فسنظل تحت رحمة الاعتقاد بأن من يخالفنا الرأي غريب بعيد.
دفاتر الشمال: إذن سيمثل استيعاب ابن رشد وابن ميمون وابن عربي اعترافا بهذا الأصل؟
خوان غويتصولو: طبعا. وقد أتيحت الفرصة لإسبانيا أيام ألفونسو العاشر9 Alfonso X...ويوجد كتاب رفيع لفرانسيسكو ماركيز بيانويباF.M.Villanueva El concepto cultural alfonsí يوضح مشروع هذا الملك، وهو المشروع الذي لو رأى النور لتقدم ظهور النهضة قرنين اثنين. فهذا الملك أنشأ مدرسة المترجمين بمدينة طليطلة، التي صارت يومئذ أهم مركز ثقافي، حيث انتقلت الفلسفة اليونانية مترجمة من لدن العرب، كما وصل إليها الأدب الهندي والفارسي والعربي. إن كل ذلك وصل إلى إسبانيا، في الوقت الذي كانت تصلها –أيضا- عبر طريق سانتياغو ثقافة كانت تتشكل في أوربا شيئا فشيئا. لقد كانت إسبانيا يومها مركز كل الثقافات، ومن المؤسف أن هوى واندثر كل هذا الفضول المعرفي بعد نهاية مُلك ألفونسو العاشر. غير أنه تجدر الإشارة إلى أهمية ابن رشد، أو بالأحرى أهمية الرشدية الشعبية الإسبانية أو اللاتينية... وقد حلل كل من ماركيز بيانويبا وآلان دي لبيرا Alain de Libera اختراق  أفكار ابن رشد للغرب تحليلا دقيقا...
دفاتر الشمال: ربما كان هذا الموقف سببا في علاقتك السجالية والمتوترة مع النقد، خصوصا في المرحلة الفرانكاوية...
خوان غويتصولو: وفي المرحلة الحالية أيضا، فالأمور لم تتغير كثيرا...
دفاتر الشمال: يتم في كتابSeñas de identidad التهجم بسخرية على الذكرى الخامسة والعشرين لوصول فرانكو إلى السلطة. فهل تعتقد بعد ربع قرن من موته أن الرأي العام والنقد على الخصوص مايزال يعد خوان غويتيصولو شخصا غير مرغوب فيه؟ وإلى أي حد أثر شغفك بالعالم العربي في هذا الموقف؟
خوان غويتصولو: الأمور لم تتغير على المستوى الثقافي فـ"إسبانيا بلد –كما يقول السيد أثنار Aznar - يسير نحو الأفضل" دون أن يحدد بوضوح هذا الأفضل، غير أن إسبانيا في نظري تتجه على المستوى الثقافي نحو الأسوأ. وقد انتهيت مؤخرا من كتابة مقال عنيف سأبعثه إلى جريدة الباييس والذي عنونته: "إننا نتجه نحو الأسوأ"*. إن الأمور ازدادت تعقيدا، ففيما مضى كانت الرقابة رقابة دينية وسياسية أو إيديولوجية، وقد انسحبت الآن وحلت محلها رقابة تجارية أكثر فتكا منها. وهكذا تم تهميش كل ما لا يخضع لقيم السوق. فاليوم لا يتم التمييز إطلاقا في الصفحات الرئيسية لأهم الجرائد بين النص الأدبي والمنتوج الصحفي، وهما شيئان مختلفان اختلافا تاما. طبعا، لابد من وجود الاثنين، لكن النقد عوض أن يدافع عن النص الأدبي نجده يشجع النص التجاري دفاعا عن مصالح اقتصادية، ويتم الاهتمام استجابة لإكراهات النشر بالإعلانات المؤدى عنها في الوقت الذي يتم فيه تهميش ما أُعده أدبا. ومن ثمَّ تبدو الرقابة الإيديولوجية أقل ضررا من الرقابة التجارية التي ينبغي مواجهتها لبلورة القدرة على المقاومة... وإني لا ألحظ اليوم اختلافا كبيرا عما كانت عليه الأمور سابقا، ينضاف إلى ذلك افتقارنا الكلي لذاكرتنا التاريخية، فثمة جهل بالمرحلة الجمهورية، وبما كانت تمثله ديكتاتورية فرانكو... فنحن نرى الآن العائدين من الخارج يصلون إلى بعض المدن فيصادفون تمثالا لفرانكو أو شارعا باسم الجنرال مولا Mola أو باسم الجنرال سان خورخو San Jurjo... وشيئا فشيئا تتم مع الحكومة الحالية عودة لبقة لقيم اليمين الإسباني، وهي عودة تبين أن الأمور لم تتغير كثيرا.
دفاتر الشمال: عبرت في حوار أجراه معك خوليو أورطيغا Julio Ortega  سنة 1974 على أنك تعد عملك  Juan sin tierra خاتمة أعمالك، ومن حسن الحظ أن إبداعاتك اللاحقة ليست أعمالا تأبينية. فما هو تقويمك لهذا التصريح بعد ربع قرن؟
خوان غويتصولو: لا. لم أعن ذلك، وإنما أشرت إلى ما يمكن تسميته بثلاثية Señas de identidad ، بعدها بدأت مرحلة أخرى.
دفاتر الشمال: يوحي ذلك الحوار وكأنك أقفلت دائرة الكتابة.
خوان غويتصولو: لا أحد يتكهن بما سيكتبه في المستقبل. وأنا لم أعتمد إطلاقا منذ كتابي Don Julián على خطاطات أو مشاريع مسبقة، بمعنى أنني صرت عند الكتابة أنطلق من جملة أو من انطباع دون أن أعلم إلى ما ستقودني إليه الكتابة. والأمر الجوهري بالنسبة لي هو أن الكتابة مغامرة شأنها قي ذلك شأن القراءة. وبخلاف ذلك فأنا عندما أقتني كتابا رائجا، أو منتوجا تجاريا أعرف جيدا إلى أين سينتهي بي، فكل شيء معروف سلفا لأنك تبحر في نفس الشيء، في المتطابق. وهذا بخلاف الأعمال المتمنعة التي تتحول إلى مغامرة، فعند قراءة أعمال كـTerra nostra أوTres tristes tigres لصاحبها كابريرا إنفنطي Cabrera Infante فإن الكاتب يجرك إلى أرض لا تعرفها، ومن هنا أهمية القراءة. وهكذا فما أطلبه من الآخرين كقارئ أُلزم به نفسي ككاتب، بمعنى أن الكتابة بالنسبة لي مغامرة. وإني لأحيل باستمرار  بهذا الصدد على عبارة بليغة أذكرها لجــان جوني Genet J.  (1910-1986)، قال لي يوما: "إن قراءة رواية تعرف نقطة انطلاقها ونقطة وصولها ليست قراءة، وإنما مسار حافلة"، وقد كان صائبا في قوله هذا تمام الصواب.
دفاتر الشمال: تذكر في كتابك Los reinos de Taifa  جان جوني كأحد أبرز من أثر عليك.
خوان غويتصولو: نعم، كان لجان جوني أثرا   أخلاقيا بارزا علي، ولقد كان مختلفا كل الاختلاف عن هؤلاء الكتاب الأكادميين، الذين يمشون الخيلاء مزهوين بنياشينهم، متباهين بمحافلهم الرسمية. كان رجلا يحمل حقيبته الصغيرة معه أنَّى رحل وارتحل. وكنت محظوظا بمعرفته كما كان على صداقة حميمة بزوجتي مونيك لانج Monique Lange التي كانت إحدى النساء القلائل اللواتي تجمعه بهن علاقة المودة. وقد كان يتردد إلى بيتي لما كنت مستقرا بباريس ليشاركني الغذاء أو العشاء دون حاجة إلى إعلام. وإذا ما صادف أحدا لا يعجبه صار الموقف مرحا. ففي يوم وجد في بيتي شخصا جالسا -لم أعد أذكر اسمه- فجلس، ثم شرع ينظر هكذا [أخفى نصف وجهه بيده واستدار نحو الجدار]، واستمر على هذا الحال إلى أن اضطر صاحبنا بعد أن توترت أعصابه إلى الانصراف... وإني لأذكر عنه في كتاب Los reinos de Taifa بعض الحكايات المعبرة، كما أشير إلى دفاعه عن الفهود السود وعن الفلسطينيين...
دفاتر الشمال: لنعد إلى القراءة من حيث إنها مغامرة، فأنت تردد باستمرار بأنها تفرض إعادة القراءة...
خوان غويتصولو: نعم، لقد سُئلت: "كيف تميز النص الأدبي عن النص التجاري؟" فأجبت أن النص الأدبي يلزمك بالعودة إلى قراءته، إنك –مثلا- لا تستطيع أن تتذكر -إثر قراءة واحدة- ما جاء في رواية رائعة مثل رواية الكاتب التركي أورخان باموك Orhan Pamuk، وأقصد "كارا كتاب"(الكتاب الأسود). إن هذا العمل الذي سيترجم قريبا إلى الإسبانية يتحدث عن إسطامبول، وكاتبه يتوسل برواية بوليسية على ما يبدو، ليعمل على الكشف عن المراحل التاريخية التي تعاقبت على هذه المدينة. وهي عمل رفيع المستوى، وأذكر أني بمجرد الانتهاء من قراءته مررت من الصفحة الأخيرة إلى الصفحة الأولى، لأنني أدركت ضرورة إعادة قراءته من جديد لأفهم جيدا ما يقصده الكاتب. ولذا أردد في السنوات الأخيرة أنني أعيد القراءة أكثر مما أقرأ.
دفاتر الشمال: هل يمكننا أن نقول ذلك أيضا بصدد الكتابة؟ وبصيغة أخرى: هل يمكنك إعادة كتابة عمل قمت بكتابته بعد إعادة قراءته مرارا؟
خوان غويتصولو: كلا، فأنا أعيد كتابته مرارا وأنا أكتبه، بحيث تستحيل إعادة كتابته. وسأريكم صفحات مما أكتبه، بما فيها المقالات التحليلية حتى تتبينوا الأمر. وبالمناسبة فأنا لا أمارس الرقانة، ثم إنني أعيش هنا في عزلة، ولذا كنت أحيانا أرسل مخطوطاتي لترقن ببرشلونة، أو أضطر إلى إملاء مقالاتي عبر الهاتف، أما الآن فتساعدني فتاة إسبانية. فيما مضى كنت أكتب بقلم الحبر فتتلطخ أصابعي، أما اليوم فأنا أستعمل القلم الجاف الذي يسعفني في عملي بصورة أفضل. ثم أستعين بهذه الأقلام الجديدة التي تتيح لي رسم  شرائط التصحيح، وتمكنني من الرؤية الواضحة، فتتحول الصفحات التي أكتبها أحيانا إلى ما يشبه جنودا مكسوين بضمادات، وهم في طريق عودتهم من الحرب أو من مخابئهم... وتوجد صفحات من كتاب Don Julián بأرشيف جامعة بوسطون تشمل ما يقرب من عشر نماذج من نفس الصفحة.
دفاتر الشمال: بصفتك مثقفا منفتحا على مجالات عدة استطعت بلورة مشروع إبداعي ما يفتأ يتطور ويغتني، وأنت بهذه التجربة خبرت أشكالا تعبيرية مختلفة، وانخرطت في سجالات عديدة، إضافة إلى كونك تبنيت مواقف جريئة لمصلحة الفلسطينيين والغجر والمهاجرين... كما أنك أدنت الإبادة التي لحقت البوسنيين، والدمار الذي حل بسراييفو وبالمناطق المشتعلة. وتندرج في هذا الاتجاه أيضا علاقتك بالجنوب ودفاعك عن حق الثقافات المختلفة في الوجود وفي التعبير عن نفسها. انطلاقا من تجربتك هذه واعتبارا للتحولات الحرجة التي يشهدها عالم اليوم نود أن نسألك عن دور المثقف إزاء الشأن العمومي؟
خوان غويتصولو: لقد سادت الوحدة أيام سيادة روما، ففيما مضى كان الفضاء المتوسطي موحدا، كان عالما رومانيا [عبر عن ذلك الرومان بعبارتهم المأثورة] "بحرنا" “mare nostrum”. كما سادت هذا العالم علاقات ثقافية متفاوتة إلى حدود  القرن السادس عشر، حيث استمر التأثير المتبادل [بين ضفاف المتوسط]، أما خلال القرون الأربعة الأخيرة فقد ساد التفاوت المطلق فيما بينها، وهيمن شمال المتوسط هيمنة تامة على جنوبه، كما رفض ثقافته وصدها. وهنا والآن لابد من إقامة الجسور والوقوف على ما يمكن أن نفيده من الجنوب. وبمعنى من المعاني لابد من تعويض الجنوب بكيفية ما عن الكفاءات التي تغادره إلى شمال المتوسط، وحري بنا أن نتعلم من جنوبه...        
يكتب النقاد في إسبانيا حماقات مفادها أنني أحن إلى إسبانيا المسلمة، أو أني أعذر الإسلاميين. إنهم لا ينتبهون إلى أنني أحاول أن أقطع مع تلك الصورة الإيقونية [غير القادرة على الإحاطة بمحتوياتها...] والكشف عن الركام الهائل الذي تدين به الثقافة الإسبانية للعرب ولليهود أيضا. ويبدو لي أن هذه مهمة أساسية. ويعلم الجميع، على سبيل المثال، وجود ما يقرب من أربع آلاف لفظ من أصل عربي باللغة الإسبانية، أغلبها لم تعد مستعملة. وقد عملت على إعادة تداول بعضها. لقد كان الجميع يسألني أيام إعدادي للمسلسل السينمائي Alquibla عن فحوى هذه الكلمة، والآن يعرف عديدون دلالتها. وهنا [في مراكش] تعلمت العربية الدارجة متأخرا مع الأسف الشديد، في الوقت الذي لا أحسن الفصحى، ومع ذلك تعلمت أشياء كثيرة في المغرب. فثمة عبارات تترجم مباشرة من العربية إلى الإسبانية، وقد أشار أمريكو كاسترو إلى هذا الأمر. وعلى سبيل المثال، في حالة تشخيص الأفعال اللازمة عند محاولة ترجمة “amanecí borracho” أو “anochecí cansado” إلى الإنجليزية أو إلى الفرنسية تستحيل الترجمة، أما هنا فيمكنني ذلك بقولي [بالعامية] "صبحتْ عيان". إن المعارف التي اكتسبتها هنا على المستوى الشعبي ساعدتني كثيرا في فهم أمور من الثقافة الإسبانية نفسها. بل أكثر من ذلك، فأنا سأعمل الآن على نشر نص حيث أقارن بين مقطع من كتاب Libro de Buen Amor يتم الحديث فيه عن نقاش دار بين الإغريق والرومان، وحكاية كان يرويها قوال في ساحة جامع الفنا. هذا الشخص الرائع الذي كنت أكن له كامل المودة توفي، وقد كان الناس يكنونه الصاروخ لطول قامته بعض الشيء. المهم أنني أعقد مقارنة بين حكاية الإغريقي والروماني التي تعتمد الإيماءات والحكاية التي يرويها "الصاروخ" معتمدا على حركات الأصابع والذراع المعبرة... وغالب الظن أن صاحب كتاب Libro de Buen Amor أو رواة هذا الكتاب كانوا يقومون بنفس هذه الحركات. ولفهم النص على المرء أن يرى ذلك. وهكذا فهنا في جامع الفنا كان "الصاروخ" يروي حكايته التي تحكي عن منافق و"حرامي"[لص] متوسلا بتلك الإشارات. إن الحكاية التي يرويها كتاب Libro de Buen Amor حكاية ممتعة، غير أن الكتاب وإن كان يشمل هوامش، فإنها مع ذلك لا توضح السياق، وفي المقطع [المشار إليه سابقا من الحكاية] يطلب الرومان من الإغريق أن يمنحوهم تشريعات  لأنهم لا يتوفرون على قانون.غير أن الإغريق يردونهم قائلين: "أنتم جهلة، ونحن لن نمنحكم تشريعات". ثم يرد الرومان قائلين: "طيب، لنناقش ذلك حتى نتبين هل نستحق التشريعات، أو لا نستحقها،  ولتتم المجابهة بيننا بالإيماءات والحركات". قبٍل الإغريق التحدي وبعثوا حكيما [للمناظرة] أما الرومان فأرسلوا شاطرا. رفع الحكيم أصبعه إلى السماء فأساء الولد فهمه ورماه بالوسطى. ثم فتح الحكيم ذراعيه [راسما الصليب] فأردف الولد بحركة من الذراع. بعد ذلك فسر الحكيم هذه الحركات موضحا أنه قال: لخصمه إن الله واحد، وأن خصمه رد عليه بأنه ثالث ثلاثة. [...] وقد كان "الصاروخ" يروي حكاية شبيهة بهذه الحكاية، جرت أحداثها بين "الحرامي" و"المنافق" في سياق مغاير. وهكذا أقمت توازيا بين الحكايتين، وهذه صورة لتعقل الثقافات ساعدتني على فهم ثقافتي الخاصة. أما عن مسؤولية المثقف فيما يتعلق بالشأن العام فلا يمكنني أن أعمم، وفي رأيي أن المثقف بعيدا عن الحقل الأدبي الصرف يكتسب صفته لما يدافع عن القضايا التي لا تعود عليه بالنفع ، وبالمقابل فإن القضايا ذات المردودية تجد كثيرين يدافعون عنها. ولنقف على سبيل المثال على قضايا الهجرة: فالأحزاب السياسية[الإسبانية] لا تكترث بمآل المهاجرين؛ لأنهم لا يصوتون، ومن ثم فإن المثقفين يتبعونها في ذلك. إن قضية المهاجرين قضية خاسرة، بل إنها تثير لمن تسول له نفسه التعاطف معها مواقف صعبة، مثل تلك التي حصلت معي، إذ اعتبرت شخصا غير مرغوب فيه بــالإيخيدو. وهذه مواقف ينبغي أن نتحملها. ولذا فإنني شديد الحذر من عالم الثقافة الرسمية. لقد اعتبرت في العصر الفرانكاوي شخصا غير مرغوب فيه، ولما وصل الاشتراكيون إلى السلطة اعتبروني ابنا محبوبا لنيخار Níjar، وجارا شرفيا بحي لاتشانكا La Chanca، وهي صفة مازلت أتمتع  بها. وبالرغم من كون التشريفات لا تروقني، فإنني أعتز بصفة الانتماء لحي لاتشانكا، لأن الجمعية التي تؤطر هذا الحي وقفت وقفة مشرفة إلى جانب المهاجرين، شأنها في ذلك شأن جمعية "ألمريا أكوخي" و"فدرالية النساء التقدميات".
*abdelhafid
12 - فبراير - 2009
خوان غويتصولو..(تتمة )    كن أول من يقيّم
 
لقد كان رد فعلي في المرات النادرة التي نلت فيها جائزة هو التساؤل عن الزلة أو الخطإ الذي ارتكبته. وبالمقابل فأنا على يقين تام من أنني كنت على حق لما اعتبرت شخصا غير مرغوب فيه.
دفاتر الشمال: هل يمكن إذن أن نجازف وندعي أن كل من نال جائزة أساء الفعل.
خوان غويتصولو: لا، إن المسألة تتعلق بمشاعري الخاصة. وأغلب من يظفر بجائزة يبتهج لذلك. وبحكم تعودي على تجنب هذا النمط من الاحتفالية فأنا نادرا ما أرتدي ربطة العنق، وهذا يجعلني في حل من الرسميات. أذكر مرة أن خيسوس دي بولانكو Jesús de Polanco صاحب جريدة الباييس El País دعاني رفقة كارلوس فوينتيس وصديقين إلى مطعم فاخر بمدريد. وبمجرد دخولنا إلى المطعم، سألني النادل عن ربطة العنق، ولما أجبته بالنفي، اقترح علي إعارتي ربطة عنق حريرية جميلة. غير أني قلت له: "إذا لبستها سأحتفظ بها". لم يقبل شَرطي فتحررت من هذا الموقف.
دفاتر الشمال: كيف تفسر إذن حصولك على جائزة أورباليا Europalia ؟
خوان غويتصولو: هذه جائزة لم أكن على علم بوجودها، وأعتقد أنني ظفرت بها لأن لجنة التحكيم لم تضم في عضويتها أي إسباني. وقد وصلني لاحقا أن السفارة الإسبانية اعترضت على ذلك، كما لو كنا أنذاك مانزال في المرحلة الفرانكاوية. وقد وقفت من كتابة التحكيم  سنة 1985 على كل أنماط الضغط التي مورست رسميا حتى لا أظفر بالجائزة. ويبدو أنهم بعثوا للملك بودوان صورة شخصية لي مرعبة أفزعت العائلة الملكية. ولذا كانت الملكة فابيولا تتوجس لقاء مسخ. وبعد ذلك تغير الموقف، فقد تبادلنا أطراف الحديث، وعلمتْ أن عائلتها تصطاف على بعد كيلومترين من بيت عائلتي. اكتشف الملكان -إذن- أننا نملك مجالا مشتركا وأنني لست محض مسخ كما كان يتهيأ لهما.
دفاتر الشمال: نود أن نسأل خوان غويتصولو الناقد: ما رأيه في خ. غويتصولو الكاتب؟
خوان غويتصولو: لا يمكن الحكم على عمل كاتب حكما دقيقا إلا بعد رحيله واختفاء معاصريه، لأن الحياة الأدبية يكتنفها العداء والحقد كما يشملها الحب...وفي إسبانيا ثمة اختلاف بين ما يفكر فيه وما يقال وما يكتب، وهكذا كان الأمر ولايزال. فثمة كتاب يجمع الكل على رداءتهم، ويقولون ذلك فيما بينهم، لكنهم يكتبون غير ذلك. وبالمقابل يوجد آخرون يُهاجمون مع أنهم يُقدرون سراً.
دفاتر الشمال: ربما هذا ما حصل مع غونغورا Gongora، فالاعتراف به تم بعد ثلاثة قرون، وذلك إبان الاحتفال المشهود بأعماله من لدن جيل 27.
خوان غويتصولو: أحيانا لفهم متن أدبي نحتاج ردحا من الزمن، وهو ما حصل بالفعل مع غونغورا. وبالمنــاسبة كان أندريه جيد André Gide (1869-1951) يردد قائلا وهو على صواب في ذلك: "ما يُفهم في رمشة العين عادة ما لا يترك أدنى أثر". وأنا أسمي هذا النوع من الأدب أدبا استهلاكيا، بمعنى، أنك إذا قرأت عملا وفهمته ثم هضمته مباشرة، فهو لا يختلف في شيء عن "الهمبرغر" التي تباع في محلات تجارية: فأنت تأكلها وتهضمها ثم ترميها بسرعة، إنها لا تترك أدنى أثر، اللهم إلا إذا كان اللحم مصابا بجنون البقر.
دفاتر الشمال: هل يمكن الكلام عن خصوصية الإبداع الأدبي والفني بالمتوسط؟ وبصيغة أخرى، هل يمكن الحديث عن متوسطية؟
خوان غويتصولو: هذا كان ممكنا إلى حدود القرن السادس عشر، ثم حدثت القطيعة الكاملة. وعلى سبيل المثال، يقول علي باي Domingo Badia y Leblich 1766) (1818-في رحلاته، إنه لما سافر من إسبانيا إلى المغرب، شعر وكأنه انتقل من قرن إلى آخر، وذهب إلى أرض قصية بعيدة. ثم إن تدخل القوى الأوربية الاستعمارية في الضفة الجنوبية أخل بالتوازن [فيما بين الضفتين]، وذلك بفعل فرضها للغتها وثقافتها على بلدان جنوب [المتوسط]. فعوض الحوار سادت الهيمنة. وبالنسبة لي أهمني أن أؤكد أن ثقافتنا [الإسبانية]عرفت سلسلة من التأثيرات لما كان التواصل قائما. واليومَ ما دام من الممكن أن نستفيد من الآخرين لماذا لا نفعل ذلك؟ [لكن] لماذا هذا الاهتمام الخاص من قِبلي بالعالم العربي؟ يبدو لي من أول وهلة أن صياغة هذا السؤال من قِبل إسباني أمر غير مستساغ. ومن ثم لابد من قلب السؤال: ما علة عدم اكتراثنا [نحن الإسبانيين] بالعالم العربي؟ المسألة الحقيقية إذن هي عدم الاكتراث بالعالم العربي وليس الاهتمام به. ولا أحد من الكتاب منذ أرسيبرسطي دي هيتا10  Arcipreste de Hita  إلى هذا الخادم المتواضع كلف نفسه عناء تعلم العربية الدارجة، ولا أقصد المستعربين طبعا، مع أنها لغة بلد يوجد على بعد أربعة عشرة كيلومترا من إسبانيا. هل هذا أمر عادي؟ لا أعتقد، وبالخصوص إذا ما انتبهنا إلى أهمية الثقافة العربية في تشكيل الثقافة الإسبانية. ولعل غياب الفضول هو أكبر زلات هذه الثقافة، وهذه حقيقة تحققت منها لما كنت بصدد إعداد سلسلة "القِبلة"Alquibla ذلك أنني كلما ذهبت إلى بلد معين أحرص على قراءة كل البيبيوغرافيا المتوفرة حول هذا البلد ،في حالة إيران مثلا حرصت على قراءة ما يتوفر حولها، ووجدت ما يقرب من مائتي عنوان لكتاب إنجليز، وما ينيف عن مائة لكتاب فرنسيين، وسبعين لكتاب ألمان، وستين أخرى لكتاب إيطاليين، وخمسين لهولنديين، ومثيلتها لسويسريين، ولا عنوان واحد لإسبانيين. وفي حالة اليمن لاحظت نفس الشيء إلى أن اكتشفت يهوديا إسبانيا وهو بنيامين طوديلا Benjamín Tudela الذي رحل إلى اليمن ليقف على نمط عيش اليهود هناك... ومن نتائج هذه الحقيقة أستخلص أنه من غير الممكن تحليل الثقافة الإسبانية دون الاعتماد على ما كتبه حولها الفرنسيون والإنجليز والألمان والإيطاليون المنشغلون بالثقافة الإسبانية  hispanistas... وبالمقابل لا وجود للمساهمة الإسبانية في معرفة الثقافة الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية... بمعنى أننا موضوع تأمل عوض أن نكون ذاتا متأملة، ولابد أن نتبين هذا الأمر حتى ندرك قصور ثقافتنا وحدودها. ومن ثم إذا ما تم هدم هذا النموذج فإن ما يجب أن يدرك على أنه إيجابي يعد بالأحرى سلبيا. ومن ثمَّ اعتبر اهتمامي بالعالم العربي شبهة. وبإصداري Reivindicación del conde don Julián  ذهبت التأويلات إلى أنني أريد أن أحول إسبانيا إلى ملكية علوية. ولقد ألفت هذا إلى درجة أنني لم أعد أعره أدنى اهتمام. إن ما أردده باستمرار هو أن موقف المثقف ينبغي أن يكون موقفا نقديا اتجاه الذات، وموقف احترام اتجاه ما يلزمنا احترامه لدى الغريب. بمعنى، أنه توجد أشياء في الثقافة الإسلامية جديرة بالاحترام، أما التي تبدو لي غير جديرة بذلك، فأنا لا أهتم بها.
دفاتر الشمال: لهذا الحد تنغلق الثقافة الإسبانية على ذاتها؟
خوان غويتصولو: يبدو الآن أن العولمة والعالمية تكتسحان كل المجالات بسرعة فائقة. فثمة إعادة إنتاج مبتذلة للأعمال الرائجة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى ظهور كتاب إسبانيين يكتبون بنفس الطريقة.
دفاتر الشمال: الفضول الذي أشرت إليه كان من الممكن أن يُفهم بطريقة أخرى، وذلك لو أنك انشغلت مثلا بالإسكيمو عوض الانشغال بالعرب وبالشرق؟
خوان غويتصولو: لابد من الانتباه إلى موقع الإسلام بالنسبة إلى أوربا، فهو وجد باستمرار على حدودها، أي وجد في مكان المواجهة والصراع خلال قرون. ومن ثم فنظرة الناس [في الغرب] حول البوذية يمكن أن تكون محايدة بل وقد تقوم على التعاطف بحكم بعدها، أما نظرتهم للإسلام فتختلف، وقد عبر الباحث التونسي هشام جعيط عن ذلك بقوله: "إن الإسلام شديد القرب من أوربا إلا أنه غير قابل للانصهار فيها". وهو ما يؤدي إلى ترسيخ هذا الفصل القاطع واستمراره.       
دفاتر الشمال: غير قابل للانصهار؟
خوان غويتصولو: لست أدري إن كنتم قد وقفتم على تصريحات إنريكي موخيكا E. Múgica, وهو الوسيط (محامي الشعب) الملتزم أقصى الحدود بما هو رسمي، إذ يقول بضرورة تشجيع الهجرة القريبة إثنيا، ولعله خجل من تسميتها الهجرة القريبة دينيا. إنه يقصد تشجيع هجرة الأمريكيين اللاتينيين والأوربيين الشرقيين. وأتمنى لو تفضل بأن يشرح لي علاقات القرب التي جمعت ليتوانيا أو أوكرانيا بإسبانيا، ولم تجمعها بالمقابل بالمغرب. إننا نعود من جديد بهذا الصدد إلى المجال الديني المقنع بالقرابة الثقافية أو بالخطاب العلماني المصطنع.
دفاتر الشمال: يبدو أن التمييز والعدالة وحقوق المهاجرين بصفتهم "مواطنين جددا" أمور تخضع لسياسة يحكمها الهاجس الأمني، وذلك للتحكم في الهجرة. ويلاحظ بهذا الصدد الغياب شبه المطلق للمثقفين [الإسبانيين] في الدفاع عن حقوق هؤلاء المهمشين الجدد، كما يلاحظ نفس الشيء على المثقفين المغاربة، باستثناء من يعيش الهجرة كـالطاهر بن جلون. وفي الوقت الذي يتجه فيه الموقف السياسي للبحث عن مهاجرين ممتثلين تم إعداد خطة غريكو Greco Plan لتعزيز هذا الموقف. وهذه الخطة تستهدف غايتين: الأولى وهي قديمة تتمثل في التحكم في الهجرة، أما الثانية فغايتها مستجدة تتمثل في التحكم في الاندماج. ونتساءل: ما معنى التحكم في الاندماج؟ إن كاتب الدولة في الشغل السيد إنريكي فيرنانديس ميراندا Enrique Fernandez Miranda يشرح ذلك في تأملاته الخمسة كفعل للبحث عن مهاجرين قادرين على الاندماج بفعل القرابة الثقافية حتى لا نقول الدينية.
خوان غويتصولو: إنهم يتفادون باستمرار كلمة الدين.
دفاتر الشمال: ن خوان غويتصولو لا يعد حاليا مجرد شخص غير مرغوب فيه، وإنما يعتبر أيضا باغيا من لدن محافظ الإيخيدو Ejido نفسه. وعلى المستوى السياسي يوجد دفاع جد خجول عن الهجرة من لدن الأحزاب اليسارية التي تحتكم لمنطق الدولة. وإذا كان هذا يستساغ في حالة الأحزاب، فإنه لا يفهم في حالة المثقفين. فباستثنائك أنت وبضع مثقفين, يسود الصمت المطلق. فكيف تعلل هذا الموقف؟
خوان غويتصولو: إنهم انتبهوا إلى أن تطرف النزعة الوطنية الباسكية ترفض غير الباسكيين، كما ترفض الباسكيين المعارضين للنزعة الوطنية. وفي هذا السياق كتب أنطونيو إلورثا Antonio Elorza مقالا طريفا بجريدة الباييس عنونه " فيلوكسينيا " في مقابل "كراهية الآخر". و"فيلوكسينيا"11 (محبة الآخر) كاصطلاح إغريقي قد يفيد حسن احتضان كل من يأتي إلينا.
إن أهم ما يطرح على المستوى الثقافي الإسباني هو تأملات مثقفين باسكيين معادين للنزعة الوطنية حول النزعة الوطنية الباسكية، وهو نفس ما طرحتُه بصدد النزعة الوطنية الإسبانية. ومعنى هذا أنهم انتبهوا الآن إلى حد ما إلى التقليد الذي دافعت عنه، والذي أصِلُه بالمسيحيين الجدد وذوي النزعة الإنسانية والأنواريين والليبراليين والجمهوريين. ومن المهم أن نقف أيضا على اكتشافهم اليوم لِما أشار إليه أمريكو كاسترو منذ أربعين سنة. لقد كان الباسكيون فيما مضى يُسموْن أهل بيسكايا vizcaínos، وأن يكون المرء من بيسكايا vizcaíno يعنى أنه إسباني خالص. وفي أعمال سيرفانتيس وماطيو ألمان يرمز ظهور المنتمي لبيسكايا لنقاوة الدم، وضمان ذلك عدم صلتهم باليهود والمسلمين. ومعنى هذا أيضا أن أهل بيسكايا كانوا أكثر إسبانية من االإسبانيين أنفسهم. وعلى سبيل المثال توجد رسالة تعود إلى مرحلة الملوك الكاثوليك، وهي رسالة من إرناندو ديل بولغار Hernando del Pulgar إلى كونت قشتالة condestable de Castilla،  وهما مدجنان، تقول: "ما أغرب أهل غيبوسكوا guipuzcuanos أو أهل بيسكايا vizcainos -لم أعد أذكر بالضبط- فهم يتسابقون للعمل معنا، لكنهم يفضلون الموت على الزواج من بناتنا"، وهذه عنصرية واضحة. ولما بدأت حملة الليبراليين من أجل استرداد الممتلكات مع حلول القرن التاسع عشر من الإكليروس، اصطف كل البـاسكيين إلى جـانب أتبـاع كارلوس12 مدافعين عن تشريعات الكنيسة وتقاليدها. ولما انتزعت منهم سلطة التشريع تحولوا بصورة فجائية من إسبانيين من الدرجة الأولى إلى باسكيين خُلص، يلوثهم قرب إسبــانيا منهم، ووجودها إلى جانبهم. ويدعي هذا سابينو أرانا13 Arana Goiri Sabino (1865-1903) فهو يقول إن العرق الباسكي النقي تلوث بفعل الاتصال بالعرق الإسباني.
 ومع ذلك فأنا لا أستطيع الكتابة عن القضية الباسكية، ولو أنني على اتفاق تام مع العديد من المثقفين الذين يكتبون عنها لتوفرهم على معلومات دقيقة في الموضوع. وأحرص على الكلام عن القليل الذي أعرفه متجنبا ما لا أعرفه. ذلك أنني لا أكتب إلا بعدما تتوفر لي الوثائق الكافية في الموضوع، وبعدما أطلع على الملف. ولنأخذ مثال الجزائر التي أعرفها بنفس القدر الذي أعرف به المغرب، فلما كتبت Argelia en el Vendaval كنت أتوفر على مفاتيح عدة، كنت صديقا لـبوضياف [الرئيس الجزائري الراحل]، السياسي الوحيد الذي كان مثقفا حقيقيا، كما كان ذا خلق رفيع. وبالمناسبة فقد كان يحسن الإسبانية، التي تعلمها في السجن، حيث قرأ Tiempo de silencio، كما كان شديد الاهتمام بـ Reivindicación del conde don Julián إذ طلب مني تمكينه من أدوات تساعده على فهمها. وفي حالة البوسنة، قرأت عنها كثيرا قبل أن أشد إليها الرحال، إذ لم أكن قادرا على فهم المشكلة البوسنية دون أن أعرف كل تاريخ النزعة الوطنية الصربية. وأنا لم أذهب إلى هناك بصفتي صحفيا فحسب، وإنما بصفتي كاتبا أيضا.
دفاتر الشمال: لنعد لمسألة الهجرة، لا يلاحظ بهذا الصدد التزام من لدن المثقفين، بالرغم من أن هناك أقلام بدأت تكتب في الموضوع، ومثل هذا الالتزام سلوك مدني من المفروض أن يترتب عنه موقف واضح.
خوان غويتصولو: إنهم ينحازون كما قلت سابقا إلى القضايا المربحة، فخلال حرب الخليج كنا قلة نحن أولائك الذين انتقدوا المذبحة التي تمت هناك. وبالنسبة لي كان واضحا أن الشعب العراقي بريء من جرائم الطاغية الذي يحكمه. ومن ثم فإن المماثلة التي تمت أنذاك بين هتلر وصدام حسين كانت غير موفقة بالمرة. لقد كتب إنسنسبيرغير  Enzensberger: "نحن الألمان كنا كلنا عراقيين فيما بين 1933 و1945" وهذا غير صحيح البتة، لأن هتلر انتخب ديمقراطيا مرتين من لدن الشعب الألماني، بمعنى أن الشعب الألماني يتحمل هو الآخر مسؤولية ما حصل، وذلك بفعل انتخابه لهتلر. أما العراقيون فلم تتوفر لهم –أبدا- أدنى إمكانية لاختيار صدام حسين. وما قلته ببساطة هو أنه بدا لي من المسخ عقاب شعب بريء على جرائم باغ يحكمه. وما لم أتخيله-وهو ما حصل بالفعل- هو عقاب شعب بريء عوض معاقبة الطاغية. إن النتيجة كانت أفظع مما تصورته سابقا. وما أريد قوله بهذا الكلام أنه يهمني دائما الدفاع عمن لا  يجد من يدافع عنه.
دفاتر الشمال: وكيف تفسر الموقف في بادية ألمرية؟ هل هو نتيجة للإقلاع الاقتصادي أم أنه نتاج الزراعة البلاستيكية؟ أو بالأحرى نتاج عوامل أخرى؟
خوان غويتصولو: كلا، إنه نتاج الانتقال من فقر مدقع إلى غنى فاحش، دون تعلم، ودون ثقافة ديمقراطية تسمح باستيعاب ما حصل من تغيير، إنهم يسلكون بكيفية تثير الفزع، وبالمناسبة أتوفر على شرائط تلفزيونية تفضح ذلك.
دفاتر الشمال: أمام موجة الهجرة المتصاعدة، وإزاء وصول ضحايا محتملين إلى الشواطئ، من المفروض على الدولة [الإسبانية] أن تضطلع بدور إنساني, فما رأيك من الموقف الأخير؟
خوان غويتصولو: إن الخطاب السائد خطاب سكيزوفريني، فالإحصائيات تقول بأن إسبانيا تحتاج مائتي وأربعين ألف مهاجر سنويا حتى تتمكن من تغطية الخدمات الاجتماعية، والحفاظ على مستواها الاقتصادي. وفي مناطق أراغون Aragón، كطرويل Teruel التي يهجرها أهلها، لا يعمرها الآن غير المغاربيين. لقد خلت نفسي في آخر سفر لي إلى هذه المناطق بأنني أعبر المغرب. ففي المقاهي الصغيرة بالبلدات المهجورة لا ترى غير بضع مغاربة، يتلهون بلعبة الورق.. أما الساكنة [الأصلية] فقد اختفت. وفي كاطالونيا على سبيل المثال، يحتاج المقاولون إلى حِرف يمتنع الإسبان عن ممارستها، فهم في حاجة إلى نجارين وجباسين وبنائين متخصصين...
دفاتر الشمال: ألا يمكن أن نخمن بأن تلك المواقف تنتج عن الخوف من الاستيطان أو الغزو لأن إعادة تعمير الأرض بالمغاربة المهاجرين أو "الموروس" ...
خوان غويتصولو: طبعا، إن هذه الأشباح التاريخية صعبة الانمحاء. وهذا يبدو جليا مع كل هذه الحكايات التي تروى عبر التلفزة: فمن قائل إنهم يأتون إلينا للاغتصاب. في حين أنه لم يمارس اغتصاب بالإيخدو, إنها مجرد أوهام. وقد قالت ذلك خواكينا براديس  Joaquina Prades بوضوح في استطلاع لها بجريدة الباييس، قالت: إنهم لما يرون نساءنا يشرعون في التبول أمامهن. ولنفترض أن معتوها فعل ذلك. إنا لنتساءل باستغراب: كيف سيتبول المغاربة في الطريق العمومي أمام نساءنا؟ ويقول آخرون بأنهم ينظرون إليهن بشهوانية. الواقع أن هؤلاء يتمتعون بقدرة خيالية خارقة. ثم إذا لم ينظر هؤلاء إليهن بشهوانية فلربما لأنهن في منتهى البشاعة والقبح.
دفاتر الشمال: لعلهم استخرجوا اصطلاح الشهوانية من كتابك Reivendicación
خوان غويتصولو: على كل حال، إنها مواقف تبعث على السخرية، لكن وقوعها في الحقيقة يعد مأساويا. ولعلنا إزاء ركام هائل من الأحكام المسبقة يصعب التخلص منها...        
 
 دفاتر الشمال
Revista cultural, Tetuán -Marruecos
 
 
*abdelhafid
12 - فبراير - 2009