خوان غويتصولو..(تتمة ) كن أول من يقيّم
لقد كان رد فعلي في المرات النادرة التي نلت فيها جائزة هو التساؤل عن الزلة أو الخطإ الذي ارتكبته. وبالمقابل فأنا على يقين تام من أنني كنت على حق لما اعتبرت شخصا غير مرغوب فيه. دفاتر الشمال: هل يمكن إذن أن نجازف وندعي أن كل من نال جائزة أساء الفعل. خوان غويتصولو: لا، إن المسألة تتعلق بمشاعري الخاصة. وأغلب من يظفر بجائزة يبتهج لذلك. وبحكم تعودي على تجنب هذا النمط من الاحتفالية فأنا نادرا ما أرتدي ربطة العنق، وهذا يجعلني في حل من الرسميات. أذكر مرة أن خيسوس دي بولانكو Jesús de Polanco صاحب جريدة الباييس El País دعاني رفقة كارلوس فوينتيس وصديقين إلى مطعم فاخر بمدريد. وبمجرد دخولنا إلى المطعم، سألني النادل عن ربطة العنق، ولما أجبته بالنفي، اقترح علي إعارتي ربطة عنق حريرية جميلة. غير أني قلت له: "إذا لبستها سأحتفظ بها". لم يقبل شَرطي فتحررت من هذا الموقف. دفاتر الشمال: كيف تفسر إذن حصولك على جائزة أورباليا Europalia ؟ خوان غويتصولو: هذه جائزة لم أكن على علم بوجودها، وأعتقد أنني ظفرت بها لأن لجنة التحكيم لم تضم في عضويتها أي إسباني. وقد وصلني لاحقا أن السفارة الإسبانية اعترضت على ذلك، كما لو كنا أنذاك مانزال في المرحلة الفرانكاوية. وقد وقفت من كتابة التحكيم سنة 1985 على كل أنماط الضغط التي مورست رسميا حتى لا أظفر بالجائزة. ويبدو أنهم بعثوا للملك بودوان صورة شخصية لي مرعبة أفزعت العائلة الملكية. ولذا كانت الملكة فابيولا تتوجس لقاء مسخ. وبعد ذلك تغير الموقف، فقد تبادلنا أطراف الحديث، وعلمتْ أن عائلتها تصطاف على بعد كيلومترين من بيت عائلتي. اكتشف الملكان -إذن- أننا نملك مجالا مشتركا وأنني لست محض مسخ كما كان يتهيأ لهما. دفاتر الشمال: نود أن نسأل خوان غويتصولو الناقد: ما رأيه في خ. غويتصولو الكاتب؟ خوان غويتصولو: لا يمكن الحكم على عمل كاتب حكما دقيقا إلا بعد رحيله واختفاء معاصريه، لأن الحياة الأدبية يكتنفها العداء والحقد كما يشملها الحب...وفي إسبانيا ثمة اختلاف بين ما يفكر فيه وما يقال وما يكتب، وهكذا كان الأمر ولايزال. فثمة كتاب يجمع الكل على رداءتهم، ويقولون ذلك فيما بينهم، لكنهم يكتبون غير ذلك. وبالمقابل يوجد آخرون يُهاجمون مع أنهم يُقدرون سراً. دفاتر الشمال: ربما هذا ما حصل مع غونغورا Gongora، فالاعتراف به تم بعد ثلاثة قرون، وذلك إبان الاحتفال المشهود بأعماله من لدن جيل 27. خوان غويتصولو: أحيانا لفهم متن أدبي نحتاج ردحا من الزمن، وهو ما حصل بالفعل مع غونغورا. وبالمنــاسبة كان أندريه جيد André Gide (1869-1951) يردد قائلا وهو على صواب في ذلك: "ما يُفهم في رمشة العين عادة ما لا يترك أدنى أثر". وأنا أسمي هذا النوع من الأدب أدبا استهلاكيا، بمعنى، أنك إذا قرأت عملا وفهمته ثم هضمته مباشرة، فهو لا يختلف في شيء عن "الهمبرغر" التي تباع في محلات تجارية: فأنت تأكلها وتهضمها ثم ترميها بسرعة، إنها لا تترك أدنى أثر، اللهم إلا إذا كان اللحم مصابا بجنون البقر. دفاتر الشمال: هل يمكن الكلام عن خصوصية الإبداع الأدبي والفني بالمتوسط؟ وبصيغة أخرى، هل يمكن الحديث عن متوسطية؟ خوان غويتصولو: هذا كان ممكنا إلى حدود القرن السادس عشر، ثم حدثت القطيعة الكاملة. وعلى سبيل المثال، يقول علي باي Domingo Badia y Leblich 1766) (1818-في رحلاته، إنه لما سافر من إسبانيا إلى المغرب، شعر وكأنه انتقل من قرن إلى آخر، وذهب إلى أرض قصية بعيدة. ثم إن تدخل القوى الأوربية الاستعمارية في الضفة الجنوبية أخل بالتوازن [فيما بين الضفتين]، وذلك بفعل فرضها للغتها وثقافتها على بلدان جنوب [المتوسط]. فعوض الحوار سادت الهيمنة. وبالنسبة لي أهمني أن أؤكد أن ثقافتنا [الإسبانية]عرفت سلسلة من التأثيرات لما كان التواصل قائما. واليومَ ما دام من الممكن أن نستفيد من الآخرين لماذا لا نفعل ذلك؟ [لكن] لماذا هذا الاهتمام الخاص من قِبلي بالعالم العربي؟ يبدو لي من أول وهلة أن صياغة هذا السؤال من قِبل إسباني أمر غير مستساغ. ومن ثم لابد من قلب السؤال: ما علة عدم اكتراثنا [نحن الإسبانيين] بالعالم العربي؟ المسألة الحقيقية إذن هي عدم الاكتراث بالعالم العربي وليس الاهتمام به. ولا أحد من الكتاب منذ أرسيبرسطي دي هيتا10 Arcipreste de Hita إلى هذا الخادم المتواضع كلف نفسه عناء تعلم العربية الدارجة، ولا أقصد المستعربين طبعا، مع أنها لغة بلد يوجد على بعد أربعة عشرة كيلومترا من إسبانيا. هل هذا أمر عادي؟ لا أعتقد، وبالخصوص إذا ما انتبهنا إلى أهمية الثقافة العربية في تشكيل الثقافة الإسبانية. ولعل غياب الفضول هو أكبر زلات هذه الثقافة، وهذه حقيقة تحققت منها لما كنت بصدد إعداد سلسلة "القِبلة"Alquibla ذلك أنني كلما ذهبت إلى بلد معين أحرص على قراءة كل البيبيوغرافيا المتوفرة حول هذا البلد ،في حالة إيران مثلا حرصت على قراءة ما يتوفر حولها، ووجدت ما يقرب من مائتي عنوان لكتاب إنجليز، وما ينيف عن مائة لكتاب فرنسيين، وسبعين لكتاب ألمان، وستين أخرى لكتاب إيطاليين، وخمسين لهولنديين، ومثيلتها لسويسريين، ولا عنوان واحد لإسبانيين. وفي حالة اليمن لاحظت نفس الشيء إلى أن اكتشفت يهوديا إسبانيا وهو بنيامين طوديلا Benjamín Tudela الذي رحل إلى اليمن ليقف على نمط عيش اليهود هناك... ومن نتائج هذه الحقيقة أستخلص أنه من غير الممكن تحليل الثقافة الإسبانية دون الاعتماد على ما كتبه حولها الفرنسيون والإنجليز والألمان والإيطاليون المنشغلون بالثقافة الإسبانية hispanistas... وبالمقابل لا وجود للمساهمة الإسبانية في معرفة الثقافة الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية... بمعنى أننا موضوع تأمل عوض أن نكون ذاتا متأملة، ولابد أن نتبين هذا الأمر حتى ندرك قصور ثقافتنا وحدودها. ومن ثم إذا ما تم هدم هذا النموذج فإن ما يجب أن يدرك على أنه إيجابي يعد بالأحرى سلبيا. ومن ثمَّ اعتبر اهتمامي بالعالم العربي شبهة. وبإصداري Reivindicación del conde don Julián ذهبت التأويلات إلى أنني أريد أن أحول إسبانيا إلى ملكية علوية. ولقد ألفت هذا إلى درجة أنني لم أعد أعره أدنى اهتمام. إن ما أردده باستمرار هو أن موقف المثقف ينبغي أن يكون موقفا نقديا اتجاه الذات، وموقف احترام اتجاه ما يلزمنا احترامه لدى الغريب. بمعنى، أنه توجد أشياء في الثقافة الإسلامية جديرة بالاحترام، أما التي تبدو لي غير جديرة بذلك، فأنا لا أهتم بها. دفاتر الشمال: لهذا الحد تنغلق الثقافة الإسبانية على ذاتها؟ خوان غويتصولو: يبدو الآن أن العولمة والعالمية تكتسحان كل المجالات بسرعة فائقة. فثمة إعادة إنتاج مبتذلة للأعمال الرائجة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى ظهور كتاب إسبانيين يكتبون بنفس الطريقة. دفاتر الشمال: الفضول الذي أشرت إليه كان من الممكن أن يُفهم بطريقة أخرى، وذلك لو أنك انشغلت مثلا بالإسكيمو عوض الانشغال بالعرب وبالشرق؟ خوان غويتصولو: لابد من الانتباه إلى موقع الإسلام بالنسبة إلى أوربا، فهو وجد باستمرار على حدودها، أي وجد في مكان المواجهة والصراع خلال قرون. ومن ثم فنظرة الناس [في الغرب] حول البوذية يمكن أن تكون محايدة بل وقد تقوم على التعاطف بحكم بعدها، أما نظرتهم للإسلام فتختلف، وقد عبر الباحث التونسي هشام جعيط عن ذلك بقوله: "إن الإسلام شديد القرب من أوربا إلا أنه غير قابل للانصهار فيها". وهو ما يؤدي إلى ترسيخ هذا الفصل القاطع واستمراره. دفاتر الشمال: غير قابل للانصهار؟ خوان غويتصولو: لست أدري إن كنتم قد وقفتم على تصريحات إنريكي موخيكا E. Múgica, وهو الوسيط (محامي الشعب) الملتزم أقصى الحدود بما هو رسمي، إذ يقول بضرورة تشجيع الهجرة القريبة إثنيا، ولعله خجل من تسميتها الهجرة القريبة دينيا. إنه يقصد تشجيع هجرة الأمريكيين اللاتينيين والأوربيين الشرقيين. وأتمنى لو تفضل بأن يشرح لي علاقات القرب التي جمعت ليتوانيا أو أوكرانيا بإسبانيا، ولم تجمعها بالمقابل بالمغرب. إننا نعود من جديد بهذا الصدد إلى المجال الديني المقنع بالقرابة الثقافية أو بالخطاب العلماني المصطنع. دفاتر الشمال: يبدو أن التمييز والعدالة وحقوق المهاجرين بصفتهم "مواطنين جددا" أمور تخضع لسياسة يحكمها الهاجس الأمني، وذلك للتحكم في الهجرة. ويلاحظ بهذا الصدد الغياب شبه المطلق للمثقفين [الإسبانيين] في الدفاع عن حقوق هؤلاء المهمشين الجدد، كما يلاحظ نفس الشيء على المثقفين المغاربة، باستثناء من يعيش الهجرة كـالطاهر بن جلون. وفي الوقت الذي يتجه فيه الموقف السياسي للبحث عن مهاجرين ممتثلين تم إعداد خطة غريكو Greco Plan لتعزيز هذا الموقف. وهذه الخطة تستهدف غايتين: الأولى وهي قديمة تتمثل في التحكم في الهجرة، أما الثانية فغايتها مستجدة تتمثل في التحكم في الاندماج. ونتساءل: ما معنى التحكم في الاندماج؟ إن كاتب الدولة في الشغل السيد إنريكي فيرنانديس ميراندا Enrique Fernandez Miranda يشرح ذلك في تأملاته الخمسة كفعل للبحث عن مهاجرين قادرين على الاندماج بفعل القرابة الثقافية حتى لا نقول الدينية. خوان غويتصولو: إنهم يتفادون باستمرار كلمة الدين. دفاتر الشمال: ن خوان غويتصولو لا يعد حاليا مجرد شخص غير مرغوب فيه، وإنما يعتبر أيضا باغيا من لدن محافظ الإيخيدو Ejido نفسه. وعلى المستوى السياسي يوجد دفاع جد خجول عن الهجرة من لدن الأحزاب اليسارية التي تحتكم لمنطق الدولة. وإذا كان هذا يستساغ في حالة الأحزاب، فإنه لا يفهم في حالة المثقفين. فباستثنائك أنت وبضع مثقفين, يسود الصمت المطلق. فكيف تعلل هذا الموقف؟ خوان غويتصولو: إنهم انتبهوا إلى أن تطرف النزعة الوطنية الباسكية ترفض غير الباسكيين، كما ترفض الباسكيين المعارضين للنزعة الوطنية. وفي هذا السياق كتب أنطونيو إلورثا Antonio Elorza مقالا طريفا بجريدة الباييس عنونه " فيلوكسينيا " في مقابل "كراهية الآخر". و"فيلوكسينيا"11 (محبة الآخر) كاصطلاح إغريقي قد يفيد حسن احتضان كل من يأتي إلينا. إن أهم ما يطرح على المستوى الثقافي الإسباني هو تأملات مثقفين باسكيين معادين للنزعة الوطنية حول النزعة الوطنية الباسكية، وهو نفس ما طرحتُه بصدد النزعة الوطنية الإسبانية. ومعنى هذا أنهم انتبهوا الآن إلى حد ما إلى التقليد الذي دافعت عنه، والذي أصِلُه بالمسيحيين الجدد وذوي النزعة الإنسانية والأنواريين والليبراليين والجمهوريين. ومن المهم أن نقف أيضا على اكتشافهم اليوم لِما أشار إليه أمريكو كاسترو منذ أربعين سنة. لقد كان الباسكيون فيما مضى يُسموْن أهل بيسكايا vizcaínos، وأن يكون المرء من بيسكايا vizcaíno يعنى أنه إسباني خالص. وفي أعمال سيرفانتيس وماطيو ألمان يرمز ظهور المنتمي لبيسكايا لنقاوة الدم، وضمان ذلك عدم صلتهم باليهود والمسلمين. ومعنى هذا أيضا أن أهل بيسكايا كانوا أكثر إسبانية من االإسبانيين أنفسهم. وعلى سبيل المثال توجد رسالة تعود إلى مرحلة الملوك الكاثوليك، وهي رسالة من إرناندو ديل بولغار Hernando del Pulgar إلى كونت قشتالة condestable de Castilla، وهما مدجنان، تقول: "ما أغرب أهل غيبوسكوا guipuzcuanos أو أهل بيسكايا vizcainos -لم أعد أذكر بالضبط- فهم يتسابقون للعمل معنا، لكنهم يفضلون الموت على الزواج من بناتنا"، وهذه عنصرية واضحة. ولما بدأت حملة الليبراليين من أجل استرداد الممتلكات مع حلول القرن التاسع عشر من الإكليروس، اصطف كل البـاسكيين إلى جـانب أتبـاع كارلوس12 مدافعين عن تشريعات الكنيسة وتقاليدها. ولما انتزعت منهم سلطة التشريع تحولوا بصورة فجائية من إسبانيين من الدرجة الأولى إلى باسكيين خُلص، يلوثهم قرب إسبــانيا منهم، ووجودها إلى جانبهم. ويدعي هذا سابينو أرانا13 Arana Goiri Sabino (1865-1903) فهو يقول إن العرق الباسكي النقي تلوث بفعل الاتصال بالعرق الإسباني. ومع ذلك فأنا لا أستطيع الكتابة عن القضية الباسكية، ولو أنني على اتفاق تام مع العديد من المثقفين الذين يكتبون عنها لتوفرهم على معلومات دقيقة في الموضوع. وأحرص على الكلام عن القليل الذي أعرفه متجنبا ما لا أعرفه. ذلك أنني لا أكتب إلا بعدما تتوفر لي الوثائق الكافية في الموضوع، وبعدما أطلع على الملف. ولنأخذ مثال الجزائر التي أعرفها بنفس القدر الذي أعرف به المغرب، فلما كتبت Argelia en el Vendaval كنت أتوفر على مفاتيح عدة، كنت صديقا لـبوضياف [الرئيس الجزائري الراحل]، السياسي الوحيد الذي كان مثقفا حقيقيا، كما كان ذا خلق رفيع. وبالمناسبة فقد كان يحسن الإسبانية، التي تعلمها في السجن، حيث قرأ Tiempo de silencio، كما كان شديد الاهتمام بـ Reivindicación del conde don Julián إذ طلب مني تمكينه من أدوات تساعده على فهمها. وفي حالة البوسنة، قرأت عنها كثيرا قبل أن أشد إليها الرحال، إذ لم أكن قادرا على فهم المشكلة البوسنية دون أن أعرف كل تاريخ النزعة الوطنية الصربية. وأنا لم أذهب إلى هناك بصفتي صحفيا فحسب، وإنما بصفتي كاتبا أيضا. دفاتر الشمال: لنعد لمسألة الهجرة، لا يلاحظ بهذا الصدد التزام من لدن المثقفين، بالرغم من أن هناك أقلام بدأت تكتب في الموضوع، ومثل هذا الالتزام سلوك مدني من المفروض أن يترتب عنه موقف واضح. خوان غويتصولو: إنهم ينحازون كما قلت سابقا إلى القضايا المربحة، فخلال حرب الخليج كنا قلة نحن أولائك الذين انتقدوا المذبحة التي تمت هناك. وبالنسبة لي كان واضحا أن الشعب العراقي بريء من جرائم الطاغية الذي يحكمه. ومن ثم فإن المماثلة التي تمت أنذاك بين هتلر وصدام حسين كانت غير موفقة بالمرة. لقد كتب إنسنسبيرغير Enzensberger: "نحن الألمان كنا كلنا عراقيين فيما بين 1933 و1945" وهذا غير صحيح البتة، لأن هتلر انتخب ديمقراطيا مرتين من لدن الشعب الألماني، بمعنى أن الشعب الألماني يتحمل هو الآخر مسؤولية ما حصل، وذلك بفعل انتخابه لهتلر. أما العراقيون فلم تتوفر لهم –أبدا- أدنى إمكانية لاختيار صدام حسين. وما قلته ببساطة هو أنه بدا لي من المسخ عقاب شعب بريء على جرائم باغ يحكمه. وما لم أتخيله-وهو ما حصل بالفعل- هو عقاب شعب بريء عوض معاقبة الطاغية. إن النتيجة كانت أفظع مما تصورته سابقا. وما أريد قوله بهذا الكلام أنه يهمني دائما الدفاع عمن لا يجد من يدافع عنه. دفاتر الشمال: وكيف تفسر الموقف في بادية ألمرية؟ هل هو نتيجة للإقلاع الاقتصادي أم أنه نتاج الزراعة البلاستيكية؟ أو بالأحرى نتاج عوامل أخرى؟ خوان غويتصولو: كلا، إنه نتاج الانتقال من فقر مدقع إلى غنى فاحش، دون تعلم، ودون ثقافة ديمقراطية تسمح باستيعاب ما حصل من تغيير، إنهم يسلكون بكيفية تثير الفزع، وبالمناسبة أتوفر على شرائط تلفزيونية تفضح ذلك. دفاتر الشمال: أمام موجة الهجرة المتصاعدة، وإزاء وصول ضحايا محتملين إلى الشواطئ، من المفروض على الدولة [الإسبانية] أن تضطلع بدور إنساني, فما رأيك من الموقف الأخير؟ خوان غويتصولو: إن الخطاب السائد خطاب سكيزوفريني، فالإحصائيات تقول بأن إسبانيا تحتاج مائتي وأربعين ألف مهاجر سنويا حتى تتمكن من تغطية الخدمات الاجتماعية، والحفاظ على مستواها الاقتصادي. وفي مناطق أراغون Aragón، كطرويل Teruel التي يهجرها أهلها، لا يعمرها الآن غير المغاربيين. لقد خلت نفسي في آخر سفر لي إلى هذه المناطق بأنني أعبر المغرب. ففي المقاهي الصغيرة بالبلدات المهجورة لا ترى غير بضع مغاربة، يتلهون بلعبة الورق.. أما الساكنة [الأصلية] فقد اختفت. وفي كاطالونيا على سبيل المثال، يحتاج المقاولون إلى حِرف يمتنع الإسبان عن ممارستها، فهم في حاجة إلى نجارين وجباسين وبنائين متخصصين... دفاتر الشمال: ألا يمكن أن نخمن بأن تلك المواقف تنتج عن الخوف من الاستيطان أو الغزو لأن إعادة تعمير الأرض بالمغاربة المهاجرين أو "الموروس" ... خوان غويتصولو: طبعا، إن هذه الأشباح التاريخية صعبة الانمحاء. وهذا يبدو جليا مع كل هذه الحكايات التي تروى عبر التلفزة: فمن قائل إنهم يأتون إلينا للاغتصاب. في حين أنه لم يمارس اغتصاب بالإيخدو, إنها مجرد أوهام. وقد قالت ذلك خواكينا براديس Joaquina Prades بوضوح في استطلاع لها بجريدة الباييس، قالت: إنهم لما يرون نساءنا يشرعون في التبول أمامهن. ولنفترض أن معتوها فعل ذلك. إنا لنتساءل باستغراب: كيف سيتبول المغاربة في الطريق العمومي أمام نساءنا؟ ويقول آخرون بأنهم ينظرون إليهن بشهوانية. الواقع أن هؤلاء يتمتعون بقدرة خيالية خارقة. ثم إذا لم ينظر هؤلاء إليهن بشهوانية فلربما لأنهن في منتهى البشاعة والقبح. دفاتر الشمال: لعلهم استخرجوا اصطلاح الشهوانية من كتابك Reivendicación خوان غويتصولو: على كل حال، إنها مواقف تبعث على السخرية، لكن وقوعها في الحقيقة يعد مأساويا. ولعلنا إزاء ركام هائل من الأحكام المسبقة يصعب التخلص منها... دفاتر الشمال | Revista cultural, Tetuán -Marruecos | |