الرسالة الرابعة كن أول من يقيّم
حب أم صداقة ?
عزيزتي صفاء :
أعود إليك اليوم ، أحاول من جديد أن أتذكر معك ما حصل معي من مواقف لم أصرح بها لنفسي أحياناً ، وأستعيد عملاً صعباً بدأته، وأتمنى أن أصل إلى نهايته ، لعلني أقدر ..........
كانت تلك الطريق التي كنا نقطعها ذهاباً وإياباً في كل مرة ، شاهداً على حالنا المسكونة برغبات لا تجرؤ في الإفصاح عن ذاتها ... خلالها ، كنا نملأ الجو من حولنا بأحاديث تريد أن تواري ما كنا نشعر به ، ما كنا نخجل منه ونريد أن نخفيه ............
اهتمامه بي ، كان تحرياً عن أحوالي التي لم يهتم بها أحد من قبل : أكلي ، شربي ، نومي ، جامعتي ، أساتذتي ، وحتى البثور التي كانت تظهر على وجهي أحياناً كان يراقبها :
" لا تعبثي بها ! اتركيها " ، كان يقول بلهجة الآمر ! .
انتباه كامل لأدنى حركة ، أو كلمة ، أوأي التفاتة مني داخل السيارة . يسألني إذا كنت مرتاحة في جلستي ، إذا كان يجب أن يغلق النافذة ? إذا كانت الأغنية في المسجل على ذوقي ??? .... رهافة حركاته وحميمية تلك الكلمات التي كانت تحيطني بكل الرعاية ، كانت تغلفني بوشاح من الحرير، وهذا الاهتمام الدؤوب بكل التفاصيل كان يحتويني بدفء وترف ، خياليين ، فأشعر كأنني أميرة في قصر من الأحلام .
ثم يعود ليسألني ، لما لا يكون عندي صديق " خاص " .
" لم أحب أحداً بعد ! لو حصل فسوف تكون أول من يعلم ! "
مناورات ساذجة كان يفهمها بوضوح . غالباً ، كان يليها السكون ........
غير أن السكون الذي كان يأتي بعدها ، كان فاضحاً ! مقاطع الصمت التي كانت تجلل ذاك السكون ، كانت تشي بالمستور ........ مقاطع الصمت تلك كانت ترخي معطفاً من الوقار ، ينسدل باستحياء شديد ، فوق أنفاسنا المتلامسة بحذر . عندما ينطفىء الكلام ، تطفو الحقيقة على سطح الهواء ، كسمكة تعوم في بحر هادئ . هكذا كانت تعوم زهرة اللوتس المسكونة بالرغبة ........
لقاؤنا ، كان يزهر في السكون ، يتجلى في ردائه الشفاف ، ليعلن عن حقيقته الأصلية . خلف إطار " الصداقة " الصارم ، كانت اللوحة تخفي فضاء لا حدود له من الأحلام ... شساعة لا يحدها خيال الصداقة . حقول من النسيم ، تجري فيها خيول بلون الفضة ، لم يلامسها خيال الصداقة أبداً .........
ما أبعد هذا عن الصداقة ، عزيزتي !
ما أبعد الصداقة عما كنا فيه من هذيان الروح ! من خفقان يشبه قرع الطبول . من تحفز ، يشبه هبوب العاصفة . الفضاء من حولنا كان اضطراباً أحمق . توتر كان يغلفنا ويتململ فينا متصاعداً ليكون من حولنا ملاذاً هشاً لأحاسيسنا ، ملاذاً يشبه فقاعة الصابون ........... المدى من حولنا كان يشتعل بشرر خفيف ، يومض ثم يخبو في الخفاء ........... غيمة من ندف ذلك الوجد المكنون كانت تطفو برفق فوق سماء عالمنا .. تتأرجح بخفة الوجد المتصاعد ، فتنأى قليلاً ثم تعود ، ودون أن تبتعد كثيراً عن مصدر الدفء المهيمن .
هذا الفضاء الساحر ، عزيزتي ، كان جنتي وناري . كنت بأمس الحاجة إليه ، كنت بأمس الحاجة إلى هذه اللحظات ، أكتشف فيها نفسي .............هذا المزيج من الحنان الدافق ، والتألق الحسي ، كان بالنسبة لي ، انبعاثاً ، لروحي ولجسدي ، من سُبات عميق . هذه الأوقات ، كنت أعيشها كأنها انبلاج الصبح في أسطورة حياتي . كنت فيها أتمرد على ذلك الثقل الذي يجذبني إلى الأرض لأطفو على مسامات جلدي ، هنيهات ، وربما خرجت منها أحياناً ، هنيهات ، لألامس شفافية لحظات من الوجود ، آسرة .............
شيء من الأبوة في كلامه ، كان يشعرني بأنني مسيجة بألف وردة . وذلك الارتجاج العنيف من الداخل ، والذي يهز الروح ، يغربل الأحاسيس وينخلها ثم يرمي شرارة وجد في القش المنثور من حولها ليشعل شموسها السخية كلها ، لتزهر فيها ألف أقحوانة ...........
كيف أضع كل هذا في خانة الصداقة ? وأية صداقة هذه التي سوف تقلب كيانك وتجعلك عبدة لها ومملوكة من أطراف أهدابك وحتى مضغة القلب الذي لم يعد يعرف الاستكانة ? أي نفاق هذا بأن ندعي أنها صداقة ? ما أبعد الصداقة ، صديقتي ، عن ذلك الذي كنا فيه .
هذا الوضع ، سوف يتسبب لي بجرح مؤلم لأن كل واحد فينا ، ورغم ما كنا فيه من عشق مؤكد ، ظل محتفظاً بمشاعره لنفسه ، منكراً لها تجاه الآخر ......... يبدو بأننا كنا نشعر بأنها كانت عيباً كبيراً وجب التستر عليه ، حتى من أنفسنا ?
هذا ما سأحدثك فيه في رسالتي القادمة ، حتى ذلك أتمنى لك يوماً هادئاً وإلى اللقاء .
|