الرسالة الثانية كن أول من يقيّم
الرسالة الثانية
الحب المستحيل
عزيزتي صفاء :
جئت اليوم ، لأكمل إليك ما بدأناه من حديث . آتيك دائماً في الصباح مع ركوة القهوة التي أبحث لها عن مكان ، منذ عشر دقائق ، فلا أجده ، بسبب هذا الكم الهائل من الأشياء غير الضرورية المركونة أمامي على المكتب .
..........................................................................................
كنت قد أصبحت بالعشرين ، وكانت الحرب من حولنا لا زالت تبدل أثوابها و تبدي لنا في كل يوم تشرق وتغرب فيه الشمس ، جانباً من وجهها القبيح . ومع أن ما سأحكيه لك هو قصة حبي الأول والتي لا ترتبط مباشرة بالأحداث الدائرة ، إلا أن مزاجي وتحولاتي ، وما تبدى عني من انفعالات ، هو وليد ما كان يحيط بنا من ظروف كانت تنسج من حولنا كخيوط العنكبوت .
لم أعد أذكر بالتحديد كيف نشأت هذه العلاقة الملتبسة . كأنها كانت قد بدأت من دون انتباه مني ? ...... لا شك بأن الإعجاب كان الأسبق فأنا كنت أعرفه منذ زمن طويل ، دون أن أفكر فيه ، أو أن يخطر ببالي بأنه من الممكن بأن تنشأ بيننا علاقة ما أياً كان نوعها . كان صديقنا ورفيقنا منذ وقت طويل ، وكانت خطيبته صديقتنا . المدينة كلها كانت تعرف قصة حبهما التي كانت قد استطالت عشر سنوات بدون نتيجة . الحرب والضائقة الاقتصادية حالت دون زواجهما . كانا يعيشان علاقتهما بحرية ، وهو ما كان وجه الاستثناء بالنسبة لجيلهما ، ومع أن هذا النمط من العلاقات كان مقبولاً في دائرتنا الخاصة ، إلا أنه كان مستهجناً في مدينة محافظة كمدينتنا .
لم يكن الإعجاب الذي كنت أكنه له في السابق حباً ، لكنه ساعد على تأسيس الوهم الذي اخترته لنفسي وبنيت حوله صرحاً من المبالغات، حول : شكله ، دماثته ، أخلاقه ، وذكائه المنقطع النظير ، ولكن خصوصاً حول طيبته ، ونيته الخالصة نحوي .......... صنعت له تمثالاً براقاً تضمنته عاطفتي وأوهامي وكل ما كان يجول في نفسي من رغبات ، وكل ما ورثته من الأفكار والتصورات التي كنت أعرفها عن الرجل المثالي ......... بهذا ، جاءت عاطفتي نحوه مزلزلة ، جارفة كبيرة كبيرة ، بغير حدود .
تلك العاطفة المستبدة ، كانت من صنعي أنا ، وعندما بدأت أشعر بخطورتها وأردت كبحها ، كان المارد قد خرج من قمقمه وأفلت من بين أصابعي . جربت فيما بعد ، أن أستعيض عنها بطرق ملتوية : كأن أحب غيره مثلاً ، أو أن أبتعد وأعمل لنفسي شلة أصدقاء جدد . جربت أن أذهب إلى التعاقد للتدريس ، لأشغل نهاري كله .......... كل هذا جربته لأجل احتوائها ، لكنها كانت تعود في كل مرة بقوة أكبر ، لتفيض عن كياني بعد أن استحلته ، وملأته ، وكان بإمكانها أيضاً أن تملأ السموات والأرض .
كل هذا العنف ، كان يجب أن أجد له مبرراً مقنعاً . نحن دائماً بحاجة لأن نخلق لأنفسنا مبررات مثالية نغلف بها عواطفنا وميولنا . بهذا ، نمنحها شرعيتها . بهذا ، نجعلها متسامية عن حاجات البشر " العاديين " . لذلك ، جعلته بنظري مثالياً ، وحجرت عليه عواطفي ورغباتي التي لا يمكن أن ترضى بأقل من هذا . طبعاً ، عزيزتي ، هذا كله ، هو منه براء . هو على الأرجح لم يكن يعلم ماذا يدور في " رأسي الصغيرة " .
أما الحقيقة ، فهي أنه ، ومنذ أصبح بيننا عمل حزبي مشترك ، وصرنا نرى بعضنا باستمرار ، صارت نظرته إليّ تتغير مع الوقت .
في البداية ، استغربت وتجاهلت الموضوع . ثم صرت أتغاضى عن بعض الابتسامات الغير مبررة والتي بدأت تشغل رأسي المليئة بالأوهام . كنت أراقب اهتمامه بي وأنا أقول لنفسي بأن هذا مستحيل ! لا يمكن أبداً ! هو عاقل ، وشبه متزوج ، وكل الناس تشهد بجديته ورصانته ، ولم يعرف عنه مغامرات في السابق ، فلماذا اليوم ? ومعي أنا بالذات ? ربما أفهم دماثته نحوي على شكل خاطئ ? ربما يستلطفني فقط وهذا كل شيء !
ولما صارت نظراته تتكرر في شد وجذب ، دون أن تكون واضحة ، صارت أفكاري تحوم حولها ، لأجد نفسي ، شيئاً ، فشيئاً ، مشدودة نحوه بخيط من حرير . مزيج من الشك واليقين ، مزيج من الخوف والمتعة ، الذي يضعك تماماً عند الحد الفاصل بين العقل والرغبة ، حيث تتبلبل الأشياء ............... ثم صار وجوده يملأ من حولي فضاء كان بحاجة لمن يشغله . شيئاً فشيئاً ، صرت أتنسم هواءه دون أن أشعر .
نظراته نحوي ، عكرت مياه البحر التي كانت راكدة حتى ذلك الحين . نظراته ، أشعلت بركاناً كان خامداً : سخونة ، تشبه رياح الخماسين ، صفراء ، دافئة ، بدات تهب هادئة ، ثم تتحول رويداً رويداً إلى ريح عاتية تدور في أرجاء نفسي دون أن تجد لنفسها متنفساً أو طريقا . خلال وقت قصير ، صرت أسيرة ذلك الدفء المزلزل . حدث معي أنني ولأول مرة ، أشعر بعيون رجل تقع على جسمي ! عيونه ، كانت تراني كما لم يرني أحد من قبل ، كأنني كنت حتى لحظتها ، خفية عن عيون الرجال . نظراته ، كانت تخترقني وتلتف من حولي و كنت أشعر بحرارتها من دون أن ألتفت ، تتغلغل في ثنايا جسمي واستداراته وكل ما بدا منه تحت بنطلوني الضيق ، تتمرغ فوق جلدي لتوقظ شياطينه كلها .............
العالم كله يصبح وقتها مساوياً لكثافة اللحظة ! العالم كله يصبح قطعة من جسد آدمي ّ!
هكذا كان ، أشعل البركان الذي سوف يحرق أمامه الأخضر واليابس ، حتى صار جسمي هو مركز العالم الذي صرت أعيش فيه . تحفز مستمر ، وانجذاب دائم . هو، كان يشعر بهبوبي هذا ويأكل منه . عيونه كانت تأكل بنهم ، أما جسده ، فلم أكن أعرف عنه شيئاً . كان بعيد المنال .
أعرف بأنه كان يبدو عليه التوتر . حركاته كانت تبدو عصبية فلا يستطيع الركون في مجلسه لوقت طويل . يداه ، كانتا تنطقان بتمردهما وسعيهما الدائم لالتقاط أي شيء من على الطاولة أمامه والعبث به ثم التخلي عنه بعد لحظات .
كان يستدير بكليته لأدنى حركة لا تستدعي الالتفات ، لالتقاط ورقة ، لالتقاط قلم ، يضعه هنا ، يضعه هناك ، يوقعه أرضاً ، ثم يسترده بتأفف مطلقاً نحوه وابلاً من الشتائم ، ليعود ويعتذر عنها في الحال ............. كان يغيب أحياناً ، لثوان داخل أفكاره ثم ، ينتفض فجأة بقوة وكأنه اكتشف للتو بأنه كان بيننا .......
ذلك الانجذاب ، واحدنا للآخر ، كان يشكل من حولنا حقلاً مغناطيسياً تنتقل عبره إشارات غريبة تجعل من هذه الكيمياء السحرية شيئاً ممكناً ، كأن ذرات الجسم كلها تتفكك وتتخفف بفعل جاذبية الآخر فتصبح قادرة على الطيران ، ويصبح الصراع معها لإبقائها داخل حدود الجسد الهامد ، شيئاً عصياً .
هذه الرغبة ،كانت تأكلني ليل نهار . مساماتي كلها كانت مسكونة بتلك الرغبة . توتر فظيع بمجرد أن أخلو إلى نفسي أو أن أفكر فيه ....... كنت أفكر فيه طول الوقت . كل جوارحي كانت مهيئة لاستقباله ، وطول الوقت ................. اجتياح مؤلم وجائر ، إحباط مدمر، هو ذلك الشعور الذي يشبه تفتح الزهرة التي تتوق إلى الشمس والنور ، ولا تجد من حولها إلا الظلمة والعماء .
الليل كان مؤرقاً ، والنهار كان ترقباً ، حتى صار الأمر متعباً وغير محتمل . اللحظات التي كنا نلتقي فيها ، دائماً بين الآخرين ، أو نتحدث فيها بالهاتف ، كانت تزيد من توتري وانفعالي وتمدني بتساؤلات وتهيؤات لا فائدة منها سوى إشغال "رأسي الصغيرة " بتخريفات مصطنعة : كنت أبحث لنفسي عن دور في حياته ، دور يكون مقبولاً ، فمن أكون أنا بالنسبة إليه ?
هكذا عزيزتي ، كانت تمر بنا الأيام . هكذا بقينا ، لوقت طويل بعلاقة ضبابية مؤرقة ، مزعجة ومحجبة بألف قناع .
أتركك الآن لأعود إليك غداً أو بعد غد ، فانتظريني .
|