البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : البنت التي تبلبلت    قيّم
التقييم :
( من قبل 12 أعضاء )

رأي الوراق :

 ضياء  
6 - مارس - 2006

شاعرنا الكبير ، الأستاذ زهير:

ما قرأته في مداخلتك الأخيرة أفرحني، لجهة أنني شعرت بأن غلاظتي قد أثمرت ، هي عكرت ماء اليقين، الذي لا بد من تعكيره من وقت لآخر لكي نزداد يقيناً . وجاء دفاعك على أحلى ما يكون ، بل ليكون مناسبة نتعرف من خلالها على الوجه الآخر للباحث زهير ظاظا ، ونلامس وجوده الإنساني ، وما زادنا هذا إلا تقديراً .

وجودك اليوم في المكان الصحيح يعني الكثير للكثيرين منا الذين تزخر بهم أمتنا ولم يجدوا مكانهم بعد .

نتشوق لمعرفة المزيد والمزيد ، لكني ارتأيت بأن نترك ساحة الفلسفة لكي لا ينقطع حبل النقاش فيها ، ونفتح ملفاً آخراً ، وهذا متروك لتقديرك وما تظنه مناسباً   

 

 كنت قد كتبت رواية صغيرة الحجم ، تحكي قصة بنت مراهقة في زمن الحرب الأهلية اللبنانية . أراها في صميم موضوعنا الفلسفي الذي نتناقش فيه ، لأنها ترمز إلى صراع الإنسان مع أهوائه وانشطاره بين رغبتين . وهي تبرز أيضاً مقاومة الموروث الثقافي ، عندما يكون عميقاً ومتأصلاً ، مع الفكر المكتسب بمظهره الحضاري " التحرري " وما يخفيه من طموحات .   

الرواية اخترت لها عنوان " البنت التي تبلبلت ... " . الحدث ، الذي هو قصة حب فاشلة ، المغرق في عاديته ، اتخذته ذريعة للتوغل إلى الداخلي ، والحميم ، لفهم ما كان يعتمل من نوازع و تغيرات في نفس تلك البنت وعالمها المحيط  من : عائلة ووطن وأصدقاء . هذه البنت كانت تتنازعها رغبتان ، الأولى: الحفاظ على نقائها الفطري، وهو ما نقلته إليها تربيتها وما تشعره في ذاتها  السحيقة . والثانية: رغبتها في الحياة والتكيف مع زمنها ومحيطها وما كانت تدعيه من أفكار عصرية وما يستلزم كل ذلك من تنازلات لا بد منها 

الحكاية تبدأ هكذا :

 

 "البنت تحدث نفسها "

أتذكرين ? تلك البنت التي كنت أعرفها ! ... كانت رقيقة ، نقية ، دمثة الأخلاق ومنذورة لأن تكون أماً مثالية !... هكذا عرفتك ! فما الذي جرى لك ، لكي تتبدلي ? ما الذي حدث لك ، لكي تتبلبلي كالريح ... ? أهو الزمان من أشقاك وغير ألوانك ? وما الذي فعلتِه أنت بنفسك ، لكي أراك ، كأنك القطيع الشاردة : مشتتة ، مبعثرة ، ومنزوعة الروح  ............. ?
 
ستقولين : " ربما هي الحرب التي داهمتني باكراً ، أعدمتني ماء الحياة  ... أربعة عشر عاماً ،  هي عمر الورود ، إعصار الطفولة اللجوجة ، ودفق الشباب الذي لا يطيق الانتظار ... لم   أرها ، ضيعتها بالانتظار ...
 كان العمرجميلاً ، والوقت كان ودوداً : الوطن كان فيروز ، والحب كان فيروز ... . الأهل والأصدقاء ? كانوا بسطاء ، لا يعدون الأيام . حتى حدثت الزلزلة .... ! " .
 
لكني أنا رأيتها لما أقبلت ! هدية الزمان إليك ، لما أقبلت ، كما المهرجان ! كزهوة البستان أشرقت ، فرحت لها بذاك الزمان . ألا تذكرينها كما أذكرها أنا ? أم أنك تتناسين ?
أتذكرين ? جدتك ، لما كانت تغرس شتولها بقرب باب الحديقة ? تضع بذور الحبق =الريحان= في باطن الأرض ، ثم تهيل عليها التراب بكفيها وهي تتمتم :
" بحق الخضرأبو العباس ، تعيش زريعتي وما تيبس ..."
ترددها ثلاث مرات ، تزرعها عند بزوغ هلال القمر ، وتسقيها من بعد الغروب ،  ... كنت تضحكين في سرك وتقولين : " جدتي ، تعيش في الأساطير ! الماضي حكايات ، والحاضر ، دعاء وصلوات .... " . أتذكرين كيف كانت  شتولها بهجة للروح ? مساكب الفل والنرجس ، وأحواض البنفسج والمنتور ، كانت بهجة للروح !.... كانت تشبه أعوامك الأربعة عشرة . أفلا تذكرين ?
 
"الحرب استدامت حروباً " ، تقولين ، " هدمتنا الحرب ! أعادتنا إلى مهدنا الأول ، العراء ! " .
  صحيح ، عزيزتي ، الحرب استطالت ، وعبثاً بحثنا لها عن أسباب ، لكي نحتويها ، لكي نعقلها  . قالوا بأنها كانت حرباً طائفية . قلنا : بأننا انتفضنا  ضد مشروع الانعزالية والصهيونية ....... أبي أقنعنا وقتذاك  بأنها كانت أيضاً (حرب الرأسمالية ضد الطبقات  الكادحة)  وأنها حرب تحرير وثورة اجتماعية ! كان يردد : بأنها تحالف البورجوازية مع الفاشية ، والامبريالية العالمية ضد مصالح الشعوب الفقيرة ، من أندونيسيا ، إلى كوبا وفيتنام ، حتى الجزائر والصحراء الغربية ............  وكان يحفظ اسم لوركا وإلليندي إلى جانب المتنبي وأبي العلاء المعري ويتحدث عنهم بشيء من القدسية ........ هو كان أممياً ، ويحلم بالعدل الاجتماعي والمساواة بين البشر ..........
" يا الله ! كم أحبه أبي ! أمير طفولتي ، وملهم سنواتي الأربعة عشرة . سيبقى لغزاً أبي : كان عروبياً ، لكنه كان لا يكف عن انتقاد عبد الناصر الذي" نكل بالشيوعيين " ، على حد قوله،   "مع أنهم بنوا له السد العالي " ، ........... لكنه بكاه بحرقة شديدة يوم مات !
 
أتذكرين !
يوم استفقت بالصدفة ، ذات صباح ماطر، لتري ذلك المشهد الخيالي : كان الجبل يبكي ! يخفي وجهه بيده ويشهق بقوة ! يستمع إلى المذيع في الراديو الذي كان يبكي بدوره ، ويشهق هو أيضاً .... باليد الأخرى ، كان يحمل سيكارة تكاد تحرق أصابعه ....... اليد التي كان يلبس فيها ساعته الفاخرة التي طالما أثارت إعجابك ! أتذكرين ?
" لن أفهمه أبداً أبي ! لن أفهمه " .
عشرة أعوام مرت بعدها ......... رأيتِه مرة أخرى يتنقل، كالحجل ، بين ركام بيتكم الذي هدمته الحرب . يبحث عن بعض الصور ينتشلها من بين الأنقاض :
" أوف ، أوف ، ولَكْ معَوَّدْ على الفجعات قلبي ... " ، كان يغني !
" يبدو أنها طقوس يا أبي ! طقوس اخترعناها ونعيد تمثيلها في كل مرة لنستعيد بها الفاجعة . طقوس ، نهدي فيها القرابين إلى آلهة الموت والدمار ! "
..............................................................................
 
لن تذكري رائدة الفضاء السوفياتية . لكن أمك سوف تذكرها لك بنشوة لو سألتِها عن الرفيقة ذات العيون الزرقاء الباردة التي صعدت إلى سطح القمر .
" آه يا جدتي ، لو تعلمين ، بأنهم في بلاد الرفيقة ذات العيون الزرقاء، قد أنبتوا القطن ملوناً في سفوح " التوندرا "على اسم " لينين العظيم " ، وأن تقريرها عن زيارتها للقمر يفيد بأنه كومة أحجار لا تنفع ولا تضر ."

يومها ، كان أبوك قد اصطحب أمك معه لاستقبال الزائرة الاستثنائية . كل الرفاق كانوا قد اصطحبوا زوجاتهم ......... يومها ، قال أبوك لأمك ، باستحياء شديد ، وبعد تردد طويل :
" بإمكانك أن تنزعي الغطاء عن رأسك لو أردت " .
لم يكررها مرتين . ورغم أن أمك لا تعرف شيئاً عن الاضطهاد الطبقي ، ورغم أنها لم تعد تذكر شيئاً مما قالته الرفيقة عن دور المرأة في حركة التحرر العالمي ، إلا أنها انتزعته إلى غير رجعة ، همها كان ، أن تشبه " أسمهان " و " ليلى مراد " بتسريحتها الجديدة .

 1  2  3  4 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
مذكرات 2    كن أول من يقيّم
 

 

أشكر شاعرنا الكبير على هذه المنمنمة الرائعة التي تعزف موسيقى أندلسية . أظنها درة أدبية وليس فيها من العوامات إلا البريق .

أشكر الأخ النويهي على تشجيعه المستمر .

سأكمل ههنا ما كنت بدأته :

 مذكرات 2

 

                                                    تقنيات اللقاء

 

 

  لا أقرأ ، لا أدرس ، لا أعمل ، لا أرتاح ، لا أحلم . أثرثر قليلاً ، وأضجر كثيراً ، كثيراً .....

..................................................................................................

 

  اليوم ، رأيت أميري !  يا للنكسة ، ما كان أتعسه من لقاء ........

 

  ما أتعسني في هذه الحكاية ! أنا لا أفهم هذا الإنسان : طلب بأن يراني ويتحدث معي . ولما ذهبت   للقائه ، صار يناقشني في أوضاعي ، ويحدثني عن دراستي . طلب مني بأن لا أترك  " دار المعلمين "  "هو أضمن من الجامعة " برأيه . نصحني أيضاً بأن أعمل دورة إنكليزي ، الفرنسي لم يعد نافعاً ، قال .......... استمعت إليه بضجر .... لا أعرف كيف يفكر هذا الناصح ، يختلق الأعذار لكي يراني ، ثم ما أن نصبح معاً ، حتى يبدأ بتصنع دور الفقيه العالم . لا يبادلني شيئاً من اللطافة ! ولا أي كلمة حلوة ترضيني . يكلمني كأنه أبي ! هو أكبر مني بعشر سنوات ، لكنه ليس أبي . لست بحاجة لأب آخر ?

 

  أنا  بدوري ، لا أبدي شيئاً من اللطف نحوه . أستمع إلى وعظه دون حماس ، أعامله بجفاء وتحفظ بينما أنتظر منه الكثير الكثير من الحب .............. هذا سخف ، أحلم بالمستحيل !

 

  اليوم بعد الظهر ، توترت الحالة الأمنية من جديد ، قاموا بتفجير ما كان مكتباً لقوات الصاعقة بالقرب من بيتنا ، ثم توتر الوضع الأمني على إثرها ........ هذا يعني حبس في البيت إلى ما شاء الله ......... لا أعلم كم من الوقت سوف أنتظر لكي أراه من جديد .

 

  لما كلمته ، في هذا الصباح ، سألني متصنعاً المزاح ، إذا كنت قد اشتقت إليه ? 

  ـ " لا ، لِمَ ? " قلت بتعجب . 

 

 كنت قد انتظرت خمسة أيام قبل أن أكلمه ، حتى تفتق ذهني عن حجة لا يمكنه أن يشك فيها إطلاقاً . هكذا حسبت . إلا أنه قال بأنه يريد بأن يراني ،" لي معك حديث " قال .

 

 ـ " لا أرغب بالخروج " ، أكدت . ثم، لا أعرف كيف غيرت رأيي  وذهبت للقائه في نفس الساعة .

 

  أنا أغبى واحدة على هذه الأرض !

 

  

*ضياء
16 - مارس - 2006
الرسالة الثانية    كن أول من يقيّم
 

 

 

الرسالة الثانية

                                       

الحب المستحيل 

عزيزتي صفاء :

 

  جئت اليوم ، لأكمل إليك ما بدأناه من حديث . آتيك دائماً في الصباح مع ركوة القهوة التي أبحث لها عن مكان ، منذ عشر دقائق ، فلا أجده ، بسبب هذا الكم الهائل من الأشياء غير الضرورية المركونة أمامي على المكتب .

..........................................................................................

 

  كنت قد أصبحت بالعشرين ، وكانت الحرب من حولنا لا زالت تبدل أثوابها و تبدي لنا في كل يوم تشرق وتغرب فيه الشمس ، جانباً من وجهها القبيح  . ومع أن ما سأحكيه لك هو قصة حبي الأول والتي لا ترتبط مباشرة بالأحداث الدائرة ، إلا أن مزاجي وتحولاتي ، وما تبدى عني من انفعالات ، هو وليد ما كان يحيط بنا من ظروف كانت تنسج من حولنا كخيوط العنكبوت .

 

  لم أعد أذكر بالتحديد كيف نشأت هذه العلاقة الملتبسة . كأنها كانت قد بدأت من دون انتباه مني ? ...... لا شك بأن الإعجاب كان الأسبق فأنا كنت أعرفه منذ زمن طويل ، دون أن أفكر فيه ، أو أن يخطر ببالي بأنه من الممكن بأن تنشأ بيننا علاقة ما أياً كان نوعها . كان صديقنا ورفيقنا منذ وقت طويل ، وكانت خطيبته صديقتنا . المدينة كلها كانت تعرف قصة  حبهما التي كانت قد استطالت عشر سنوات بدون نتيجة . الحرب والضائقة الاقتصادية حالت دون زواجهما . كانا يعيشان علاقتهما  بحرية ، وهو ما كان وجه الاستثناء بالنسبة لجيلهما ، ومع أن هذا النمط من العلاقات كان مقبولاً في دائرتنا الخاصة ، إلا أنه كان مستهجناً في مدينة محافظة كمدينتنا .

  

لم يكن الإعجاب الذي كنت أكنه له في السابق حباً ، لكنه ساعد على تأسيس الوهم الذي اخترته لنفسي وبنيت حوله صرحاً من المبالغات، حول : شكله ، دماثته ، أخلاقه ، وذكائه المنقطع النظير ، ولكن خصوصاً حول طيبته ، ونيته الخالصة نحوي .......... صنعت له تمثالاً براقاً تضمنته عاطفتي وأوهامي وكل ما كان يجول في نفسي من رغبات ، وكل ما ورثته من الأفكار والتصورات التي كنت أعرفها عن الرجل المثالي  ......... بهذا ، جاءت عاطفتي نحوه مزلزلة ، جارفة كبيرة كبيرة ، بغير حدود .

 

  تلك العاطفة  المستبدة ، كانت من صنعي أنا ، وعندما بدأت أشعر بخطورتها وأردت كبحها ، كان المارد قد خرج من قمقمه وأفلت من بين أصابعي . جربت فيما بعد ، أن أستعيض عنها بطرق ملتوية : كأن أحب غيره مثلاً ، أو أن أبتعد وأعمل لنفسي شلة أصدقاء جدد . جربت أن أذهب إلى التعاقد للتدريس ، لأشغل نهاري كله .......... كل هذا جربته لأجل احتوائها ، لكنها كانت تعود في كل مرة بقوة أكبر ، لتفيض عن كياني بعد أن استحلته ، وملأته ، وكان بإمكانها أيضاً أن تملأ السموات والأرض .

 

  كل هذا العنف ، كان يجب أن أجد له مبرراً مقنعاً . نحن دائماً بحاجة لأن نخلق لأنفسنا مبررات مثالية نغلف بها عواطفنا وميولنا . بهذا ، نمنحها شرعيتها . بهذا ، نجعلها متسامية عن حاجات البشر " العاديين " . لذلك ، جعلته بنظري مثالياً ، وحجرت عليه عواطفي ورغباتي التي لا يمكن أن ترضى بأقل من هذا . طبعاً ، عزيزتي ، هذا كله ، هو منه براء . هو على الأرجح لم يكن يعلم ماذا يدور في  " رأسي الصغيرة " .

 

  أما الحقيقة ، فهي أنه ، ومنذ أصبح بيننا عمل حزبي مشترك ، وصرنا نرى بعضنا باستمرار ، صارت نظرته إليّ تتغير مع الوقت .

في البداية ، استغربت وتجاهلت الموضوع . ثم صرت أتغاضى عن بعض الابتسامات الغير مبررة والتي بدأت تشغل رأسي المليئة بالأوهام . كنت أراقب اهتمامه بي وأنا أقول لنفسي بأن هذا مستحيل ! لا يمكن أبداً ! هو عاقل ، وشبه متزوج ، وكل الناس تشهد بجديته ورصانته ، ولم يعرف عنه مغامرات في السابق ، فلماذا اليوم ? ومعي أنا بالذات ? ربما أفهم دماثته نحوي على شكل خاطئ ? ربما يستلطفني فقط  وهذا كل شيء !

 

  ولما صارت نظراته تتكرر في شد وجذب ، دون أن تكون واضحة ،  صارت أفكاري تحوم حولها ، لأجد نفسي ، شيئاً ، فشيئاً ، مشدودة نحوه بخيط من حرير . مزيج من الشك واليقين ، مزيج من الخوف والمتعة ، الذي يضعك تماماً عند الحد الفاصل بين العقل والرغبة ، حيث تتبلبل الأشياء   ...............  ثم صار وجوده يملأ من حولي فضاء كان بحاجة لمن  يشغله .  شيئاً فشيئاً ، صرت أتنسم هواءه دون أن أشعر .

 

  نظراته نحوي ، عكرت مياه البحر التي كانت راكدة حتى ذلك الحين . نظراته ، أشعلت بركاناً كان خامداً : سخونة ، تشبه رياح الخماسين ، صفراء ، دافئة ، بدات تهب هادئة ، ثم تتحول رويداً رويداً إلى ريح عاتية تدور في أرجاء نفسي دون أن تجد لنفسها متنفساً أو طريقا . خلال وقت قصير ، صرت أسيرة ذلك الدفء المزلزل . حدث معي أنني ولأول مرة ، أشعر بعيون رجل تقع على جسمي ! عيونه ، كانت تراني كما لم يرني أحد من قبل ، كأنني كنت حتى لحظتها ، خفية عن عيون الرجال .  نظراته ، كانت تخترقني وتلتف من حولي و كنت أشعر بحرارتها من دون أن ألتفت ، تتغلغل في ثنايا جسمي واستداراته  وكل ما بدا منه تحت بنطلوني الضيق ، تتمرغ فوق جلدي لتوقظ شياطينه كلها .............

 

  العالم كله يصبح وقتها مساوياً لكثافة اللحظة ! العالم كله يصبح  قطعة من جسد آدمي ّ!

 

  هكذا كان ، أشعل البركان الذي سوف يحرق أمامه الأخضر واليابس ، حتى صار جسمي هو مركز العالم الذي صرت أعيش فيه .  تحفز مستمر ، وانجذاب دائم . هو، كان يشعر بهبوبي هذا ويأكل منه . عيونه كانت تأكل بنهم ، أما جسده ، فلم أكن أعرف عنه شيئاً . كان بعيد المنال .

 

  أعرف بأنه كان يبدو عليه التوتر . حركاته كانت تبدو عصبية فلا يستطيع الركون في مجلسه لوقت طويل . يداه ، كانتا تنطقان بتمردهما وسعيهما الدائم لالتقاط أي شيء من على الطاولة أمامه والعبث به ثم التخلي عنه بعد لحظات .

كان يستدير بكليته لأدنى حركة لا تستدعي الالتفات ، لالتقاط ورقة ، لالتقاط قلم ، يضعه هنا ، يضعه هناك ، يوقعه أرضاً ، ثم يسترده بتأفف مطلقاً نحوه وابلاً من الشتائم ، ليعود ويعتذر عنها في الحال ............. كان يغيب أحياناً ، لثوان داخل أفكاره ثم ، ينتفض فجأة بقوة وكأنه اكتشف للتو بأنه كان بيننا .......

 

  ذلك الانجذاب ، واحدنا للآخر ، كان يشكل من حولنا حقلاً مغناطيسياً تنتقل عبره إشارات غريبة تجعل من هذه الكيمياء السحرية شيئاً ممكناً ، كأن ذرات الجسم كلها تتفكك وتتخفف بفعل جاذبية الآخر فتصبح قادرة على الطيران ، ويصبح الصراع معها لإبقائها داخل حدود الجسد الهامد ، شيئاً عصياً .

 

  هذه الرغبة ،كانت تأكلني ليل نهار . مساماتي كلها كانت مسكونة بتلك الرغبة . توتر فظيع بمجرد أن أخلو إلى نفسي أو أن أفكر فيه ....... كنت أفكر فيه طول الوقت . كل جوارحي كانت مهيئة لاستقباله ، وطول الوقت ................. اجتياح مؤلم وجائر ، إحباط مدمر، هو ذلك الشعور الذي يشبه تفتح الزهرة التي تتوق إلى الشمس والنور ، ولا تجد من حولها إلا الظلمة والعماء .

 

  الليل كان مؤرقاً ، والنهار كان ترقباً ، حتى صار الأمر متعباً وغير محتمل . اللحظات التي كنا نلتقي  فيها ، دائماً بين الآخرين ، أو نتحدث فيها بالهاتف ، كانت تزيد من توتري وانفعالي وتمدني بتساؤلات وتهيؤات لا فائدة منها سوى إشغال  "رأسي الصغيرة " بتخريفات مصطنعة : كنت أبحث لنفسي عن دور في حياته ، دور يكون مقبولاً ، فمن أكون أنا بالنسبة إليه ?

 

هكذا عزيزتي ، كانت تمر بنا الأيام . هكذا بقينا ، لوقت طويل بعلاقة ضبابية مؤرقة ، مزعجة ومحجبة بألف قناع .

 

أتركك الآن لأعود إليك غداً أو بعد غد ، فانتظريني .

 

*ضياء
16 - مارس - 2006
بياعة الورد    كن أول من يقيّم
 

وبـيـاعـةٍ  للورد يُحييكَ iiوجهُها بـمـا  فـيه من وردٍ عليكَ iiمسلّم
تـرى الـفن كل الفن في iiحركاتها إذا  شرعت في ضم غصن iiلبرعم
على عينها إذ ترصف الورد iiغبطةٌ ورعـشـةُ  فـنـانٍ ورجفةُ iiملهَم
ومـا  كـنت منها عارفا غير iiأنها إلـى  الورد من كل الخليقة iiتنتمي
دعـانـي  إلـيـهـا خلها iiفأتيتها أجـادلـهـا  فـي ديـنها iiالمتهدم
ومـا  هـو في الإسلام شيخٌ وإنما يـريـد  يـزيـد المسلمين iiبمسلم
رويـتُ  لـها في البدء قصة iiإيليا ولـيـس بـإيـلـيا النبي iiالمكرم
ولـكـنـه  في جلق الشام iiراهبٌ سـمـعـنا  له فيها أحاديث iiمفحم
يـنـصّـر بالقرآن غمراً iiوجاهلاً مـدلاً  بـبـرهان من الآي iiمحكم
فـلـمـا  أتاني أمره قمت مسرعاً بـصـحـبـة خدن بالأوابد مغرم
دعـانـا إلـى عيسى بهدي iiمحمدٍ فـقـلـت لـه: لا فُضّ فوك iiتكلَّم
فـهـا  هـو إنجيل المسيح وإنني لأتـلـوه فـي جنح الظلام iiالمخيم
فـقـال:  ولكن ربما كنت iiمخطئاً بـفـهـم  تـعاليم المسيح iiالمعظم
حـلال  لـه يـتلو كما شاء iiديننا حـرام عـلـيـنا: يا له من iiمعلم
وقـال:  وهل  أدخلته القلب iiأولاً فقلت: مسيحي في فؤادي وفي دمي
فـقـال:  إذا أخرجت منه iiمحمداً يـصـح  وإلا أنـت في فك iiأرقم
فـلـيس  يجوز الجمع بينهما iiمعاً فـقـلـت له: لا، بل يجوز iiلمسلم
لـقـد  كـنتَ محتجاً بهدي iiمحمدٍ فـمـا  لك فيه طاعناً طعنَ iiمجرم
وبـتـنا  طوال الليل يرمي iiبأسهمٍ عـلـى  وجه آبائي وأرمي iiبأسهم
كـلانـا تـولـته الشيوخ فأحدثوا بـه وكـلانـا ظـفـرُهُ لـم iiيقلَّم
وحـيـن  فـرغنا من حكاية iiإيليا رجـعـنا  إلى ذات البنان iiالمعندم
وكـان ضـيـاعاً أن أخاطبها iiبما تـقـصّـر  عـنـه قدرة iiالمتعلم
إذا  رُمـتُ أدعـوها تذكرتُ iiفنها وحسناً  كمثل النمر يمسك معصمي
وكـم فـي لماها من خيال iiوقصة وفـي  شفتيها من زبيب iiوحصرم
ولابـد مـن أن الـحـكيمة تلتقي جـراحـاً  من الدنيا ولكن iiبمرهم
فـقـلـت لـهـا أن آمني iiبمحمد ولا تـتركي الإنجيل كفراً iiفتظلمي
وإن تحملي الإنجيل في صدق قوله بـعـيداً عن الرأي المفسر iiتسلمي
ولا تـحـسبي القرآن قصة iiكاتب فـمـا  لك في عرفانه من iiمترجم
فـقـالـت:  ولكن لستُ بالله iiكله مـصـدقـةً، ما قلته غيرُ iiملزمي
فـقـلتُ  لخلي: قد أضعنا مساءها فـدعها على دين المسيح بن iiمريم

*زهير
16 - مارس - 2006
مذكرات 3    كن أول من يقيّم
 

 

 

أين البديل ? 

 

 

 

  يا إلهي ! ما الذي أفعله !

 

   اليوم أمضيت أغلب وقتي في الجامعة . ضحكنا وتسلينا كثيراً مع أصدقائي الجدد خارج أوقات المحاضرات .  هناك من يغازلني في هذه الشلة ولقد أسميته "بالبديل ". هو لطيف ومؤدب ويناسبني تماماً .......  لمَ أتركه يحلم ? لمَ لا أحبه عن جد ?

 

   الآن أشعر بالضيق .

 

   صفنا له رأسان : الأول ، من لقبناه "بمكتبة البغدادي" على اسم مكتبة أبيه . كأنه قد ولد فيها ، أو كأن أمه كانت تطبخ لهم الكتب في الحلة ، بدلاً من الخضار . هويحفظها كلها عن صفحة قلبه . يتهيأ لنا بأنه يمكننا بأن نفتح رأسه ونقلب فيها عن صفحات الطبري وابن خلدون ورسالة الشافعي والكتاب الذي نريد في الفقه و التفسير و الصرف والنحو أو في التاريخ  ........غير أنه جاف ومتزمت ولا يعير دفتره لأحد .

 

  الثاني ، إلياس ، موسوعة في اللاهوت وتاريخ الديانات والمجامع المسكونية . وله دراية كبيرة في فلسفات القرون الوسطى والقديس أوغسطين وتوما الأكويني وكل ما سبق وتلا الثورة الفرنسية من تنظيرات لاهوتية .... لكن عصر النهضة يبقى مجاله المفضل . مأساته أننا برأيه ندرس الفلسفة على طريقة الأزهر : فقه ، تصوف ،فلسفة إسلامية ، علم كلام ، هذه كلها برأيه مادة واحدة . نحن بالكاد نعرف شيئاً عن الفلسفات الحديثة ، يقول، فكيف سنعرف ماذا يجري في العالم ? ثم لم لا ندرس اللاهوت المسيحي ?  يتساءل ......... هو أيضاً لا يعير دفتره لأحد .

 

  البغدادي يقول : البرنامج مبتور ، لا يوجد فيه علوم القرآن والحديث ، وليس فيه مادة اللغة العربية كأساس لا بد منه . دون علوم اللغة لن نفهم شيئاً . 

 

 يتناطحان طوال الوقت ، بهدوء أحياناً و ببعض العصبية أحياناً أخرى . ما يعرفانه يتجاوز غالباً معرفة الأساتذة بكثير، لذلك هم يتحاشون نقاشاتهم خلال المحاضرات. أما ما بيننا وبينهم ، فمسافات شاسعة تفصلنا . غير أنه ، لما يمتد نقاشهم هذا إلى خارج الصف فإننا كثيراً ما ننقسم تلقائياً إلى فريقين، كل بحسب انتمائه .  

 

  صديقتي " آليسار" تحب شاباً مسيحياً . هما مرتبطان منذ المرحلة الثانوية وتكاد تقع مذابح بين العائلتين بسبب هذه العلاقة . هي مصرة على موقفها وتتحدى الجميع ولا تريد بأن تتزوج غيره . عمومتها لهم سطوة وهيبة والكل يرهبهم في منطقتهم إلا هي . هو الآن مسافر في أميركا ، وأتى اليوم في زيارة . هي من أرسله إلى هناك ليتمكن من إيجاد إقامة وعمل في ذلك المكان المحايد . سيرسل لها لتلحق به بمجرد أن يستقر وضعه . هكذا وعدها ، هكذا حكت لي وهي تحدثني عنه في كل يوم وتروي حكايتها التي تشبه إلى حد كبير حكاية " عنتر وعبلة " حتى اقتنعت فعلاً بانه فارس " بني عبس" . اليوم تعرفت إليه وأخشى أنني فهمت ما لم تفهمه " آليسار "  كيف لها بأن تفهمه وهو أميرها ? !   ..... بدا لي متورطاً بهذه العلاقة دون أن يكون له أية كلمة يقولها . يبدو أنه إنسان مسالم ولا يحب المشاكل بل ويتحاشى المواجهات . " آليسار " كانت تتكلم في هذه الجلسة بحماس واندفاع كبيرين . كل ما قالته كان باتاً ، مقرراً ، ولا يقبل النقاش . بدا لي مذعناً ولكن بدون كبير اقتناع .

 

  يا إلهي !  من منا يستطيع الدخول إلى عقل الآخر ليعرف كيف يفكر ? 

 

  ما أعمانا عن الحقيقة وهي تعيش بقربنا ، تأكل وتشرب من حمقنا وبلادتنا . ربما كان من الأفضل أن نظل نجهل حقيقة الأشياء لكي نظل نحب ، ونحلم ، ونتمنى . ضعفنا وشوائبنا ، هي الخمير الذي يخلط بالعجين . لولاها ، لتوقفت الحياة عن الدوران ، لولاها لعقمت .

 

خيالنا  رحم الوجود . رغباتنا  ماء الحياة !

 

 

 

 

 

 

*ضياء
18 - مارس - 2006
الرسالة الثالثة    كن أول من يقيّم
 

                                            

 

 

                   الحب الكبير

 

   عزيزتي صفاء:

 

  عندي عمل كثير اليوم لكنني قررت تأجيله إلى ما بعد القهوة وجلستنا الصباحية .

 

  لقاءاتي بأميري ، لم تكن تتجازو إطار الصداقة الذي رسمناه لأنفسنا . وخلوتنا الخاصة ، كانت نزهات بالسيارة ، على الطريق الساحلية التي نادراً ما كنا نبتعد عنها . طريق سهلية بموازاة البحر جنوباً ، وحتى  "حاجز البربارة " الذي كان أبعد نقطة ممكن الوصول إليها في ذلك الحين . ثم ، نعود أدراجنا ، على مهل ، لأن الوقت كان يمضي سريعاً ، بشعور يشبه شعور الأولاد بعدما تتوقف " المرجوحة " ، ويصير لزوماً بأن ينزلوا منها .

 

  بدأت تلك الرحلات بأن كان يقترح أحياناً توصيلي إلى البيت . ثم صارت الطريق إلى بيتنا تطول بقدر ما أخذت الأحاديث بيننا تتعمق وتتواصل بمتعة غريبة . ثم تحولت رويداً رويداً إلى تلك النزهات البحرية الحميمة ، يرافقنا خلالها صوت " فيروز " في مسجل السيارة ، ونسائم دافئات غنمناها أحياناً من عطاء البحر الكريم .

 

  صيفاً  ، شتاءً ، زرعنا تلك الطريق بمشاويرنا ، وهي لحظات الدفء الوحيدة التي نجت من إعصار تلك العلاقة المضنية . لحظات من السلام نادرة في خضم ذلك البحر الهائج .

 

  أحاديثنا بمجملها كانت تدور عن أخبار الجامعة والرفاق . كنا نتندر بقصصهم وأحوالهم ، ونحلل شخصياتهم ، ونتمازح في تعليقات من هنا وهناك .......... كنت أكتشف معه جوانب لم أكن أعرفها في البشر، لأنه كان أكثر خبرة واطلاعاً مني . ورغم أنه كان يظل حذراً ومتحفظاً في حديثه ، فلا يجرّح بأحد أو يبالغ في الحكم عليه ، ولا يقول أكثر مما يتوجب الحديث ، إلا أنه كان كريماً جداً في شتائمه ، يغدقها بدون تردد ، على من يستحق أومن لا يستحق ، تحبباً منه أحياناً . تلك الشتائم كانت هي لحظة التراخي الوحيدة في حديثه المضبوط تماماً .......  كنت أشعر دائماً بأنه يعرف أكثر مما يقول ، بينما كنت أنا أقول أكثر مما أعرف . صراحتي وبداهة أحاسيسي ، كانت تعطيني مصداقية خاصة أتجاوز بها الحدود والمسافات التي كانت تفصلنا عن بعضنا . حواجز كثيرة منها حرص بشدة على أن لا أتخطاها ، إلا أن مساحات شاسعة منها كانت تتهاوى أمام سذاجتي الأفلاطونية .

 

  كانت حرباً بلا هوادة ، بين عقله الصارم ، وسليقتي الفطرية ، كنت أتجرأ فيها على كل المواضيع حتى تلك التي لم أكن أعرف عنها شيئاً .

 

  كنا نتكلم كثيراً بالسياسة ، ورغم معرفتي القلية بالقياس معه إلا أن موقفي من الأمور ظل واضحاً بدون لبس، لأن علاقتي بها كانت دون طموح .

 

  أحياناً ، كنا نتكلم في العلاقات الدائرة حولنا ، ومن خلال أحاديثنا عن الآخرين كنا نفصل وجهة نظرنا . كنت أتكلم بجرأة جعلته يظن بادئ الأمر بأنني صاحبة تجربة ، لكن صراحتي كانت في الحقيقة تشبه شجاعة الطفل الذي لا يقدر حجم الخطر لأنه لم يجربه بعد . علاقاتي الحميمة ، عشتها في الخيال فقط ، والحب بالنسبة لي كان قصة رومانسية " كروميو وجولييت " . في أعماقي ، كنت أعتقد بالحب الكبير الذي لا يقهر ، وبأن الإنسان يحب مرة واحدة في حياته يعيش عليها العمر كله . صدقاً ، لم يكن باستطاعتي تخيل شيء آخر .

 

  دهشته كانت كبيرة عندما صار يتكشف له بأنني كنت ملاكاً ، لا زلت ! أأقول خيبته ربما ? على أية حال كانت مفاجأة لم يكن يتوقعها ولم يكن ليفهم ذلك طالما أنه كان بإمكاني أن أعيش حياتي " بحرية " :

 

" لم أحب أحداً بعد ! " ، قلت كأنني أبرر ذنباً اقترفته .

 

" لا يوجد حب كبير ، الإنسان ممكن أن يحب مرة واثنتين وثلاثة ، وهو في كل مرة سوف يظن بأنه الحب الكبير . " ، قال .

 

  لم أقتنع ، حالتي وما كنت أعيشه كانت تؤكد لي بأن هذا غير ممكن . ما كنت أشعر به في داخلي نحوه كان كل طاقة الحياة وما دونها هو الموت فكيف نحيا و نموت مرة واثنتين وثلاثة ? لم أقتنع .

 

  اليوم ، عزيزتي ، وبعد أكثر من عشرين سنة ، لا زلت أتساءل ، من منا كان على حق ? : صحيح أن الإنسان يحب أكثر من مرة في حياته ، ولكن لو نظرنا إلى شريط حياتنا من بعيد ، أفلا نجد بأن الحب الكبير سوف يبقى بارزاً فيها تماماً ، كما الهرم الكبير بجانب الأهرامات الصغيرة ?

 

  سوف أتركك الآن  ، وأعود إليك في أقرب فرصة . حتى ذلك ، كوني بخير ، وإلى اللقاء .

 

 

*ضياء
18 - مارس - 2006
سقوط بغداد    كن أول من يقيّم
 

لـليانُ  وَجْهُكِ ضاع من iiإهمالي كـابـدتُ  أذكـرُهُ فخاب iiخيالي
كـم  ذا اتصلتِ فما رَدَدتُ تهرّباً مـن  أن أهينك في صفاقة حالي
كـتب  الزمان عليك أن iiلاقيتني والـمـبـكـياتُ جميعهنَّ iiقِبالي
والـدهـر  يـفتك بالأحبة iiكلهم ويـحـطِّـمُ  البؤساءَ غيرَ iiمُبال
مـا  كـان يوجد للصبابة iiفسحةٌ وأنـا  أشـيِّـعُ آخـرَ iiالآمـال
لا  تـحـسبي أني نسيتك iiمطلقاً فـبـريق صدرك ما يزال iiببالي
مـا  زال في رأسي دوارُ iiسعادةٍ مـن  خمس شامات هناك iiوخال
أتـعـيـنني  الدنيا فأغسل iiمرةً قـدميك  من كفري ومن iiأوحالي
قـال الـعذول هدمت مجدك iiكله كـذب الـجبانُ فليس من iiعذالي
خـلّـيتُ عرشَ المجد آخرَ iiمرةٍ لـمـا رمـيـتُ بوجهه iiأسمالي
وأنـا أقـدّر كـيف أبقى iiشامخاً وأذودُ  عـن شرفي وعن iiتمثالي
وأنـا عـلى علمٍ متى أضع iiالقنا ومـتـى أعـدُّ أظـافرَ iiالأبطال
عـشـرون  عاما ليلها iiونهارها وأنـا  أجـرجـر بينكم iiأغلالي
عـشـرون عاما هنَّ كلُّ iiفتوتي وشـبـيـبتي ووسامتي iiوجمالي
عشرون عاما في الرماد ولم iiأزل فـي  الـدين معدودا من iiالجهال
حـتـى  متى أجتر دمع iiشبيبتي ومـرارة  الأيـام فـي iiأوصالي
وأرى  الفضيلة تستباح ولا iiأرى غـيـر  الـدموع بأعينِ الأقيال
وأمـامَ  عـيـني يهتكون iiثيابها وبـأم  عـيني أشهد iiاضمحلالي
ويـلاه يـا تـلـك القلاع سليبةً كـم فـيـك من قذرٍ ومن iiسلال
لـن  أترك الأقطابَ في iiكرسيها حـتى  تجيب على جميع سؤالي
لـمَ  تكتمون على العباد جراحهم وتـتـاجـرون  بسوقة iiوموالي
لـمَ  تـقـمعون الواثقين iiبحبهم وتـدمـرون  بـراءة iiالأطـفال
لـم  تـخنقون طموحها في مهده وتـمـارسـون  سياسة iiالإذلال
ليست  أساطير الشعوب iiرخيصة حـتـى  تـبـيع خيالها iiبخيال
والله  لا أخشى على ولدي الردى مـقـدار ما أخشى عليه iiضلالي
يـا خـيـبة المسعى إذا iiجرعته فـي الدهر ما كابدتُ من iiأهوالي
عـن  أي إخـلاص وأي iiكرامة تـتـحـدثـون  لـهذه الأطلال
يـا  ناسُ يا هُوْ يا عوالمُ يا iiسما يـا  أرضُ يا دنيا اسمعي iiلمقالي
هـذا  الـسؤال النذلُ فرّقَ iiبيننا ورمـى  بـعـالـمنا إلى iiأنذال
لـن  يـنتهي هذا السؤال iiمدمراً فـيـنـا،  وتـلك مغبة الإهمال
بغداد بعدك ضاع وجهي iiوانطفى لـوني  وأصبح كالرجيع نضالي
ورخصتُ حتى إن أرخص ساقط يـحنو  علي، وليس بعدك iiغالي

*زهير
19 - مارس - 2006
أبدعت فناً ومعنى    كن أول من يقيّم
 

 

يا أستاذ زهير ، أنت تقول كلاماً رائعاً لم أسمع مثله منذ زمن طويل . كلامك يحفر في القلب ويدميه ، فالقلب فينا محتقن بالوجع . قانون الحياة لا يحمي المغفلين ولا بد أن نعي يوماً بأن كرامتنا لن تمنح لنا هبة من أحد ، وأن ثمنها غال غال ولم يعد يحتمل منا ذرة من النفاق .

أحب هذا الكلام كثيراً :

ليست  أساطير الشعوب iiرخيصة حـتـى  تـبـيع خيالها iiبخيال
والله  لا أخشى على ولدي الردى مـقـدار ما أخشى عليه iiضلالي

*ضياء
19 - مارس - 2006
شكرا    كن أول من يقيّم
 

شـكـرا ضياء على حنوك iiمرةً أخـرى،  وشكرا للدموع iiشموعا
لـم  تعرفي جرحي ولو iiشاهدتِه لـجـعلتِ منه لعالمي iiموضوعا
وأنـا  مـصرٌّ أن أعيش iiمكرّماً ومـصـممٌ  أن لا أموت iiخَنوعا
فـتـشت في تلك القواقع لم iiأجد مـا  يـزعمون أصالة iiوسطوعا
وأبـيـت مـهما كلفتني iiغيرتي أن أسـتـمـر مـحطما مقموعا
وعـلام يـمـنعي الكلام iiمشعبذ يـمـلـي  عليّ كلامه المرقوعا
سأظل أصرخ حين يخطب هازياً كـيـلا  يـكون كلامه iiمسموعا

 

*زهير
19 - مارس - 2006
أول بنت تبلبلت في الإسلام    كن أول من يقيّم
 

أول بنت تبلبلت في الإسلام كانت خولة بنت ثعلبة (ر) وهي التي خلدها الله تعالى في سورة نزلت  بتأييدها في شكواها ضد رسول الله (ص). وليس ضد زوجها كما هو شائع. وإليك تفاصيل القصة ملخصة من تفسير القرطبي:
لما ألقى أوس بن الصامت بالظهار على زوجته خولة =وهي ابنة عمه ثعلبة=، شكته إلى النبي (ص) فكان جواب النبي: (ما أراك إلا قد حرمت عليه).
فقالت: يا رسول الله! قد نسخ الله سنن الجاهلية !
فقال رسول الله (ص): (ما أوحي إلي في هذا شيء).
فقالت: يا رسول الله, أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا?!
فقال: (هو ما قلت لك) .
فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله.
أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني, فقال: (حرمت عليه) فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)

توضيح: وكان رفض خولة لهذا الحكم الجاهلي محبة بابن عمها أوس، ورحمة به، وخوفا على بيتها أن ينهار بسبب كلمة تفوه بها زوجها في حالة غضب، وكان كما تذكر الروايات قد ضعف بدنه وذهب بصره وصار كالخرشافة =الجرادة= وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنها قالت في شكواها لرسول الله (ص): إن أوسا من قد عرفتَ أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إلي، وقد عرفت ما يصيبه من اللمم وعجز مقدرته وضعف قوته وعي لسانه، وأحق من عاد عليه أنا بشيء إن وجدته، وأحق من عاد علي بشيء إن وجده هو، وقد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا. قال أنت علي كظهر أمي فقال رسول الله ما أراك إلا قد حرمت

ومن طريف ما أورده القرطبي من أخبار خولة اختلاف الناس في نسبها، قال: ( قال أبو جعفر النحاس: أهل التفسير على أنها خولة وزوجها أوس بن الصامت, واختلفوا في نسبها, قال بعضهم: هي أنصارية وهي بنت ثعلبة, وقال بعضهم: هي بنت دليج, وقيل: هي بنت خويلد, وقال بعضهم: هي بنت الصامت, وقال بعضهم: هي أمة كانت لعبد الله بن أبي, وهي التي أنزل الله فيها "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا" [النور: 33] لأنه كان يكرهها على الزنى. وقيل: هي بنت حكيم. قال النحاس: وهذا ليس بمتناقض, يجوز أن تنسب مرة إلى أبيها, ومرة إلى أمها, ومرة إلى جدها, ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبي فقيل لها أنصارية بالولاء, لأنه كان في عداد الأنصار وإن كان من المنافقين).
ومن أخبارها: وقد مر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا, ثم قيل لك عمر, ثم قيل لك أمير المؤمنين, فاتق الله يا عمر, فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت, ومن أيقن بالحساب خاف العذاب, وهو واقف يسمع كلامها, فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف? فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة, أتدرون من هذه العجوز? هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سموات, أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر?

ومن طريف أخبار أوس أن اسم أمه (قرة العين) وهي أيضا أم أخته خولة وأخيه عبادة بن الصامت الصاحبي الشهير.

 

*زهير
21 - مارس - 2006
نحن أمة تبلبلت    كن أول من يقيّم
 

 

لا اعرف كيف أحضرت هذه الحكاية إلى هنا ، لكنها في موضعها ، وأنت تذهب أسرع من السهم الذي أردت أن أطلقه .

لا أريد استباق الأمور ، لكن هذه المرأة الصادقة ، خولة بنت ثعلبة ، كانت واثقة في عدل الله ، وكانت قد شعرت بأن الميزان مختل في هذا الحكم ، حتى ولو كان من رسول الله ، لأن الظلم قد وقع ، وهذا شعرته في نفسها، ولم تحتج به إلى دليل آخر . فحاججت ، وجادلت ، واشتكت ، حتى سمع الله نداءها وأنصفها .

هو هذا الميزان الفطري ، ما أردت أن أنبش عليه لكي أجده مطموراً ، تحت ركام هائل من الأفكار والسلوك  والتصورات المعقدة . هو هذا الميزان الذي نعرف به الأشياء وهو دليلنا عندما يتبلبل العقل .

ما أحكيه لن يكون وعظاً ، وهو ليس اعترافات .... وهو يتطلب مني جهداً كبيراً ، لأنه يضطرني للكشف عن أشياء حميمة ، لم يكن باستطاعتي الحديث عنها ، لولا هذه الرغبة القوية بالمجاهرة بالحقيقة الداخلية  للإنسان ، وتفكيكها إلى عناصرها البسيطة الأولى ، لكي نعيد إليها اعتبارها ...... بها يستقيم الميزان .

 

*ضياء
21 - مارس - 2006
 1  2  3  4