البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : البنت التي تبلبلت    قيّم
التقييم :
( من قبل 12 أعضاء )

رأي الوراق :

 ضياء  
6 - مارس - 2006

شاعرنا الكبير ، الأستاذ زهير:

ما قرأته في مداخلتك الأخيرة أفرحني، لجهة أنني شعرت بأن غلاظتي قد أثمرت ، هي عكرت ماء اليقين، الذي لا بد من تعكيره من وقت لآخر لكي نزداد يقيناً . وجاء دفاعك على أحلى ما يكون ، بل ليكون مناسبة نتعرف من خلالها على الوجه الآخر للباحث زهير ظاظا ، ونلامس وجوده الإنساني ، وما زادنا هذا إلا تقديراً .

وجودك اليوم في المكان الصحيح يعني الكثير للكثيرين منا الذين تزخر بهم أمتنا ولم يجدوا مكانهم بعد .

نتشوق لمعرفة المزيد والمزيد ، لكني ارتأيت بأن نترك ساحة الفلسفة لكي لا ينقطع حبل النقاش فيها ، ونفتح ملفاً آخراً ، وهذا متروك لتقديرك وما تظنه مناسباً   

 

 كنت قد كتبت رواية صغيرة الحجم ، تحكي قصة بنت مراهقة في زمن الحرب الأهلية اللبنانية . أراها في صميم موضوعنا الفلسفي الذي نتناقش فيه ، لأنها ترمز إلى صراع الإنسان مع أهوائه وانشطاره بين رغبتين . وهي تبرز أيضاً مقاومة الموروث الثقافي ، عندما يكون عميقاً ومتأصلاً ، مع الفكر المكتسب بمظهره الحضاري " التحرري " وما يخفيه من طموحات .   

الرواية اخترت لها عنوان " البنت التي تبلبلت ... " . الحدث ، الذي هو قصة حب فاشلة ، المغرق في عاديته ، اتخذته ذريعة للتوغل إلى الداخلي ، والحميم ، لفهم ما كان يعتمل من نوازع و تغيرات في نفس تلك البنت وعالمها المحيط  من : عائلة ووطن وأصدقاء . هذه البنت كانت تتنازعها رغبتان ، الأولى: الحفاظ على نقائها الفطري، وهو ما نقلته إليها تربيتها وما تشعره في ذاتها  السحيقة . والثانية: رغبتها في الحياة والتكيف مع زمنها ومحيطها وما كانت تدعيه من أفكار عصرية وما يستلزم كل ذلك من تنازلات لا بد منها 

الحكاية تبدأ هكذا :

 

 "البنت تحدث نفسها "

أتذكرين ? تلك البنت التي كنت أعرفها ! ... كانت رقيقة ، نقية ، دمثة الأخلاق ومنذورة لأن تكون أماً مثالية !... هكذا عرفتك ! فما الذي جرى لك ، لكي تتبدلي ? ما الذي حدث لك ، لكي تتبلبلي كالريح ... ? أهو الزمان من أشقاك وغير ألوانك ? وما الذي فعلتِه أنت بنفسك ، لكي أراك ، كأنك القطيع الشاردة : مشتتة ، مبعثرة ، ومنزوعة الروح  ............. ?
 
ستقولين : " ربما هي الحرب التي داهمتني باكراً ، أعدمتني ماء الحياة  ... أربعة عشر عاماً ،  هي عمر الورود ، إعصار الطفولة اللجوجة ، ودفق الشباب الذي لا يطيق الانتظار ... لم   أرها ، ضيعتها بالانتظار ...
 كان العمرجميلاً ، والوقت كان ودوداً : الوطن كان فيروز ، والحب كان فيروز ... . الأهل والأصدقاء ? كانوا بسطاء ، لا يعدون الأيام . حتى حدثت الزلزلة .... ! " .
 
لكني أنا رأيتها لما أقبلت ! هدية الزمان إليك ، لما أقبلت ، كما المهرجان ! كزهوة البستان أشرقت ، فرحت لها بذاك الزمان . ألا تذكرينها كما أذكرها أنا ? أم أنك تتناسين ?
أتذكرين ? جدتك ، لما كانت تغرس شتولها بقرب باب الحديقة ? تضع بذور الحبق =الريحان= في باطن الأرض ، ثم تهيل عليها التراب بكفيها وهي تتمتم :
" بحق الخضرأبو العباس ، تعيش زريعتي وما تيبس ..."
ترددها ثلاث مرات ، تزرعها عند بزوغ هلال القمر ، وتسقيها من بعد الغروب ،  ... كنت تضحكين في سرك وتقولين : " جدتي ، تعيش في الأساطير ! الماضي حكايات ، والحاضر ، دعاء وصلوات .... " . أتذكرين كيف كانت  شتولها بهجة للروح ? مساكب الفل والنرجس ، وأحواض البنفسج والمنتور ، كانت بهجة للروح !.... كانت تشبه أعوامك الأربعة عشرة . أفلا تذكرين ?
 
"الحرب استدامت حروباً " ، تقولين ، " هدمتنا الحرب ! أعادتنا إلى مهدنا الأول ، العراء ! " .
  صحيح ، عزيزتي ، الحرب استطالت ، وعبثاً بحثنا لها عن أسباب ، لكي نحتويها ، لكي نعقلها  . قالوا بأنها كانت حرباً طائفية . قلنا : بأننا انتفضنا  ضد مشروع الانعزالية والصهيونية ....... أبي أقنعنا وقتذاك  بأنها كانت أيضاً (حرب الرأسمالية ضد الطبقات  الكادحة)  وأنها حرب تحرير وثورة اجتماعية ! كان يردد : بأنها تحالف البورجوازية مع الفاشية ، والامبريالية العالمية ضد مصالح الشعوب الفقيرة ، من أندونيسيا ، إلى كوبا وفيتنام ، حتى الجزائر والصحراء الغربية ............  وكان يحفظ اسم لوركا وإلليندي إلى جانب المتنبي وأبي العلاء المعري ويتحدث عنهم بشيء من القدسية ........ هو كان أممياً ، ويحلم بالعدل الاجتماعي والمساواة بين البشر ..........
" يا الله ! كم أحبه أبي ! أمير طفولتي ، وملهم سنواتي الأربعة عشرة . سيبقى لغزاً أبي : كان عروبياً ، لكنه كان لا يكف عن انتقاد عبد الناصر الذي" نكل بالشيوعيين " ، على حد قوله،   "مع أنهم بنوا له السد العالي " ، ........... لكنه بكاه بحرقة شديدة يوم مات !
 
أتذكرين !
يوم استفقت بالصدفة ، ذات صباح ماطر، لتري ذلك المشهد الخيالي : كان الجبل يبكي ! يخفي وجهه بيده ويشهق بقوة ! يستمع إلى المذيع في الراديو الذي كان يبكي بدوره ، ويشهق هو أيضاً .... باليد الأخرى ، كان يحمل سيكارة تكاد تحرق أصابعه ....... اليد التي كان يلبس فيها ساعته الفاخرة التي طالما أثارت إعجابك ! أتذكرين ?
" لن أفهمه أبداً أبي ! لن أفهمه " .
عشرة أعوام مرت بعدها ......... رأيتِه مرة أخرى يتنقل، كالحجل ، بين ركام بيتكم الذي هدمته الحرب . يبحث عن بعض الصور ينتشلها من بين الأنقاض :
" أوف ، أوف ، ولَكْ معَوَّدْ على الفجعات قلبي ... " ، كان يغني !
" يبدو أنها طقوس يا أبي ! طقوس اخترعناها ونعيد تمثيلها في كل مرة لنستعيد بها الفاجعة . طقوس ، نهدي فيها القرابين إلى آلهة الموت والدمار ! "
..............................................................................
 
لن تذكري رائدة الفضاء السوفياتية . لكن أمك سوف تذكرها لك بنشوة لو سألتِها عن الرفيقة ذات العيون الزرقاء الباردة التي صعدت إلى سطح القمر .
" آه يا جدتي ، لو تعلمين ، بأنهم في بلاد الرفيقة ذات العيون الزرقاء، قد أنبتوا القطن ملوناً في سفوح " التوندرا "على اسم " لينين العظيم " ، وأن تقريرها عن زيارتها للقمر يفيد بأنه كومة أحجار لا تنفع ولا تضر ."

يومها ، كان أبوك قد اصطحب أمك معه لاستقبال الزائرة الاستثنائية . كل الرفاق كانوا قد اصطحبوا زوجاتهم ......... يومها ، قال أبوك لأمك ، باستحياء شديد ، وبعد تردد طويل :
" بإمكانك أن تنزعي الغطاء عن رأسك لو أردت " .
لم يكررها مرتين . ورغم أن أمك لا تعرف شيئاً عن الاضطهاد الطبقي ، ورغم أنها لم تعد تذكر شيئاً مما قالته الرفيقة عن دور المرأة في حركة التحرر العالمي ، إلا أنها انتزعته إلى غير رجعة ، همها كان ، أن تشبه " أسمهان " و " ليلى مراد " بتسريحتها الجديدة .

 1  2  3 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
تعليق عاجل    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
أستاذتي الكبيرة قدرا ضياء خانم: أتمنى أن تتذكري أول تعليق لي على مشاركاتك يوم كنت شادية العرب، ذلك التعليق شهادتي على اني لا أخطئ في أحكامي، ولا أصدرها جزافا، وقد كنت ولا أزال مسكونا بجمال روحك التي اعترفت لك سابقا أنها ترغمني على ترك كل ما أزاوله من عمل للاستسلام لجمالها .... أصدقائي من حولي يرغمونني للقيام من وراء الجهاز، فالدوام قد انتهى، ولكن واجب ضياء لا يتيح لي أن أنشر لها موضوعا بلا تعليق
*زهير
6 - مارس - 2006
يوم كان الوطن فيروز    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 

أشكرك يا ضياء خانم فقد ذكرتني بقصيدة كتبتها أثناء سقوط بغداد عن فيروز، وأستميحك العذر أن أنشرها في ملفك هذا، وهي من قصائدي غير المنشورة، وأنا من مريدي فيروز، بل هي أكبر أساتذتي في الشعر، فقد تعلمت من عنفوان نهديها الكثير من مزامير داود. وهذه القصيدة عارضت بها شوقي في قصيدته (سلو كؤوس الطلا).



سـلـوا  الـجداول في فيروز iiمغناها مـن الـذي بـفـرات الشرق أجراها
واسـتـخبروا  الخلد عن أنهار iiكوثره فـقـولـه  الـفصل في أنساب رياها
فـي قـاع كلِّ غديرٍ كالحصى انتثرت قـصـائـدُ  الحب من أرواح iiغرقاها
وفـي  الـضـفـاف إوزٌّ من iiملائكةٍ مـثـل العصافير في أسراب iiعطشاها
صوت النواقيس في أعلى الربى سحرا وصـوت  فـيـروز لـلتسبيح iiناداها
يـا بـنـت داود مـا كـذّبت iiمريمه فـفـي مـحـيَّـاك عرق من iiمحياها
 
الـحـمـد لـلـه قـد شاهدتُها بشراً فـلاحـةً فـي حـقول القمح iiممشاها
كـان  الـغـنـاء الذي غنت iiعبادتها قـالـوا تـغـنـي، وقالت: أعبد iiاللَه
وهـل يـهـز شـمـوخٌ مـن iiمصلية كـمـا يـهـز شموخ الشعب iiعطفاها
فـي كـل أغـنـية من عطرها iiعبقٌ مـزنّـرٌ  بـأنـاجـيـلٍ iiتـلـوناها
كـأنـهـا  الحسنُ في أطراف iiعاشقه كـأنـهـا الـحـب في تفسير iiمعناها
يـا كوكب الشرق ما أعفيك من iiعتبي فـمـا  عـرفـنا غناء الشمس لولاها
نـظرتُ في عظماء العصر في iiخلدي فـمـا وجـدتُ بـه قـطباً وiلا شاها
الـطـائـفـون بعرش الله قد iiسقطوا وكـلـهـم  سـاخ عـنه الشمع إلاها
فـيـروزُ  فـيروزُ هل أعددتِ iiأغنيةً تَـهـدي الـشـعوب إلى إنقاذ iiدنياها
ألا تـريـن مـعـي فـي بؤسها أمماً تُـبـكـي وتُضحكُ في الدنيا iiحكاياها
يـا  طـفلةَ الحور في أحضانها نشأت بـيـن  الـورود وبين الفجر iiمسعاها
الـشـعـب  شـعـبك مشتاق لأغنيةٍ مـن لـحـن عـينيك تحييه iiبنجواها
تـنـسـيـه مـهـزلة الدنيا، iiتطهره مـن الـحـيـاة التي باخت iiقضاياها
لا  تـتـركـي الـشام للأشواق iiقاتلةً فـالـشـام  شـامك يا أحلى iiصباياها
والـشـام  يـا فـخر كل الشام iiزنبقةٌ عـلـى وشـاحـك بالأحداق iiنرعاها
حـمـلـت  عـنها إليك الوجد ملحمةً شـوقـاً  لـصوتك يجري في iiثناياها
حـتـى  الـعجائز قالت عندما iiسئلت كـانـت أغـانـيك في الدنيا iiمراياها
كـانـت أغـانـيـك تـاريخاً iiتقدسه وذكـريـاتـك فـي الأيـام iiأحـلاها
فـيـروز غـنـي لـهن اليوم iiأغنية إن  الـحـنـيـن إلى ذكراك iiأصباها

 

 

*زهير
7 - مارس - 2006
شعر من موسيقى النجوم    كن أول من يقيّم
 

 

والله يا أستاذ زهير لم أسمع أجمل ولا أشمل مما قلته فيها ، وأنا أتابع عنها كل شيئ ، ولقد تبعتها أحياناً في الأمصار لأسمعها . أتمنى لها بأن تسمع كلامك هذا فهي تستحق بأن ننحني لها إجلالاً وإنبهاراً ، وأن نرد إليها بعض الجميل .

أما شعرك الراقي هذا فهو حكاية أخرى لن أقدر عليها اليوم .

 

*ضياء
8 - مارس - 2006
فاتح الشمبانيا    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 

عزمت يا ضياء خانم أن أهديك على كل تعليق تضيفينه في هذا الملف قصيدة من مكنون شعري البائس.. ولقصيدتي هذه (فاتح شمبانيا) قصة يحسن ذكرها.
فقد أخذني أحد أصدقائي أثناء حضورنا زفاف بعض الذوات، وهمس في أذني بهذه الكلمات: تعال لأريك ما لا يخطر ببالك.. ثم أخذني إلى صالة تقع على الطرف الآخر من صالة الأفراح، وإذا بي أرى جمعا غريبا وليلا عجيبا، لا أريد الخوض الآن في وصفه، وفي ذلك المساء تعرفت على ممدوح،  ولم يكن ممدوح يختلف عني كثيرا، فقد كنت أنا أيضا امتهنت مثل هذه المهنة يوما من الأيام فكنت (فاتح قصائد) وفي بطاقة لاحقة سأشرح لك معنى هذه المهنة (فاتح قصائد) فتذكري هذا العنوان.

مـمـدوحُ:  فاتحُ شمبانيا، سأقحمُهُ ديـوان  شعري لعل الدهر iiيرحمُهُ
وعـداً  قـطـعتُ له يوماً iiوهأنذا أفـي بوعدي، فمن في مصر iiيُعلمه
رأيـتـه خـمس ساعات بلا iiكلل كـالـبـهـلوان  على كفيه iiسلَّمه
يـظـل  يـفـتح أختاماً iiويطلقها ويـقـذف الـكأس مقلوباً iiويبرمه
وحـوله  حاملو الكاسات في iiشغلٍ بـلـحـظ عـينيه مشغولاً iiينظمه
وكـل كـأس لـه فـي ملئه iiنمطٌ بـصـبه  في خيال الناس iiيرسمه
حـسٌ  يـتـرجمه صنعٌ iiينمنمه فـنٌّ  يـجـسـمه عرضٌ iiيقدمه
سـألـتـه قدر ما في اليوم iiيفتحه فـراح  يـجمع في ضرب iiيقسّمه
وقـال فـي كـل يوم راتبي iiسنةً يـقـولـهـا  غيرَ مهزوزٍ iiتبسُّمه
وردد الـطرف في اللاهين iiمحتقناً وكـاد يـشـكـو ولكن خانه iiفمه
لـمـا خـلوت به في ليلة iiسنحت أصـم  سـمـعي وأشقاني iiتظلمه
وبـاح لـي بـغـرام كـله iiمحن حـتى  ظننت جرى في دمعه iiدمه
يـحـب زولا وزولا غـير عابئة بـمـا  يكابد مضنى القلب iiمغرمه
تـمـر بـين الندامى في iiخلاعتها فـيـشرب  الكل من فيها وتحرمه
يرنو لها وهي في أحضان صاحبها وحـبُّـهـا بـيـن جنبيه iiيحطمه
ولـو نظرتِ إلى زولا سخرتِ بها ولا أريـد مـع الأيـام iiأهـضمه
وظـنـني  من كبار القوم قلت iiله حـكّـمـتَ رأيك فيما لست تعلمه
إنـي كـمثلك في حبي وفي قدري لـكـنـنـي  ببريق البشر iiأكتمه
ذكّـرتني  في أعاصير الحياة صبا وفـي الـرماد شباباً ضاع iiمعظمه
نـحـن  الصغار هوانا في iiمقاتلنا الـقـهـرُ  يبنيه والحرمانُ iiيهدمه


 

*زهير
9 - مارس - 2006
بائع الزلابية    كن أول من يقيّم
 

 

صباح الخير أستاذي العزيز :

تشاغلت كثيراً قبل التعليق على قصيدتك خوفاً من أن أطن حولها كذبابة الماغوط . ليس لي دراية كبيرة بالنقد الشعري وهذا مما تعرفه بدون شك ، إلا أنني بانطباعاتي العفوية ، لن أبخل أبداً .

في أول قراءة لها تذكرت أبياتاً لابن الرومي يصف فيها بائع الزلابية ويقول فيها :

يلقي العجين لجيناً من أنامله
فيستحيل شبابيكاً من iiالذهب

وصفك لفاتح الشمبانيا جاء يشبهه ، وهو وصف جميل وناجح ، والقصيدة بالإجمال خفيفة الظل ، كما شعر ابن الرومي ، ولقد شكلتها ببراعة بائع الزلابية في تشكيل أقراصه .

وفهمت بأنك سقتها إلى هنا ، لكي تستشهد بالأبيات الثلاثة الأخيرة التي تقول فيها :

إنـي كـمثلك في حبي وفي قدري لـكـنـنـي  ببريق البشر iiأكتمه
ذكّـرتني  في أعاصير الحياة صبا وفـي الـرماد شباباً ضاع iiمعظمه
نـحـن  الصغار هوانا في iiمقاتلنا الـقـهـرُ  يبنيه والحرمانُ iiيهدمه

هي أبيات قوية ومعبرة وهي التي ذكرتك ربما بهذه القصيدة فأردت لها أن تشارك هنا كونها تأتي ضمن موضوع الملف الذي كنت قد بدأته .

ليس عندي أي اعتراض على كل هذا . سكوتي ليس اعتراضاً . كل ما قلته وتقوله هو صادق ومعبر وعلى مستوى أدبي راقي لا يمكن لي مضاهاته أبداً . يعني للنزاهة : تولد عندي شعور كأنني أتيت إلى السوق " ببسطتي " المتواضعة لأبيع الكعك بالسماق ، فجاء زهير وبسط بضاعته وصار يبيع العوامات بالقطر ........ بل صار يقليها ويقلبها كالبهلوان ، ثم يغطسها في الحلاوة ..... ولما فاحت رائحة السكر وماء الورد حتى ملأت السوق ، قلت في نفسي : " راحت على الكعكات يا بنت " ، وصرت أعيد حساباتي فيها .

فهل وجدت في إجابتي ما كنت تبحث عنه ?

 

*ضياء
13 - مارس - 2006
فاتح القصائد    كن أول من يقيّم
 

 والله يا أستاذتنا ضياء أنت تبيعين القطايف بالشمندور، وليس الكعك بالسماق، وقد تمنيت إليك أن يكون هذا الملف بالاشتراك بيني وبينك، ثم إذا أردت أن تنشريه فيما بعد في كتاب بعنوان (البنت التي تبلبلت) فسوف تجدين الكثير من دور النشر جاهزة لنشره، ولكن لا أكتفي منك بالتعليق على قصيدة أنشرها، فأنا وغيري من مراقبي هذه الحلبة على أحر من الجمر لقراءة عذابات ضياء في هذا العالم المجنون =كما وصفته=
هذه قصيدة (فاتح القصائد) التي وعدتك بها، والمعذرة من طول المقدمة.
وقصتها أنني في عام (1996م) وفي إحدى زياراتي إلى بلدتي دمشق، عائدا من العمل في مطبعة المستقبل في بيروت =حيث كنت أعمل فيها لصالح دار الخير = زارني واحد من وجهاء حينا، وسألني عن أخباري وأحوالي. فلما حدثته عن مشقة عملنا في (تصحيح المصاحف) أثناء الطبع، أصر علي أن أترك العمل، وأن أعمل معه في مكتبه (السياسي) في تحرير مجلة هو في صدد إصدارها، ولما سألته عن طبيعة عملي، وأوقات الدوام، وما إلى ذلك رد علي بعبارات ملؤها الإغراء والإطراء، وأنه غير مطلوب مني داوم بعينه، وما إلى ذلك من الود والتحبب. ولم يكن الرجل كاذبا في كل ما قال، بل رأيت منه من الاحترام والتبجيل ما فاق تصوري، وخصص لي مكتبا في شركته، وخادما، وهاتفا، وكل وسائل الراحة، وزاد فلم يشع اسمي بين الموظفين، وغير اسمى فجعله (مولانا) وكان معظم الأذنة والحجاب قد استوردهم من جمعية الصم والبكم = ?= فجعل اسمي عندهم أن يشير الواحد منهم إلى عينه.
وكان بين الفينة والأخرى يطلب مني أن أكتب له قصيدة لبعض أصدقائه في إحدى دول الخليج، فكنت أفعل ذلك من باب رد الجميل، وهكذا بقيت في العمل معه زهاء سنتين، هما كل ما أملك من حياتي في عالم السياسة ورجالاتها. ولو قضيت ما تبقى من عمري أكتب عن مفاجآتي في هاتين السنتين لكتبت كل يوم ما يحبس الأنفاس من أخبار مشاهير في عالم الصحافة والفكر والسياسة، كنت ألتقيهم في مكتب هذه المجلة الفخم جدا، في أرقى شوارع دمشق. ومنهم العشرات الذين أصبحوا =أو كانوا= أعضاء في مجلس الشعب، وآخرون أصبحوا وزراء، بل رؤساء وزارة، بل فيهم من أصبح السيد الرئيس.. وهذا عدا (الفراطة) أمثال من يعمل اليوم مجرد مراسل لإحدى القنوات الأشهر في العالم العربي، أو ترقت به الأحوال فأصبح معد برامج، أو صاحب قناة مستقلة. أضف إلى ما سبق: أمراء الحرب وتجار الأسلحة، وعصابات المافيا، والحسناوات بكل فروعهن، وكل ما يمت لهن بصلة...وأذكر ممن التقيتهم في مكتب هذه المجلة ثلاثة تركوا في نفسي جراحا لا تندمل، وهم المرحوم عبد الوهاب البياتي، والمرحوم هادي العلوي، والرجل اللغز: عبد الله أوجلان.
وكانت لي سابقة مهترئة في العمل فيما يسمى بالصحافة السوداء... حيث عملت في العام (1986) أشهرا معدودات في مجلة =ولا مشاحة في الاصطلاح= كنت أحسب أنها يتيمة عصرها في اللصوصية والابتزاز و(الكذب المسعّر) ثم عرفت فيما بعد أنها واحدة من مئات الصحف التي تعج بها دول العالم =المتحضر أيضا= ولم يكن مكتب هذه المجلة =الصغير جدا= يتسع لغير كرسي واحد، وهو كرسي الرجل الوحيد الذي يقوم بتحريرها وإعداد كل أبوابها بالسطو على أكوام المجلات المختلفة والمكدسة بجانب مكتبه حتى السقف... بينما تجد في الصفحة الأولى قائمة أسماء المحررين والسكرتارية.. وكلها أسماء موظفين يعملون مع صاحب المجلة في مشاريع أخرى.. وأندر أخبار هذه المجلة أن أكثر أعدادها ليس فيه شيء جديد سوى موضوع الغلاف، ويعمد هذا المحرر الدرويش إلى عدد قديم من أعداد مجلته، فيعيد نشره بالكامل، باستثناء الغلاف وموضوعه، والذي غالبا ما يكون عن فنانة أو شاعر من شعراء الخليج.
وهكذا كان الفرق في عملي في المجلتين كالفرق بين من ينال شهادة الدكتوراه من إحدى جامعات الباكستان المغمورة وبين من ينال الدكتوراه من السوربون.
ومن طرائف أخباري في المجلة الثانية، أنني دخلت مرة إلى صالون الضيوف الفخم، وكنا على موعد لمؤدبة عمل، فرأيت المنبر في غير موضعه المناسب، فسألت صديقي متعجبا، فأجابني بالهمس خشية أن يسمعنا أحد الضيوف: هذا ليس منبرا يا أستاذ، ولكن فيه (باء وراء) فلم تخطئ كثيرا. بعد قليل سوف تعرف ما هذا.
ونعود إلى ما كنا بصدد الحديث عنه في عملي في المجلة الجديدة..فذات مساء وبينما أنا أغط في النوم، إذ بزوجتي توقظني وتقول لي فلان على الباب =سائق المعلم= فقمت مندهشا، وكانت أحداث هذه القصيدة. وخلاصتها أن أحد أصدقاء المعلم =من إحدى دول الخليج= جاءه يزوره في دمشق، وأول ما رآه طلب منه أن يرى الشاعر الذي كتب له تلك القصيدة الرنانة. فلما دخلت إلى جناحه في فندق المرديان، رأيت المعلم شخصا آخر، وفي صدر الجناح مائدة عليها من أنواع المشروب ما ربما يصل إلى خمسين نوعا، وفي المقابل فتيات في عمر الزهور، وأجملهن (ريما) جالسة في حضن الضيف، وعلى مائدته حزمة دولارات، تقدر بحوالي عشرة آلاف دولار، تأتي الفتاة تلو الفتاة فترقص أمام الضيف دقيقة أو دقيقتين، فيعطيها مائة دولار... فلما حمي الوطيس، وسكر الضيف، وبدت على وجهي أمارات الاستهجان من دعوتي لليلة كهذه، اقترب مني المعلم وهمس في أذني: أنت حر، إذا رأيت أن الوضع لا يناسبك يمكنك أن تتسلل، والسائق ينتظرك تحت.. فتركتهم مع ريما وأخواتها، وكان مساء قاتلا، أحسست فيه بكل مرارة بأنه يجب أن أبحث عما تبقى من قيمتي بعد هذا المساء في هذا العالم. وبعد ستة أعوام من المشاعر الحزينة التي كانت تعود بي إلى ذلك المساء كلما وقعت عيني على حسناء... بعد ست سنوات من هذه الفاجعة كتبت هذه القصيدة:

ريـمـا جمالك قد أودى به الكدرُ يـومٌ مـن الدهر مذمومٌ iiومحتقرُ
كم  في دمشقك من ريما iiستعذلني يقضُّ مضجعها من نحسك iiالسهر
اليوم أسحب ذاك السهم من iiكبدي ولا  تـخافي فإني سوف iiأختصر
قـد تـفـخرين أمام الغيد iiتاركةً رنـيـن سهمك في الآفاق iiينتشر
فـقـبـلي نصله المسموم معجبةً يـصـول سـتة أعوامٍ iiوينتصر
جاء المكلَّفُ نصف الليل iiيخبرني فقلت هل بعد نصف الليل iiمؤتمر
فـقـال لابد أن تأتي على iiعجلٍ إن  الـمـعلم في البستان iiينتظر
وقال لي بعد وقت وهو iiيصحبني إلـى  الـمـعـلم: يوم كلُّه iiحير
قـالـوا  اتنا بزهير، لم يكن iiأبداً في خاطري أنك المعني بما أمروا
فـجـئـتهم بزهير من iiفصيلتهم فـودعـوه  أمام الباب iiواعتذروا
هل  أنت تشرب يا أستاذ? iiمعذرةً على السؤال، فما في اليوم iiمؤتمر
اليوم  أشياء أخرى لست iiتعرفها: الكاس والطاس والتمجيق iiوالسمر
فـي ذلك اليوم يا ريما رأيتك iiفي أحـضان  فسلٍ، وإني منه أعتذر
في  مجلس ما عددت الغانيات iiبه لـكـل غـانـية من صحبه نفر
الـذنب  ذنبك يا ريما، iiويؤسفني أنـي لـرتـبة ذاك الوغد iiأنحدر
سحبتُ  منه اعتذاراً كنت محتفظاً بـه  قـلـيـلاً لـيدري أنه بقر
ومـا  هجوت حياتي غيره iiبشراً كـي لا تـلوث من أمثاله iiالبشر
وليس  في باطلٍ من مهد iiصبوته رمـى  بـه لمآسي شعري iiالقدر
يـعض  نهديك لا شوقاً ولا iiشبقاً والسخف  يلمع في عينيه iiوالبطر
وأنـت  فـي شـاربيه iiتنتفينهما كـما يشاء الهوى والغنج iiوالحور
كـأنـك الـقطة البيضاء iiهائجة والـفرو منك كمثل الريش iiينتثر
وغبتما  عن عيوني خلف iiغيمتها فـلـيـس  إلا حذاءٌ أحمرٌ وفرو
وقـام إذ قـام مثل القرد من iiثمل لـمـا  رآني ووجهي منه iiممتقر
وقـال  لـللاعبات الساخرات به سنسكر  اليوم من شعر هو iiالدرر
صف  لي بربك ريما فهي iiتقتلني بـنـهدها،  نهدها أحلى أم iiالقمر
وقـال:  بل نهدها أحلى فقلت iiله لـولا خـيـالـك فيه أيها iiالقذر

*زهير
13 - مارس - 2006
مذكرات (1)    كن أول من يقيّم
 

 

 

إنهم يقتتلون .... 

 

 

  أذكر بأنهم يقتتلون ! قذائف تتساقط فوق رؤوسنا أسمع لها دوياً في قلبي وفي صدري ........

 

 

    في كل مرة طرف جديد ، وحرب جديدة . .......... المهم أننا سوف نبقى سجناء داخل البيت مدة لا يعرف أحد منا كم ستطول . لن أستطيع الخروج أو الذهاب إلى الجامعة أو إلى أي مكان آخر . أنا سجينة !

 

  أيامي تحترق .......... أذوبها كل يوم في مقادير من القلق والخوف والضجر ثم ، أتجرعها بمرارة ......... عشرون عاماً بلغت ، ولم أعد أرغب بالمزيد . ......... أيامي ، أحمال ألقيها في البحر ..........

 

  كيف أقاوم هذا التوتر ? هذا الغضب ? وأحلامي المستحيلة ، كيف أقاومها ?

 

  لا أطيق نفسي ! لا أطيق أحداً من حولي ............ أنانية ? بل أكثر ! أرغب بالأذية ، بتحطيم أي شيء .............. " ستندمين ! " ، تقولين "بعد خمس دقائق ، سوف تندمين " . ربما ! وربما أرتاح خمس دقائق .... رغبتي هي دائماً أن أبكي وأن أحطم أي شيء أمامي .

 

  هل أنا عاقلة أم مجنونة ?

 

  نفسي ، أشفق عليها وأكره ما أنا فيه .

 

  عندما أخلو إليها ، نفسي ، أسألها أشياء كثيرة ... هي لا تعرف بماذا تجيب . هي تعرف بأنها تريد حياة أخرى غير هذه التي نحياها  ! ...

 

  حالتنا المادية تزداد سوءاً . أحلم بأشياء كثيرة اعتيادية ، ولا يمكنني الحصول عليها  . ليس من أمل ! أحلم بفستان من الحرير ، وجوارب ناعمة ، وأن أعقص شعري بدلال عندما أذهب لملاقاة أميري ..... حتى ولو كان جباناً ، و "لا يستاهل " . يلزمني ثلاثمائة ليرة الآن لحل معظم مشاكلي . أين أنا منها  اليوم ? العادة الشهرية تؤلمني وتستبقيني أياماً في الفراش .

 

  يأتيني اللحن الجنائزي من مكبرات الصوت في الخارج . إذاعة جوالة يدعون فيها لحملة تبرعات من أجل جرحى القصف الإسرائيلي في بيروت والجنوب .

  

  " أناديكم ، أشد على أياديكم

  وأبوس الأرض ، تحت نعالكم

  وأقول أفديكم .........."

 

  يد قوية تضغط على قلبي وتعتصره ............ أرغب بالبكاء طويلاً ، طويلاً .

 

  لو كان معي أربعمائة ليرة لاشتريت :

 

  جاكيت صوف رمادية ب 100

  قماش قميص موسلين أبيض ب 50

  قماش بنطلون بني ب50

  بوتين أسود ب200

 

  سأعود إلى أوراقي الآن ..... اتركيني أنت ، "سيرة " .  دعيني وشأني فلم تحاسبينني ? هل أنت   أمي ? ثم إن أمي لا تشبهك أبداً ، هي دائماً لا تقول شيئاً ولا تتدخل بشيء . أمي ، لا تشبهك ! وأنا لا أبحث عن أم اخرى  ! ... سأكتب إلى " صفاء" ، هي صديقتي ، هي تشبهني . تعرفت إليها في دار المعلمين ، ومن وقتها ، لم نفترق أبداً . سأكتب إليها ، لكن ليس اليوم ، بل بعد عشرين سنة ، بعد أن أكون قد شفيت من آلامي ... هي  مثلي ، هي ستفهمني . أما أنت ? ...  فأنا لا أفهم نفسي !...

 

 

 

 

*ضياء
13 - مارس - 2006
الرسالة الأولى    كن أول من يقيّم
 

 

 

 

الرسالة الأولى

 

مراهقة في العشرين

  

عزيزتي صفاء : 

 

 

  تحياتي لك في هذا الصباح البارد هنا ، والذي قررت أن أبدأ فيه رسائلي إليك . عملت لنفسي فنجاناً من القهوة القوية ، وبحثت عن لون دافئ لرسالتي ، لعل حرارته تساعدني على التخفف من قيودي وإخراج ما أريد قوله ......... هو قرار لطالما أجلت التفكير فيه بانتظار حدوث معجزة ما، تغير حياتي .

حياتي تغيرت بدون معجزات ، فأنا ما زلت أنا ، بكل الأسى وكل الشجن . مع هذا ، نويت أن أحكي لك حكايتي ، لعلني أستطيع ?

 

  يصعب علي تخيل ردة فعلك : أتراك ستغضبين ? أو ربما تفاجئك بعض التفاصيل ? ......... ربما تشفقين على صاحبتك كثيراً وتقولين في نفسك : " ما أتعسها ! " ، وربما تقسين علي في حكمك وتقولين : " ما أسخفها ! " . هذا ممكن ! لكنه ليس ما أبحث عنه . أريدك أن تكوني عوناً لي ، أذناً صاغية ، وقلباً يسمع .......... سأحكي لك بحرية كاملة ، وصدق كبير ، لأن ما أرجوه هو أن أنجح بنقل إحساس تلك الفترة كما عشتها بالذات . المسألة برأيي تكمن هنا ! في حنايا الذاكرة التي تنتقي وتغربل الأشياء على مزاجها ، وتشيد لنا من بعدها قصوراً من الأوهام نرتع  فيها . تؤسطر لنا ماضينا وتخلق لنا تبريرات لغرائزنا العمياء . أريد أن أصل إليه ، بحقيقته الكاملة ، ذلك الإحساس الجائر الذي زلزلني ، واحتلني ، واستقر في أعماق أعماقي ، ولم يعد يبارحها أبداً . على وقع سوطه الرهيب ، وعلى أنقاض عجزي وخيبتي ، أعدت تكوين نفسي ، يوماً بيوم ، وساعةً بساعة . وها أنا من جديد ! روح حبيسة ! ... تذكار أنا للألم في بحر العذاب الشاسعة ! ... غريق في يم العناء !  فهل سينطق من في فيه ماء ???

 

 

  يبدو أنني كنت مراهقة ، لا زلت !  " في العشرين ? " سوف تقولين . نعم ! ولم أكن أعرف ذلك . كنت أظن بأنني ناضجة . لأنني تعلمت الكلام بالسياسة . ولأنني ناضلت ، وحملت السلاح ، وتمردت على المجتمع . كل هذا كان تجربة فريدة بدون شك ، تجربة قذفت بي إلى بر آخر وشطآن أخرى لم نختبرها بعد . الحرب ، أتاحت لي تلك الفرصة النادرة . ست سنوات قضيناها في تعلم حياة جديدة أنضجت لدي سلوكاً اجتماعياً مختلفاً ، ووعياً بالمسائل العامة ، لكنها لم تنضج عواطفي التي ركنتها جانباً في تلك الظروف . أوقاتنا قضيناها في الدورات العسكرية ، وجمع التبرعات ، وبيع الجريدة الحزبية ، والخدمة الرفاقية في المركز ، ولكن وعلى الأخص في القراءات والاجتماعات ، والنقاشات السياسية  الطويلة ، الطويلة ... خلال تلك المدة ، شيعنا الكثيرين ممن كنا نحبهم : شهداء !

 

  كانوا يقتربون بنا من الموت . في كل مرة ماتوا فيها ، كنا نقترب منه حتى كأننا نلامسه باليد . لكنهم ، ولا أدري كيف ، كانوا يبعدونه عنا فجأة ، بحركة  بهلوانية ، يحجبونه عنا بأجسادهم ...  كانوا يختارونه بمحض إرادتهم وكأنهم ينتصرون به على ضآلة القدر الذي كنا نعيشه . كأنهم بشجاعتهم هذه يتسامقون نحو المقدس ليلتحموا معه . كل واحد فيهم كان قد ابتكر لنفسه موتاً مختلفاً ، وكأنهم قرروا تطويعه بكل الوسائل . كنا في كل دورة حياة جديدة ،  نقدم فيها قرباناً للموت ،  نشيعه على أنه اختار بأن يكون   بطلاً ، وأن القرعة قد وقعت عليه في هذا الدور لكي يجتاز الحد الفاصل بين الدوني والأعلى . واحداً تلو الآخر كان الموت يزيحهم في طريقه إلينا ، وكانت تلك الحالة من ضرورات الطقس الذي كنا نعيشه .

 

  كنت أبكيهم كالأم ! في كل مرة . بحنان يوازي قدسية الحياة . بأسف يضاهي شرعة الموت . كنت أمعن في الطقس المحرر ، البكاء ، حتى جذور الألم ، أستخرج منه شحنة الخوف والعذاب التي كنا نراكمها في كل دور . حتى الرمق الأخير ، كنت أحزن ، حتى النهاية ...............

 

  لم أتعلم شيئاً في الحياة التي كانت تدور خارج دائرتنا المغلقة . الحياة كانت بواد ونحنا كنا بواد آخر . كنا نعيش تلك الفترة في عالمنا الذاتي كأنها أسطورة خلق لم تكتمل أبداً .

 

  في تلك الأثناء ، كنت أندفع بكليتي نحو ذلك الهدف الذي كنا نأمله ، وهذا يشبهني تماماً ، أن أضع كل طاقتي وتركيزي في السهم الذي أطلقه لكي يذهب إلى أبعد نقطة ممكنة ، وأنسى كل الباقي .  تلك الفترة كنت أعيشها بنقاء شاعر يكتب ملحمة كبرى سوف تغير مجرى التاريخ .

 

  في مساحتي الحميمة ، بقيت خاماً بالمعنى الحرفي للكلمة . لم أغامر في هذا المجال ولا بلمسة يد ، يردعني عن ذلك قليل من العنجهية ، وكثير من الخجل ، وجملة تلفظ بها والدي يوماً وهو يراني أغادر البيت . كان قد كررها بالإيحاء دوماً ، لكنه يومها قالها صريحة وبالعربي الفصيح :

 

  " أنا أثق بك يا بابا ! "

 

  هذ الكلمة ، حمتني طويلاً من طيش المراهقة ، لكنها أثقلت جناحاتي بما يشبه الأوزان . تمنيت أحياناً بأن أنساها . تمنيت أحياناً بأن أبحث لها عن تأويلات تخفف من وقع خطواتها التي كانت تلاحقني وتتجسس علي . ليس من سبيل ! كان يحكي بالعربي . وبالعربي ، ليس لها إلا تفسير واحد لا يقبل التأويل . بذلك ، تحولت تلك " الحرية " التي منحني إياها والدي ، بالذهاب والإياب ، وممارسة العمل السياسي ، منحني إياها بكرمه الخاص وعقليته الخاصة ، تحولت إلى قلعة كأنها السجن ، عليها حارس اسمه الخوف : الخوف من أن أخون هذه الثقة ، الخوف من أن أعمل شيئاً لا يعجب أبي ، الخوف من الابتذال .

 

  ربما ستفهمين أنت ما أعنيه صفاء ، لأنك مثلي عاطفية ومكابرة . لأنك مثلي من بيت حملنا أوزار التاريخ والقبيلة  وأشعرنا بأننا أقرباء الأنبياء والقديسين . ولأنك مثلي لك أهل أرادوا بأن يتمدنوا فلم يعاملونا  كالولايا ، إلا أنهم ظلوا خائفين علينا من صيت البغايا ، فتحولنا نحن بهذا إلى " جان ? دارك " على طريق الحرية والتمدن . قمعنا أنوثتنا المخيفة داخل عباءات النضال ، أو ركناها جانباً في كهف حريتنا الموعودة ، زمناً اختبرنا فيه قدراتنا الذكورية : القدرة على الفعل والتأثير المباشر .  تحررنا ، دون أن نلطخ قدسية الانتماء المتعالي على كل نفعية .  الهدف ، جعلناه متعالياً حتى يوازي قدسية الانتماء .

 

  لكن ، في ذلك اليوم الذي سوف تستيقظ فيه تلك الأنوثة ، وتلك الرغبات " الدونية " التي تأباها "القبيلة" ، ويرفضها " التاريخ " ، وتستعر منها " الأنا المثالي " فكيف نفعل ?????

 

  سوف اتوقف هنا اليوم ، عزيزتي ، وأعود إليك قريباً . فإلى اللقاء .

  

 

 

 

*ضياء
13 - مارس - 2006
هديتي لضياء    كن أول من يقيّم
 

لا أرى يا أستاذتنا ضياء خانم شيئا أعبر به عن تقديري لأدبك هذا الذي يفيض عذوبة وجمالا وروعة، إلا أن أتقدم إليك بهذا الطوق هدية مني، وهي قصيدة في عرف الشعراء ثمينة جدا، لأن قافيتها لم تطرق على هذا النحو في الشعر العربي، وبحرها من أصعب البحور، وهو المقتضب، الذي تجب فيه المراقبة، حسب قواعد العروض. 

طائري الذي iiنشزا لا يـزال iiمحتجزا
فـي شـباك iiفتنته شـفه  الصبا iiفنزا
كـلـما مددتِ iiيداً نـحو جرحه iiنقزا
فـيـلسوفة iiلبست كـل دهرها iiبززا
فـي ضيائها iiنمطٌ من حريرها iiطُرزا
ويـحهم إذا iiنبشوا في  الحياة ما iiكنزا
تـذكرين  أول iiما فـوق  خيله iiبرزا
يـوم  قـلبه iiولعاً مـن ضلوعه iiقفزا
مـا رأيتِ في iiدمه كيف  رمحُه iiرُكِزا
شاعر  عصفت iiبه صار  شعره خرزا
ما رجاك من شرَكٍ فـي  فؤداه iiغُرزا
لـو  يـعود iiثانية تـطـعمينه iiكرزا
   
 
  

   
 
  

   
 
  
 
  

 

 

*زهير
14 - مارس - 2006
رسالة قصيرة جدا جدا    كن أول من يقيّم
 

  أنت  رائعة 0

*عبدالرؤوف النويهى
14 - مارس - 2006
 1  2  3