تابع تبقية المشكلة الفلسفية 2     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
سمعت أن الرغبات النفسية غير الواعية تحاول الانتقال إلي الوعي في شكل أفكار, وأنها قادرة أن تتحايل علي الواقع, فتظهر في فكرة ما فإن فقدت هذه الفكرة صلاحيتها ظهرت الرغبة متخفية في فكرة أخرى , ونحن الآن أمام نموذج لتعدد صور (الرغبة في ازدراء الذات) , وانتقالها من فكرة (التراث المذنب في حق الفلسفة) , إلى ( نقد العقل العربي ذاته) أي من حيث هو عربي , علي يد كاتب من كتاب الوراق يصر علي كتابة اسمه بالحروف اللاتينية! سنتعرض لهذا فيما بعد لكن من الطريف أن هذا النقد للعقل العربي...... معاداة للسامية فعلا !!:)
الأخت شادية , لا يعنيني في شيء الشيعة أو شلة ابن سينا وابن رشد ... لا أقصد بكلمة الآباء سوى أهل السنة والجماعة , أيضا أدركت تفهمك لعلاقتنا بالنص , رغم أن هذا التفهم قاتل لمزيد من التفهم.
أكمل الآن ما انتهيت إليه في المقال السابق من نقد الموقف السلبي للبعض من التراث , وتحديدا علاقة التراث بالوحي , وبحث مدى منطقية اعتبار هذه العلاقة حائلا بيننا وبين التراث .
السؤال الذي يفرض نفسه هنا : أحقا منقطعة هي العلاقة بين الفلسفة الغربية وبين الدين محققة بذلك مثال الفلسفة كما يتوهمه المصابون ?
أتخلو حياة الغرب الفلسفية من أي أثر للنصوص الدينية التي تعكر على البعض صفو حياتهم في البلاد العربية ?
هيجل كنموذج : لاشك في تأثره باللاهوت وكان الدين موضع اهتمامه طوال حياته وليس ذلك غريبا علي رجل كان يعد نفسه في مطلع حياته ليكون قسيسا .
يعتمد هيجل منهج الاستنباط , أي توليد الحقائق في الذهن من بعضها البعض , لكن الأساس الذي وضعه لعملية التوليد هذه هو الثلاثية الراقصة كما قيل عنها : الفكرة تفض نفسها في نقيضها ثم تعود إلى نفسها في المركب منهما الذي يشكل بدوره فكرة أخري .... وهكذا , ليس عندي أي تعليق على هذه الثلاثية سوي أن هيجل (الفيلسوف جدا) أعلن بصراحة أن فلسفته متحدة تماما مع الديانة المسيحية لأنها الديانة المطلقة ومضمونها هو الحق المطلق , و ثلاثيته مستمدة من ثلاثية الأب والابن والروح القدس , ويقرر أن معتقدات الكنيسة المسيحية في التثليث والخلق و السقوط والتجسيد هي حقائق العالم علي شكل تمثيل حسي , الوحدة الكامنة وراء الأضداد , وهي هاجس هيجل الملح , مصدرها تناقضات المسيحية ومحاولة القفز فوقها , بل إنه لا يكتفي بالانتصار للاهوت بشكل مجمل بل يتجاوز ذلك إلى البحث للتشريعات الكنسية عن مكان لها وسط سلسلة استنباطاته , لتكون ضرورة عقلية (أنظر فكرته عن الضرورة العقلية لعدم الطلاق من منظور جدلي .)
أما فرويد فرغم استخفافه بالدين , إلا أنه متأثر عن غير وعي بالمسيحية من جهة , ومتعصب بوعي لليهودية من جهة أخرى.. كل حَواريّي فرويد يهود، ما عدا آرنست جونز و كارل يونج , ويصفهم جونز بأنهم يهود بشكل حاد , ولكن دعك من هذا , هذه شؤون خاصة , المهم ألا يؤثر هذا على نظريته لأن الدين لا يحجر على العلم , أليس هذا ما سيقال ?
حسنا: لقد طلب المعهد العلمي اليهودي في لندن من فرويد عدم نشر آخر كتبه (موسى ورسالة التوحيد) لأنه سيفضح النوايا اليهودية ولكنه رفض. هذا فيما يخص قصده الواعي للانتصار لليهودية , أما فيما يخص تأثره غير الواعي بالمسيحية , فقد ظهر في صياغته لمركب أوديب الذي جعله أساسا لموقفه من الأخلاق ومن الدين تحديدا .
يتضمن مركب أوديب أن الدين هو شكل من أشكال الشعور بالذنب الذي كان يسيطر على الطفل تجاه أبيه أثناء فترة الرضاعة , ذلك الشعور الذي كان سببه مشاعر مركبة من كراهية الطفل لأبيه لامتلاك الأب للأم الذي يحاول الطفل احتكار ملكيته لها , من ناحية , وإكبار الطفل لهذا الأب من ناحية أخرى , أما الافتراض المسبق الذي لم يبرهن عليه فرويد , أو النقطة الخطأ التي بدأ منها بتحليله التراجعي , فهو أن الدين شعور بالذنب .
الحق: إن هذه النظرة للدين نظرة كنسية تماما , مفاهيم توريث الخطيئة , والخلاص , والنظر إلي الممارسة الجنسية كخطأ لا بد منه (أنا ابن الخطيئة ومن الخطيئة ولدت) , كلها مفاهيم غلفت بها الكنيسة الضمير المسيحي بشعور جارف بالذنب .. فرويد رغم يهوديته لم ينفك من أسر اللاوعي الغربي الذي صاغته المسيحية.
تشنجات نيتشه ضد الدين هي في الحقيقة ضد مفاهيم مسيحية , إعلاء الجسد علي الروح بشكل مستفز , النسق الأخلاقي المسيحي غير عملي إلي أقصى حد , لو كان الإسلام هو ديانة الغرب لما ظهر نيتشه
الخلاصة : إذا كان رجوع فلسفة ما إلى الوحي سببا لرفضها فلنرفض فلسفة الغرب
|