سِحــرُ الـربـيـع من قصيدة لأبي تمـام (قراءة مدرسية) د/ عبد الله طاهر الحذيفي (3) كن أول من يقيّم
إضـاءة النص: ينسجم بناءُ هذه القصيدة مع رؤية أبي تمام للعملية الشعرية، فهي لا تحاكي في بنائها الموضوعي أو الفني بناءَ القصيدة العربية التقليدية؛ فلا ذكر للأطلال ولا الرحلة، ولا ذكر للناقة ولا لحيوان الصحراء ولا مشاهد الصيد، كما كانت العادة في كثير من قصائد الشعر الجاهلي أو الأموي، على الرغم من كونِها قصيدة مدح، وجملة أبياتها في الديوان اثنان وثلاثون بيتاً، وثلثها الأخير تقريباً مكرس لمدح المعتصم. إن ما بين أيدينا من القصيدة قريبٌ من ثلثيها (21) بيتاً، يدور موضوعها حولَ وصفِ جمالِ الطبيعة الناشئ في الربيع، وهو وصفٌ يتَّسِمُ بطابع الإبداع التمَّاميِّ، بما فيه من خيالٍ عبقري خلاق وحرص على ابتكار الجديد والاحتفاء بالأنيق والاعتناء بتصويره، وتتوزع على النحو الآتي: أ) المطلع: (ب1): رسمَ فيه أبو تمام بدقة الحدثَ المدهشَ الباعث على التأمُّلِ الممتع والداعي للتفسير: رَقَّتْ حَواشِي الدهْرِ فَهْيَ تَمَرْمَرُ وَغَدَا الثَّرَى في حَلْيِهِ يَتَكسَّرُ فحواشي الدهر؛ أي أطرافه، وجوانبه - وهو الموصوف غالبا بالقسْوة، وطمس كل جميل والتفريق بين كلّ المحبين- قد أصبحت تموجُ وتضطرب، من شدة اللين والنعمة، إنه زمنٌ محبوب، كل ما فيه يبعث على الفرح. فإذا كان هذا شأن الزمن، فماذا عن المكان ؟ لقد غدا المكان/ الثرَى/ وجَهُ الأرض مكسوًّا بحلةٍ زاهية تبعثُ على الرغبة والمتعة، في تأمُّلها والشغف بها. إنها من الحلل التي لم ينسجها إنسان، غطاء من النبات المكلل بالأزهار، تتشبه في الأرض بعروسٍ تتثنى من اللين والخَفَر. فأيّ يدٍ أبدعت هذا الجمال؟! ب) الاستطراد: (ب2-7): وفيه يبين الشاعر الأسباب التي تضافرت على صنع هذا الجمال، فمنها ؛ الشتاء الذي حلّ عندما تسنَّمَ المعتصم كرسيَّ الخلافة العباسي، فجاء السحابُ المحمل بالمطر الكثير، الذي أروى الأرض، الشتاءُ الذي أعطى عطاءَ محب لا يبالي أن يكون هو نفسه مادة العطاء والسعادة للأرض؛ "كم ليلةٍ واسَى البلادَ بنفسِهِ" و"كم سال منهمرا في نهار تلك الليلة مطرًا لا يكاد ينقطع؟ فما جاءتْ مقدمة المصيف (الربيع) إلاَّ والأرض على أشدّ ما تكون من الاستعداد للإنبات، لقد تحول الشتاء -على يد أبي تمام- من رمزٍ للجَدْبِ والموت إلى سبب أساسي للخصب والعطاء والحياة، ولولاه لما جاءَ الربيعُ والصيفُ إلاّ على شجيرات ضعيفة ركيكة قليلة الزهر لا تثير البهجة في المتوسمين. لقد كان شتاءً خارقا للعادة، إذ كان المطر فيه يتبادل الأدوار مع الصحو، وكان كلٌّ منهما يتلبَّس بالآخر، كي لا تصاب الأرض بالضرر، فانعدام المطر يجعلها جدباء قاحلة جرداء من حللها البهية، واتصال هطول المطر عليها يصيبها بفيضان الماء وموت النبات والدمار والخراب وربما الطوفان، ولذا فطن أبو تمام إلى أن يصور المقدار المطلوب من الصحو والمطر، حتى لا تعطبَ وظيفةُ الأرضِ بسبب زيادة هذا أو ذاك على الحد. وتدعو الصورة الشعرية: "مطرٌ يذوبُ الصحوُ منه" إلى تأمل ذلك التعاقب البطيء - فكأننا لا نتوقع صحواً معه، يتلوه: "صحوٌ يكادُ من الغضارة يُمطر" صحوٌ مفعم بما نسميه اليوم "بخار الماء"- الذي لاشك يبعث على النشاط والحيوية الخلاقة. وجعلهما الشاعر غيْثين؛ أحدهما الأنواء/ المطر والآخر الصحو؛ لأن كلاًّ منهما يغيثُ الأرضَ من ضده. ج) أول ربيع في خلافة المعتصم: (ب8): خاطب أبو تمام الربيعَ، مناديا "أَرَبِيْعَـنَا " وأضافه إلى "نا" المتكلم، وأراد "الربيعَ" الذي حَلَّ سنة تسعَ عشرةَ بعد المائتين من الهجرة، وهو أول ربيع في خلافة المعتصم، ولا يستبعد أنْ يكونَ أرادَ الكنايةَ عن هذا الممدوح، الذي تعلَّقَ به أبو تمام أكثر من سواه، وخصّه بأنقى مدائحه؛ كالقصيدة التي في فتح عمورية، ومطلعها: السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ في حدِّهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللعبِ د) تصوير جمال الطبيعة الربيعية: (ب9-20): وإبراز ملامح الإبداع، في ذلك الجمال، ودعوةُ الشاعرِ صاحبيْهِ - كما هو المعتاد في الشعر العربي- إلى مشاركته حاله في تأمل هذا الجمال الخلاب والانشراح به والإعلان عنه: - ففي البيتين الأولين (9 و10)، من المقطع، يلتفتُ أبو تمام إلى مسألة استحالة البقاء على حالة واحدة، و إلاَّ لَمَا أدركنا الجمالَ في الأشياء، إذ لابدَّ للروضِ أن يذهب حُسنه، ليعودَ من جديدٍ، بلْ إنَّ حُسْنَ الأرضَ لا يتحقق إلاَّ بحدوث تداولِ الفصول عليها، جدبٌ وخصبٌ، وتيبُّس واخضرار، صيفٌ وشتاء.. - وفي (ب11)، يبدو الشاعر في أشدِّ لحظاتِ الدهشة، إذ لا تتوقف الأرض عن التباهي بحللها البديعة المكونة من النباتات المغطاة بألوان الأزهار الجذابة التي تعلن عن استعداد الأشجار للإخصاب والتلاقح، كي تتحول الأزهار إلى ثمار تحمل البذورَ للحفاظِ على النوع. إنَّها تبدو في درجة من الإغراء تجعل الشاعر مشدوها بِها هو ومن يشاركه هذا الإحساس بجمال الحدائق والبساتين.. - لقد اختلط ضوء الشمس الشفاف بألوان أزهار الرُّبَا الصفراء، في (ب12) فإذا بتداخلهما يُنتجُ نهارًا كالليل المقمر، ضوءًا يبعث على السعادة وينشط جانب الإبداع الشعري الخلاق. - إن الحياة بلا ربيع في (ب13) موطنُ معاش يعمل فيه الناس ما يساعدهم على البقاء أملاً في مجيء الربيع، أما إذا جاء الربيع، فهي موطن الخصب والفن والألوان الساحرة الخلابة التي تستحق أن يحرص المرء على مشاهدتها والاستمتاع بلذاتِها، ويتمنى البقاء الدائم فيها. - في (ب14)، يجعل الشاعر للأرض بطونا تقوم بدورٍ أشبه بدور الرحم التي ينمو فيها الجنين حتى يكتمل، فيخرج إلى الحياة مخلوقاً جميلاً يبعث على بهجة وسرور أبويه وأهله والناس، ومولودُ الأرض هو تلك النباتات المكللة بالأزهار/ النَّوْر التي تبعث السرورَ البالغ في القلوب، المتأملة للجمال في الطبيعة الخلابة، كما رسمها الشاعر، "تكادُ لها القلوبُ تَنَوَّرُ" أي تصبح نَوْرًا/ أزهاراً. - في (ب15) يبرز أبو تمام صورة ما تخرجه الأرض من بطونها؛ إنها تُخرِجُ أشجارًا غضّةً كالصبايا "من كلِّ زَاهِرَةٍ تَرقْرقُ بالنَّدى" غير أن الندى الكثيف يتساقط منها على الثرى، دليلا على الخصوبة والارتواء، تلك الأشجار/ العرائس تبدو للناظر بفعل النسيم تارة ويحجبها ما سواها من النباتات "الجميم" تارة أخرى، أنها الآن تحت ريشة الفنان الشاعر تشبه العذراء، التي يكسوها جلالُ الحياءِ، فما تكاد تبدو للعيان حتى تختفي عن الأنظار، وهنا يشتد أسرها للقلوب المتشوقة للجمال.. ومثل تلك الشجرة/ الفتاة العذراء أشجار كثيرة، أصبحتْ تغطي وجه الأرض " حَتَّى غَدَتْ وَهَدَاتُها ونِجَادُها " من حول الشاعر عرائسَ مروجٍ تفتنُ الناظرين، تتلون حللها/ خلعها الربيعية الزاهية، وكأنها تتراقص في سيرها دلالا.. وفي معرض الألوان، نرى الشاعر يذكر "الأصفر"، وبعض درجاته: "الفاقع"، وكان لهذا اللون في العصر العباسي مزية وفضل على ألوان كثيرة، وربما عاد ذلك إلى كثرةِ انتشار الحدائق والبساتين، إذ يغلب على أزهارها اللون الأصفر، يليه اللون الأحمر، وتَدِقُّ مشاهدةُ أبي تمام، فيصور تبلج الأزهار ذات اللون الأصفر حين تفتق براعمها عن زهرة شفاف زاهٍ إنه كلون اللؤلؤ عندما ينشق عنه المحار، ثم يَصْفَرُّ قليلا قليلا حتى يغدو بلون الزعفران. هـ) خاتمة المقطع الوصفي: (ب20 و21): والملاحظ أن الشطر الأول من (ب20) لا يزال ينتمي إلى ما فُتِنَ به الشاعر من ألوان الأزهار، فمنها ما لونه أحمر بدرجة قريبة من الأصفر وله بريق جذاب، أما الشطر الثاني من البيت فإن أبا تمام يبحث فيه عن العلة التي أدت إلى سيطرة اللون الأصفر على الأزهار، لقد ربط ذلك بالهواء/ السماء، فمن السماء يهبط لون شعاع الشمس الأصفر منتشرا عند الأصيل، وفي الأفق الغربي يبدو الشفق الأصفر، بعد الغروب، وهو علامة على وقت المغرب، ويليه الشفق الأحمر، وهو علامة على وقت العشاء. وهما من أوقات الصلوات، وبهذا يربط الشاعر بين الإبداع الفني في الطبيعة والسماء وما ترسله من أسباب الجمال ولإبداع والهداية، ويتجلى ذلك بوضوح في (ب21): صُنْعُ الذي لوْلاَ بَدَائِعُ صُنْعِهِ ما عَادَ أَصْفََر بَعدَ إذْ هُوَ أخْضَرُ إن كل هذا الجمال من صنع الله الذي لا حصر لبدائع صنعه، المحيط علما بأسرار الحياة، الذي أخرج من الأخضر/ الأشجار هذه الألوان الحمراء والصفراء الفاتنة. ولا أحسب الشاعر إلاَّ متأثرا هنا بما جاء في الآية: )الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ( [ يس: 80] أليس في الشجر الأخضر يكْمُنُ مصدر الطاقة، وعليه تتكئ الحياة والجمال ؟! هوامش: |