البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات صادق السعدي -

 5  6  7  8  9 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
كلام آخر الليل    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

 
 
    أنت مظلومة يا بغداد، وأنا مظلوم يا بغداد، والظلم يجمع بين القلوب. نصرك الله ونصرني، ورعاك ورعاني، وعليك مني السلام.
 
هذه عبارات الأديب الدكاترة زكي مبارك الذي أحبّ العراق أكثر من حبه لبلده مصر. وكان يشعر بالجحود والغبن والمرارة ويقول: كتبتُ ألف مقال لا يتمكن كاتب أن يكتب مثلها ولو غمس يده في الحبر الأسود... ولكن كما قال لم يحصل بالمقابل إلا على مرتب لا يكفي آخر الشهر.
 
    وكان زكي مبارك قد تعرض لهجوم عنيف بسبب كتاباته التي كانت تتسم بالغرور والتحدي- كما فهمت وفسّرت- والخروج على ماهو مألوف من آراء تقدية ألّبت عليه أكثر أدباء عصره.
 
    تذكرتُ هذا الأديب عندما رأيتُ رسم المبحر في شفّافيّته الأستاذ عبد الحفيظ. وكنتُ قد قرأتُ في مجلة العربي ما كتبه الأستاذ شاكر خصباك عن زكي مبارك أنه ( أصيب في أواخر حياته بالإحباط فاهتزت شخصيته. ومرجع هذا الإحباط أنه لم يحقق من النجاح والشهرة ما حققه زملاؤه، وخصوصًا الدكتور طه حسين الذي كان يحسده على مكانته الأدبية والاجتماعية. وقد أثّرت تلك الخيبة على شخصيته، ولمست ذلك بنفسي حين رأيته في مقهى صغير في ميدان التوفيقية أواخر العام 1949، وكان جالساً وحده في وضع مزر في ملابسه وهيأته، يتناول ما يناوله النادل ويرفع عقيرته بالغناء بين حين وآخر. كما حضرت له محاضرة عامة عن الضحك، فإذا به يتحدث عن كل شيء إلاّ عن الضحك. وكان ينتقل من موضوع إلى آخر من دون أي رابطة، وهذا هو حال مقالاته في أعوامه الأخيرة التي كان ينشرها أسبوعيًا في «البلاغ» المسائية. ولهذا لم أنقل عنه إلاّ الصورة الواقعية التي شاهدتها بنفسي...)
 
    هذا الذي وقف كما ذكروا أسبوعا في دار المعلمين العالية ببغداد يشرح ويعرب قول الشاعر:
 
متى تملك القلب الذكيّ وصارما        وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
 
    والذي شهر قلمه يوما في وجه محمد عبد الوهاب متوعّدا إياه إذا لم  يتوقّف عن الإسفاف والإفساد في الأغنية العربيّة ، فهذا القلم سيكون له بالمرصاد!
 
    وسيرة زكي مبارك تشبه في الكثير من وجوهها حكاية عبد الرحمن بدوي مع الوطن والسلطة وأدباء عصره. ونهاية الأثنين معا سقوط على رصيف مهجور، هذا في غربة الوطن، وذاك في وطن غريب. 
 

1 - ديسمبر - 2010
ليوناردو دافينشى ..حكايات وأساطير
الأسد الأسطورة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

   بعد أحداث دامية جرت وقائعها في صحراء رفحاء قبل ثمانية عشرعاما تقريبا- ليست تفاصيلها موضوع حديثنا هذا- تدخّل الجيش، واخترق المنازل- أعني الخيام- . يقول الراوي والعهدة عليه:
 
   دخل أحد الجنود وكنّا ثلاثة شبّان، فوقعت عينه على صورة ورقية ملصقة على الخباء. قال: من هؤلاء؟ قلتُ له بعفوية: أهل البيت!
 
 قال: وأين أهل البيت!
 
   إلتفتُّ أنه لم يفهم، فاستدركت: في الجوار عند أعمامهم!
 
   كانت الصورة المعلّقة تمثل خمسة أشخاص جالسين، تغطّي البراقع وجوههم التي تحفّها هالات من نور، يجلس أمامهم في الوسط أسد باسط ذراعيه.
 
   هذا الأسد له حكاية راسخة في مخيال الشجن الشيعي، يتصل بنهر الدم ومواكب العزاء الحسيني، حفظناها من لسان العجائز نشيدا جنائزيّا يعزفه المثخنون بلعنة التاريخ، كلّما حلّت الذكرى بحراة الفجيعة:
 
   على مرتفع من أرض الغاضرية يرتفع صوت المخدرة الهاشميّة: واجدّاه، وامحمدّاه، وا أبتاه، وا عليّاه، هذا حسينك في العراء، مقطوع الرأس من القفى، مسلوب العمامة والردا، يسمع صوتها أسد من أكمَة قريبة، ينطلق من عرينه صوب معسكر الأعداء، يخترق صفوفهم، يقتل رجالا ويجرح أخرين، يصوّب الرماة سهامهم نحوه، فيسقط مضرّجا بدمائه وهو يزحف باتجاه مصرع الحسين حتى ينتهي عند جسده، يتعانقان... ويموت الأسد.

14 - ديسمبر - 2010
ليوناردو دافينشى ..حكايات وأساطير
دمعة وذكرى    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

وقـفـت  على تلك القباب iiترددُ أسـراب  آيـات الـحمام وتنشدُ
من  حضرة العباس تسمع صوتها ومـع  الأذان شـهـادة iiتـتجددُ
يـا  يوم عاشوراء وجهك iiأبيض وجـبين  من فرحوا بيومك iiأسودُ
مـا ضـرّهم أن كان حبك iiدمعة وهـواك  فـي قلب المتيّم iiمسجدُ
وتقول طاف على الحجارة مشرك ويـطوف  في معنى الآباء iiموحّدُ
مـا حـجّ بـيـت الله عبد iiمسلم ويـظـن ركـن البيت ربّا iiيُعبدُ
ويـكـون في الشبه البعيد iiقرابة فـالـحـبّ  يجمع والعداوة iiتبعدُ
مـن لا يـراك كما أراك iiعذرته لا  جـاهـل عندي ولا هو iiأرمدُ
لا فـي جـنـان الخلد فاز iiمجدد لـيـكون  في وسط الجحيم iiمقلّدُ
الـطـيّبون  بنو الجراح iiرهانهم أنّ الـوقوف على ضريحك مَسندُ
هي  لوحة لا في الحسين iiرسمتها شـيـعيّة الدعوى وعندي iiمقصدُ
حـاشـاك يا ابن الأكرمين iiمناقبا وأبـوك  حـيـدرة وجدّك iiأحمدُ
مـابـيـن مـن يهواك أنك ثائر أو  قـال في شرع الهوى iiمتمرّدُ
أن  تـنـتهي للعين قبر iiشاخص أو  قـبـة بـيـن القباب ومرقدُ

16 - ديسمبر - 2010
ليوناردو دافينشى ..حكايات وأساطير
وظن أهلها أنهم قادرون عليها...    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

 
    من كان يصدّق أو يتصوّر أن بلدا مثل اليابان يمكن أن يصبح لا فقط على وشك التعرّض لكارثة نووية لا ينحصر أثرها على هذا البلد فقط بل ينذر بعواقب بيئية وخيمة. هذا البد الصناعي الذي ظن البعض أنه لم يُبق لسلطان الله على الارض شيئا على وشك أن يُنفى شعبه الى سيبيريا! مثل هذا الكلام قبل إسبوع كان يمكن أن يكون مجرد عنوان لا يثير لسخفه أحدا، لكن هذا ما صرح به مسؤول روسي أنه بإمكان روسيا مساعدة اليابان بوصفها دولة على وشك الإنقراض من واقع الكوارث الطبيعية التي تشهدها هذه الدولة. و تأمين مكان آمن للشعب الياباني ولتكن سيبيريا!
 
   نعم هذا واقع الحال مع موجات تسونامي التي أخذت تجتاح دولة عديدة في وطننا العربي. وهذا يا أستاذ ياسين يجعلنا في زحمة وزنقة أشد من زنقة القذافي واضطرابه، لا نلتفت الى أشياء جميلة تخرجنا من حالة التأزم التي باتت للأسف تلفّنا جميعنا بتيّارها الهادر المخيف. نلتفتُ الى غنائك العذب وحزنك الشفيف. أنت جميل يا أستاذنا، رائع وتلقائي، مبدع في النثر كما في الشعر. أهمس في أذنيك أيها الحبيب: حدثني عن قلبك الأخضر، نضر الله وجهك، في أي اتجاه يسير؟ لازال في العشرين قلبك النابض البهي، أخبرني يا رعاك الله، أيها الفلسطيني المعذب بالعشق والمحاصر بالقهر، هل بعد نفي الدولة الصناعية الكبرى الى مجاهيل سيبيريا حديث يمكن أن يحتمله منطقنا الصوري. ومادام الشيء بالشيء يذكر، وكلنا في الهم شرق، يُحكى عن اجتماعات سرية وحركة حثيثة بين مسؤولي وقيادات دول المنطقة لغرض تطويق الأزمة الراهنة، وإيقاف مسلسل التساقط السريع للكيانات الهشة التي ثبتت رداءتها المصنوعة خارجيا. ما حدث في تونس وبعدها في مصر، وما يحدث الآن في ليبيا يجب تطويقه، ومعالجة تداعياته بالترقيع وتضميد الجرح بالخرق العتيقة! النار أخذ تتسع وتنتشر في المنطقة، وفي قلب البحرين لها ما لها من مغزى خطير، لابد لدول الخليج وعلى رأسها السعودية. أكبر مصدر للنفط في عالمنا الغرائبي. مئات المليارات لشيوخ وأمراء، تهزّ أمريكا بمجلسيها الموقرين، وكذلك الأمر بالنسبة للدول الأوربية.
 
   قوات القذافي تحقق كما تذكر الأخبار، تقدما في جبهات القتال، مما يجعل أنظمة دولة المنطقة تتنفس الصعداء، وتحمد الله على أن هذه الفتنة العمياء( لم تكن عمياء تماما وهي تعصف بمصر وتونس بل كانت انتفاضة شعب وثورة مشروعة على الفساد والظلم والمحسوبية والإستبداد، وليس انتفاضة شغب وتحريض خارجي بحاجة الى معونة دول الجوار لاعادة الأمن والإستقرار الى ربوع الوطن السعيد) سوف تنتهي على يد القائد الضرورة. ونعود جميعا سالمين غانمين الى بيت الطاعة وشرعية الحاكم الذي لبس قميصه بإرادة الله ويخلعه بنفس الإرادة بعد رحيله الى جوار الله.
 
   من هنا لعلي أبدأ حديثا آخرا في مجلس آخر له علاقة بدور المثقف، المثقف بمعناه العام والخاص، في كل ما جرى ويجري، المثقف الذي يحتاج قبل غيره الى جرعة منشطة لعقله وضميره، لذوقه وحسه الإنساني، لموروثه الذي قدسه على قاعدة هذا ما وجدنا عليه آبائنا. على قاعدة: أنا محق، وأنت مبطل، أنا موحد، وأنت مشرك، أنا على سنة المصطفى وأنت على سنة الهوى. أليس الحاكم منتوج هذه الثقافة؟ ماهو مشروعنا الثقافي للمستقبل القريب على الأقل؟ لحساب أي صنم تسقط هذه الأصنام؟ عن أي خلافة يتحدث البعض؟!....
 
   فاجأتني زوجتي خلسة قبل قليل: هل تريد شاي نعناع؟ قلت لها: أنا مشغول بالكتابة. قرأت بسرعة ماكنتُ كتبته ثم قالت: أظن هذا يكفي. ألم أقل لك أن عام 2012 سوف يكون نهاية العالم.
 
قلتُ لها: كما تحبين. أنا أنتظر منذ عقود، لاضير في انتظار الأشهر المقبلة.
 
ثم أخذتُ أحتسي شاي النعناع.
 
 

16 - مارس - 2011
الذكرى الثامنة لراشيل كوري
إن العين لتدمع...    كن أول من يقيّم

إنا لله وإنا إاليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قبل دقائق فقط دخلت المجالس بعد أيام من الإنقطاع بسبب المشاغل الكثيرة. والآن وأنا في أسوأ مزاج،آخر المعزين في مصيبة شديدة الوطأة على نفسي تمر ذكراها هذه الأيام. ذكرى معجونة بالدم والدموع. بالكاد أفتح عيني لأرى ما أكتبه على الصفحة البيضاء الظاهرة أمامي على جهاز الكمبيوتر.فدرجة الحرارة اليوم قد انخفضت بصورة كبيرة ومع هواء يزيد شدة البرد ويضاعف أثره على جسم الإنسان الذي لم يتخذ ما يلزم من تدابير للوقاية من إصابات نزلات البرد المفاجيء. أعرف تماما مدى حزنك وعظيم مصابك، عظم الله أجرك أيها الإنسان الكبير. تماما قبل اثنين وعشرين عاما ماتت والدتي بنفس هذا المرض. وكانت قد تنبأت بموتها وأخبرتني بذلك فلم أصدق. صدقتها لكنني كذبت نفسي ورحت أدور خلال أربعة أشهر من مرضها، أبحث عن علاج أو أطلب من إصدقائي التبرع لها بالدم. لا تتخيّل يا صديقي أبا الفداء معنى أن تفقد من تحب بهذا المرض بالذات. وما زاد من وجعي ونقمتي على الدنيا التي أصبحت بالنسبة لي كابوسا، وضاق العراق بي، وتضاعف شعوري بالقهر والهوان، أنني لم أكن أستطيع الوصول الى المستشفى لأرى وجة أمي للمرة الأخيرة واستجيب لندائها الأخير وتنهداتها قبل أن تودع الدنيا وهي تنزف من فمها الدم. كانت تسأل عني وتطلب أن تراني قبل موتها.أي هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة أشد وطأة من فقد حبيب، وأي حبيب.
 
رب كم من نعمة أنعمت بها علي قل بها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لها عندك صبري، يامن رآني على الخطايا فلم يفضحني، أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بتقواي، يامن لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، يا وهاب نسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، والعافية من جميع البلايا وشكر النعمة.
 
 
 
 

13 - أبريل - 2011
أنعى إليكم أعز أصدقائي (مات نذير)
غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 
ذكر الرواة أن ابن جني طلب من ولده إعراب هذا البيت فارتبك.
 
وسرّ الإرتباك عند القدماء لعله لا يختلف في جوهره وحقيقة أمره عن دواعي خوفنا وارتباكنا كلما أردنا التعبير والبوح والإعراب عما نشعر به، أو نجد من الضرورة قوله.
 
نحن مقموعون بارث نحمله تربّينا عليه من الصغر.نخاف من الكبار وإن لم يكونوا كبارا بالفعل وواقع الحال، لكنهم كبار كما يرون أنفسهم أو كما قيل لهم عن مواصفات الإنسان الكبير. طول وعرض، شارب يقف عليه الصقر- لماذا ليس غراب البين فهو أليق وأكثر صدقا إذا ما تصورنا الملازمة بين خبر الغراب وفعل هؤلاء- يخزي العين حوله، مالي هدومو.
كنتُ كثيرا ما أسأل عن سرّ التعتعة واحمرار وجوهنا ونحن نتحدث مع من يكبرنا في السن. كان في ظني أن الموضوع يتعلق باحترام الكبير وتوقيره. ربما كان الأمر كذلك من بعض وجوهه، لكن الوجه الآخر الذي أراه من ذلك، هو طبيعة القمع التي تتنقل كالوباء من جيل الى جيل. الطاعة العمياء. من يكبرك في يوم هو أفهم منك بالضرورة حتى لو لم يكن يفهم من هذه الدنيا غير إشباع البطن والفرج.
 
وهي إشكالية كبيرة حقا لا إستطيع أن أخوض بكل تفاصيلها، أو أتناولها من أبعاد أخرى لأنني لا زلتُ أيضا أحمل جرثومة الخوف والتردد ومقاربة الأشياء بحذر تحسبا من ملمسها الخشن. فما كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يقال هو صواب أو حق. وإلا كنا مستبدين ونحن ضحايا الإستبداد. ومن قال أن الضحية لم يكن مستبدا يوما ما . كل برغوث على مقدار دمه. الأب على ولده، والزوج على زوجه إلا إذا كانت تمتاز عليه بالمال أو الجمال أو الخوف من مكانة أهلها. والزوجة أيضا لا تقل في استبدادها لو كان الزوج أضغف منها، بل لعلّها في ذلك أشد من بطش الرجل لما لها من إمكانيات ليست عند الرجل. ونحن نشاهد ما يجري هنا في الغرب من مآسي حتى داخل الأسرة المسلمة. وهذا جزء من مشهد الواقع المبرقع الذي رمّ على فساد.. والكل مسؤول.
 
 في لحظة الشعور بالقوة والسلطان، تتلاشى جميع الإبعاد، وينكشف الإنسان عاريا أمام نفسه المفطورة على العدوان واستغلال الضعيف. حيوان بكل امتياز. بل هو أضل.
 
يفال أن من أسباب نكبة البرامكة- هكذا عودنا جهابذة التاريخ في تبريره- قوله:
 
ليت هندا أنجزتنا ما تعد     وشفت أنفسنا مما تجـــد
واستبدت مرة واحـــدة      إنما العاجز من لا يستبد
 
وكيف لا يستبدّ وعرشه قد بات مرهونا في يد من أصبحوا عند العامة نجوم الدهر. أقسم أن لا ينام ليله والإسرة البرمكية على فراشها الوفير.
 
وهذه الأمسية كما سابقتها، محاولة لتمرين النفس، وتنشيط العقل علّه ينفك من عقاله، يكسر قيده، ويعرب ماليس تحته خط.
 
وأيضا للحديث بقية..
 

20 - يونيو - 2011
كيف حسبتها يا أبا الطيب؟
عرس عبود    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 
 
 
   كانت العربات العسكرية قد أخذت تشقّ الطريق الترابي داخل المعسكر في كل ليلة تقريبا. وبدأنا نسمع عن اعتقالات عشوائية للقوات العسكرية أو رجال الأمن السعودي. تدخل خيمة الرجل وتقوده باتجاه الحدود العراقية التي كانت تبعد مسافة عشرين كيلو مترا تقريبا عن معسكر رفحاء. كان الرجل يسلم الى الى رجال الإمن العراقي حيث يُجهل مصيره بعد ذلك. يقال والعهدة على من قال: كانت الصفقة مقابل عدد من زجاجات الخمرة المعتقة. دخل عليّ سليم ذات ليلة  وجسده ينتفض واطرافه ترتجف. لم أتبيّن إن كان ذلك بفعل الخوف أو بسبب البرد الشديد وقتها.
   هل سمعت صوت الرجل؟ سألني وأطرافه لا تزال ترتعش. قلت ُ: لا. عن أي صوت تتحدّث، أنا كنتُ نائما كما رأيت. قال: كان صوته يشق قلب الليل: وينكم يا أهل المروءة، وينكم يا أهل الإنتفاضة؟ راح يا خذوني- يعتقلوني-  ثم اختفى صوته. أجهش بالبكاء. لكنني لم أستطع ذلك. انحبست العبرة في صدري وشعرتُ بالضعف حتى على البكاء. سوف يسوقوننا كالنعاج الى زنازين بغداد واحدا بعد الآخر. يبدو أنه مخطط لأفراغ المعسكر وتنظيفه منّا تماما!
   كنتُ أشعر أن ارتعاشاته كانت تخفّ شيئا فشيئا كلما استمرّ في حديثه. تركته يتحدث. كنتُ بحاجة الى السماع أكثر من حاجتي للحديث. انتبه الى أنني لم أقل شيئا، توقف عن الكلام. فقلتُ له: سليم، يحضرني الآن موقف الحسين في كربلاء عندما قال لأصحابه في ليلة العاشر من محرم: يا أصحابي، هذا الليل قد غيشكم فاتخذوه جملا. إن القوم يطلبونني فلا تقتلوا أنفسكم وأنتم في حلّ من بيعتي- لاحظ سليم أن عينيّ كانتا تترقرقان بدموع عصيّة- لكن يا أصحابي، شقّوا صحراء الغاضرية واذهبوا بعيدا حتى لا تسمعوا صوت ناعية الحسين؛ فمن سمع ناعية الحسين ولم ينصرنا فقد استحقّ العذاب.
   كان عبود قد سمع أنه في قائمة  المطلوب اعتقالهم. لبس كفنه الأبيض، وهو يحمل خنجره في يده يمشي باتحاه البوابة الرئيسية للمعسكر. صرخ بأعلى صوته:
   أنا عبود، من يطلبني منكم فليخرج إلي! ومن يريد اعتقالي فليحملني جثة هامدة لصدام حسين.
   كان الجنود ينظرون الى الرجل وكأنهم يشاهدون فلما من أفلام التاريخ. وجم الجميع. وكأن الأرض قد انشقّت عن هذا الرجل الذي يقف في ثيابه البيضاء حاسرا عن صدره أمام الجند المدججين بالسلاح وهو يقول بلهجة التحدي: كونوا رجالا واطلقوا عليّ الرصاص، ولا تغزوا خيمتي ليلا  مثل اللصوص. جثة بلا روح، إذا اردتم جثة بلا روح فخذوها!
   دقائق معدودة فقط، ودوىّ فضاء المعسكر بصيحات: الله أكبر، الله أكبر. وتقدمت المجموع الغفيرة نحو بوابة المعسكر، وهم يحملون العصي والحجارة. حُمل عبود على الأكتاف وسط أهازيج الناس: بالروح بالدم نفديك يا عبود وهو يتوسل بهم: أرجوكم أنزلوني ترى رحت أبجي!
   إجتمع الوجهاء الذين يمثلون الناس داخل المعسكر وأقسموا أن لا تدخل بعد اليوم دورية جيش الى المعسكر إلا على أجسادهم. وكالعادة في كل ليلة، دخلت عربتان عسكريّتان تنهبان الطريق داخل المعسكر باطمئنان كبير. كان بعض الشباب قد نصبوا الكمائن في أنحاء متفرقة من المعسكر بين الخيام. فلما توسّطتا المعسكر انقضّ الرجال على الدوريّتين. أخذوا العربتين، ونزعوا سلاح الجنود وساقوهم الى إحدى الخيام.
   ساعات معدودة فقط، وسمعنا الرصاص في كل الإتجاهات. طوّق الجيش المعسكر من جميع المنافذ. سمعنا من مكبرات الصوت من يقول: يا فلان أخرج لكي نتكلم ونتفاوض!
-ما هذا الذي فعلتموه بدوريتنا؟ أين الجنود الآن. ماذا فعلتم بهم؟
- بل أنتم ماذا فعلتم برجالنا؟ هل هذه هي المروءة؟ ألم تقولوا لنا: أنتم ضيوف الملك! كيف تغيرون علينا في كل ليلة تعتقلون الرجال ثم تقومون بتسليمهم الى المخابرات العراقية وأنتم تعرفون وحشية النظام؟ أمّا جنودكم فهم عدنا في أمان وكرامة.
- لا علم لنا بما تقول. ونحن لم نأمر بشيء من ذلك.
- كيف لا تعلمون وأكثر من مئة وخمسين رجلا قد اعتقلوا و تمّ تسليمهم الى الأمن العراقي.
- أنت تتحدث عن أشخاص كانوا يخمّرون – يصنعون الخمرة- ويشربون. وأنتم تزعمون أنكم مجاهدون!
- كيف عرفت أنهم يفعلون ماذكرت؟ هل مؤذن المسجد الذي يشهد الجميع بصلاحه وتقواه حتى أنه لا يفارق المسجد كان يخمّر أيضا. فلماذا أخذتموه من خيمته قبل أيام؟ ثم كيف تقبلون شهادة من نعرفه وتعرفونه. وهو يسكر مع ضبّاطكم ليلا كما يشتغل قوّادا لهم والجميع يشهد بذلك!
وعلى فرض أن ما ذكرته صحيح، كيف تسلمون ضيوفكم الى أعدائهم؟
هذا الكلام فيه تجاوز. ولكننا مع ذلك سوف نقوم بالتحقيق وإذا كان ما تزعمه حقا قد وقع، فسوف نعاقب كل من فعل ذلك. كما أننا سوف نقوم بمنع دخول الدوريات وتجوالها داخل المعسكر. ولكم بعد ذلك الحرية في إدارة شؤونكم بأنفسكم دون تدخل الجيش إلا إذا طلبتم منّا المساعدة.
 
   وبقيت حكاية عبود الذي شقّ الأرض بكفنه الأبيض يتحدى الموت بصدره العاري، حديث الناس في المعسكر.
 
  كما كانت الليلة هي ليلة عبود بامتياز!
 
والحديث لم ينتهي بعد..
 
 
 
 
 
 
 
 

22 - يونيو - 2011
كيف حسبتها يا أبا الطيب؟
إعتذار    كن أول من يقيّم

 
بعد النشر لا يمكن تدارك الأخطاء سواء كانت نحوية أو إملائية.

22 - يونيو - 2011
كيف حسبتها يا أبا الطيب؟
المثقف الدجّال    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 
 
 
 
قالت: طلّقته. سألها: طلّقك أم طلّقتيه؟ فشر بعينه، أنا الذي طلّقته!
كانت قد تزّوجته بأبيات من الشعر الحلال، وطلّقته لنفس السبب. هكذا قالت.
الشاعر إذن قادر على أن يمارس دورا شرعيّا وغير شرعي في الحياة الإجتماعية للناس. عملية من الدجل المزدوج مارسها ولايزال رجل الدين في التوفيق بين الدين والسياسة، والمثقف في الموازنة بين مصالحه الشخصية، وبين رضا الحاكم وتملّق الجماهير من خلال اللعب على حبال الكلمات التي تحتمل أكثر من دلالة وتقبل أكثر من تفسير.
المثقف ليس نبيّا ولا الشاعر قدّيسا. والشعب ليس على صواب بالضرورة. من قال الأكثرية على حق؟ بل العكس هو الصحيح. وهذا كتاب الله بين أيدينا ينطق بالحق ويؤكد هذه الحقيقة لمن يطلبها بصدق. وإذا كان الكتاب حمّال أوجه فكلّنا مع الكتاب!
في أحد قصور آل عثمان في استنبول، قرأتُ في القطعة المعلقة على أحد جدران الغرف الملكيّة، والمنقوشة بماء الذهب: الملوك ملهمون! إلتفتُ لصاحبي الذي كان معي في الرحلة فقلتُ له: الملوك عندكم ملهمون؟ قال: وعندكم؟ قلت، عندنا والحمد لله أجناس مختلفة، سلاجقة، بويهيّون، عثمانيّون، خروف أبيض، خروف أسود، مندوب سامي بريطاني، مندوب سامي أمريكي....
الشعب يريد إسقاط النظام، والنظام لا يرى مبرر لكل هذا. الذين يريدون إسقاط النظام فوضويّون، جهّال، مدسوسون، عملاء، مخرّبون، حشّاشون، خارجون على القانون، يعملون بأجندات خارجيّة. والأجندة كما هو ظاهر من لفظها، أجنبية دخيلة لا علاقة لها بالإسلام، ولا صلة تربطها بالعروبة.
كانت عندما تعود متأخرة يقول لها: يا ابنتي صحيح نحن نعيش في مجتمع غربي، لكننا مسلمون. تذكري ذلك يا ابنتي!
يا رجل، فكّها شويّه. حلال عليك حرام عليها! نسيت مأذونك الشعري وما فعله بزوجة الرجل:
 
فتقدمي يا قطتي الصغرى  إليّ تقدمي
وتحرري مما عليك وحطّمي وتحطّمي
فغدا شبابك ينطفي مثل الشعاع المضرم
وغدا سيذوي النهد والشفتان منك فأقدمي
وتفكّري بمصير نهدك بعد موت الموسم
لا تفزعي فاللثم للشعراء غير محرّم
نهداك ما خلقا للثم الثوب لكن للفمم
مجنونة من تحجب النهدين أو هي تحتمي
مجنونة من مرّ عهد شبابها لم تلثم
 
وللحديث بقيّة...

28 - يونيو - 2011
كيف حسبتها يا أبا الطيب؟
ذهب الحصان وبقيت العربة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 
 
   بعض الدول لا ترى أهمية كبيرة بالنسبة لتاريخها البعيد. فالحاضر بالنسبة إليها هو الأهم وهو ما يجب الإلتفات إليه وتوجيه العناية له والبحث عن سبل تطوير الحياة التي يعيشها الفرد في واقعه ومفردات حياته اليومية. فالتاريخ كما يرونه هو ما يصفه ديورات: من إملاء الهوى، وأكثره ظنون.
   لكن هل بالإمكان الحديث عن الواقع  منفصلا عن التاريخ؟  الحديث عن الثورة مثلا وانتفاضة الشعوب. هل ما يقع اليوم يمكن فصله عما حدث قبل ذلك  من تحوّلات كبرى في المنطقة العربية  من نتائجها ما نشهده الآن من انهيار ليس فقط في الجانب السياسي، إنما هناك تداعي هائل وكبير لمنظومة القيم الإجتماعية والفكرية والدينية والأخلاقية. ولست بصدد رصد وتقييم واقع ما يجري من متغيّرات متسارعة  من الصعب التكهّن إن كانت إيجابية أم سلبية بالنسبة للوضع العربي أو الإسلامي في المستقبل القريب أو البعيد.
   هناك مدرستان مختلفتان في رؤية المسار التاريخي للإمم والشعوب ومن يقف وراء التحوّلات الفارقة  والمدهشة في التاريخ. البعض يرى أن العبقرية والنبوغ الفردي هو الذي يوجّه التاريخ  ويصنع مساره في هذا الإتجاه أو ذاك، في الجانب السياسي كما في الجوانب الأخرى من الحياة الإجتماعية والدينية والفكرية والإقتصادية. الفرد هو القطب والمركز الذي يجذب الأشياء فتنقاد إليه وتدور في فلكه.
   ويرى البعض الآخر أن القضية  أشد تعقيدا من هذا التصور الساذج في نظرته الأحادية للتاريخ. الفرد فيه مجرد جزئية في منظومة كليّة مترابطة تصنعها عوامل متعددة إجتماعية واقتصادية ودينية وأخلاقية ونفسية، وانتفاضات طارئة غير محسوبة بدقة لكنها لا تخرج من السياق العام لحركة التغيّر المنطقي للإشياء.
   لو كانت تفاحة نيوتن الشهيرة – على فرض الأخذ بها – قد سقطت على رأس فلاح هل كانت تعني له شيئا يستحق التعليل أكثر من كونها ثمرة كانت قد نضجت فسقطت. لعلّ بالصدفة وقف على الغصن طائر صغير، أو هبت ريح خفيفة فعجّلت في االسقوط. لم تكن سببا، إنما الصدفة التي صاحبت السبب الحقيقي.
   هل كان المواطن البسيط صاحب العربة مثلا، سببا في تفجير الثورات في المنطقة العربية؟ هل أحرق الرجل نفسه لإحداث ثورة تطيح بالنظام، وتهزّ عروش أنظمة أخرى؟ أم هو اختيار الموت وسيلة للتخلص من القهر والفقر والهروب من سؤال من ينتظر أن يأتي له بالقوت في المساء؟
   من الطريف ما حدث لأخي قبل أكثر من ثلاثين عاما. خرج من البيت ليلا، وكانت الريح تعصف في الزقاق الضيّق. بعد دقائق معدودة سمعنا الصراخ: حرامي، حرامي!
   خرج أهل المحلة- الزقاق- ماذا حدث! قال جارنا وهو في حالة ذعر شديد: رأيته، رجلا طويلا، ضخم الجثة، يغطي اللثام نصف وجهه وعيناه تبرقان بشكل مخيف، بيده طبر عريض. كيف اختفى لا أدري والله؟! كأن الريح قد حملته الى السماء!
عاد أخي بعد ساعة تقريبا. قلنا له أين كنت؟ سمعت بقصة الحرامي الذي أراد السطو على بيت جارنا؟ الناس خائفون أن يكون ( أبو طبر) قد عاد مرّة أخرى!
   قال أخي: أنا الحرامي!! وبادرنا ونحن لانزال في حالة الدهشة وعدم التصديق: خرجت من البيت، ماهي إلا خطوات حتى وجدت الريح قد ضربت بعنف باب جارنا سيد سلطان، فانفتح الباب محدثا دويّا هائلا. ثم سمعت الصراخ: حرامي، حرامي! خفت وارتبكت، وبلا شعور أطلقت ساقي في اتجاه الريح التي حملتني معها وقذفت بي خارج الزقاق.
   لم نجرأ بعد ذلك أن نخبر جارنا بحقيقة ما وقع، مع أن المسألة كانت بسيطة جدا لا تسبب أي مشكلة في حالة معرفة حقيقة ما وقع. ربما لأننا خشينا أن يكذبنا جارنا ويصرّ على صحة ما شاهد، أو أن يتهم أخي أنه بالفعل من جماعة ( أبو طبر).
   رحل بوعزيزي رحمه الله، وبقيت العربة في سوق المزاد تبحث عن قنّاصي الفرص، ومن يركبها أولا!
وللحديث صلة...

3 - يوليو - 2011
كيف حسبتها يا أبا الطيب؟
 5  6  7  8  9