البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات صادق السعدي -

 3  4  5  6  7 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
أعاده الله على المسلمين بالخير والبركة والرضوان    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

تاريخ الصيام

للأستاذ أبو الحسن الندوي
 
الصوم في الديانات القديمة :
اشتملت جميع الأديان والشرائع المعروفة في التاريخ على الصوم ، وطالبت به جميع من كان يدين بها ، فمن أقدم الديانات ، والتي لا يزال عدد كبير من الناس يدين بها الديانة الهندية البرهمية ويحدث عنها الأستاذ T.M P,Mahadevan رئيس قسم الفلسفة في جامعة مدارس الهند ، وهو بشرح الصوم ومكانته في الشريعة الهندوكية والمجتمع الهندي :
" ومن الأعياد والأيام المحتفل بها في السنة ما خصصت للصوم الذي تقصد به تزكية النفس ، أن كل طائفة من الطوائف الهندكية تخصيص فيكفون عن الطعام ، ويسهرون الليل كله ، ويبيتون يتلون الكتب المقدسة ويراقبون الله ، ومن أعم هذه الصيام ، وأكثرها انتشاراً في الطوائف المختلفة ، (ويكنته إبكاوشي) الذي ينسب إلى (وشنو) فلا يصوم ذلك اليوم أتباع وشنو فحسب بل يصومه أكثر الناس ، فيصومون نهارا ، ويسهرون ليله.
ومن الأيام ما يصومها النساء فقط ، ويدعون الآلهة (مظهر صفات الله النسوية) في مختلف مظاهرها ، وتسمى هذه الأيام لأهميتها الخاصة بـ (برت) أو العهد ، وقد خصصت لتزكية الروح ، وغايتها تغذية الروح بالغذاء الروحاني " .
ولا يزال البراهمة يصومون في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من كل شهر هندي ، وهكذا يبلغ عدد الأيام التي تصام عند البراهمة 24 يوماً في كل سنة ، إذا حافظوا عليها وتقيدوا بها ، وقد فاقت الديانة الجينية في الهند في التشديد في شرائط الصوم وأحكامه ، فأتباعها يواصلون أربعين يوماً بالصوم.
ويظهر الصوم عند المصريين القدماء بجوار أعيادهم الدينية ، وكان صوم اليوم الثالث من شهر (تهسموفيريا) اليوناني خاصاً بالنساء عند اليونان ، ولا تخلوا الصحف المجوسية عن الأمر بالصوم والحث عليه ، ولو لطبقة خاصة ، وتدل آية وردت في بعض كتبهم المقدسة على أن صوم خمسة أعوام كان فريضة على الرؤساء الدينيين.
 
الصوم عند اليهود :
أما اليهود فقد كان الصوم يعتبر رمزاً للحداد والحزن عندهم في العهد البابلي ، وكان يلجأ إليه إذا هدد خطر ، أو إذا كان كاهن أو (ملهم) يعد نفسه لإلهام ، أو (نبوة) ، وكان اليهود يصومون مؤقتاً إذا اعتقدوا أن الله ساخط عليهم ، غير راضٍ عنهم ، أو إذا حلت بالبلاد نكبة عظيمة ، أو خطب كبير ، أو إذا أصيبت البلاد بوباء فاتك ، أو بجدب عام ، وفي بعض الأحيان عندما يعزم الملوك على مشروع جديد.
أيام الصيام المحددة الدائمة قديمة ومحدودة في التقويم اليهودي ، علاوة على يوم الكفارة ، يوم الصوم المقرر الوحيد في الديانة الموسوية ، وكانت هنالك أيام معينة للصوم الدائم ، في ذكرى حوادث أليمة ، وقعت لليهود في أيام الأسر في (بابل) وهي تقع في الشهر الرابع (تموز) وفي الشهر الخامس (آب) وفي الشهر السابع (تشري) وفي الشهر العاشر (تبت) ويرى بعض ربيي (التلمود) أن صيام هذه الأيام إجباري عندما يعيش الشعب الإسرائيلي تحت قسوة الحكومات الأجنبية وفي اضطهاد ، ولا تلزم عندما يتمتع الإسرائيليون بأمن ورخاء.
وزيدت إلى أيام الصيام هذه أيام أخرى ، تصام تذكاراً لكوارث ومآسي نزلت باليهود ، وأضيفت إلى الأول على مر الأيام ، وهي لا تعتبر إلزامية ، ولم تنل الحظوة الكافية عند الجمهور ، ومع اختلاف يسير يبلغ عددها إلى خمسة وعشرين يوماً.
وهنالك أيام صيام شعبية محلية تختلف باختلاف الأقاليم والمناطق التي يسكنها اليهود منذ زمن بعيد ، وهي تذكار كذلك لكوارث وخطوب أصيبت بها هذه الشعوب في أوقات مختلفة ، واضطهاد وقسوة تعرضوا لها في بعض الحكومات ، وأيام صياح تصومها بعض الطبقات دون بعض في ذكرى وقائع ومحن في تاريخ اليهود ، وفي ذكرى مآتم وأفراح في حياتهم الشخصية ، وصوم أول يوم من السنة شائع في كثير من الطبقات ، وهنالك أيام صيام تشرع ، ويأمر بها الربيون إذا تعرض الشعب لخطر ، أو تأخر المطر ، أو أصيبت البلاد بمجاعة ، أو صدرت مراسيم قاسية ، أو قوانين غليظة.
وأيام الصيام الشخصية المختارة التي يفضلها بعض الأفراد دون بعض شائعة في تاريخ اليهود منذ زمن مبكر ، وهي أيام صوم تذكارية لبعض الحوادث الفردية ، أو كفارة عن بعض المعاصي والآثام ، أو لجلب رحمة الله وعفوه عند خطر داهم ، أو بلاء نازل ، وصوم تلك الأيام لا يشجعها الربيون ، ولا يوافقون عليها إذا كان الصائم رجلاً علمياً ، أو أستاذاً معلماً ، حتى لا يشوش ذلك خاطره ، أو يضعف صحته ، وهنالك صوم يصام على إثر رؤيا مفزعة ، ولما كانت الشريعة اليهودية لا تسمح بالصوم في أيام الأعياد (فالتلمود) يبيح هذا الصوم في هذه الأيام ، بشرط أن يكفر عنه بصوم آخر في أيام عادية.
والصوم عند اليهود يبتدئ من الشروق ، وينتهي عند ظهور أول نجوم الليل ، إلا صوم يوم الكفارة ، واليوم التاسع من شهر (آب) فإنه يستمر من المساء إلى المساء ، وليس هنالك أحكام وتقاليد للصيام العادية ، وقد رغب في الصدقة وإطعام المساكين ، وخصوصاً توزيع العشاء المعتاد التقليدي.
إن الأيام التسعة الأولى من شهر (آب) وبعض أيام بين اليوم السابع عشر من شهر (تموز) وبين اليوم العاشر من شهر (آب) تعتبر أيام صوم جزئي فيحرم فيها تناول اللحوم ، وتعاطي الخمور فقط.
 
الصوم عند المسيحيين :
أما الصوم عند المسيحيين فيطول شرحه وتفصيله ، لأن الديانة المسيحية هي من أقل الديانات تشريعاً فقهياً وأحكاماً كلية تشمل أدوار التاريخ والمجتمعات المسيحية والطوائف الدينية كلها وأكثرها تطوراً مع الزمن والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية أحياناً ، ولذلك يصعب أن يطلق عليها اسم شريعة إلهية ، وقد حاولنا أن نقدم صورة موجزة عن الصوم عند المسيحيين وما مر به من أدوار وأطوار :
المسيح صام أربعين يوماً قبل أن يبدأ رسالته ، ومن المرجح أنه كان يصوم يوم الكفارة ، الذي كان الصوم المفروض في الشريعة الموسوية ، ككل يهودي مخلص ، إنه لم يشرع أحكاماً للصوم ، إنه خلف المبادئ وترك كنيسته تقنن قوانين لتطبيقها ، وليس لأحد أن يزعم أنه أصدر قوانين عن الصوم رأساً ، إننا نقرأ في المصادر المسيحية حديثاً عن صوم (بولس) والمسيحيين الأولين ، إن المسيحيين الذين كانوا من السلالة الإسرائيلية ظلوا يصومون يوم الكفارة ، وينوه به الراهب بيوك كيوم يحتفل به ، ولكن المسيحيين الذي ينتمون إلى أصول أخرى لم يلحوا على ذلك.
وبانتهاء القرن المسيحي الأول ونصف قرن بعد وفاة القديس (بولس) نواجه رغبة ملحة في تقنين القوانين للصوم ، وقد كان ذلك مولاً إلى تقوى الصائم ، نرى الرهبان وبعض رجال الكنيسة يقترحون صياماً ليقاوم به المسيحيون الإغراءات المادية والجنسية ، وكان يسود في ذلك العصر شعور بالواجب ، وتحذير عن أن يظل الصوم عملاً خارجياً لا يؤثر في نفس الصائم ، ويتحدث القديس (ايرينيس) عن أنواع الصيام ، منها ما يستغرق اليم ، ومنها ما يستغرق يومين ، أو بضعة أيام ، ومنها ما كان يستغرق أربعين ساعة متوالية ، وقد استمر هذا الوضع مدة طويلة ، وكان صوم (جمعة الآلام أو الصلبوت) صوماً شعبياً عاماً ، وكان صوم يوم الأربعاء ويوم الجمعة في كل أسبوع شائعاً في بعض الأقطار في القرن الثاني المسيحي ، وكان الذين ينتظرون الاصطباغ (التعميد) يصومون يوماً أو يومين ، وكان يشترك فيه الذين يأخذون الاصطباغ والذي يتولى ذلك.
وهنالك خلافات جزئية في مناهج الصوم وأحكامه في الطوائف المسيحية ، وقد نال الصوم قسطاً كبيراً من التنظيم والتقنين في فترة بين القرن الثاني والقرن الخامس المسيحيين ، فقد أصدرت الكنيسة قائمة أحكام وتوجيهات عن الموضوع ، وقد اتسم الوصم بصلابة وشدة في القرن الرابع ، فقد انتقل من طور الرقة والتوسع المرونة إلى طور الصلابة والغلظة والتدقيق ، وقد حدد اليومان اللذان يسبقان (عيد الفصح) بالصوم في هذا العصر ، وكان الصوم في هذين اليومين ينتهي في نصف الليل ، والمرضى الذين لا يستطيعون أن يصوموا في هذين اليومين كان يسمح لهم أن يصوموا يوم (السبت) وقد سجلت في تاريخ المسيحية والمسيحيين في القرن الثالث أيام الصوم ، وكان هنالك اختلاف في نهاية الصوم ، فكان بعضهم ينهي ويفطر عند صوت الديك ، وبعضهم إذا أرخى الليل سدوله.
أما صوم أربعين يوماً ، فلا يوجد له أثر إلى القرن الرابع الميلادي ، وكانت هنالك عادات وأوضاع للصوم تختلف باختلاف التي يسكنها المسيحيون ، فكان في (روما) صيام يختلف عن الصيام في (لانان) و (الإسكندرية) وكان بعضهم يمسك عن تناول الحيوانات خلافاً لغيره ، وبعضهم يجتزئ بالسمك والطيور ، وبعضهم يضرب عن البيض والفواكه ، وبعضهم يجتزئ بالخبز اليابس ، وبعضهم يكف عن كل ذلك ، وقد شرعت أيام أخرى للصوم في القرون المتأخرة تذكاراً لحوادث وأيام تتصل بحياة المسيح وبتاريخ المسيحية يطول عدها ، منها ما كان يستغرق ثلاث ساعات ، وأربعاً ، ويمسك فيها الصائم عن الأكل والشرب ، وقد حددت أيام مختلفة في القرون الوسطى للصوم في العالم المسيحي ، تطورت مع تقدم الزمن ، وهي تختلف باختلاف الاقاليم والبلاد التي تحكم عليها الكنيسة المسيحية.
وبعد الإصلاح حددت الكنيسة الإنجليزية أيام الصوم ، ولم تقنن قوانين وحدوداً للصائمين ، تاركة ذلك لضمير الفرد وشعوره بالمسؤولية ، ولكن قوانين البرلمان الإنكليزي في عهد (إيدورد الساس) و (جيمس الأول) و (مرسوم اليزيبت) فرض الإمساك عن اللحوم في أيام الصوم ، وبرر ذلك بقوله : (إن صيد السمك ، والتجارة البحرية ، يجب أن تجشع وتربح).
لذلك لما شرع الله الصوم في الإسلام ، وفرضه على المسلمين ، قال : { يا أيها الذين آمنوا كتب
عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } .
 
صيام مجموعة متتابعة ، أم متشتتة موزعة ؟
وكانت الأيام التي تصام في كثير من الديانات القديمة ، وعند طوائف من الأمم أياماً موزعة مبعثرة في طول السنة ، تتخلل بينها فترات طويلة تفقدها التأثير في الأخلاق والميول والعادات ، ولا تجعل النفس تنصبغ بها ، فكان من المصلحة والحكمة أن تتوالى هذه الأيام وأن تتكرر ، يقول شيخ الإسلام الدهلوي رحمه الله :
" يجب أن يكون الإمساك فيها متكرراً ليحصل التمرن والانقياد ، وإلا فجوع واحد أي فائدة يفيد ، وإن قوي واشتد".
وقد جاء التشريع الإسلامي للصوم مستوفياً لجميع هذه الشروط والصفات ، محققاً لجميع هذه الأغراض والنتائج الروحية والخلقية ، والنفسية والاجتماعية وكان ذلك صيام رمضان الذي فرضه الله على المسلمين.

19 - أغسطس - 2010
بارك الله لكم في رمضان
ورطة الفيلسوف    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

     يُرجع كثير من الدارسين أسباب العبقريّة والتفرد والنبوغ الفكري عند البعض الى شذوذ ما في دماغ الكائن البشري، هذا الشذوذ يجعل العقل يشتغل في مسار ونمط تفكير يختلف عما عليه العقل وأنماط التفكير عند سائر الناس. هذا العقل لا يأخذ في الغالب بالمقدمات أو المسلّمات التي يقبلها الآخرون، ولا يسلك طريقهم ومنهجهم في النظر و البحث واستنتاج الفروض، فتكون نتائجه بالضرورة مغايرة ومختلفة بل صادمة بطبيعتها غير المنطقيّة.
 
     هناك جزء ما معطّلٌ عند هؤلاء. إنّه الجزء الهام المهيمن على حركة نشاط الدماغ والمُنظّم لسيرهه في اتجاه يمكن أن نطلق عليه طريق الأمان أو سكّة السلامة. من حسن حظ هؤلاء أو لسوء حظهم، أنّ هذا الجزء المُعّّطل في العقل يؤدي الى تثبيط جزء في غاية الأهميّة من النشاط الحيوي للدماغ في مفهومه العام.
 
     إنّها تجاوز النقدية المنطقية التي تضطرنا لجسّ كلّ لفظة قبل أن ندرك معناها، ومقاومة كلّ إيحاء يأتينا من خارج ذواتنا والحذر من كلّ ما هو مخالف للمألوف كما يرى بعض العلماء من  المهتمين  بدراسة الدماغ ووظائف الأعصاب.
 
     ذلك الجزء المستقر والمراقب لنشاط الفكر عموما ، والذي يوجّه العقل باتّجاه سكّة معينة وطريق آمن غير محفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه الجزء الفطري الموروث من الأسلاف الغابرين، الذين كانوا يواجهون الطبيعة بمخاطرها المتعددة والمختلفة بالمخلب والظفر.
 
     فلمّا سقط المخلب، وأصبحت الأظفار ناعمة، لم يسقط معها هذا الجزء بل بقي قابعا في تلافيف الدماغ يمارس عمله مرة في الدفاع، وأخرى في الهجموم بدافع الرغبة في البقاء .
 
     هذا الجزء مفقود عند من يُعرفون بالشواذ أوالخارجين على الرأي العام، ومن يحلوا للبعض أن يُطلق عليهم صفة العبقريّة!
 
   هؤلاء أغرتهم عقولهم، فانتهت بهم الى الجنون. وليس ذلك ناشئا عن الشيخوخة أو السنّ، كما يقول عبد الرحمن بدوي في كتابه عن شوبنهور: بل هو ناشيء من هذا الإجهاد العقلي المستمر. فليس بغريب إذا أن نجد كثيرا من العباقرة قد انتهت حياتهم العقليّة بالعته والجنون، فقد استحال كَنْت الى طفل، وولتراسكوت ووردزورث وآخرين كُثر من أقربهم نيتشه، قد انتهوا الى الجنون أو الى خمود فكري مطلق. أما جيته فقد استمرّ حتى اللحظة الأخيرة محتفظا بقوّة عقله ونصاعة روحه ونشاطه، لسبب بسيط، هو أنه رجل دنيا ورجل بلاط، فلم يجهد نفسه مطلقا في عمل ذهنيّ مجرّد. ومثل هذا يقال أيضا عن رجل مثل فولتيرأو فيلند أو كنيبل. ص 198
 
هؤلاء لا ينتظمهم سلك واحد، لكنّهم جميعا  يغرّدون خارج السرب.
 

20 - أغسطس - 2010
الهرمنيوطيقا
قياس إبليس    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

طـرق  الـباب كثيرا لم يجد في الباب مسلكْ
قـطـة  عمياء iiكانت مـن سواد الليل iiأحلكْ
ودبـيـب iiمـخـمليٌّ كم  من الماضين iiأهلكْ
راسـخٌ  كان iiاعتقادي يـومـهـا  لم iiأتشكّكْ
جـاءني  يحمل iiوجها كـيـفـما شاء iiتحرّكْ
وكـتـابـا  iiأعـجميّا ولـسـانـا  iiيـتفذلكْ
وجـه  إبـليس iiولكن وجـهـه  الآخر iiمَألَكْ
فـأرى شـيخا iiيصلّي وغـلامـا  iiيـتـهتّكْ
تـسقطُ الأشياء iiحولي ويـقـيـنـي  iiيتفكّكْ
هـو قد فرّ من iiالشرك وبـالـحـقّ iiتـمسّكْ
صـار  شيطانا iiرجيما مـا  له لو كان iiأشركْ
ومـضى  يسخرiiمنّي يـفتل الحبل iiويضحكْ
   
 

23 - أغسطس - 2010
الهرمنيوطيقا
الأخلاق وفلسفة التديّن 1    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

 
      

لاصلّى ولا صاما

 

 

 

     في نهاية السبعينات من القرن الماضي، نشرت إحدى الصحف الفنية العراقية صورة ممثلة عربية غطّت تماما صفحة كاملة من صفحات تلك المجلة بعنوان عريض، وعريض جدا: الفنانة.... تعتزل الفنّ من أجل صاحب الجبهة السمراء. وصاحب الجبهة هذا كان من كبار أمراء أحدى الدول العربية. كانت الحكومة العراقية حينها على خلاف مع الدولة التي ينتمي إليها هذا الأمير. ثم حدثت الحرب بين العراق وإيران، فكان بين البلدين حلف متين وصداقة استمرّت حتى دخول الجيش العراقي الكويت.

 

    وبدأت شيئا فشيئا تنتشر ظاهرة اعتزال الفن في فترة سياسية قلقة وخطيرة من تاريخ المنطقة العربية والشرق الاوسط عموما. وارتفعت الأصوات هنا وهناك تدعوا العرب والدول الإسلامية للتصدي لما عرف بالمد الثوري الخميني، وخطورته على الإسلام السني.

 

    وكان الغليان يغطّي الشارع العربي ومعاهدة كامب ديفد لم يجف حبرها بعد، والتيّارات الإسلاميّة ناشطة تتحرّك في جميع الإتجاهات. والحديث عن وحدة مرتقبة بين العراق وسوريا. ثم وصول صدام حسين الى الحكم واجهاض فكرة الوحدة لأسباب ليس محلها موضوعنا هذا.

 

    وتحرّكت أغلب الدول العربية باتجاه وقف ما رأته زحفا فارسيّا للهيمنة على المنطقة، يغذّيها قلق الغرب وخوفه من خروج الأمر عن السيطرة وتمكن إيران بالفعل من ابتلاع ما يحيط بها من الدول العربية والإسلامية واحتقان طائفي لايمكن معرفة عواقبه.

 

     في وسط هذا التوتر السياسي كان هناك تحرّك حثيث من قبل التيّارات الإسلاميّة وعلى رأسها السلفيّة للعمل في مجال الدعوة وتنشيط المؤسسات الدينية. ووجد هؤلاء دعما سخيّا من قبل الحكومات وبعض الأمراء ورجال الأعمال والجمعيّات الخيريّة...

 

     لم تكن الفضائيّات قد ظهرت بعد. كانت بعض الصحف تعمل بغرض الفضيحة والرواج للصحيفة على نشر أخبار وفضائح بعض الأمراء أو الأثرياء من العرب وعلاقاتهم ببعض الفنّانات. فلان الأمير تزوّج من الفنانة الفلانية زواجا عرفيّا لمدة شهر ثم طلّقها مقابل مبلغ طائل من المال، وفلان الثري يقيم علاقة غير شرعية مع الممثلة ... وهكذا. ثم دخل على الخط بعض المشايخ والوعّاض وربما علماء دين من باب النصيحة والإرشاد. فارتفعت حمّى التديّن واعتزال الفن وارتداء الحجاب.

 

    وظهرت الفضائيّات. وبدأنا نشهد نمط جديد من وسائل وطرق الدعوة الى الله. شبابا وشيوخا، فنّانين وفنّانات. وذُكر- والله العالم- أنهم كانوا يحصلون على دعم مادي كبير من قبل جهات عديدة، ومن شخصيّات ثريّة في الوطن العربي.

 

     ومنذ أعوام قليلة أخذت هذه الظاهرة في الإنحسار تدريجيّا، ظاهرة اعتزال الفن، أو تذبذب أصحابها بين التوبة والأوبة، ارتداء الحجاب ثمّ خلعه، ترك الفنّ والعودة إليه ثانية. لاسيّما هذا العام.

 

    ولا أعلم هل تخلّت الجهات التي كانت ترعى هؤلاء ماديّا، وتوفّر لهم الملاذ الآمن في الفضائيّات؟! بعد انحسار الموجة، والعمل التضامني في التصدّي للتطرف الديني ومكافحة الإرهاب!

 

     بعض هؤلاء الفنّانين من حلق لحيته، ومنهم من تركها، محتفظا بها وبلباسه الديني في التمثيل! وبعض الفنّانات عادت للساحة الفنية بحجابها، لتلعب أدوارا تراها مناسبة لسنّها لا تخدش الحياء ولا تخرج على ثوابت الدين. والتي لم يترهّل جسدها، ولم تظهر على وجهها التجاعيد والغضون بعد، تركت الحجاب  للضرورة الفنّية!

 

     هؤلاء الفنّانون والفنّانات في مشكلة فعلا، فالجهات التي كانت ترعاهم بغض النظر عن الغاية أو الهدف من ذلك، قد انسحبت وتخلّت عنهم. والمشايخ والدعاة الذين كانوا وراء اعتزال كثير من هؤلاء، قد مضى الى ربّه، والتحق من تبقّى منهم في صفوف الداعين الى الإعتدال في الدين، ونبذ التطرف والتعصّب! وبعض من هؤلاء كانوا أشدّ الناس تعصّبا وتطرّفا، ومن عباءتهم خرج جيل هو اليوم من ألدّ أعدائهم.

 

     قد نعذر من عاد الى كاره القديم لضرورة العيش، ولكن ما مصير الشباب المسلم الذي تعلّق بهم ورأى الدين من خلال كلامهم وماهم عليه من شهرة وكارزمة وقوة تأثير في عقول الناشئة. ما هو ردّ الفعل عند أصحاب التديّن من خلال الفضائيّات وهم يُقبلون على الدين بحماسة الشباب وقدوتهم هؤلاء، يحدثونهم عن قصص القرآن وأحاديث الرسول الكريم وعاقبة من آمن واتقى ونهى النفس عن الهوى، والشهقات والدموع الساخنة، والصدق الذي ما فوقه صدق من الإيمان والخشوع والتوبة والعودة الى الله وطلاق الدنيا طلاقا لا رجعة فيه.

 

صلىّ وصام لأمر كان يطلبه           لماّ انقضى الأمر لا صلىّ ولا صاما

                                                                                                                                                                                                  

 

                                                                                                                                                                                    
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              

29 - أغسطس - 2010
الهرمنيوطيقا
الأخلاق وفلسفة التديّن 2    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

  
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا
 
 
    هي علاقة غير مقدسة تلك التي يعقدها رجال الدين مع الانظمة الحاكمة في كل زمان ومكان. الحاكم المستبد يلجأ الى رجل الدين لأنه بحاجة الى إضفاء الشرعيّة على حكمه، ورجل الدين يحتاج الى الحاكم أيضا عندما يتحول الدين الى فرق وطوائف متناحرة يحاول كل فريق منهم أن يستعين بالسلطة السياسية القائمة لضرب خصومه أو إضعافهم أو القضاء عليهم. وهو لايرى وربما لا يشعر بأنّه يخالف في ذلك ما أمر به الشرع. مادام في عرفه يحارب البدع ويتصدّى لأهل الأهواء والفرق الضالة كما يراهم هو. وقد يضطر رجل الدين غير المتضامن أو المشتغل في القضاء أو الفتوى أو أعمال حكومية الى السكوت تجنبا لغضب الدولة وصولة السلطان ومعرته. وهذا يكفي لولاة الأمر لأن السكوت علامة الرضى والقبول وهو يُفسّر في كل الأحوال لصالحهم. الى جانب من يمدّهم بالفتوى السلطانية. فيكون الحاكم ظلّ الله على الأرض وخليفته، ولو ضرب ظهور الخلق بالسياط، واستبدّ بالحكم، وأذاق العباد ألوان العذاب والظلم والهوان. ولو كان فاسقا، مستهترا ما دام يصلّي ويصوم، فخلافته معصومة وحكمه نافذ. فحاكم ظالم خير من فتنة عمياء.
 
     ومنذ أن دبّ الخلاف بين الفرق الإسلامية العديدة، أصبح الجدل والخصومة واللجاج في العقيدة هو السمة الأكثر ظهورا في المجتمع الإسلامي نتيجة اختلاطه بالأمم الأخرى، واطلاعه على علومها وعقائدها وتحوّلت مساجد المسلمين الى مكان يجتمع فيه المسلمون للجدل والنقاش والكلام عن كتاب الله، وتفسيره وتأويله والحديث عن الذات والصفات، والعرش وحقيقة الإستواء والصفات الموهمة للتجسيم والتشبيه وغيرها بمناهج لم يعرفها المسلمون الأوائل من قبل.
 
    واتسع ميدان الخلاف الى الخوض في الشأن السياسي وما اختلف فيه الصحابة وما وقع بين بعضهم من شجار أو أفضى الى نزاع وحروب. فكان الحديث عن الخلافة، وتقدم هذا الصحابي أوتأخره عن غيره في الفضل والصحبة، والنزاع والحرب التي وقعت بين الإمام علي ومعاوية وما أفرزته من ظهور مصطلح أهل السنة والجماعة بعد صلح الحسن مع معاوية، مقابل ظهور فرق أخرى كالشيعة والخوارج والمعتزلة والزيدية...
 
     وتفرع الخلاف في العقائد والكلام وتشعبت أوديته على خلفيّة الخوض في كتاب الله والنزاع في مسألة خلق القرآن، والقضاء والقدر، ومرتكب الكبيرة وحكمه. واختلط الغرض السياسي في ما هو من جوهر الدين وصلب العقيدة. فتسيّس الدين، وتديّنت السياسة. فلم يتورّع رجل الدين من التحالف مع الحاكم لضرب خصومه ومخالفيه في العقيدة. كما استغلّ الحاكم رجل الدين واشترى صوته ورأيه وفتواه مرّة بالرضى والإغراء، ومرة بالإكراه والتخويف والإبتزاز.
 
    فالمعتزلة مثلا علا كعبهم وصارلهم نفوذ وسلطة في ظلّ الخليفة المأمون، ومن بعده المعتصم، وقويث شوكتهم، ومضوا يغذّيهم الغرور والتعصب العقدي الى ملاحقة مخالفيهم واضطهادهم بمعونة السلطة الحاكمة. وتعرّض كبار العلماء الى صنوف المحنة والبلاء والسجن والتعذيب الجسدي والإهانة والتحقير. فنبذهم الكثير من العامة واستنكروا فعلهم. فخسربذلك المعتزلة ما قاموا به من جهد عظيم في التصدي لحملات التشكيك في الدين، والهجوم على ثوابت العقيدة من بعض الفرق الأسلاميّة أو من اليهود والنصارى.
 
    وتولّى المتوكّل خلافة المسلمين فأدار ظهره للمعتزلة، ونصر خصومهم وقرّب العلماء والفقهاء منهم. حتى قيل عنه: محي السنة ومميت البدعة. وانقلب الأمر وتغيّرت الحال، وأصاب المعتزلة من المحنة والبلاء والشدّة الكثير على أيدي خصوم بالأمس. و لم يكن المتوكّل على شيء من التقوى والورع، بل كان مقتله في ليلة حمراء للطرب والغناء ومعاقرة الخمر. وقد وصف أحد الشعراء ذلك بقوله:
 
هكذا فلتكن منايا الكــرام         بين ناي ومزهر ومـدام
بين كأسين أروتاه جميعا        كأس لذّاته وكأس الحمام
 
     وعندما يتماهى الدين مع السياسة، تسقط الفروق الجوهريّة بين ماهو ديني وما هو سياسي، بين كلام الله وكلام الفقيه أورجل الدين. ولمّا لم يكن بالإمكان التلاعب بالفاظ النص المكتوب المجمع عليه بين الفرق الإسلاميّة على اختلافها، يجد الجميع في الإجتهاد والتفسير والتأويل بابا واسعا للدخول إليه بأفكارهم وأهوائهم ونوازعهم.
 
     من هنا نشهد بداية التنازع على ملكيّة النص. كل فرقة من الفرق تزعم لنفسها حق الكلام والتمثيل الرسمي لعقيدة الإسلام، ومن يخالفها فهو على ضلالة.
 
     ولما كان كلّ طرف لديه من الأدلة والبراهين والإستشهاد بنصوص الكتاب والسنة، تصبح هذه الأدلة ومادتها من النصوص متكافئة الى حدّ بعيد، وترجيح هذا الدليل على ذاك في أجواء من التعصّب والهوى يكون بلا معني وغير ملزم لأي من الأطراف المتنازعة.
 
      فلا بدّ وقتها من وجود طرف يمتلك من القوةّ والسلطة القاهرة كي ينهي التنازع القائم، ويقضي على الخلاف لصالح هذا الطرف أو ذاك. ولا شكّ أنّ هذا الطرف هو سلطة الدولة، فهي وحدها القادرة على القيام بمثل هذا الدور الحاسم للنزاع. وهذا هو حال كلّ الدول الدينية عبر التاريخ. وبقدر ما تأخذ السياسة من الدين، يأخذ الدين من السياسة، فيداهن الحاكم العالم والفقيه طمعا في شرعيّة حكمه وتصرفه في شؤون الدولة وأمور العامة. ونرى رجل الدين في مقابل ذلك لا يبخل على الخليفة أو السلطان في الفتوى التي تمنحه تلك الشرعية في ولاية الأمة.
 
     ومن الإنصاف القول أن التاريخ قد شهد لكثير من العلماء والفقهاء مواقف مشرفة في التصدي لإنحراف الحاكم واستبداده وظلمه. لكن هؤلاء قد طوى ذكرهم التاريخ واندثرت مذاهبهم في مجال الفقه والعقيدة. لأنهم لم يجدوا دولة تعيد لهم الإعتبار وتنصرهم  على من خالفهم وقد تجعل من مذهبهم بعد ذلك مذهبا رسميّا للدولة.
 
     يقول محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلاميّة أن المذهب الحنفي كان مذهب الدولة العباسيّة الرسمي، فمكث بهذا أكثر من خمسمائة سنة يطبق في نواحي البلاد الإسلامية، وذلك لأن الرشيد عين أبا يوسف قاضيا لبغداد، وما كان القضاة يعيّنون إلا باقتراحه في كل الاقاليم، فكان لايعيّن إلا من يعتنق المذهب العراقي، وبذلك عمّ وشاع.... وكان يخفّ كلما خفّ سلطانها... ونازع المذهب الشافعي والماكي في مصر بسلطانه الرسمي، ولم يكن له سلطان شعبي، حتى جاءت الدولة الفاطميّة فأزالت ذلك السلطان، وأحلّت المذهب الشيعي الإمامي، حتى أذا حلّ محلهم الإيوبيّون قووا نفوذ المذهب الشافعي، حتى إذا جاء نور الدين الشهيد، فأراد نشر المذهب الحنفي في الشعب، وأنشأ له المدارس، ولما جاءت دولة المماليك جعلت القضاء بالمذاهب الأربعة، حتى آل الأمر الى محمد علي، فأعاد الى المذهب الحنفي صفته الرسميّة منفردا. ص 381 –382
 
     وفي موضع آخر من كتابه يقول أيضا: وفي بلاد تونس انتشر المذهب المالكي، ولكن غلب عليه المذهب الحنفي مدة سلطان أسد بن فرات الذي كان مالكيّا ثم تحوّل حنفيّا إذ درس على الإمام محمد بن الحسن كتب الفقه العراقي، ثم جاء المعز بن باديس فحمل أهل تونس وما والاها من بلاد المغرب على مذهب مالك، ولا تزال هذه البلاد تتعبد على مقتضى المذهب المالكي. ثم ينقل كلام ابن حزم حيث يقول: مذهبان انتشرا في بدء أمرهم بالرياسة والسلطان: الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس. ص 423
 
 
 

2 - سبتمبر - 2010
الهرمنيوطيقا
الأخلاق وفلسفة التديّن 3    كن أول من يقيّم

 
حليب السباع
 
 
 
     كانت للأخطل منزلة كبيرة عند عبد الملك بن مروان، يقدمه على سائر الشعراء، ويخصّه بالجوائز السنيّة، ويدعوه شاعرالخليفة. وفي كتب الأدب أنّه كان  يدخل عليه وهوسكران، والخمرة تقطر من لحيته والصليب يتدلّى على صدره. فقال له عبد الملك  يوما: لم لا تسلم؟
فقال: فكيف بالخمر؟
قال: ماتصنع بها؟ إنّ أولها لمرّ وإنّ آخرها لسكر
فقال الأخطل: إن بين هاتين يا أمير المؤمنين، لمنزلة ما ملكك فيها إلا كعُلْقة من ماء الفرات بالاصبع. ثم أنشد:
 
إذا صاحبي ما علّني ثمّ علّنـي            ثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجتُ أجرّ الذيل تيها كأنني           عليك أمير المؤمنين أميــر
 
    وكما كان لفقه أبي حنيفة انتشار واسع في العراق، كان له أيضا جانب اجتماعي ونفسي يظهر من خلال مفهوم العراقيين للخمر. فالخمرة  في عرفهم ماتركت صاحبها مسطولا أو كما يقولون بالعاميّة:(مطي) والمطي هو الحمار. والخمرة عندهم هي العرق وهو ما كان أثره في الإسكار شديد. مقابل النبيذ أو ما يسمّونه بالبيرة غالبا. فالنبيذ ليس هوالخمرة التي بمعنى العرق وإن كانوا يقولون بحرمته. وللعرق مغزى اجتماعي ودلالة نفسيّة يمكن ملاحظتها من خلال إطلاق عامة الناس على العرق أو الخمرة المرُكّزة:( حليب السباع) لما تفعله في عقل شاربها من النشوة والإندفاع والجرأة على الفعل مهما عظم خطره، ومهما كانت نتائجه والعواقب المترتّبة عليه. فقد كان الرجل إذا تخاصم مع آخر، ثم ذهب الى بيته فشرب مقدارا من الخمر، تذكّر الخصومة، ولزّته كرامته، واندفع بلا شعور منه الى البحث عن خصمه والسؤال عنه. وغالبا ما يتناول أقرب سلاح يقع بين يديه يستعرضه في الشوارع أو الأزقة نفخا في رجولته المجروحة التي لا يداويها غير الدم والنيل من غريمه. وقد قال حسّان في الجاهليّة:
 
ونشربها فتتركنا ملوكا          وأسدا ما ينهنها اللقاء
 
      وأنفقت الولايات المتحدة في ثلاثينات القرن الماضي عشرات الملايين بما لها من قيمة في ذلك الوقت في الدعاية لبيان أضرار الخمر على الصحة البدنية والنفسية، وما لها من آثار أجتماعية واقتصادية سيئة على الفرد والأسرة والدولة. ولم تفلح تلك الجهود، وباءت جميعها بالفشل. وازدهرت بدل ذلك صناعة الخمور وزاد الإقبال عليها.
 
     وليس من المغالاة في القول أنّ قلة من الناس من لم تغوهم الخمرة في مراهقة أوشباب، وقد يعافها البعض منهم بعد ذلك. وكثيرمن هؤلاء يصلّون ولكنّهم يجمعون بين الصلاة وشرب الخمر. فإذا جاء رمضان جعلوه خالصا لله وانقطعوا عنها طيلة الشهر الفضيل. فالخمرة رمز للفحولة عندهم، وعنوان للأريحية وانبساط النفس وهروب من هموم الحياة ومشاكلها.عرفها البدويّ كما عرفها الحضريّ ولم يكن يخلوا منها بيت من بيوت العرب في الجاهلية، وظلّت بعض بيوتهم عامرة بالدنان حتى بعد مجيء الإسلام. وقد قالوا فيها من الشعر ما لم يقولوا في جمال المرأة ومفاتنها.
 
     ومن غريب ما قرأتُ أن المسلمين شربوا الخمرة في معركة بدرليرفع ذلك من معنوياتهم ويزيدهم جرأة وإقداما على الحرب، فلا يهابون عدوهم الذي كان يتفوّق عليهم في العدة والعدد.
 
     وهكذا يكونون شهداء بدر وهم أكرم الشهداء عند الله، قد سقطوا في ساحة الجهاد مخمورين!
 
     وقال البعض بلا تحرّج- من وحي هذه الروايات وأمثالها- أن الإسلام لم يحرّم الخمر، بل أمر باجتنابها! فليس في نصوص القرآن ذكر لحدّ الخمر، ولا في السنة الصحيحة المتواترة حكم، وانما هي أخبار آحاد! واجتهاد الفقهاد. وقد اختلفوا في حكم الخمر هل هو المسكر من العنب فقط أم هو كل ماخامر العقل سواء كان من العنب أو التمر أو الشعير. فأصبح اختلافهم موضوعا لتندر الشعراء وخلاعتهم .
 
فقال ابن الرومي في ذلك:
 
أحلّ العراقيّ النبيـــذ وشربـــه           وقال الحرامان المدامة والسكر
وقال الحجازيّ الشرابان واحد           فحلّت لنا بين اختلافهما الخمـر
 
    وعقوبة شارب الخمريجتهد في تقديرها الحاكم الشرعي. وقد اختلف الصحابة في ذلك  فمنهم من جعل الحدّ أربعينا سوطا، واستشار عمر الناس فاشار عليه عبد الرحمن بن عوف باخفّ الحدود وهي الثمانين فأخذ عمر برأيه. فلماذا لا نجتهد كما اجتهدوا، ونقيس كما قاسوا، ونستفيد أحكاما جديدة. فهم رجال ونحن رجال!
 
     وقد شرب المسلمون الخمر في عهد الصحابة وبعد عهدهم، و سعيد بن المسيب وهو من فضلاء التابعين كان ينكر حدّ الخمر ويقول في شاربه: من يستطيع أن يغطّيه بردائه فليفعل! وكانت موائد بعض الخلفاء والوزراء والقواد وغيرهم عامرة بكؤسها المترعة. هذه كلها أدلة نفهم منها أن الشرع يأمرنا باجتنابها تنزيها وارشادا لما فيها من ضررلا بتحريمها. كما ينصح الطبيب المريض باجتناب بعض الأطعمة والأشربة على سبيل الوقاية والإحتراز.
 
   وإذا كانت هذه الطامة من الروايات والأخبار وكلام من يحلو له الكلام على الورق، فالطامة على أرض الواقع أدهى وأمر. 
 
ونسأل الله العافية.
 

8 - سبتمبر - 2010
الهرمنيوطيقا
عيد مبارك    كن أول من يقيّم

كل عام وأنتم بخير أصدقاء الوراق الأفاضل
 
تقبّل الله صيامكم وأجزل ثوابكم
 
وجعلنا وإياكم ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه
 
 

10 - سبتمبر - 2010
العقل فوق المنصة
بارك الله بعيدك هكذا نوم بريدك    كن أول من يقيّم

تقبل الله صيامكم أستاذنا العزيز زهير
وكل عام وأنتم والعائلة الكريمة بخير
وفقكم الله في عملكم ورفع من شأنكم

وأحسن عاقبتكم وجعل أيامكم كلها أفراح ومسرّات
وهنيئا الحلوى الشاميّة
__________
وبارك الله لك أستاذنا الأكرم صيامكم وعيدكم وأعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية باليمن والخير والبركة وليعذرني أساتذتي أني لن أتمكن كما يبدو من فتح موقع الوراق، فكلما حاولت فتحه ظهرت لي رسالة تدل على عطل فني، وكما يقال: (الاسكافي حافي والحايك عريان) وكل عام وكل الأصدقاء الكرام بخير ورضا من الله....... زهير

10 - سبتمبر - 2010
طريق الحق (شعر طانيوس عبده)
الأخلاق وفلسفة التديّن 4    كن أول من يقيّم

 
الأم مدرسة ( مهداة الى ضياء )
 
 
    وجّه كنت نقدا لاذعا للعقيدة المسيحية ورجال الكنيسة الذين أفرغوا الدين كما رأى من محتواه الأخلاقي والعملي الى مجرد طقوس وعبادات شكلية مجرّدة من أي معنى روحي أودور إيجابي في إصلاح الفرد وقيادة المجتمع. كما شنّ حملة شعواء على رجال الدين بوصفهم أدواة الطغيان لكل حكومة فاسدة، ونظام سياسي مستبد. وما شفع له أن لا يكون عرضة لنقمة الدولة وأذى الكنيسة هو كبر سنّه، وتعبيره الفلسفي الذي يصعب فهمه إلا لقلة لا يُخشى منها ضرر. وأنه كما ذكر عبد الرحمن بدوي في كتابه عن شبنهور:( قد وجِد في ظرف لم يتحقق إلا نادرا جدا في التاريخ، وهو أن الذي حماه كان فيلسوفا، إذ كان على العرش آنذاك فردريك الأكبر، ولولا هذا لما استطاع كنت أن يخرج كتابا مثل( نقد العقل المجرد). وأصدق شاهد على هذا أنّه لم يكد هذا الملك الفيلسوف يموت، حتى شعر كنت بحرج مركزه، ووقع في خصومة عنيفة مع الحكومة البروسية. ولما لم يكن متأهبا لهذا النضال وغير مستعد للإستمرارفيه، نظرا لتقدم سنّه، فقد اضطرّ الى المهادنة والتسليم. فساوم، ولكن على حساب مذهبه. فأخرج للناس طبعة ثانية ( لنقد العقل المجرد) شوه فيها مذهبه الأصلي وقصّ من أجنحته فجاء متناقضا مع فكره الحقيقي). ص 12 – 13.
 
     لقد  شدّد كنت على الوازع الخلقي وفكرة الواجب لا الشكل الظاهري في ممارسة الطقوس والعبادات الدينية. والواجب هو فعل مطلوب  لذاته بقطع النظر عن الفائدة أو حتى الضرر الذي يترتب عليه، كونه ضرورة أخلاقيّة قبل كل شيء.
 
    ومع خطورة فلسفة كنت في الأخلاق والتي تعد الأهم والأشهر في تاريخ الفكر الفلسفي، ولها قيمتها الإنسانية في مجال الفلسفة والدين والسياسة، إلا انها كانت فلسفة حالمة وميتافيزيقيا بعيدة عن منطق الواقع العملي. فالأخلاق التي أراد كنت أن يقيم فلسفته على قاعدتها مفاهيم عامة، وصفات مطلقة، وإحساس باطني يقوم على فكرة الواجب، مجردة عن العواطف والأغراض وغايات الأشخاص، مفعمة بروح صوفية لكن بصياغة فلسفية محكمة قد لا تخلو من الغموض وصعوبة الفهم.
 
    ومحاولة كنت وضع نظرية في الاخلاق وفلسفة التديّن كانت على حساب عقيدته الكنسيّة التي نشّأ عليها، ونقده لرجال الكنيسة والطقوس الدينية التي عرفها في صغره فنفر منها نفورا شديدا ظهر جليّا بعد ذلك في تصوّراته الفلسفية للقضايا المتصلة بالدين عموما. والنظر إليه على أنّه مسلك خلقي، وعبادة روحية جوهرها التقوى والعمل بما هو واجب من الناحية الأخلاقية. وما سوى ذلك من ممارسات شكلية للدين هي مجرد عبادة زائفة.
 
    وهذا التصوّر الأخلاقي للدين عند كنت، أشبه بمسلك المتصوّفة و ذوقهم العرفاني لاسيما عند الغزالي ومفهومه لجوهر الدين، وشكّه في قدرة العقل للوصول الى المعرفة اليقينية بالله. فقد اتجه الغزالي للتصوّف بعد تجربة نفسية مريرة ألمت به، سقط على اثرها طريح الفراش وأسير القلق والشك. وطوّحت بيقينه الظنون وهواجس الشيطان، حتى أشرف على الهلاك، فأصبح كما قال: على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال. فانقطع عن الناس، واعتزل التدريس، وانعقد لسانه إلا من ذكر الله وسؤاله بأن يدركه برحمة منه، وأن يهديه الى طريق الحق ومعرفة الصواب، فانقدح في قلبه نور اليقين وأدرك أن ما هو عليه باطل وزيف. وأن كل ما كان يقوم به من عمل لم يكن لله بل كان حبا للجاه والسمعة وطلب حطام الدنيا. لكن ما هو السبيل الى معرفة الحق؟

23 - سبتمبر - 2010
الهرمنيوطيقا
الأخلاق وفلسفة التديّن 5    كن أول من يقيّم

 
تكملة...
 
 
     رأى الغزالي أن الجواب على سؤاله يكمن في البحث والتقصي ودراسة الأديان والنحل والمذاهب المختلفة، والإطلاع على علوم عصره. فما يدريه، لعله هو الآخرعلى ضلالة وتقليد أعمى لإرث الآباء.
 
    فأخذ يقرأ ويبحث ويفتّش في أقوال وآراء المتكلّمين والفلاسفة والباطنية وغيرهم. فلم يغادر- كما قال في كتابه المنقذ من الضلال- باطنيا الا وأحب أن يطلع على بطانته، ولا ظاهريّا الا وكان يحب أن يعلم حاصل ظهارته، ولا فيلسوفا إلا وسعى للوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا واجتهد في معرفة غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيّا إلا وقد حرص على العثور على سرّ صوفيّته، ولا زنديقا أو معطلا إلا ونظر في أسباب جرأته في التعطيل والزندقة.
 
    وانتهى الى أنّ المعرفة اليقينية ليست هي معرفة العوام ولا معرفة المتكلمين أو الفلاسفة، بل هي معرفة المتصوفة القائمة على الكشف والمشاهدة بنور يقذفه الله بقلب من يحب من عباده المخلصين وأوليائه المقرّبين. ولم ينكر الغزالي الدليل العقلي، ولكنه ليس هوالسبيل لمعرفة الله معرفة يقينية ينكشف معها حجاب الغيب للعارف.
 
    بل يترقىّ الغزالي في ذوقه الصوفي الى ما يشبه الشطحات والمحاذير التي سقط في شراكها غلاة المتصوفة عندما لم يجعل فرقا بين الوحي والإلهام أو العلم اللدنّي سوى خيط رفيع ولعله قطعه في تصوّره للإلهام: أن صاحبه لا يرى الملك المقيد للعلم، أما الوحي فإنّ الأنبياء يشاهدون فيه جبريل حين يوحي به إليهم.( التصوف بين الغزالي وابن تيمية. عبد الفتاح محمد سيد أحمد ص 121 )
 
     نجد كنت بعد ذلك يؤكد هذا المعني في تصوره لفكرة الله على أنها الكمال المطلق الذي لا يحيط به الفكر ولا يتسع لبراهين العقل، كما لا يجوز إنكاره بالبرهان العقلي أيضا. وإذا كان الحدس والكشف والمشاهدة عند الغزالي هي الطريق لمعرفة الله، فإن كنت جعل بدوره الأخلاق العملية، والتجربة الروحية وقانون الواجب، قيمة جوهرية في التجربة الدينية والإيمان بالله.
 
    ومسألة الحرية الإنسانية والإرادة الأخلاقية في التعرف على الله، تعتبر من المحاور المهمة في فلسفة كنت. فالإيمان تجربة فردية تقوم على الإستبطان والتأمل الروحي بعيدا عن سلطة العقل وفروضه النظرية. والله موجود داخل الإنسان وليس خارجا عنه. كما أنّ للرموز في فلسفته قيمة كبيرة في فهم ذلك الموجود.
 
    ولعلّنا لوتأملنا التصور الفلسفي للدين عند كنت، وجردناه من صياغته الفلسفية البارعة، لوجدناه في جوهره شكلا من أشكال التصوف، وغنوصا من طراز فلسفي رفيع.
 
    وقد تكون نظرية القانون الخلقي وفعل الواجب، هي الحل الذي خرج به كنت للتخلص من إشكالية العلاقة بين الإيمان والإرادة الحرة في معرفة الله، وبين طقوس الدين وأشكال العبادة المفروضة من قبل سلطة الكنيسة ورجالها.
 
    هذه الإشكالية تعود ربما الى التربية الدينية العميقة التي نشأ عليها في طفولته. فقد كانت والدته على قدر كبير من الورع والتقوى. فغرست في نفسه حبّ الخير والحسّ الأخلاقي كما قال. ولعلّ ذلك أرهق أعصابه وأثّر في روحه. فهو في قلق وصراع بين ذلك الأثر العميق الذي تركته الأم في عقله ووجدانه منذ الصغر، وبين الدين ممثلا برجال الكنيسة.
 
    وهكذا يكون كنت قد عاش ومات مخلصا لدين أمّه. ذلك الدين الذي عبّر عنه في كتابه ( نقد العقل العلمي ) بجملتين قصيرتين خالدتين نقشت على شاهد قبره:
 
شيئان يملآني عجبا، السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي، والقانون الخلقي في نفسي.)
قانون أمّه الذي أنتج أهم تيّار فلسفي أخلاقي في القرن الثامن عشر. بل في تاريخ الفلسفة.
 

23 - سبتمبر - 2010
الهرمنيوطيقا
 3  4  5  6  7