الأخلاق وفلسفة التديّن 2     ( من قبل 2 أعضاء ) قيّم
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا هي علاقة غير مقدسة تلك التي يعقدها رجال الدين مع الانظمة الحاكمة في كل زمان ومكان. الحاكم المستبد يلجأ الى رجل الدين لأنه بحاجة الى إضفاء الشرعيّة على حكمه، ورجل الدين يحتاج الى الحاكم أيضا عندما يتحول الدين الى فرق وطوائف متناحرة يحاول كل فريق منهم أن يستعين بالسلطة السياسية القائمة لضرب خصومه أو إضعافهم أو القضاء عليهم. وهو لايرى وربما لا يشعر بأنّه يخالف في ذلك ما أمر به الشرع. مادام في عرفه يحارب البدع ويتصدّى لأهل الأهواء والفرق الضالة كما يراهم هو. وقد يضطر رجل الدين غير المتضامن أو المشتغل في القضاء أو الفتوى أو أعمال حكومية الى السكوت تجنبا لغضب الدولة وصولة السلطان ومعرته. وهذا يكفي لولاة الأمر لأن السكوت علامة الرضى والقبول وهو يُفسّر في كل الأحوال لصالحهم. الى جانب من يمدّهم بالفتوى السلطانية. فيكون الحاكم ظلّ الله على الأرض وخليفته، ولو ضرب ظهور الخلق بالسياط، واستبدّ بالحكم، وأذاق العباد ألوان العذاب والظلم والهوان. ولو كان فاسقا، مستهترا ما دام يصلّي ويصوم، فخلافته معصومة وحكمه نافذ. فحاكم ظالم خير من فتنة عمياء. ومنذ أن دبّ الخلاف بين الفرق الإسلامية العديدة، أصبح الجدل والخصومة واللجاج في العقيدة هو السمة الأكثر ظهورا في المجتمع الإسلامي نتيجة اختلاطه بالأمم الأخرى، واطلاعه على علومها وعقائدها وتحوّلت مساجد المسلمين الى مكان يجتمع فيه المسلمون للجدل والنقاش والكلام عن كتاب الله، وتفسيره وتأويله والحديث عن الذات والصفات، والعرش وحقيقة الإستواء والصفات الموهمة للتجسيم والتشبيه وغيرها بمناهج لم يعرفها المسلمون الأوائل من قبل. واتسع ميدان الخلاف الى الخوض في الشأن السياسي وما اختلف فيه الصحابة وما وقع بين بعضهم من شجار أو أفضى الى نزاع وحروب. فكان الحديث عن الخلافة، وتقدم هذا الصحابي أوتأخره عن غيره في الفضل والصحبة، والنزاع والحرب التي وقعت بين الإمام علي ومعاوية وما أفرزته من ظهور مصطلح أهل السنة والجماعة بعد صلح الحسن مع معاوية، مقابل ظهور فرق أخرى كالشيعة والخوارج والمعتزلة والزيدية... وتفرع الخلاف في العقائد والكلام وتشعبت أوديته على خلفيّة الخوض في كتاب الله والنزاع في مسألة خلق القرآن، والقضاء والقدر، ومرتكب الكبيرة وحكمه. واختلط الغرض السياسي في ما هو من جوهر الدين وصلب العقيدة. فتسيّس الدين، وتديّنت السياسة. فلم يتورّع رجل الدين من التحالف مع الحاكم لضرب خصومه ومخالفيه في العقيدة. كما استغلّ الحاكم رجل الدين واشترى صوته ورأيه وفتواه مرّة بالرضى والإغراء، ومرة بالإكراه والتخويف والإبتزاز. فالمعتزلة مثلا علا كعبهم وصارلهم نفوذ وسلطة في ظلّ الخليفة المأمون، ومن بعده المعتصم، وقويث شوكتهم، ومضوا يغذّيهم الغرور والتعصب العقدي الى ملاحقة مخالفيهم واضطهادهم بمعونة السلطة الحاكمة. وتعرّض كبار العلماء الى صنوف المحنة والبلاء والسجن والتعذيب الجسدي والإهانة والتحقير. فنبذهم الكثير من العامة واستنكروا فعلهم. فخسربذلك المعتزلة ما قاموا به من جهد عظيم في التصدي لحملات التشكيك في الدين، والهجوم على ثوابت العقيدة من بعض الفرق الأسلاميّة أو من اليهود والنصارى. وتولّى المتوكّل خلافة المسلمين فأدار ظهره للمعتزلة، ونصر خصومهم وقرّب العلماء والفقهاء منهم. حتى قيل عنه: محي السنة ومميت البدعة. وانقلب الأمر وتغيّرت الحال، وأصاب المعتزلة من المحنة والبلاء والشدّة الكثير على أيدي خصوم بالأمس. و لم يكن المتوكّل على شيء من التقوى والورع، بل كان مقتله في ليلة حمراء للطرب والغناء ومعاقرة الخمر. وقد وصف أحد الشعراء ذلك بقوله: هكذا فلتكن منايا الكــرام بين ناي ومزهر ومـدام بين كأسين أروتاه جميعا كأس لذّاته وكأس الحمام وعندما يتماهى الدين مع السياسة، تسقط الفروق الجوهريّة بين ماهو ديني وما هو سياسي، بين كلام الله وكلام الفقيه أورجل الدين. ولمّا لم يكن بالإمكان التلاعب بالفاظ النص المكتوب المجمع عليه بين الفرق الإسلاميّة على اختلافها، يجد الجميع في الإجتهاد والتفسير والتأويل بابا واسعا للدخول إليه بأفكارهم وأهوائهم ونوازعهم. من هنا نشهد بداية التنازع على ملكيّة النص. كل فرقة من الفرق تزعم لنفسها حق الكلام والتمثيل الرسمي لعقيدة الإسلام، ومن يخالفها فهو على ضلالة. ولما كان كلّ طرف لديه من الأدلة والبراهين والإستشهاد بنصوص الكتاب والسنة، تصبح هذه الأدلة ومادتها من النصوص متكافئة الى حدّ بعيد، وترجيح هذا الدليل على ذاك في أجواء من التعصّب والهوى يكون بلا معني وغير ملزم لأي من الأطراف المتنازعة. فلا بدّ وقتها من وجود طرف يمتلك من القوةّ والسلطة القاهرة كي ينهي التنازع القائم، ويقضي على الخلاف لصالح هذا الطرف أو ذاك. ولا شكّ أنّ هذا الطرف هو سلطة الدولة، فهي وحدها القادرة على القيام بمثل هذا الدور الحاسم للنزاع. وهذا هو حال كلّ الدول الدينية عبر التاريخ. وبقدر ما تأخذ السياسة من الدين، يأخذ الدين من السياسة، فيداهن الحاكم العالم والفقيه طمعا في شرعيّة حكمه وتصرفه في شؤون الدولة وأمور العامة. ونرى رجل الدين في مقابل ذلك لا يبخل على الخليفة أو السلطان في الفتوى التي تمنحه تلك الشرعية في ولاية الأمة. ومن الإنصاف القول أن التاريخ قد شهد لكثير من العلماء والفقهاء مواقف مشرفة في التصدي لإنحراف الحاكم واستبداده وظلمه. لكن هؤلاء قد طوى ذكرهم التاريخ واندثرت مذاهبهم في مجال الفقه والعقيدة. لأنهم لم يجدوا دولة تعيد لهم الإعتبار وتنصرهم على من خالفهم وقد تجعل من مذهبهم بعد ذلك مذهبا رسميّا للدولة. يقول محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلاميّة أن المذهب الحنفي كان مذهب الدولة العباسيّة الرسمي، فمكث بهذا أكثر من خمسمائة سنة يطبق في نواحي البلاد الإسلامية، وذلك لأن الرشيد عين أبا يوسف قاضيا لبغداد، وما كان القضاة يعيّنون إلا باقتراحه في كل الاقاليم، فكان لايعيّن إلا من يعتنق المذهب العراقي، وبذلك عمّ وشاع.... وكان يخفّ كلما خفّ سلطانها... ونازع المذهب الشافعي والماكي في مصر بسلطانه الرسمي، ولم يكن له سلطان شعبي، حتى جاءت الدولة الفاطميّة فأزالت ذلك السلطان، وأحلّت المذهب الشيعي الإمامي، حتى أذا حلّ محلهم الإيوبيّون قووا نفوذ المذهب الشافعي، حتى إذا جاء نور الدين الشهيد، فأراد نشر المذهب الحنفي في الشعب، وأنشأ له المدارس، ولما جاءت دولة المماليك جعلت القضاء بالمذاهب الأربعة، حتى آل الأمر الى محمد علي، فأعاد الى المذهب الحنفي صفته الرسميّة منفردا. ص 381 –382 وفي موضع آخر من كتابه يقول أيضا: وفي بلاد تونس انتشر المذهب المالكي، ولكن غلب عليه المذهب الحنفي مدة سلطان أسد بن فرات الذي كان مالكيّا ثم تحوّل حنفيّا إذ درس على الإمام محمد بن الحسن كتب الفقه العراقي، ثم جاء المعز بن باديس فحمل أهل تونس وما والاها من بلاد المغرب على مذهب مالك، ولا تزال هذه البلاد تتعبد على مقتضى المذهب المالكي. ثم ينقل كلام ابن حزم حيث يقول: مذهبان انتشرا في بدء أمرهم بالرياسة والسلطان: الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس. ص 423 |