وفي الخصائص لابن جني (نشرة الوراق: ص 319) الزيادى عن الأصمعى قال: حضر الفرزدق مجلس ابن أبي إسحق، فقال له: كيف تنشد هذا البيت:
وعـيـنان قال الله كونا iiفكانتا
فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقال الفرزدق: كذا أنشد. فقال ابن أبي إسحق: ما كان عليك لو قلت: فعولين ! فقال الفرزدق: لو شئت أن تسبح لسبحت. ونهض فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد بقوله: لو شئت أن تسبح لسبحت، أى لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك، وإنما أراد: أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر قال أبو الفتح: كان هنا تامة غير محتاجة إلى الخبر، فكأنه قال: وعينان قال الله: احدثا فحدثتا، أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا.
وفي مختصر تاريخ دمشق، في ترجمة ذي الرمة (نشرة الوراق ص 2756): قال العلاء بن أسلم أنشد ذو الرمة شعراً: من الطويل
وعـينان قال الله كونا iiفكانتا
فعولان بالألباب ماتفعل الخمر
فقال له العدوي الشاعر: قل فعولين بالألباب، فقال له ذو الرمة لو سبحت كان خيراً لك. قال الصولي: كان العدوي مثبتاً للقدر، فأراد أن الله جعل العينين كذا، وفر ذو الرمة من هذا لينصر مذهبه
وفي أنساب الأشراف للبلاذري (نشرة الوراق: ص 1540) وزعموا أن ذا الرمة أنشد قوله:
وعـيـنان قال الله كونا iiفكانتا
فعولين بالألباب ما تفعل الخمر
وهو يريد كونا فكانتا فعولين خبر كانتا، فقال له عمرو بن عبيد: ويحك، قلت عظيماً، فقل فعولان بالألباب وظن أنه أراد كونا فعولين فكانتا، فقال ذو الرمة: ما أبالي أقلت هذا أم سبحت، فلما علم ما ذهب إليه عمرو قال: يا سبحان الله لو عنيت ما ظننت لكنت جاهلاً
وفي (التنبيهات على أغاليط الرواة، لابن حمزة / نشرة الوراق: ص 17)
وحكى أبو العباس أحمد بن يحيى: أن ذا الرمة لما قال:
وعـيـنان قال الله كونا iiفكانتا
فعولان بالألباب ما تفعل الخمرُ
قال الأصمعي: فعولين بالألباب. فقال له اسحق بن سُويد ألا قلت: فعولان. فقال: "لو شئتُ سبّحتُ". وكان الأصمعي لهذه العِلّة يكثر الأخذ على ذي الرمة، (أي: يكثر من تغليطه) والهوى يُردي، ولقد تعدّى ذلك إلى أن كان يعترض عليه في أفعاله فيكون في ذلك مخطئاً لما قال ذو الرمة:
فـلـمـا مـضت عند المُثنّين iiليلةٌ
وزادَ عـلـى عشرٍ من الشهر iiأربعُ
سرت من مِنىً جُنحَ الظلام فأصبحت
بـبـسـيـان أيديها مع الفجر iiتلمعُ
المُثنون: الذين أقاموا ليلتين بعد النحر. يقول: سرت أنا ونفرت ليلة أربع عشرة. قال الأصمعي: هذا خطأ إنما ينفر الناس لثلاث عشرة لأنهم يرمون يوم الأضحى ثم الثاني ثم الثالث، ولا يبقى ليلة الثالث عشر بمنىً أحد. ولما لم يجد سبيلاً إلى تغليطه أكثر فضوله في الاعتراض عليه في نفره، وحدده وشرطه، هَبْهُ أحبَّ أن يقيم سنة، فما فضوله قد وسع الله عليه في ذلك ولم يحرم عليه أن ينفر قبل ذلك أو أن يجاوز. قال الله عزمن قائل: ( فمَنْ تَعَجَّلَ في يومين فلا إثمَ عليه لمنِ اتَّقى. واتَّقوا الله). أي لمن اتقى قتل الصيد. وقالوا لمن اتقى التفريط في كل حدود الحج فموسع عليه في التعجيل في نفره. فضيّق عليه الأصمعي ما وسعه الله له؛ وخطّأه في إقامة ليلة، فلو أقام فضل ليلتين أو ثلاث بمنىً خلت أنه يكفّره. واعتراضه عليه في نفره كاعتراضه عليه في تشبيهاته الصحاح ومعانيه الصِّباح. روى الناس عنه أنه قال في قوله:
إذا غرّقت أرباضُها ثِنيَ بكرةٍ
بتيهاءَ لم تُصبح رؤوماً سَلوبُها
إنما أراد قول ابن فسوة:
إذا قَلَصت عن سخنةٍ بمفازةٍ
فـليس بمرؤومٍ ولا iiبمُجلّدِ
فاختنق حتى جاء بهذا البيت، والعصبية في هذا الكلام ظاهرة، وهي أيضاً مسوطة بالكذب، ولو اختنق لمات، ولم يكن ذو الرمة أراد معنى اختنق له قبل أن يأتي به، ومع هذا فقد جهل من أين أخذ قوله: إذا غرّقت أرباضها ثِنى بكرة ولو عرفه لم يعدل إلى ما لا يشبهه، وإنما أخذه من قول لبيد:
وفي "سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون" لابن نباتة المصري، أثناء ترجمته لغيلان الدمشقي (رأس القدرية) قال: (وممن كان يميل إلى هذا المذهب أيضاً غيلان وهو ذو الرمة الشاعر. قال اختصم ذو الرمة ورؤبة الراجز عند بلال بن أبي بردة فقال رؤبة والله ما فحص طائر أفحوصاً ولا تقرمص سبع قرموصا إلا بقضاء من الله وقدر، فقال ذو الرمة والله ما قدر الله على الذئب أن يأكل حلوبة عيائيل ضرائك فقال رؤبة أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب على الذئب فقال ذو الرمة الكذب على الذئب خير من الكذب على رب العالمين. قوله: عيائيل جمع عيل، وهو ذو العيال. وضرائك: جمع ضريك. وهو الفقير،
وعن إسحاق بن سعد قال أنشدني ذو الرمة قوله:
وعـيـنان قال الله كونا iiفكانتا
فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقلت له فعولين خبر الكون فقال لي لو سبحت ربحت إنما قلت فعولان. وإنما تحرز ذو الرمة بهذا الكلام عن القول بخلاف مذهبه، والله تعالى أعلم بالصواب.
أرجو من الأستاذ سليم تصحيح ما وقع في هذا الموضوع من الأغلاط المطبعية وإعادة نشره لأقوم بحذف هذا الموضوع ، ولكن أن يكون لورنس طواه النسيان بعد موته مسألة فيها نظر، يرجى مراجعة الصحف والمجلات العربية التي صدرت عقب وفاته... لم أجد فرصة سانحة لمراجعة ذلك، ولكني نظرت فقط في مجلة المقتطف فرأيتها قد نشرت بمناسبة موته موضوعا مطولا في 8 صفحات في عددها الصادر يوم 1/ يونيو/ 1935 الجزء الأول، المجلد 87 (ص 8 - 15) بعنوان (لورنس العسكري والرجل، والثورة العربية: رجل كاد أن يكون حرا)
وفي حدائق الأزاهر لابن عاصم (نشرة الوراق: ص 33) وقال رجل لآخر: ما فعل أبوك بحماره? قال: باعه، قال: لم قلت باعه? قال له: ولم قلت أنت بحماره? فقال: للباء الجارة، قال: ولم تكون باؤك تخفض، وبائي لا تخفض? ومثل هذا ما يحكى أن رجلاً لقي آخر. فقال له: من أين أقبلت? قال: من عند أهلونا، فتعجب السائل من فصاحته، ثم قال له: قد علمت من أين أخذت هذا، من قوله تعالى: (شغلتنا أموالنا وأهلونا).