الميراث بين الاسلام والنصرانية من خلال أرجوزة ابن عسال كن أول من يقيّم
هذا كلامٌ لطيفٌ في: أوجه الوفاق والاختلاف في تقسيم الميراث بين الاسلام والنصرانية: الميراثُ في الجاهلية: كان أهل الجاهلية لا يوَرثُون النساء ولا الصغار الذكور حتى يُدرِكوا,لأن المرأة في زعمهم لا تركب فرساً,ولا تحمل كلاً و لاتَنْكي عدواً, يَكسِبون عليها ولا تكتسب,فأنزل الله عز وجل آياته في إبطال ما كانت عليه العرب في الجاهلية من هضم حق الضعيفَيْن, وجعل لهم نصيباً مفروضاً مقطوعاً لا محاباةَ فيه, ليس لأحدٍ أن يحجِزَه عنهم أو يمنعهم من التصرف فيه. وكانت أسبابُ الإرث عند أهل الجاهلية ثلاثة كما وقع في تفسير المنار للسيد الشيخ الأجل محمد رشيد رضا (قدس سره) قال:أحدها: النسب وهو خاص بالرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعداء ويأخذون الغنائم ليس للضعيفين الطفل والمرأة منه شيء."انتهى وأخرج الترمذي وابن ماجه وغيرهما من حديث جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال.فقال يقضي الله في ذلك.فنزلت آية الميراث(يوصيكم الله في أولادكم)الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمها فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين,وأمهما الثمن وما بقي فهو لك"اه. فكانت هذه أول تركة قسمت في الإسلام. وقد نظرت في أرجوزة ابن عسال -التي أخرجها لنا أستاذنا الحبيب زهير ظاظا- وتقسيماتها الفرضية ,ولا ريب أنها أعدل في القسمة وأقوم في العطاء من سنن الجاهلية ولا أدري أهو علم كان عند النصارى من عهد عيسى عليه السلام أم أنه من وضع أحبارهم واختيار رهبانهم. والناظر في الأرجوزة يعلم أنها في ألفاظها ومصطلحاتها ومعانيها مقبوسة من الشريعة الاسلامية , مع اختلاف في الأنصبة الإرثية.ومن المعلوم أن الشريعتين النصرانية واليهودية في بلاد العرب أخذت من الإسلام لحاجتها كثيراً من مصطلحاته الشرعية التي نقلها من أصلها اللغوي إلى المعنى الديني. وفي هذا التعليق, أقابل بين الإرثين من خلال بعض أبيات الأرجوزة: قال: إبـدأ بـما يصلح للأكفان | | والقبر والحمال iiوالقربان | أوف الديون قبل أن تقسما | | فـالشرع قد صيره مقدما | أقول: وهذا الترتيب موافق للمذاهب الاسلامية الأربعة وعليه جرت عادة المسلمين فمؤن التجهيز من كفن وأجرة مغسل وحمال وحفار ونحوه مقدم على سداد الديون المرسلة إجماعاً, واختلفوا في الديون المتعلقة بعين التركة فوافقت النصرانية هنا مذهب الحنابلة وخالفت ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أبوحنيفة ومالك والشافعي من أن الحقوق المتعلقة بعين التركة مقدمة على مؤنة التجهيز ووجه ذلك عندهم أن هذه الحقوق متعلقة بعين المال قبل أن يصير تركة. قال: أولها البنون والبنات لا فرق بل هن مساويات أقول: في الشريعة الإسلامية للأنثى نصف حظ الذكر قال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"الآية. وقد رأيت المفسرين من المتقدمين والمتأخرين قد تواردت خواطرهم على أن الحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين هي أن الذكر -في معظم المجتمعات الإنسانية القديمة والحديثة- إذا صار إلى الزواج عهد إليه بالنفقة على زوجه والاحتراف لها ولعيالها فاقتضت الحكمة الاسلامية أن يكون له سهمان, وهذا نهاية في العدل والتماسك.أما الأنثى فمالها لها تنفقه على نفسها وملاذها كيف تشاء, وليس لزوجها منه فتيل و لا قطمير. فإذا تزوجت فلها حق واجب من مال زوجها. وجاء في وحي القلم للأستاذ الأفضل مصطفى صادق الرافعي في بيان الحكمة المستكنة في الآية قوله:...والإسلام يحث على الزواج بل يفرضه فهو بهذا يضيف إلى المرأة رجلا ويعطيها به حقاً جديداً, فإن هي ساوت أخاها في الميراث مع هذه الميزة التي انفردت بها, انعدمت المساواة في الحقيقة,فتزيد وينقص, إذ لها حق الميراث وحق النفقة, وليس له إلا مثل حقها في الميراث إذا تساويا. قال:ثم إن هناك حكمة سامية,وهي أن المرأة لا تدع نصف حقها في الميراث لأخيها يفضلها به-بعد الأصل الذي نبهنا إليه- إلا لتعين بهذا العمل في البناء الاجتماعي,إذ تترك ما تتركه على أنه لامرأة أخرى,هي زوج أخيها,فتكون قد أعانت أخاها على القيام بواجبه للأمة,وأسدت عملا آخر أسمى منه بتيسير زواج امرأة من النساء" انتهى. أقول: فلا تتشككن في كمال هذه الشرعة وتمام خَلقها وحسن نَسجها من لدن حكيم خبير, ولا تصغين لأهل النفوس المريضة والطباع المتنافرة الذين تتهافت آرائهم بكل طيش ونزق فيطعنون على الباري في حكمته وتقديره,واشدد بها يديك وعض عليها بناجذيك.أكرم بها من شريعة غراء كريمة لا ترى بها عوجا و لا أمتا. ثم قال-أي العلامة ابن عسال-: والأم مثل أحد الأولاد والأب مثل في القياس الهادي أقول: أما الأم في الاسلامية فلها أحوال: فهي ترث الثلث إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن.ولم يكن له من الإخوة والأخوات اثنان فأكثر سواء كان الإخوة والأخوات أشقاء أو لأب أو لأم ذكورا وإناثا وارثين أو محجوبين.والدليل قوله تعالى:(فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث). - وترث السدس بشرطين: أن يكون للميت ولد أو ولد ابن والدليل قوله عز وجل:"ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد". -وأن يكون للميت عدد من الإخوة (اثنان فأكثر) ذكورا كانوا أو إناثا أو مختلفين سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم.لقوله تعالى:(فإن كان له إخوة فلأمه السدس). -وترث الثلث الباقي في المسألتين العمريتين الغراوين وهما كالكوب الأغر شهرة عند أهل هذا الفن,وقد وافق جمهور الصحابة فيها أمير المومنين عمر رضي الله عنهم. أما الأب فيرث السدس إذا كان للميت ولد أو ولد ابن وإن نزل سواء كان ذكرا أو أنثى لقوله تعالى:(ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد). فهو في هذه الحالة له مثل حظ الأم.فوافقت الأرجوزة القرآن في هذه الحالة. ويرث الثلثين إذا لم يكن للميت ولد. والأم يكون نصيبها في هذه الحال الثلث كما ذكرت آنفا.فخالفت الأرجوزة هنا الشريعة الاسلامية حيث ساوت بين الأم والأب في كل الأحوال كما هو منطوق الأرجوزة. قال: إن مات ميت وله فرد ولد لزوجه الربع فعنه لا يحد أقول: في الديانة الاسلامية إذا كان للميت ولد أو ولد ابن, سواء كان الولد منها أو من غيرها, فترث الثمن لقوله تعالى:(فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين). والنصرانية جعلت لها الربع في هذه الحال. وتأخذ الزوجة الربع إذا لم يكن للزوج ولد أو ولد ابن, وإن نزل سواء كان الولد منها أو من غيرها لقوله تعالى:"ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد". والأرجوزة تجعل لها في هذه الحالة النصف وذلك في قوله: والزوج إن مات بلا أولاد للزوجة النصف بلا عناد قوله: وكل ما زادوا عن iiالثلاثه | | تـكون مثلهن في iiالوراثه | مـثـاله كان البنون أربعة | | فالخمس حصتها بلا مدافعة | أقول: قد ذكرنا أن الزوجة ترث الثمن إذا كان للميت ولد فأكثر. قوله: والزوج والزوجة في الحكم سوى والنصف للأهل فدع عنك الهوى أقول: أما في الاسلامية فلا تساوي الزوجة الزوج بحال وهذا بيان ذلك: قد ذكرنا أن ميراث الزوجة في جميع أحوالها يتهادى بين الربع والثمن,أما الزوج فيأخذ الربع إذا كان للزوجة ولد أو ولد ابن وإن نزل, سواء كان الولد منه أو من غيره لقوله تعالى: (فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن). وله النصف بشرط واحد وهو عدم وجود الفرع الوارث (الولد أو ولد الابن)لزوجه المتوفاة, سواء كان هذا الولد منه أو من غيره.لقوله تعالى: (ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد). قوله: والأم إن كانت مع الأعمام | | تـحـوز ثـلثيه بلا iiكلام | أولاد عم ميت من iiحكمهم | | ثلث لهم مع زوجة iiلعمهم | أقول: قد سبق الكلام عن ميراث الأم والزوجة في الاسلام فالأم بين ثلث وسدس وثلث الباقي, والزوجة بين ربع وثمن,وهذا يجري عليهما في كل حال لأنهما من أصحاب الفروض أما الأعمام فهم من العصبة ,لا يرثون إلا بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم. قوله: هـذا إذا لم تكن iiالوصية | | أحكامها شرعية مرضية | لأنها إن لم تكن iiشرعية | | كان كمن مات بلا وصية | أقول: توافق الأرجوزة هنا مذهب من يرى جوازَ الايصاء وعدم نسخه بآية الميراث. وقد ذهب العلماء إلى إبطال الوصية إذا كان فيها جنف أو إثم أو إذا أوصى بأكثر من الثلث وهذايوافق الأرجوزة في قوله: لأنها إن لم تكن شرعية كان كمن مات بلا وصية قوله: لايـمنع المرء من iiالتصرف | | في النصف والربع بلا توقف | فـإن يـزد عـنه فلا iiتدعه | | واعـمل بما قلنا ولا iiتضعه | أقول: أجازت الشريعة الاسلامية للموصي أن يوصي بثلث ماله والثلث كثير وهذا مذهب الجمهور,وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى جواز الايصاء بالمال كله إن لم يترك الموصي ورثة.والاجماع واقع بينهم على المنع فيما إذا كان له ورثة.فوافقت النصرانية أحكام الوصية في الاسلام من حيث عدم جواز الإيصاء بجميع المال. هذا ما أحببت إيراده هنا,ولم أكن أعلم أن للنصارى نظاماً إرثياً محكماً ومدوناً يتحاكمون إليه حتى خبرنا بذلك أخونا الأستاذ (زهير ظاظا),لكنه مُهمَل فيما أعلم في البلاد التي تدين بالمسيحية. هذا والمرء إذا علم أن المالَ الذي يَكُد في جمعه وكنزه, سوف يؤول إلى من يستحقه بعد موته, ومَن يُحب من عترته وقرابته, فإنه ينشَط إلى كسبه ,ويجهَد جَهده في تحصيله, ويَتفننُ في وجوه تثميره, ويصونُه عن التبدير والاسراف, والابادة والاتلاف,فيكون ذلك منفعة له ولقرابته, ونماء لاقتصاد وطنه ودولته,خلافا لمن كان ماله يصير إلى الحكومة فتأكله الأيدي الآثمة, وتنغمس فيه الأصابع الخائنة. والله الموفق للصواب. |