نحن اليوم مجرد مستهلكين     ( من قبل 8 أعضاء ) قيّم
الفلسفة بتقديري ، وهذا الرأي لا يستلزم التعميم ضرورة ، إلا أنه قناعتي الضمنية ، بعد أن درست الفلسفة في الجامعة لسنوات طويلة ، وتتبعت الأفكار التي يطرحها المنظرون الجدد حتى يومنا هذا بكثير من الجدية ، هي نظرية في أصل المعرفة ، أي الموقف الضمني الذي نعتمده كمرجع معرفي والذي يحدد بالتالي أسلوب التفكير النظري والعملي لأي أنسان .
إنطلاقاً من هذا التعريف ، لا تتسع منظومة الفكر الإنساني للكثير من الفلسفات ، فالمعرفة إما أن تكون مكتسبة ، أو أن تكون معطاة بالبديهة والسليقة ، أو بالوحي .
والوحي هو ما جاءت به الأديان ولا علاقة مباشرة بينه وبين الفلسفة .
وأما جذر الفلسفة ، فهو لا يتعدى فيلسوفان إثنان ، إنبثق احدهما عن الآخر ، أو تتلمذ واحدهما لدى الأخر وهما : أرسطو وأفلاطون .
أفلاطون يعتبر العلم أو المعرفة تذكراً . هي موجودة فينا لكننا لا نراها ولا نعيها بسبب طغيان الحسي على الروحي . كلما تخلصنا من علائق المادة ، كلما عادت إلينا البصيرة وتذكرنا الحقيقة . هو أبو التفكير الديني والروحي والمعرفة الإشراقية .
وأرسطو الذي يعتبر العقل هو المحرك الأول لهذا الكون ، ويقول بالسببية ، أي إرتباط المسببات ببعضها حتى تصل إلى المحرك الأول الذي أسماه بالعقل الأول ، أي الله . هو أهم من مهد للتفكير الواقعي العقلاني والعلم الوضعي .
عدا هؤلاء ، لا يوجد فلسفة . هناك مفكرون ومنظرون في العلم ، في التاريخ ، في العلوم الإجتماعية والسياسية ، وفي النفس الإنسانية ، بنيت نظرياتهم إما على فكر مادي _ عقلاني ، أو على فكر روحاني _ إشراقي ، وستعود كل منها في جذر تفكيرها إلى هذا أو ذاك .
أكثر الفلاسفة العرب كانوا إستشراقيين واهمهم الفارابي وأبن سينا ، وبعض الحركات الفكرية في الإسلام إعتمدت المنطق الأرسطي كالمعتزلة مثلاً ، بعضهم حاول التوفيق بينهما أبن رشد . الغرب بمجملة أرسطي الفكر ، والحضارة الغربية بنيت على عقلانية أرسطو ، إلا أن الفكر المسيحي اللاهوتي هو إستشراقي وأفلاطوني بإمتياز .
الحديث طويل ومتشعب ويصعب تلخيصه في سطور إلا أن النقاش مفتوح .
أما لماذا نستورد الأفكار ولا ننتجها ? فلآننا نستورد السيارات والمكيفات والسماد والبذور والجبنة واللحمة وساعات اليد والعطور والموسيقى وحتى عواطفنا وردود فعلنا بدأت تعلب وترسل إلينا جاهزة عبر الفضائيات ووسائل الإعلام . إنه التغريب يا صديقي . هل لدينا مؤسسات لصناعة الفكر ? مفكرونا يعملون في الخارج ، وجامعاتنا تخرج أميين ! إنها علاقة القوي بالضعيف .
ربما يكون لهذا الحديث بقية . وشكري لمن كان إهتمامه بهذا الموضوع خالصاً والسلام .
|