لماذا لا يدافع الجيش اللبنانيُّ عن أرضه? كن أول من يقيّم
سيِّدي؛ إذا أردنا الإجابة، فيجب أوَّلاً أن نذكِّر بمعركة المطلَّة في العام 1948، والَّتي انتصر فيها الجيش اللبنانيُّ على الإسرائيليِّين، ثمَّ فلننظر قليلاً إلى تاريخ لبنان وجغرافيَّته: يبلغ عدد سكَّان لبنان ما لا يزيد عن أربعة ملايين نسمة، وهو واقعٌ بين دولةٍ يعدُّ النظام الحاكم فيها لبنان جزءًا منها، وبين كيان غاصبٍ، حاقدٍ على الشعب اللبنانيِّ لأسبابٍ أو بحججٍ دينيَّةٍ واهية؛ والأسوأ هو أنَّ الدولتين هما النقيضان للبنان، كيف ذلك? فلنبدأ بالشقيق، لأنَّه الأقرب، وسيستطيع تقبُّلنا: الاختلاف بين لبنان وسوريا جليٌّ واضح، ولن أذكر أكثر من الاختلاف بين الديموقراطيَّة وبين الديكتاتوريَّة، ولكنَّ هذا الاختلاف ليس هو المشكلة مع سوريا فحسب، بل كما قلنا، إنَّها الفكرة الموجودة لدى النظام الحاكم بأنَّ لبنان قد سُلخ عنها، ولا بشكِّل كيانًا مستقلاًّ. أمَّا العدوُّ، فتناقضاتنا معه كثيرةٌ، وجوهريَّة: أوَّلاً الشعب الصهيونيُّ يهوديٌّ، وكيانه قائمٌ على العنصريَّة وعلى التعالي والتعجرف، مستغلِّين عبارة شعب الله المختار، فيما اللبنانيُّون ينتمون إلى طوائف مختلفة، منهم المسيحيُّون والمسلمون وحتَّى اليهود، وهم شعبٌ غير منغلقٍ على ذاته، ولا يخاف من محيطه، وليس شعبًا متعاليًا، رغم كبرياء أبنائه، والعرب هم أكثر من يعرف محبَّة اللبنانيِّين لهم، ولكلِّ من ليس لبنانيًّا. ثالثًا، الشب لبنانيُّ معروفٌ عنه أنَّه شعبٌ حيٌّ، لا خاف، يقاتل إلى أقصى الحدود، لا يستسلم، ويتفانى من أجل ما يؤمن به، وليس فقط على صعيد القتال والعسكر، بل على صعيد الاقتصاد وإعادة الإعمار، والعلم... لا أريد أن أذكِّر بطائر الفينيق أو العنقاء، الَّذي كان السبب في تسمية فينيقيا بهذا الاسم. أمَّا يهود إسرائيل، فيكفي أن ننظر إلى حالات الهلع الَّتي وقعت في صفوفهم نتيجة القصف، هذا غيض من فيض يا سيِّدي عن التناقضات بين شعبين، أحدهما وجد في هذه الأرض منذ ما قبل التاريخ، والآخر اغتصب الأرض، ويريد التحكُّم بالتاريخ، لأنَّه يعرف، أن التاريخ إذا سار على طبيعته، فكيانه الغاصب إلى زوال. أمَّا عن الجيش، فهناك ثقافةٌ في لبنان تحرِّم على اللبنانيِّ ألاَّ ينظر إلى جيشه بكلِّ فخرٍ واعتزازفهو رمز من رموز الوطن ووحدته والجيش اللبنانيُّ، في عيون اللبنانيِّين وفي الصورة الَّتي تُغرَس في قلوبنا وعقولنا ولاوعينا، هو البسمة الجبَّارة، القلب الحنون الَّذي يُشعِرنا بالأمان دومًا. ولكن، وهنا المشكلة، منذ العام 1946، ولنان يتعرَّض لحربٍ تلو الأخرى، في ال1952 و1958 و1967 و1969 و1975 و1993 و1996 واليوم، وفي كلِّ هذه الحروب كانت المشكلة تأتي من الخارج، وتتحوَّل إلى الداخل، لا ننسينَّ مقولة 5 شعوبٍ في 4 دول. وفي كلِّ مرَّةٍ يُمنَع الجيش اللبنانيُّ من التسلُّح، وكان أن انتهت الحرب في لبنان، وحكمه السوريُّون حتَّى العام الماضي، وكلُّ ما حصل عليه الجيش اللبنانيُّ، كان بضعة آليَّاتٍ أراد السوريُّون والأمركيُّون أن يمنُّوا على لبنان بها، ولكنَّها لا تصلح إلاَّ لمحاربة جيش من القرن الماضي، والواقع هو أنَّ الجيش اللبنانيَّ لا يملك سلاح جوٍّ ولا دفاعاتٍ جوِّيَّة، ولا يملك قطعًا بحريَّة، ومدرَّعاته هي من طرازات الحرب العالميَّة الثانية، ولا أعلم أين ذهبت المليارات الأربعون الَّتي استدانها لبنان في الأعوام الخمسة عشر الماضية، وأين ذهبت أموال الضرائب، هل إلى جيب الحريري أم السنيورة أم النظام السوريِّ، أم الهراوي. لماذا لا يقاتل الجيش اللبنانيُّ إسرائيل? لأنَّ الجيش اللبنانيَّ تنقصه الأسلحة اللازمة، ولماذا يقاتل حزب الله إسرائيل? لأنَّ حزب الله لا مواقع معروفة له، يتحرَّك بحرِّيَّ تامَّة، ولكنَّه لا يوقف هجمات الصهاينة، بل يوقع فيهم الخسائر، ويستنزف قدراتهم، ويحتال لجعلهم يستسلمون ويبكون وينسحبون، ليس حزب الله جيشًا مقاتلاً، إنَّه حركة مقاومة شعبيَّة، ولو كان الشعب اللبنانيُّ وجيشه متخاذلاً، لما تحدَّث السيِّد نصر الله عن أخوَّة هذا الجيش، وعن كونه ضمانة للبنان ووحدته. نحن لا نطلب من العرب مساعدتنا في الحرب، بل على الأقلِّ فليقفل الزعماء أفواههم، ويكفُّوا عن مهاجمتنا، وليسخدموا سلاح النفط... وأنا بدوري أسأل: لماذا لا يقاوم السوريُّون إسرائيل الَّتي تحتلُّ جزءًا من أرضهم، بل وقد ضمَّتها إلى أراضيها? والأردنيُّون? وكيف ترسل الحكومات العربيَّة سفراءها إلى كيان بني صهيون وما زالت العبارة المحفورة على مدخل الكنيست مضيئةً وسافرة، معلنة إلى العلن، وإلى من لا زال يجهل أنَّهم مغتصبون: من النيل إلى الفرات، أرضك يا إسرائيل? كيف يبقى السفراء العرب لدى حكومة أولمرت وشارون وباراك ونتنياهو وبيريز ورابين وشامير وبيغن وهتلر الجديد، ونيرون القرن العشرين، وما زالت هذه الحكومة ممعنة في سعيها إلى تدمير المسجد الأقصى، وتثبيت القدس عاصمةً لإسرائيل? لم أكن أريد الدخول في جدالٍ من هذا النوع، ولكنِّي لا أتقبَّل أن يهانَ الشعب اللبنانيُّ وجيشه، ونحن نعلم جيِّدًا أن من حطَّم لبنان في العقدين الأخيرين هم رجال نظام الأسد في لبنان، ورجال آل سعود في لبنان. |