قصة قصيرة أخي أرجع لي زوجتي الذي هو أخوها جاسم وسالم شقيقان توءم ، جاسم تزوج من ( منال ) ابنة عمته ، الذي هدّم قصف الطائرات بيت أهلها على من فيه ، ولم ينج من أحد إلا منال كانت عند خالها (أبو جاسم ) .. ( منال ) فتاة جميلة ، وردة متفتحة تسقى من ماء الحياء ، مرحة حزينة ، أحبها ابن خالها جاسم ، فرعاها بعينيه وألبسها ثوب الحنان ... فأخذها بعيدا وأسكنها المدينة، وحاول جهده الآّ يشعرها بأنها يتيمة.. منال كانت كطير يشدوا على فنن بإقاعات السعادة والهناء المأخوذة من العزّ والإباء.. دخل جاسم البيت على غيرعادته ، متجهم الوجه عابسا ، منقبض الفرائص ، حزينا منكسرا ، يخفي شيئا لم يقدر أن يبوح به .. استقبلته ( منال ) أحسن استقبال ، ظانة أن ما أصابه من نصب العمل ، الذي به الإرهاق والملل ، من سجلات ومعاملات كل الملل ، ولكن جاسم كلّما اقترب منها ، يدبر ظهره عنها ، حاولت أن تسأله عن حاله ، يسكت كي لايبوح بما في باله ، دارت في نفس ( منال ) الظنون ربما إنها قد أغضبته أو عملت شيئا كدّرته ، استعرضت كلّ ما في مخيلتها ، فوجدت بعد تفكير وجهد طويل إنها مخلصة لزوجها وفيّة ، ، دون شعور منها ــ وهي غارقة في لجّ فكرها ــ تقدمت نحوه ، وقالت : هل هذا الغضب منّي ؟!!، أراك كلما اقتربت منك ابتعدت عنّي !! ، كلمات قطعت عليه حبل أفكاره ، نظر إليها وهو لا يريد النظر ..رد عليها بـ (نعم ، ولا ..) قالت : لا أفهم ..أطرق جاسم الطرف نحو الأرض مغلقا شفتيه لايتكلم ... مكثت منال فترة واقفة أمامه وسكون قاتل مخيّم .. أخذت الزوجة تستجدي بإلحاح والألم يعصر قلبها : ( بالله عليك أن تتكلم )، تكّلم ولو كلمة .. لترتاح سريرتي ويبتعد عنك الهمّ وعنّي .. رفع جاسم نظره قليلا .. قائلا : إن الوضع صعب .. مشكلة دمرتنا ، دمرت حياتنا وأدار ظهره كي لا تستشفّ شيئا من نظراته ــــ منال تكره التدمير: أنا حلّفتك بالله أن تتكلم ، كلّ مشكلة ولها حلّ . قال : أنا وابنة عمتي نركب قطارا يجرّ وراءه حبلا من العربات وبين كلّ عربة وأختها حاجز مانع ، أحدنا في أول عربة والآخر في ذيل العربات بالله عليك كيف نتواصل فيما بيننا ؟!!! ـ وصوته مهتز مترجرج فيه غمّة ــ ودمعة تترقرق على ثنايا خده ..تلاها سيل من العبرات، عرفت الزوجة إن الأمر جلل ، لأنها ما علمت عنه إنّه بكى مثل هذا البكاء إلاّ على فقدان أخيه سالم ، الذي تغيب عن البيت من الصباح إلى المساء ، وكان الكلّ متخيلا إنه في زيارة أحد الأقارب . وعندما أفلت الشمس فغابت ثم جاء وقت صلاة العشاء ولم يعد ، دخلت في نفوسهم الريبة ، أخذ كلّ ذويه من الصغير إلى الكبير يبحث عنه حتى اهتدوا في نهاية المطاف إنّ زيارته كانت ثلاجة الموتى.. أصيب بنوبة قلبية ، حادة قوية ، مفاجئة لم تسعفه أن يصل الصيدلية ، ليحضر لنفسه الدواء .. فسقط أمامها دون حراك .. حمله المارة من أهل الخير ، وأودعوه في الطواريء .. تيقن الأطباء أنه فارق الحياة ، أمروا بوضعة في ثلاجة الموتى .. وقع في شبكة المنون في غفلة من أهله وأقرانه ، إنها ميتة الغفلة التي وقع ثقلها على رأس أخيه كثقل الطود الكبير.. قالت له : أرجوك أن تتكلّم والله ليس لنا إلاّ الصبر على المكتوب، حكم الله فينا نافذ ، اللهم لا ردّ لقضائه بل اللطف فيه .. عرف جاسم إنّ زوجته ممكن أن تستقبل خبرا، فنظر إليها نظرة كلّها حسرة ، تقطع القلوب والدمعة تترقرق على الخدود .. قال: مرّت بي اليوم صاحبة عمتي ( الجارة القديمة لوالدتك رحمة الله عليها) صدفة تريد أن تكمل معاملتها ، كانت المعاملة عندي ، فعندما رأتني عرفتني وعرفتها فرحبت بها .. فسالتني عن حالي .. قالت : كم من الأولاد عندك ؟.. اخبرتها.... وشكرت الله على كل حال ، ثم سألتني عن زوجتي ( عنك ) وهي لاتعرف إنني تزوجت ابنة عمتي ( ابنة صديقتها القديمة) ـ لأنها ارتحلت وابتعدت منذ فترة طويلة ـ أخبرتها بأنك فلانة بنت صاحبتها ..وما أن انهيت ذكر اسمك ؛ ضربت كفا على كف وتحولت نظراتها إلى استغراب وقلق .. فقلت لها على الفور: ما الخطب يا عمتي ؟!!.. قالت : هذه أختك بالرضاعة..أرضعتك أمها معها لأنّ أمك كانت بها علّة لا تقوى على الإرضاع ، وزّعتكما على عمتك وخالتك .. صاعقة نزلت على رأسي ،تدفق الغمّ في عروقي غمامة سوداء أطبقت على بصري ، فصرت كطائر كفّ بصره ، فأخذ يخفق بجناحيه يتلمّس النور في فضاء فسيح لا يعرف أين يحط ، لا أعرف كيف تركت مكاني في العمل ، خرجت هائما على وجهي ،لا أعرف إلى أين أنا ذاهب وإلاّ بقدماي أوصلاني إلى البيت دون أن أشعر..وسواد فكري مسيطر على كياني ، والدمعة ظلّي .... لا أعرف ما أعمل !!!!. طعن القدر منال بخنجر غير مسموم، أدمى الفؤاد وترك حياتها تترنح بين البقاء والموت.. فرّت دمعة ساخنة سكبتها مقلتاها، كأنها خرجت من مرجل يغلي ثم تلتها عبرات وعبرات.. اصفرّ وجهها ثم على الارض ارتمى جسدها ، أسرع جاسم ونادى جارتها وإلى المشفى أسرع بنقلها ، واجم الوجه حزينا لحالتها ، ادخلاها غرفة الإنعاش ، أشرف عليها أطباء مهرة والمرأة المسكينة المنكوبه لا تدري بشيء، فهي في غيبوبة ، ركبّوا على جسمها الأجهزة لعل وعسى أن ينبض قلبها .. حاولوا بكل جهد إنقاظ حياتها ، الكل يرنو إليها بوجوم ، خرجت من فمها زفرة، أعقبتها اخرى.. أخذ صدرها يعلو وينزل ، وجوه الأطباء انفرجت وقال أحدهم : الحمد لله وسبحان الله ، كان الأمل ضائعا ، زال الخطر ... تحول وجوم الحاضرين إلى انفراج في الوجوه وانشراح في الصدور وخاصة زوجها .. طلب الطبيب المسؤول ممن حولها أن يؤوبوا إلى بيوتهم لتستريح ، واخبرهم إنّها ستمكث بضعة أيام حتى تتعافى .. أثناء العودة وفي الطريق أخبر جاسم جارته بما حدث.. هوّنت عليه الجارة ، قالت : أنت اسلك الدرب الذي يوصلك إلى النجاة ، أما هي تنتظر نصيبها وهذا قدر ومكتوب ولا حلّ إلاّ ما قلته.. أنا ساقف بجانبك يا جار وأنا في النساء ماهرة الاختيار، سابحث لك عن زوجة ترضيك وتنسيك .... لاقته في اليوم التاني ، وقالت له : وجدت لك بنت الحلال ذات دين وأصل وعفّة ومال ، وعليها مسحة من جمال.. أخذت منال تتماثل للشفاء وليس لها إلا البكاء أو النواح ، فهي كطير مهيض الجناح ، فقالت في نفسها :أنا وحيدة في بحيرة الأحزان أتألم ، إنه قدري ..كان بيتي مع ابن خالي أعمدته من ملح بياضه مزيف!!!!.. أثناء مكوث منال في المشفى تعرّفت على امرأة عاملة فيه ، تزورها من حين لآخر ، تقرّبت منها فصادقتها فصارت تزورها مرّات عديدة في النهار ، وهي لا تعرف شيئا عنها ، المرأة هوّنت عليها المصاب بكلام معسول، ستجدين ابن الحلال يزيل عنك الغمّة ويبعد وسواس الهمّ ، أخذت تقنع بها ، تأتيها عن يمينها وشمالها، تاتي لها بحديث من هنا وهناك ، حتى أمالت فكرها واستطاعت بحذقها أن تقنعها ،وهدّأت أفكارها التي كانت تتخبط في مسيرة حياتها.. في اليوم التالي جاءتها وقالت : عندي لك بشرى، زوج تتمناه كل البنات .. جاء جاسم وأخرجها من مشفاها ، بعد ما لاطفها وبالسلامة هنّاها ، وشكر الله تعالى الذي ألبسها ثوب العافية ، عرّج على طريق به استراحة لطيفة فيها هدوء وآثاثها وثير، ليحتسيا كوبين من العصير .. يريد أن يفاتحها ــ أخذ قلبه يخفق وارتعد من عاقبة الأمر بالرغم مما فهّمته جارته من حسن التدبير ــ بما يدور في خلده ، الأمر يعصر قلبه.. ولكن لا حلّ إلاّ هذا الحلّ ، ابتدأ بقصة تدور وتقرّب الموضوع ،هو يتلعثم في الكلام وهي تقابله بابتسام ، فارتسمت على جبينه عبارات الاستغراب !!.. فقالت له بكل برود : أكمل قلنا القدر ما منه مهرب ولا مفرّ.. فوجدها مهيأة لصعب القول ، فاستغرب أكثر ثم أثلج صدره الأمر ، لانه ّجدّ يسير وليس عسير..... |