تابع إضاءة سليمانية مفيدة     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
وتابع الدكتور سليمان قائلاً: وقد لا تكون قضية الخلاف في اسم الكتاب مهمة إذا تم لنا التأكد من صحة نسبة الكتاب الى مؤلفه الأصلي . فطالما عبث النساخ بأسماء الكتب وحافظوا في الوقت نفسه على نسبة الكتاب لصاحبه دون ما إخلال . فهل كان الكتاب الذي اعتمد عليه ابن عبد ربه ونقل منه الأبيات التي استشهد بها الخليل هو بعينه كتاب الخليل فنستبشر أنه بقيت لنا منه بقية ، ولن يهمنا عندئذ أن يكون اسمه الفرش والمثال أو أي اسم آخر . أم أن ما اعتمد عليه ابن عبد ربه في تأليف كتابه هو كتاب آخر وضع في أوائل القرن الثالث للهجرة وتم تسويقه في الأندلس منسوبا إلى الخليل ، ثم ضاع ولم يبق إلا ما نقله ابن عبد ربه منه . إن الاحتمال الثاني هو الأقرب إلى الواقع . وحين لا يتيح لنا ظاهر الكتاب الوصول مباشرة إلى الحقيقة نلجأ إلى دراسة النص من الداخل . وهذا ما سنفعله هنا ، فقد وجدنا بعضا من الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تمت إلى الخليل بصلة . وسنذكر ما بدا لنا أكثر وضوحا في خروجه عن خط الخليل . فقد ذكر ابن عبد ربه أن الخليل أجاز في كتابه مجىء الشعر على غير ما قالت العرب . وقد خالفه في ذلك الرأي خلافا لا هوادة فيه ، وقال : هذا الذي جربه المجرب من كل ما قالت عليه العرب فكل شيء لم تقل عليه فإننا لم نلتفت إليه ولا نقول غير ما قد قالوا لأنه من قولنا محال وأنه لو جاز في الأبيات خلافه لجاز في اللغات وقد أجاز ذلك الخليل ولا أقول فيه ما يقول وقد رأينا الأخفش والزجاج في كتابيها يأخذان قبل ابن عبد ربه بهذا الرأي الذي تحمس له ، ولم نجدهما يشيران أدنى إشارة إلى مخالفتهما الخليل في ذلك ، مع العلم أنهما لم يكونا ليسكتا لو أن الخليل جاء بخلاف ما ارتأياه . يقول الأخفش في كتابه العروض : " ما وافق هذا البناء الذي سمته العرب شعرا في عدد حروفه ساكنة ومتحركة ، فهو شعر ، وما خالفه وإن أشبهه في بعض الأشياء فليس اسمه شعرا " . ويقول الزجاج أيضا : " اعلم أن ما وافق وزن أشعار العرب فهو شعر ، وما خالفه فليس بشعر وإن قام ذلك وزنا من الأوزان في نفوس أقوام ؛ لأن أشعار العرب كلها التي وقعت إلى أهل اللغة قد أحاطوا بوزنها ، وعلموا ساكنها من متحركها وأسبابها وأوتادها وفواصلها ، فلم يخف عليهم من ذلك إلا ما لا بال به " . ويبدو الأمر أكثر وضوحا عند أبي الحسن العروضي وهو يدافع عن رأي الخليل الذي لا يجيز الخروج عن ميزانه ، ويقول : " فالشعر الذي أجمع على صحته وعني أهل اللغة بروايته ، والذي جعل الخليل له ميزانا يعرف به وقانونا يرجع إليه فيه ويحفظ به من أن يشذ له وزن ، أو يزاد فيه نوع أو بناء ليس من أبنية العرب ، فإن قوما يزعمون أن الأبنية يجوز أن تكون أكثر من هذه وأن الخليل لم يحصرها عن آخرها ، ويقولون لو أن إنسانا عمل شعرا من عنده واخترع وزنا من ذاته لكان ذلك جائزا ، ونحن نبين فساد ما ادعى هؤلاء ونستقصي الحجة عليه إن شاء الله تعالى " . فالقول بجواز الوزن المخترع إذن لم يصدر عن الخليل ، وإنما قال به بعض من لم يرد أبو الحسن العروضي تسميتهم لنا . وقد يكون من هؤلاء البعض من ألف الكتاب الذي اعتمد عليه ابن عبد ربه وطمس اسمه من قبل ناسخ الكتاب . وقد كشفت لنا دراسة النص الذي لخصه ابن عبد ربه من الكتاب المنسوب للخليل زيف هذه النسبة مرة أخرى حين نظرنا إلى تعريفه للتشعيث في قوله : " وأما التشعيث فهو دخول القطع في الوتد من ( فاعلاتن ) التي من الضرب الأول من الخفيف ، فيعود مفعولن " . ونحن نعرف من مصادر عدة أن مذهب الخليل على غير ذلك التعريف . فقد أورد الدماميني في الغامزة تفصيلا بمذاهب أربعة في التشعيث ومنه قوله : " أحدها أن لامه حذفت فصار ( فاعاتن ) وهذا مذهب الخليل .. " . وذكر من بين هذه المذاهب الأربعة تعريف ابن عبد ربه ولم ينسبه لأحد معين . وثمة ملاحظة أخرى وإن لم نكن نعول عليها كثيرا في إثبات زيف نسبة هذا الكتاب . ذلك أن ابن عبد ربه أورد ضربا ثانيا للعروض الثانية من السريع ، شاهده : يا أيها الزاري على عمر قد قلت فيه غير ما تعلم وقد قال الزمخشري عنه في القسطاس : " ولم يثبت الخليل رحمه الله هذا الضرب الثاني " . ومن ناحية أخرى ، ولكي يستقيم العدد المعروف لضروب الشعر في ثلاثة وستين ضربا ، يخرج ابن عبد ربه الضرب السادس من المتقارب ، وشاهده : تعفف ولا تبتئس فما يقض يأتيكا وعن هذا الضرب قال الشنتريني في المعيار :" وقد زاد الأخفش ضربا ثانيا لهذه العروض مجزوءا أبتر مردفا ، وأجازه بعضهم مجزوءا غاية .. وروي عن الخليل ، والأول أصحّ " . وأنت تجد كل كتب العروض القديمة إذا أرادت أن تحافظ على هذا العدد من ضروب الشعر أثبتت واحدا من هذين الضربين المختلف عليهما وتركت الآخر . ( 3 ) ومهما كان أصل هذا الكتاب الذي لا نعرف له اسما ولا مؤلفا يوثق بمعرفته ، فإن ما يظل مؤكدا أنه من المؤلفات الأولى في علم العروض العربي . ومن المؤسف أن جميع ما ألف في علم العروض طوال القرن الثالث قد ضاع بأكمله ولم يبق لنا من هذه المؤلفات إلا وريقات من كتاب العروض للأخفش لا تمثل إلا جزءا صغيرا من الكتاب في أصله . ولما كان ابن عبد ربه قد صرح بأنه اعتمد اعتمادا كاملا على هذا الكتاب المنسوب للخليل فقد قدم لنا بذلك صورة حقيقية عن الفكر العروضي في مراحله المبكرة التي تلت عصر الخليل مباشرة . وفي تلك المراحل بدأ العروضيون محاولة الفكاك من اسر النظام الخليلي الصارم شيئا فشيئا . وقد يكون الأخفش هو الذي فتح باب الاستدراك على الخليل لهؤلاء ، ولا نقصد أولئك الذين حاولوا نقض نظام الخليل من أساسه كبزرج العروضي والناشئ الأكبر ، ولكن نقصد طائفة من علماء اللغة الأكابركالمازني والجرمي والمبرد وغيرهم ممن كانت لهم مؤلفات في هذا العلم وضاعت من بين ما ضاع من تراثنا . من هنا كان اهتمامي بتحقيق هذا الجزء الصغير المقتطع من أقدم كتب العروض لأن ابن عبد ربه على ما يبدو أراد أن يقدم للقارئ وثيقة تثبت تملكه لهذا الكتاب النادر فأبقى لنا شيئا من نصه الأصلي . وثمة ملاحظة يجب الالتفات إليها قبل الحديث عن نسخ العقد المتاحة ، وهي أن معظم هذه النسخ يخلو من الجزء الذي أورد فيه ابن عبد ربه شواهد الخليل في العروض وما لكل منها . والسبب وراء ذلك لا يخرج في رأيي عن أحد احتمالين : فإما أن يكون النساخ قد طرحوا هذا الجزء من العقد لكثرة الأخطاء فيه ، وإما أن يكون ابن عبد ربه نفسه قد خطر له بعد أن انتهى من وضع كتابه أن يضيف إليه هذا الجزء المختار من الكتاب الذي نقل عنه ، وبذلك تكونت شجرتان مختلفتان من نسخ العقد إحداهما تتضمن الشواهد والأخرى تخلو منه . وهذا الاحتمال هو الأقرب إلى الصحة لما ظهر لي من أن ابن عبد ربه قد عامل هذا الجزء معاملة أجزاء العقد الأخرى من حيث البدء بفرش للموضوع على نحو ما اتبعه في أول كل كتاب من كتب العقد الخمسة والعشرين . وقد طبع كتاب العقد محققا للمرة الأولى عام 1940 في نشرتين مستقلتين ، الأولى أصدرتها لجنة التأليف والترجمة والنشر المؤلفة من أحمد أمين وزملائه ، والثانية أصدرها محمد سعيد العريان . وعن هاتين النشرتين أعتمدت كثير من نشرات العقد التي تلت ذلك ، وخاصة في الجزء الذي أورد الشواهد العروضية من حيث خلت منه معظم مخطوطات العقد التي عرفت حتى ذلك الحين . فعلى الرغم إذن من كثرة عدد النسخ التي رجع إليها محققو العقد الأوائل فإن ما ما وجدوه متضمنا هذا الجزء لم يتجاوز نسخة واحدة هي التي أشار إليها أحمد أمين في مقدمته للعقد بقوله إنها محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 7752 واصفا إياها بأنها كثيرة التحريف والنقص . كما أشار العريان إلى هذه النسخة بقوله : "هذا الجزء إلى آخره لم نقف عليه إلا في أصل واحد مما بين أيدينا من أصول العقد ، وفيه تحريف كثير لم نوفق لتحقيقه كاملاً " . فهما إذن يتفقان على سقم هذه النسخة التي لم يكن لهما بد من اعتمادها وذلك لزيادتها على باقي النسخ بما ألحق بها من شواهد من كتاب الخليل. ومع أن العقد طبع بعد ذلك مرات عدة ، إلا أن هذه الطبعات ، ومعظمها تجاري الطابع ، كان بعضها يعتمد على طبعة اللجنة مكررا أخطاء هذه النسخة دون تحقيق ، وبعضها يعتمد نسخة بولاق المطبوعة عام 1293هـ أو إحدى النسخ المنقولة عنها وهي كما رأينا تفتقد إلى هذا الجزء الذي ورد في نسخة دار الكتب المشار إليها . ثمة إذن تقصير واضح في مسألة تحري نسخ العقد التي لا نشك في وفرة وجودها في أماكن كثيرة من العالم . وقد أشار د . الطاهر أحمد مكي إلى " اكتشاف عدد من مخطوطات العقد في مكتبات المغرب لم تكن معروفة من قبل " داعيا إلى إعادة طبع العقد مع الإفادة مما قد تضمه هذه المخطوطات من جديد ، لكن جمع هذه النسخ في رأيي يجب أن يتسع ليشمل مناطق أخرى من العالم سواء في ذلك مكتباتها العامة والخاصة . وقد وقفت على نسخة مخطوطة من العقد تحتفظ بها مكتبة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية رقمها 5511 وهي عبارة عن الجزء الثالث من العقد تبتدئ من كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة وتنتهي بكتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان ، عدد أوراقها 239 ورقة مقاسها الداخلي : 25.7-18.5 سم وعدد الأسطر 21 س تقريبا ، مكتوبة بخط نسخي ، ومقابلة بالأصل وعليها بعض التصحيحات ، وهي تضم هذا الجزء الذي ألحقه ابن عبد ربه بكتابه في العروض في اثنتي عشرة صفحة تبدأ من 185/ب إلى 191/ أ . أما الجزء الرابع من العقد فقد أضيف إلى فهرسة محتويات المكتبة مؤخرا برقم 5822 وهو يبتدئ من كتاب المرجانة الثانية في النساء وينتهي بآخر كتب العقد وهو كتاب اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح ، وعدد الأوراق في هذا الجزء 175 ورقة كتب في آخرها ما يلي :" تم الجزء الرابع وبتمامه تم الكتاب بعون الملك الوهاب على يدي أفقر عباد الله السلام المؤمن عبد العزيز محسن وكان الفراغ من ترقيمه منتصف ذي القعدة الحرام سنة 1262 من هجرة من له العزة والشرف صلى الله عليه وسلم". ولا يوجد على غلافي هذين الجزئين أية ملاحظات أو تمليكات سوى ختم مطبوع باسم مكتبة محمود سبع المستشار ويبدو أنه المالك الأول لهذا الكتاب الذي لا نعلم مكان جزئيه الأولين .هذه النسخة إذن ليست قديمة جدا ، ولا نعلم أيضا تاريخ الأصل الذي نقلت عنه ، ومع ذلك فهي تتميز عن نسخة دار الكتب المصرية بقلة أخطائها ، وزيادة عدد أبيات الخليل فيها . لذلك وجدنا لزاما علينا القيام بتحقيق هذا الجزء اعتمادا على هذه النسخة التي يقل فيها حجم الخطأ عن نسخة دار الكتب ، كما يزيد فيها عدد الأبيات زيادة ملحوظة ، وقد نبهنا إلى ذلك في هوامش التحقيق . |