مجلس : أصوات من العالم

 موضوع النقاش : يهودي يرد على بابا الفاتيكان    قيّم
التقييم :
( من قبل 7 أعضاء )
 علاء 
12 - نوفمبر - 2006
يهودي يرد على بابا الفاتيكان
   
الكاتب الاسرائيلي يوري أفنيري يرد على بابا الفاتيكان
ترجمة: خالد الجبيلي
 
* منذ أن بدأ الأباطرة الرومان يلقون بالمسيحيين طعاماً للأسود، طرأت تغيرات كثيرة على العلاقات بين الأباطرة ورؤوس الكنيسة.
وبدأ قسطنطين الكبير، الذي أصبح إمبراطوراً في سنة 306 – أي قبل 1700 سنة تماماً – يشجع على اعتناق المسيحية في إمبراطوريته، التي كانت تشمل فلسطين كذلك. وبعد عدة قرون، انشقت الكنيسة إلى قسمين لتصبح كنيسة شرقية (أرثوذوكسية) وكنيسة غربية (كاثوليكية). وفي الغرب، طلب أسقف روما، الذي حاز على لقب البابا، أن يقبل الإمبراطور سيادته وتفوقه.
 
- وقد لعب الصراع بين الأباطرة والباباوات دوراً محورياً في التاريخ الأوروبي، وأدى إلى تقسيم الشعوب والأمم. وقد شهد هذا الصراع تقلبات كثيرة. فقد أقدم بعض الأباطرة على عزل أو طرد أحد الباباوات، وقام بعض الباباوات بعزل أو طرد أحد الأباطرة. وكان الإمبراطور هنري الرابع "قد توجه إلى كانوسا سيراً على الأقدام، ووقف أمام القلعة التي يقيم فيها البابا مدة ثلاثة أيام حافي القدمين في الثلج، إلى أن تنازل البابا وألغى أمر حرمانه وطرده من الكنيسة".
 
- إلا أنه مرت فترات في التاريخ عاش فيها الأباطرة والباباوات في وئام وسلام. ونحن نشهد مثل هذا الفترة في أيامنا هذه. إذ توجد بين البابا الحالي، بنيديكت السادس عشر، والإمبراطور الحالي، جورج بوش الثاني، مرحلة رائعة من الانسجام والاتفاق. إذ تتوافق الكلمة التي ألقاها البابا في الأسبوع الماضي، والتي أثارت عاصفة عالمية، مع الحملة الصليبية التي يشنها بوش ضد "الفاشيين الإسلاميين" في سياق "صراع الحضارات".
 
- ففي المحاضرة التي ألقاها في إحدى الجامعات الألمانية، وصف البابا الـ 265 ما يراه اختلافاً شاسعاً بين المسيحية والإسلام: ففي حين تقوم المسيحية على العقل، فإن الإسلام ينكره. وفي حين يرى المسيحيون منطق أعمال الله، فإن المسلمين ينكرون وجود هذا المنطق في أعمال الله.
 
- وبصفتي يهودياً ملحداً، فإني لا أريد أن أدخل في هذه المساجلة. إذ إن فهم منطق البابا يفوق قدراتي العقلية المتواضعة. غير أني لا أستطيع أن أغفل فقرة وردت في كلمته، وهي تخصني أنا أيضاً، كإسرائيلي يعيش بالقرب من خطّ الاحتكاك هذا بين "حرب الحضارات".
 
- ولكي يثبت البابا انعدام العقل في الإسلام، فهو يؤكد أن النبي محمد أمر أتباعه بنشر العقيدة الإسلامية بحد السيف. وحسب ما جاء على لسان البابا، فإن هذا شيء غير منطقي، لأن الإيمان يولد من الروح، لا من الجسد. فكيف يؤثّر السيف على الروح?
 
- ولإثبات مقولته، لم يجد البابا أحداً أفضل من أحد الأباطرة البيزنطيين، الذي كان ينتمي بطبيعة الحال، إلى الكنيسة الشرقية المنافسة، ليستشهد بكلامه. ففي أواخر القرن الرابع عشر، دار حديث بين الإمبراطور مانويل الثاني بالايولوجس - أو كما قال (إذ يشك في أن يكون هذا قد حدث فعلاً) - مع عالم فارسي مسلم لم يذكر اسمه. وفي غمرة النقاش المحتدم، ألقى الإمبراطور (كما قال هو نفسه) الكلمات التالية في وجه خصمه:
" فقط أرني أشياء جديدة جلبها محمد، ولن تجد سوى أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل وصيته التي يأمر فيها بنشر الدين بحد السيف ".
 
* تفضي هذه الكلمات إلى طرح ثلاثة أسئلة: (أ)- لماذا قال الإمبراطور هذه الكلمات? ,(ب)- وما مدى صحتها? ,(ج)- ولماذا استشهد البابا الحالي بكلامه?
 
- عندما كتب مانويل الثاني أطروحته، كان على رأس إمبراطورية تحتضر. فقد تبوأ السلطة في سنة 1391، التي لم يكن قد بقي منها سوى بضعة أقاليم من الإمبراطورية التي كانت ذائعة الصيت ذات يوم. والتي أضحت كذلك تحت رحمة التهديد التركي.
- في ذلك الوقت، كان العثمانيون الأتراك قد وصلوا إلى ضفاف الدانوب، واحتلوا بلغاريا وشمال اليونان، وهزموا الجيوش التي كانت قد بعثت بها أوروبا مرتين لإنقاذ الإمبراطورية الشرقية. وفي سنة 1453، وبعد موت مانويل بسنوات قليلة، سقطت القسطنطينة (استنبول حالياً) بيد الأتراك، وهكذا انتهت الإمبراطورية الذي دامت لأكثر من ألف سنة.
 
- وجاب مانويل خلال فترة حكمه عواصم أوروبا للحصول على دعم منها. وكان قد وعد بتوحيد الكنيسة مجدداً. ومما لا شك فيه أنه كتب أطروحته الدينية هذه لكي يحرّض الدول المسيحية ضد الأتراك، وليقنعها بشن حملة صليبية جديدة. كان الهدف ذا طابع عملي، وكان الدين يعمل لخدمة السياسة.
 
- لذلك فإن هذا الاستشهاد يخدم مآرب الإمبراطور الحالي، جورج بوش الثاني. فهو أيضاً يريد أن يوّحد العالم المسيحي ضد "محور الشرّ" المسلم. كما أن الأتراك يقرعون أبواب أوروبا ثانية، لكن بسلام هذه المرة. ومن المعروف أن البابا يؤيد الدول التي تعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي.
 
* هل توجد أيّ حقيقة في الحجّة التي أوردها مانويل?
 
- كان البابا نفسه قد ألقى كلمة ليكون في حيطة من أمره. فكونه عالماً دينياً جدياً ومشهوراً، فإنه لا يستطيع أن ينقض النصوص المكتوبة ويكذّبها. لذلك، اعترف بأن القرآن قد حرّم بوضوح نشر العقيدة باستخدام القوة. فقد اقتبس من سورة البقرة، الآية 256 (من الغريب القول بأنه معصوم عن الخطأ بصفته البابا، وأخطأ وقال الآية 257) التي تقول: "لا إكراه في الدين".
 
- كيف يمكن للمرء أن يتجاهل مثل هذا التصريح الواضح والجلي? لكن البابا يجادل بأن النبي محمد كان قد جاء بهذه الآية عندما كان لا يزال في بداية رسالته، وكان لا يزال ضعيفاً لا حول له ولا قوة، لكنه عندما اشتد عوده أمر أتباعه باستخدام السيف لنشر العقيدة. إلا أن هذا الأمر لم يرد في القرآن.
صحيح، أن محمد دعا إلى استخدام السيف لمحاربة القبائل التي حاربته وعارضته - مسيحيون ويهود وآخرون - في الجزيرة العربية، عندما كان في طور إنشاء دولته. بيد أن هذا كان عملاً سياسياً، وليس دينياً. كان في جوهره صراع على الأرض، لا من أجل نشر الدين.
 
- قال المسيح: "من ثمراتهم يعرفون". إذ يجب الحكم على الطريقة التي عامل فيها الإسلام الديانات الأخرى وذلك بإجراء اختبار بسيط: فكيف تصرف الحكّام المسلمون منذ أكثر من ألف سنة، عندما كانوا يملكون القوة ويستطيعون "نشر الدين بالسيف"?
 
- حسناً، فهم لم يفعلوا ذلك.
 
- فقد دام حكم المسلمين على اليونان قروناً عديدة. لكن هل أصبح اليونانيون مسلمين? هل حاول أحد أن يرغمهم على اعتناق الإسلام? على العكس، فقد تبوأ المسيحيون اليونانيون أعلى المناصب في الإدارة العثمانية. وعاش البلغاريون والصرب والرومانيون والهنغاريون وشعوب دول أوربية أخرى لفترات متفاوتة تحت حكم الدولة العثمانية، وتمسكوا بدينهم المسيحي. إذ لم يرغمهم أحد على اعتناق الإسلام، وظلوا جميعهم مسيحيين أتقياء.
 
- صحيح أن الألبانين اعتنقوا الإسلام، وكذلك البوشناق. لكن لا يستطيع أحد أن يدّعي بأنهم اعتنقوا الإسلام بالإكراه، بل اعتنقوه لتكون لديهم حظوة لدى الحكومة وليتمتعوا بخيراتها.
 
- في عام 1099، غزا الصليبيون القدس وأعملوا في سكانها المسلمين واليهود قتلاً وذبحاً بدون تمييز، وذلك باسم السيد المسيح المتسامح الرقيق الجانب.
 
- في ذلك الحين، كان قد مضى على احتلال المسلمين لفلسطين400 سنة، وكان المسيحيون لا يزالون يشكلون غالبية السكان في البلاد. وخلال هذه الفترة الطويلة، لم يبذل المسلمون أي جهد لفرض دينهم عليهم. أما بعد أن ُطرد الصليبيون من البلاد، بدأ معظم السكان يتكلمون اللغة العربية وأخذوا يعتنقون الدين الإسلامي - وهم أسلاف معظم فلسطينيي اليوم.
 
- لا يوجد أي دليل على الإطلاق على وجود أي محاولة لفرض الإسلام على اليهود. وكما هو معروف تماماً، فقد نعم يهود أسبانيا، تحت حكم المسلمين، بازدهار لم يتمتع به اليهود في أي مكان من العالم حتى وقتنا هذا تقريباً.
فقد نظم شعراء مثل يهودا هاليفي (الشاعر الأندلسي المعروف باسم أبو حسن اللاوي) باللغة العربية، كما كان يفعل الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون العظيم. وفي أسبانيا الإسلامية، شغل اليهود مناصب وزراء، وكانوا شعراء وعلماء معروفين. وفي طليطلة الإسلامية، كان العلماء المسلمون واليهود والمسيحيون يعملون معاً وقاموا بترجمة النصوص اليونانية الفلسفية والعلمية القديمة. كان ذلك حقاً عصراً ذهبياً. فهل من الممكن أن يكون النبي قد أمر "بنشر الدين بالسيف"?
 
- لكن ما حدث بعد ذلك لهو أشد أثراً في النفس. فعندما احتل الكاثوليك إسبانيا ثانية واستردوها من المسلمين، فرضوا عهد الإرهاب الديني. إذ كان أمام اليهود والمسلمين خياران قاسيان لا ثالث لهما: فإما أن يعتنقوا المسيحية، أو أن يقتلوا أو يغادروا البلاد.
وإلى أين هرب مئات الآلاف من اليهود الذين رفضوا أن يتخلوا عن دينهم? لقد استقبلوا جميعهم تقريباً بحفاوة في البلدان الإسلامية. إذ استقر اليهود السيفارديم ("الإسبان") في جميع أرجاء العالم الإسلامي، من المغرب غرباً وحتى العراق شرقاً، ومن بلغاريا (التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية آنذاك) شمالاً وحتى السودان جنوباً. ولم يتعرضوا للاضطهاد في أي بقعة انتقلوا إليها، ولم يعرفوا شيئاً مثل التعذيب الذي كانت تمارسه محاكم التفتيش، وأعمال الحرق علناً في الساحات العامة، وعمليات القتل والذبح، والطرد الجماعي الفظيع الذي حدث في جميع البلدان المسيحية تقريباً حتى وقوع المحرقة.
 
- لماذا? لأن الإسلام حرّم صراحة ممارسة أيّ اضطهاد على "أهل الكتاب". فقد كان اليهود والمسيحيون يتمتعون بمكانة خاصة في المجتمع الإسلامي. صحيح أنه لم تكن لهم حقوق متساوية تماماً مع السكان المسلمين، إلا أنهم كانوا يتمتعون بجميع الحقوق تقريباً. فقد كانوا يدفعون الجزية، لكنهم كانوا معفيين من الخدمة العسكرية - وهذه مقايضة لاقت ترحيباً كبيراً لدى الكثيرين من اليهود. وذُكر أن الحكّام المسلمين كانوا يرفضون أيّ محاولة لجعل اليهود يعتنقون الإسلام حتى بالحسنى - لأن ذلك كان سيؤدي إلى خسارة الضرائب التي يدفعونها.
 
- لا يمكن لأيّ يهودي صادق يعرف تاريخ شعبه جيداً إلا أن يشعر بالامتنان العميق للإسلام والمسلمين الذين قدموا الحماية لليهود على مدى خمسين جيلاً، في الوقت الذي كان فيه العالم المسيحي يضطهد اليهود، وحاول في أحيان كثيرة "بالسيف" أن يجعلهم يتخلون عن دينهم.
 
- إن قصة "نشر الدين بحد االسيف" أسطورة شريرة وآثمة، إنها إحدى الأساطير التي ظهرت في أوروبا في أثناء قيام حروب كبرى ضد المسلمين - استرداد إسبانيا على يد المسيحيين، الحملات الصليبية، وطرد الأتراك الذين أصبحوا على أبواب فيينا. إني أشكّ في أن البابا الألماني أيضاً، يؤمن بهذه الخرافات حقاً. وهذا يعني أن زعيم العالم الكاثوليكي، الذي يعد عالماً في الدين المسيحي عن جدارة، لم يبذل أي جهد في دراسة تاريخ الديانات الأخرى.
 
- لماذا قال هذه الكلمات على الملأ? ولماذا الآن?
 
- لا مفر من رؤيتها من زاوية الحملة الصليبية الجديدة التي يشنّها بوش وأتباعه الإنجيليون، بشعاراته "الفاشية الإسلامية" و"الحرب العالمية على الإرهاب" - عندما أصبح "الإرهاب" مرادفاً لكلمة المسلمين.
فبالنسبة لأعوان بوش، فإن هذه مجرد محاولة سافرة لتبرير هيمنتهم على منابع النفط في العالم. فليست هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تنشر فيها عباءة دينية لتغطية عريّ المصالح الاقتصادية؛ ليست هذه هي المرة الأولى التي تتحول فيها الحملات اللصوصية إلى حملة صليبية.
 
- إن الكلمة التي ألقاها البابا تندرج في هذا المسعى. لكن من يستطيع أن يتنبّأ بالعواقب المريعة?
 
ما رأيكم في هذا????


*عرض كافة التعليقات
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
يهودي يرد على بابا الفاتيكان    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 
السلام عليكم ورحمة الله تحية طيبة لكل الإخوة
لقد توصلت بهذا الموضوع عبر البريد الإلكتروني عن طريق إحدى المنتديات العربية، لكنني لم أهتم بمصدر هذا التصريح سوى أنه ليوري أفنيري ترجمة خالد الجبيلي فقد ورد بهذا المقال باللغة الإنجليزية وهو الذي تولى ترجمته والمقال بعنوان " سيف محمد " صلى الله عليه وسلم .
إن سؤالك هذا جعلني أبحث حتى أجعل هذه المقالة موثقة لكني لم أتوصل سوى لعنوان البريد الإلكتروني للمترجم ب"خالد الجبيلي"فهو مترجم سوري مقيم في نيويورك 
 al-jbaili@un.org

كما حصلت على النص الإنجليزي  وهو كالتالي:
 
Pope Benedict XVI in the service of George W. Bush

by Uri Avnery

http://www.opednews.com


Since the days when Roman emperors threw Christians to the lions, the relations between the emperors and the heads of the church have undergone many changes.

Constantine the Great, who became emperor in the year 306 - exactly 1700 years ago - encouraged the practice of Christianity in the empire, which included Palestine. Centuries later, the church split into an Eastern (Orthodox) and a Western (Catholic) part. In the West, the Bishop of Rome, who acquired the title of Pope, demanded that the emperor accept his superiority.

The struggle between the emperors and the popes played a central role in European history and divided the peoples. It knew ups and downs. Some emperors dismissed or expelled a pope, some popes dismissed or excommunicated an emperor. One of the emperors, Henry IV, "walked to Canossa", standing for three days barefoot in the snow in front of the Pope's castle, until the Pope deigned to annul his excommunication.

But there were times when emperors and popes lived in peace with each other. We are witnessing such a period today. Between the present Pope, Benedict XVI, and the present emperor, George Bush II, there exists a wonderful harmony. Last week's speech by the Pope, which aroused a worldwide storm, went well with Bush's crusade against "Islamofascism", in the context of the "clash of civilizations".

In his lecture at a German university, the 265th Pope described what he sees as a huge difference between Christianity and Islam: while Christianity is based on reason, Islam denies it. While Christians see the logic of God's actions, Muslims deny that there is any such logic in the actions of Allah.

As a Jewish atheist, I do not intend to enter the fray of this debate. It is much beyond my humble abilities to understand the logic of the Pope. But I cannot overlook one passage, which concerns me too, as an Israeli living near the fault-line of this "war of civilizations".

In order to prove the lack of reason in Islam, the Pope asserts that the Prophet Muhammad ordered his followers to spread their religion by the sword. According to the Pope, that is unreasonable, because faith is born of the soul, not of the body. How can the sword influence the soul?

To support his case, the Pope quoted - of all people - a Byzantine emperor, who belonged, of course, to the competing Eastern Church. At the end of the 14th century, Emperor Manuel II Palaeologus told of a debate he had - or so he said (its occurrence is in doubt) - with an unnamed Persian Muslim scholar. In the heat of the argument, the emperor (according to himself) flung the following words at his adversary:


Show me just what Mohammed brought that was new, and there you will find things only evil and inhuman, such as his command to spread by the sword the faith he preached.


These words give rise to three questions: (a) Why did the Emperor say them? (b) Are they true? (c) Why did the present Pope quote them?

When Manuel II wrote his treatise, he was the head of a dying empire. He assumed power in 1391, when only a few provinces of the once illustrious empire remained. These, too, were already under Turkish threat.

At that point in time, the Ottoman Turks had reached the banks of the Danube. They had conquered Bulgaria and the north of Greece, and had twice defeated relieving armies sent by Europe to save the Eastern Empire. On 29 May 1453, only a few years after Manuel's death, his capital, Constantinople (the present Istanbul), fell to the Turks, putting an end to the empire that had lasted for more than a thousand years.

During his reign, Manuel made the rounds of the capitals of Europe in an attempt to drum up support. He promised to reunite the church. There is no doubt that he wrote his religious treatise in order to incite the Christian countries against the Turks and convince them to start a new crusade. The aim was practical, theology was serving politics.

In this sense, the quote serves exactly the requirements of the present Emperor, George Bush II. He, too, wants to unite the Christian world against the mainly Muslim "Axis of Evil". Moreover, the Turks are again knocking on the doors of Europe, this time peacefully. It is well known that the Pope supports the forces that object to the entry of Turkey into the European Union.

Is there any truth in Manuel's argument?

The pope himself threw in a word of caution. As a serious and renowned theologian, he could not afford to falsify written texts. Therefore, he admitted that the Qur'an specifically forbade the spreading of the faith by force. He quoted the second Sura, Verse 256 (strangely fallible, for a pope, he meant Verse 257) which says: "There must be no coercion in matters of faith."

How can one ignore such an unequivocal statement? The Pope simply argues that this commandment was laid down by the Prophet when he was at the beginning of his career, still weak and powerless, but that later on he ordered the use of the sword in the service of the faith. Such an order does not exist in the Qur'an. True, Muhammad called for the use of the sword in his war against opposing tribes - Christian, Jewish and others - in Arabia, when he was building his state. But that was a political act, not a religious one; basically a fight for territory, not for the spreading of the faith.

Jesus said: "You will recognize them by their fruits." The treatment of other religions by Islam must be judged by a simple test: how did the Muslim rulers behave for more than a thousand years, when they had the power to "spread the faith by the sword"?

Well, they just did not.

For many centuries, the Muslims ruled Greece. Did the Greeks become Muslims? Did anyone even try to Islamize them? On the contrary, Christian Greeks held the highest positions in the Ottoman administration. The Bulgarians, Serbs, Romanians, Hungarians and other European nations lived at one time or another under Ottoman rule and clung to their Christian faith. Nobody compelled them to become Muslims and all of them remained devoutly Christian.

True, the Albanians did convert to Islam, and so did the Bosniaks. But nobody argues that they did this under duress. They adopted Islam in order to become favourites of the government and enjoy the fruits.

In 1099, the Crusaders conquered Jerusalem and massacred its Muslim and Jewish inhabitants indiscriminately, in the name of the gentle Jesus. At that time, 400 years into the occupation of Palestine by the Muslims, Christians were still the majority in the country. Throughout this long period, no effort was made to impose Islam on them. Only after the expulsion of the Crusaders from the country, did the majority of the inhabitants start to adopt the Arabic language and the Muslim faith - and they were the forefathers of most of today's Palestinians.

There no evidence whatsoever of any attempt to impose Islam on the Jews. As is well known, under Muslim rule the Jews of Spain enjoyed a bloom the like of which the Jews did not enjoy anywhere else until almost our time. Poets like Yehuda Halevy wrote in Arabic, as did the great Maimonides. In Muslim Spain, Jews were ministers, poets, scientists. In Muslim Toledo, Christian, Jewish and Muslim scholars worked together and translated the ancient Greek philosophical and scientific texts. That was, indeed, the Golden Age. How would this have been possible, had the Prophet decreed the "spreading of the faith by the sword"?

What happened afterwards is even more telling. When the Catholics reconquered Spain from the Muslims, they instituted a reign of religious terror. The Jews and the Muslims were presented with a cruel choice: to become Christians, to be massacred or to leave. And where did the hundreds of thousand of Jews, who refused to abandon their faith, escape? Almost all of them were received with open arms in the Muslim countries. The Sephardi ("Spanish") Jews settled all over the Muslim world, from Morocco in the west to Iraq in the east, from Bulgaria (then part of the Ottoman Empire) in the north to Sudan in the south. Nowhere were they persecuted. They knew nothing like the tortures of the Inquisition, the flames of the auto-da-fe, the pogroms, the terrible mass-expulsions that took place in almost all Christian countries, up to the Holocaust.

Why? Because Islam expressly prohibited any persecution of the "peoples of the book". In Islamic society, a special place was reserved for Jews and Christians. They did not enjoy completely equal rights, but almost. They had to pay a special poll tax, but were exempted from military service - a trade-off that was quite welcome to many Jews. It has been said that Muslim rulers frowned upon any attempt to convert Jews to Islam even by gentle persuasion - because it entailed the loss of taxes.

Every honest Jew who knows the history of his people cannot but feel a deep sense of gratitude to Islam, which has protected the Jews for fifty generations, while the Christian world persecuted the Jews and tried many times "by the sword" to get them to abandon their faith.

The story about "spreading the faith by the sword" is an evil legend, one of the myths that grew up in Europe during the great wars against the Muslims - the reconquista of Spain by the Christians, the Crusades and the repulsion of the Turks, who almost conquered Vienna. I suspect that the German Pope, too, honestly believes in these fables. That means that the leader of the Catholic world, who is a Christian theologian in his own right, did not make the effort to study the history of other religions.

Why did he utter these words in public? And why now?

There is no escape from viewing them against the background of the new Crusade of Bush and his evangelist supporters, with his slogans of "Islamofascism" and the "global war on terror" - when "terrorism" has become a synonym for Muslims. For Bush's handlers, this is a cynical attempt to justify the domination of the world's oil resources. Not for the first time in history, a religious robe is spread to cover the nakedness of economic interests; not for the first time, a robbers' expedition becomes a Crusade.

The speech of the Pope blends into this effort. Who can foretell the dire consequences
هذا ما ستطعت أن أجمعه حول الموضوع، أرجو أن أكون قد أسهمت في تحقيق الموضوع
والسلام.
*علاء
14 - نوفمبر - 2006
عليكم بهذا الربط ؛ لمن أراد الزيادة والتثبت    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
عليكم بهذا الربط ؛ لمن أراد الزيادة والتثبت
 
ولغته الإنكليزية قوية :
 
*الدكتور مروان
25 - نوفمبر - 2006
وهذا الرابط أيضا !!!!    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 
وهذا الرابط أيضا :
 
 
 
ومن ثمة هذا الرابط أيضا :
 
*الدكتور مروان
25 - نوفمبر - 2006
تأملات في تصريحات البابا: بقلم رضوان السيد    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
تأملات في تصريحات البابا: التاريخ والعوالم الجديدة والإسلام:
بقلم  المفكر اللبناني الشهير رضوان السيد:
عن جريدة الشرق الأوسط: العدد 10159 الخميـس 28 شعبـان 1427 هـ 21 سبتمبر 2006 :
يصعُبُ تحديد أهداف البابا بنديكتوس السادس عشر من وراء محاضرته بجامعة بون، تحت عنوان: ?العقل والإيمان?: هل أراد عرض صورةٍ جديدةٍ وتأويلٍ جديد لتطور ?تاريخ? العقيدة المسيحية، بطريقةٍ تجعلُ من التقليد الكاثوليكي صديقاً للحداثة العلمانية من خلال ربط ?الإيمان? الكاثوليكي بالفلسفة الإغريقية، التي يعتقدُ هو أنها هي التي أسَّستْ لأوروبا الحديثة? إنْ كان هذا مُراده فقد أخطأَ الهدف، لأنّ الإحياء اليوناني في عصري النهضة والأنوار كان الهدفُ منه ذا شُعبتين؛ الأُولى إنسانوية مُعادية للدين تريدُ الاستنصار بالوثنيات الإغريقية على التقليد الكاثوليكي بالذات. والثانية: إعادة تحديد الهوية الأوروبية، باعتبار أنّ الإغريق هم الذين أنشاوا القوميات الأُولى، والدول الأُولى المتمايزة عن الشعوب الآرية والهندو ـ أوروبية الأُخرى. والمعروف أنّ الكنيسة الكاثولكية اختارت منذ مطلع القرن العاشر الميلادي ?وربما قبل ذلك كما يقول مؤرِّخو مدرسة الحوليات الفرنسية? الانتماء الروماني، والإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. ولذلك لا يتلاقى البابا إنْ كان هذا هدفه مع ماضي كنيسته نفسه!
فهل أراد البابا إذن أن يُحاورَ خصومَهُ من البروتستانت، الذين صارعهم طَوالَ حياته، من طريق القول بأنّ اللاهوت المسيحيَّ واحدٌ منذ صار العهدُ القديم في القرن الثاني الميلادي كتاباً يونانياً ?في الترجمة السبعينية بالإسكندرية?، ومنذ وجد العهدُ الجديد صيغةً يونانيةً على يد بولس الرسول كما ذكر هو في محاضرته? إنْ كان هذا مُراده فقد أخطأَ الهَدَف أيضاً. لأنّ البروتستانت ما لبثوا أن سايروا الحداثة والعلمانية واليهودية في التخلُّص من الطابع اليوناني الخفيف للعهد القديم، والطابع الهيلليني ?الغنوصي? للعهد الجديد. ثم إنّ الكنائس البروتستانتية الكبرى تكادُ تخلو الآن من المؤمنين والأتْباع الذين جرفتهم الإنجيليات الجديدة المندفعة وراء ارتعاشات التجربة المباشرة مع السيد المسيح نفسه، بدون لاهوتٍ ولا كتاب!
وإذا كان البابا لا يخاطبُ الحداثيين الذين ما عاد للدين مكانٌ في حياتهم، ولا البروتستانت والإنجيليين الجُدُد، الذين لا يأبهونَ كثيراً بالمشيج اليوناني القديم أو المتأخر، فمن يخاطبُ إذن? لنلخِّصْ محاضرة البابا أولاً ولنحاول فهمها من الداخل، ثم لنعد إلى محاولة تأمُّل مقاصده وغاياته.
يبدأ البابا المحاضرة بتذكُّر نفسِه أُستاذاً للاهوت بجامعة بون عام 1959، حيث كان يلتقي بزملائه البروتستانت، وتدورُ بينهم حواراتٌ حول إمكان التلاقي؛ لأنّ بالجامعة المذكورة كليتين إحداهما للاهوت الكاثوليكي والأُخرى للاهوت البروتستانتي. ثم يختارُ بدءَ موضوعه في العقل والإيمان باقتباسٍ من الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني باليولوغوس ذكره في معرض مجادلته لعالمٍ فارسيٍ مسلمٍ مفترَض مؤدَّاه أنّ الله سبحانه ذو طبيعةٍ عاقلة، ولذلك فإنّ الإيمانَ بالنسبة له يرتبط بالعقل، وهو يقصِدُ بذلك الإرادة الحُرَّة العاقلة. والبابا، مستنداً إلى عادل تيودور خوري عالم اللاهوت الكاثوليكي المعروف، ذي الأصل اللبناني، والذي نشر جدالات مانويل الثاني أو محاوراته مع المسلمين، يذكر أنّ فكرة لاعُنفية الذات الإلهية، وبالتالي تعقُّلها، آتيةٌ من الفلسفة الإغريقية ?اليونانية?. ولليونانية معنيان اصطلاحيان. فالتقليد اليوناني في المسيحية هو التقليد الديني الأرثوذكسي، والأرثوذكسية هي دين الإمبراطور مانويل صاحب الجدالات. لكنّ البابا يختارُ المعنى الثاني للاصطلاح بدون مبرِّر: اليونان القُدامى الذين صنعوا التقليد الفلسفيَّ المعروف من خلال الثلاثي المشهور، الذي يذكره البابا خلال محاضرته: سقراط وأفلاطون وأرسطو. وأقولُ إنّ اختيار البابا للمعنى الثاني فيه تحكُّم، لأنّ هؤلاء الفلاسفة ما كانوا مسيحيين، ولا علاقة لهم بتجربة المسيح غير العنيفة؛ في حين أنّ التقليد الدينيَّ الأرثوذكسيَّ مُعادٍ للعنف باسم الدين ـ وقد كان الأَولى به أن يتبناه بدلاً من نسبة عدم العنف إلى تأثير أفلاطون! ولا شكَّ أنّ الإمبراطور مانويل نفسه لو كان حياً وقرأ كلام البابا لتعجب وأغرب ضاحكاً؛ لأنّ العنف الديني الذي أطلقته الكنيسة الكاثوليكية (البابا أوربان الثاني عام 1095م) ضد الشرق الإسلامي، نال أول ما نال بشواظه الأرثوذكسية، إذ احتلّ الفرسان الصليبيون القسطنطينية وظلُّوا فيها مستعمرين لأكثر من خمسين عاماً وباسم المسيح العنيف وليس المُسالم أو العاقل!
بعدها يتابع البابا المحاضرة بعرض تأويلٍ جديدٍ للعهد القديم، خُلاصتُهُ أنه تأغرق ?صار حضارياً!? بعد ترجمته لليونانية، فيتجنَّبُ بذلك صورة يهوه العنيفة في التوراة. أمّا يونانيةُ العهد الجديد غير العنيفة فآتيةٌ من بولس الرسول الذي قصد مقدونيا استناداً لرؤيا رآها (مقدونيا اليونانية? اليونان القُدامى ما كانوا يعتبرونها كذلك، ويقولون إنّ الإسكندر المقدوني الذي فتح أثينا كان متوحّشاً!)، كما أن يونانية الإنجيل آتيةٌ أيضاً من لغته الأولى المعروفة (ربما كُتبت الأناجيل في الأصل بالآرامية لغة المسيح، أو بالعبرية؛ لكنّ أقدم نُسَخ الإنجيل كما انتشر في العالم مَصُوغةٌ باليونانية، وتعود إلى عام 225م)، والذي تبدأُ إحدى نُسَخه القانونية بالعبارة المشهورة: في البدء كان الكلمة ?اللوغوس?، وكان الكلمة الله. وهنا يوحّد البابا بين الألوهية والكلمة ?أي المعرفة? والنوس ?أي العقل?. وما اجتمعت الفلسفة الأفلاطونية المُسالمِة والمعرفة والعقل إلاّ في مقدونيا على يد بولس الرسول؛ ولذلك فإنّ المسيحية ما ?تحضَّرت? في المشرق حيث ظهرت، بل في أوروبا؛ ومن هنا تأتي الهويةُ المسيحيةُ لأوروبا التي تبادلت التكوين والصناعة معها: المسيحية أوروبية، وأوروبا مسيحية! وأحسبُ أنّ هذا التفسير المبتكَر للطرفين: المسيحية وأوروبا كان سيسُرُّ الشيخ ابن تيمية صاحب الكتاب الجدالي الكبير ضد المسيحية: ?الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح?، والذي قال فيه: ?ما تنصرت الروم (والروم في الاصطلاح القرآني والعربي هم البيزنطيون اليونان)، لكنّ النصرانية تروَّمتْ?! كما أنه سيسُرُّ أو سَرَّ ولا شكَّ الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، الذي ترأس لجنةً صاغت الدستور الأوروبي الميّت، وكان في مقدّماته أنّ الهوية العميقة لأوروبا مسيحية (وهذا لا بأس فيه)؛ ثم رتّب على ذلك أنّ تركيا المسلمة إن دخلت الاتحاد الأوروبي فإنّ ذلك سيُفسدُ الهوية المسيحية الخالدة فساداً لا صَلاحَ بعده! وهذا هو رأْيُ البابا الحالي الذي ذكره قبل ثلاث سنواتٍ في خضمّ نقاشات ذاك الدستور، وكان وقتَها ما يزالُ رئيساً لمجمع العقيدة أو الإيمان بالفاتيكان، واسمُهُ الكاردينال جوزف راتسينجر. ويزعُمُ الأتراك أنّ حُبَّه المفقودَ لهم يعودُ لأيام مطرانيته على ميونيخ، واستغرابه للباس نساء العمّال الأتراك أو لحجابهنّ!
بعد الترابط الذي استنتجه البابا بين العقل اليوناني والمسيحية وأوروبا، ينصرف لقراءةٍ شخصيةٍ
بعض الشيء للتاريخ اللاهوتي، وصورة الله التي يفترضها في المسيحية. فاللاهوت الكاثوليكي ?الأصلي? هو لاهوت اللوغوس أو لاهوت العقل والإيمان (باستثناء قلةٍ نادرةٍ لا حُكْمَ لها مثل دونز سكوتوس). وهو يذكر بين أركان ذاك اللاهوت أوغسطينوس وتوما الأكويني. وأوغسطين أفلوطيني غنوصي فعلاً. وليس الأمر كذلك مع توماس إكويناس. فتوما الأكويني الذي صنع اللاهوت السكولائي ?المدرسي? للكاثوليكية، أخذ الخلطة اللاهوتية من الغزالي في مواجهة ابن رشد. وفي تلك الخلطة دخل اليونان ?أرسطو بالذات? دخولاً تنظيمياً من طريق إقامة اللاهوت (علم الكلام عند المسلمين) على المنطق الصوري. فالصوفية المسيحية صوفيةٌ أفلاطونية وأفلوطينية، أمّا اللاهوتُ الرسمي، شأنه في ذلك شأن علم الكلام لدى المعتزلة والأشاعرة، فهو قائمٌ على منطق أرسطو. وقد يكون هذا هو المقام الصحيح لقراءة ?صورة الله العاقلة? عند البابا، الذي هو في الأصل أستاذ لاهوتٍ كاثوليكيٍ كبيرٍ فعلاً؛ ولذلك يجبُ تتبُّعُ تأويله اللاهوتي للتاريخ المسيحي الوسيط بعناية.
في المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية لاهوتان، وكذلك في الإسلام واليهودية. أمّا في البروتستانتية فهناك لاهوتٌ واحد. اللاهوتان هما إذا صحَّ التعبير: لاهوتُ الرحمة والعناية والفضل، ولاهوتُ التنزيه والعدل. وهذان التياران موجودان في اليهودية والإسلام أيضاً ؛ في حين أنّ البروتستانتية لا تعرفُ غير لاهوت الرحمة والنعمة والاصطفاء؛ الذي يتخذ سمةً متشدّدةً مثلما هو لدى بعض اللاهوت اليهودي. وسنعود لذلك لاحقاً. يعني هذا بعبارةٍ أُخرى أنّ صورة الله عزَّ وجلَّ لدى القائلين بالرحمة والفضل هي صورةُ الحرية المتبادَلة، وفيها أنّ الله سبحانه منزَّهٌ تنزيهاً مطلقاً عن الشَبَه بالبشر، وعن الخضوع لمقاييسِهِمْ ?كلُّ ما خَطَر ببالك، فالله بخلاف ذلك?؛ لكنه رحمةً وتفضُّلاً منه أرسل الرسالات، واختار العناية بسائر الكائنات التي خَلَقَها، ولا إلزامَ له بذلك إلاّ بما سمَّى به نفسَه، من ضمن مشيئته وقدرته وإرادته، وحسبما اقتضته حكمته واقتضاه تفضُّلُه، ومقاصدُهُ التي لا تُدرَك. وفي مقابل هذه الحرية المطلقة لله، هناك الحرية النسبية للإنسان بين الإيمان والكفر، والصلاح والفساد، مع وجود النصوص أو التعاليم التي تُبيّن لهذا الإنسان طريقي الخير والشرّ، وعواقب اختيار أحد الطريقين. لكنْ في هذا اللاهوت شيئٌ من الجبرية ?من خلال القضاء والقَدَر?، وشيئٌ من الاتكالية ?تبقى في نطاق عناية الله ورحمته مهما فعلْتَ?. أمّا في اللاهوت الآخَر، لاهوت التنزيه والعدل، والذي سميناه لاهوتَ الالتزام المتبادَل؛ فإنّ الله والإنسان كلاهما يتمتّعُ بالحرية؛ لكنهما مثقلان بالالتزامات المترتبة عليهما: على الله الالتزام بما أَلزمَ به نفسَهُ (يسمّيه المعتزلة الوعد والوعيد)، فليس من العدل أو التنزيه أن يهدي الله إنساناً دون آخَر، ولا أن يرحم مذنباً، أو لا يُثيبَ مؤدّياً للفرائض والتعاليم. على الله الالتزام بوعده ووعيده ولا يستطيع الإخلالَ بذلك أو تنتفي صورةُ الأُلوهية عنه. وفي المقابل الإنسانُ هو الذي يخلُقُ أفعالَهُ التي لا علاقة لها بالقضاء والقَدَر، وهو لذلك مسؤولٌ مسؤوليةً كاملة. وهكذا فالإيمانُ نعمةٌ ورحمةٌ وتفضُّلٌ من الله لدى أهل لاهوت الرحمة، وواجبٌ وحقٌّ لدى أهل لاهوت التنزيه والعدل. والنعمةُ والرحمةُ والعناية تتخذ أبعاداً كبرى لدى المتكلمين اليهود بحيث تصل إلى اختيار الله لهم شعباً وديناً وليس أفراداً، والاختيار والاصطفاء والاتّخاذ قويٌّ أيضاً لدى البروتستانت لكنه فردي. وفي المقابل يبلغ لاهوت الواجب أحياناً لدى المعتزلة وبعض الكاثوليك والأرثوذكس حدود وضع الله في ضبطيةٍ عقليةٍ محكمةٍ تُجاه الإنسان بالذات: يجب على الله كذا، ولا يجوز له أو عليه كذا! بيد أنّ مسألة الوجود الإلهي المتعالي في الديانات الإبراهيمية فرضت مشتركاتٍ رغم اختلافات اللاهوتيين. إذ لا بد من تصور إمكان قيام علاقةٍ بين الطرفين: الإلهي المتعالي والمتفرّد من جهة، والإنساني من جهةٍ ثانية؛ ولذلك كانت هُوامات الصوفية والقبالة والغنوص، والتي ما استطاع اللاهوت الرسمي قبولها؛ لأنها تتجاوزُ كلَّ المؤسسات الدينية وتُلغي الكهنوت بادعاء وحدة الوجود أو الحلول أو الصلة المباشرة بين الله والإنسان خارج القناة ?القانونية?: النبوات والكتب، وفي المسيحية: تجاه تجسُّد الله نفسه! ولذلك قال المتكلمون المسلمون بقياس الغائب على الشاهد، وتبعهم في ذلك المتكلمون اليهود، واللاهوتيون
الكاثوليك وإلى حدٍ ما الأرثوذكس. وقياس الغائب ?الله? على الشاهد ?عقل الإنسان وقيمه وإدراكاته? يعني إقامةَ صِلَةٍ من نوعٍ ما بين المطلق والنسبي من خلال صفاته بالقدرة والعناية ?لدى الأشاعرة والكاثوليك?، ومن خلال أفعاله بما يسمُّونه اللُّطف، لدى المعتزلة والمتأثرين بهم من المتكلمين اليهود والأرثوذكس. ما فائدةُ هذا الاستطراد كلّه? فائدتُهُ أنّ البابا يتحدث عن اختلافٍ في صورة الله بين المسيحيين وغيرهم من أتباع ديانتي التوحيد، وبخاصةٍ الإسلام، لأن اليهودية تجاوزت ?ُنفية? يهوه بالدخول في الميراث اليوناني العقلاني أيضاً. وهذا تأويلٌ للتاريخ اللاهوتي لا يعرفُهُ غيرُه، وقد لا يقولُ به غير قداسته. فاللاهوتُ الكاثوليكي الوسيط مَبْنيٌّ كلُّهُ على المباني التي عرفها المتكلمون المسلمون، وأَدخلوا فيها الكاثوليك واليهود، وإلى حدٍ أقلّ الأرثوذكس والسريان، لأنّ الفرقتين الأخيرتين عرفتا الميراث اليوناني والمنطق اليوناني قبل المسلمين. وقد هربت الكاثوليكيةُ فالأرثوذكسية من الأفلاطونية إلى نصف أرسطية خوفَ الغرق في الغنوص الذي كافح ضدَّهُ آباءُ الكنسية الأوائل ووقع فيه أوغسطين وغيره وما كادوا يخرجون منه، ولولا المؤسَّسةُ الكَنَسيةُ القائمةُ سلطتها على سلطة الدولة أو بموازاتها لصارت الكاثولكيةُ بالذات ديناً غنوصياً آخَر مثل غنوصيات الأزمنة الهيللينية. فالتجربةُ مع الإغريق في اللاهوت الأفلوطيني والأرسطي هي تجربةٌ مشتركةٌ بين الديانات التوحيدية، ولا ينفرد بها المسيحيون الأوروبيون أو الكاثوليك بالذات الذين أخذوها عن المسلمين أو شاركوهُم فيها! وهكذا فالعقلنةُ في المسيحية عقلنةٌ محدودة وتتركّز في المؤسسة التنظيمية والسلطوية، وليس في اللاهوت المدرسي، الذي ظلَّ مشتركاً بين الإسلام والمسيحية واليهودية (لاهوت موسى بن ميمون يميل للأشعرية. لكنْ في السنوات الأخيرة جرى اكتشاف عدة نصوص معتزلية كانت متداوَلة لدى الفِرَق اليهودية في بغداد ومصر والأندلس). فمن أين أتت الخصوصيةُ المسيحية المستنيرة التي يتحدث عنها البابا في صورة الله، والتي يُدْخِلُ فيها اليهود، ويُخرجُ منها المسلمين? ليس من اللاهوت الكاثوليكي بالتأكيد، وليس من تاريخ الكنيسة بالتأكيد؛ بل من التجربة الإنسانوية الأوروبية في القرون الأربعة الأخيرة، والتي صارت عالميةً عبر مقولة ?الحق الطبيعي? للإنسان. وبهذا المعنى تغيرت صورة الإنسان، وصورة العالم، فتغيرتْ صورةُ الله لدى البابا بعد نضالٍ فاتيكاني وبابوي في الإصلاح المضادّ، استمرَّ على مدى ثلاثة قرون! والحداثة التي دخلها البروتستانت وبعض اليهود قبل الكنيسة الكاثوليكية، هي التي أعادت طرح كلّ هذه المسائل، واضطرّت المؤسسة الكاثوليكية الصلْبة والمتضائلة حتى مطالع القرن العشرين للدخول والمنافسة من جديد، مستفيدةً لإعادة التموضع داخل العصر من سلبيات راديكاليات الإنسانويين غير الإنسانية!
*زهير
1 - ديسمبر - 2006
تأملات في تصريحات البابا: بقلم رضوان السيد (2)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
ويباشرُ البابا معالجة مسألة الأزمنة الحديثة أو نقد الحداثة قبل الوصول إلى الخاتمة والاستنتاجات. وهو يرى أنّ المَعْلمَ الرئيسيَّ فيما يتعلق بالتفكير الديني خلال أربعة قرون وحتى القرن العشرين، كان ما يزال: نَزْع الهلْينة، أو تجريد اللاهوت والفكر الديني المسيحي من التأثيرات الفلسفية اليونانية عليه. و قد مرت العملية حتى العصر الحاضر بثلاث مراحل.
في المرحلة الأولى مرحلة عصر الإصلاح ?البروتستانتي?: يقول البابا إنّ الغرضَ من وراء ذلك كان العودة إلى سذاجة وحرارة الإيمان، بالاستناد للنصّ نفسه مجرَّداً عن أغطيته الفلسفية. وقد دخل في ذلك ليس اللاهوتيون فقط؛ بل والفلاسفة من أمثال عمانوئيل كانط الذي أراد أن يضع الفكر الفلسفيَّ جانباً، ليفسح المجال للإيمان.
وفي المرحلة الثانية مرحلة اللاهوت الليبرالي التي امتدَّت حتى القرن العشرين ظهر لاهوتيون كبار مثل أدولف فون هارناك تابعوا تلك العملية وأسَّسوها على مقولة باسكال في التفرقة بين إله الفلاسفة، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وتابع البابا قائلاً إنّ هارناك أراد استرجاع حرارة الرسالة الأولى للسيد المسيح التي غرقت في خضمّ التدقيقات اللاهوتية والتفلسُف الهيلليني.
وزاد الأمرَ راديكاليةً دخول عصر التصنيع وزمان التكنولوجيا حيث صار الهمُّ الوصول إلى اعتبار اللاهوت عِلْماً؛ استناداً إلى إدخالِه في ?علم التاريخ? من جهة، وإلى قياس دقّته وعلميته، ودقة العلوم الإنسانية الأُخرى، على دقّة العلوم البحتة والتطبيقية. ولأنّ اللاهوتَ المتّصل بالإيمان ليس بالأمر الذي يمكن إخضاعه للتجربة؛ فقد أُخرجَ سؤالُ الله عملياً من المجال العلمي الحيّ والمتطور؛ وصار الدينُ يُدرَسُ باعتباره نظاماً وضعياً.
ثم دخلت المرحلةُ الثالثةُ في نزع الهلْينة، وهي المرحلةُ المُعاصرة، في عصر التعددية الثقافية. وفي هذا المرحلة قيل إنّ التهليُنَ المسيحيَّ تمَّ في أزمنةٍ سالفة، وفي ظروف منقضية. ولذلك ينبغي السماحُ للمسيحيات والمسيحيين الجُدُد أن يمارسوا شخصياتِهم وظروفَهم وسياقاتِهم كما مارسَها المتهلينون في أزمنةٍ سالفة؛ بحيث يُنتجون دينَهم الخاصّ المتلائم مع تقاليهم الثقافية الخاصّة في زمان التعددية. والبابا يرى في ذلك شذوذاً وانعداماً للمعقولية. فالهلْينةُ بالنسبة للمسيحية ليست غطاءً مُستعاراً يمكنُ نزعُهُ؛ بل إنها صارتْ جزءًا من الإيمان المسيحيّ نفسه.
ويختم البابا المحاضرة عن ?العقل والإيمان? بالدعوة إلى العودة للعقل الفلسفي، وليس الاكتفاء بقصْر العقل والمعقولية على منتجات التجربة المباشرة ومقاييسها. وهو يرى أنّ ذلك لا يعني التنكر للتكنولوجيا أو لعصر الأنوار قبلها؛ بل البناءُ عليهما. فلا بُدَّ من تصحيح علاقة العقل بالإيمان، من طريق الاعتراف المتبادَل، والنظر إيجاباً قي تاريخية العلاقة والتقاليد الدينية المختلفة، وبخاصةٍ المسيحية. لا بُدَّ من العودة لتأمُّل كلمة الإمبراطور مانويل الثاني: ?الإقدام على التصرُّف بدون معقولية، مُناقضٌ لطبيعة الله?.
يحمّلُ البابا المسؤولية فيما آل إليه أَمْرُ الدين إذن لأولئك الذين أصرُّوا على ?نَزْع الهلْينة? أو إلغاء اللاهوت منذ القرن السادس عشر. وهو قسّم ذلك في ثلاث مراحل بدءًا بالقرن السادس عشر. يتحمَّلُ البروتستانت مسؤولية المرحلتين الأُوليين، ويتحملُ العلمانيون والتجريبيون التعدديون مسؤولية المرحلة المعاصرة. وهذه مرةً ثانية وثالثة نظرة متفرّدة أو خاصة في فهم تطور التفكير بشأن الدين في أوروبا في القرون الأربعة الأخيرة. والواقعُ أنّ المشكلات المتعلِّقة بالدين والتي طُرحت منذ القرن السادس عشر تتمثَّلُ في ثلاث: علاقة الدين بالكنيسة وعلاقة الكنيسة بالدولة، وعلاقة العقل بالإيمان، وأخيراً منزله الدين في الحياة الإنسانية. الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وما بعد أثار مسألة علاقة الدين والخلاص بالمؤسَّسة ?الدينية?، أي الكنيسة الكاثوليكية. وقد سبقته تمرداتٌ كثيرةٌ على السلطة الكنسية منذ القرن الثالث عشر، الذي انتهت فيه الحروب الصليبية. وقد لجأت البابويةُ في قمعها إلى الاستنصار بجيوش الملوك ?المؤمنين?، وجيوش الفاتيكان نفسه. وأكملتْ ذلك بإنشاء محاكم التفتيش. وهكذا فما كان الأَمْرُ أَمرَ نزع الهلْنية، بل هل الدين ?أوالإيمان? ممكنٌ بدون المؤسَّسة، وما هي سلطةُ المؤسسة إن كانت? وما هي حدودُها? البابا يُماهي هنا بين الإيمان والمؤسَّسة، ويعتبر التمرد على المؤسَّسة تمرداً على الدين والإيمان. وقد ثبت خَطَلُ هذه الرؤية. فقد انتصرت البروتستانتية التي أضعفت المؤسَّسة، دون أن يضعُفَ الدينُ أو الإيمان. وما استطاعت البابويةُ في القرنين السادس عشر والسابع عشر أن تُنهي التمرد البروتستانتي بخلاف ما حدث للتمردات السابقة؛ لأنّ الدولة كانت قد انفصلت بالتدريج عن الكنيسة؛ فما عاد بوسعها شنَّ حروبٍ صليبيةٍ في الخارج، ولا فرض سيطرتها بواسطة جيوش الملوك المسيحيين في الداخل الأوروبي. وهكذا ففي المرحلة الأولى ما كان السؤالُ سؤالَ ماهية اللاهوت؛ بل ضرورة المؤسسة ?الكاثولكية? لبقاء الدين المسيحي. وقد كانت الكنيسةُ تستخدم النظام اللاهوتي المدرسي لتثبيت سيطرتِها في العالًَم المسيحي، ومن الطبيعي عندما تتزعزعُ تلك السيطرة، أن يتصدع البناءُ اللاهوتي الذي يدعمها أو يعطيها المشروعية.
أما السؤال الآخَرُ، الذي طُرح في القرن الثامن عشر، أو ما عُرف بعصر الأنوار، فكان يتصل بعلاقة الإيمان بالعقل. كان هناك العقلانيون المُلحدون الذين اعتبروا أنّ الدينَ في طريقه للزوال، وأنّ الباقي هُواماتٌ فرديةٌ وشخصية. وقد بلغ هذا النوع من الفكر ذروته في راديكاليات الثورة
الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر. بيد أنّ المفكرين الجدّيّين من أمثال كانط وهيغل وهوبز ولوك ولايبنتز واسبينوزا ما كانت عندهم أَوهامٌ حول إمكان اختفاء الدين أو الإيمان الديني. لكنهم ما عادوا يرون إمكان استمرار ?اللاهوت العقلي? أي تأسيس الإيمان الفردي على البرهان اللاهوتي الأفلاطوني أو الأرسطي. ومن هنا فقد عادوا إلى أُطروحة ابن رشد التي كان المتكلمون واللاهوتيون قد نحّوها جانباً كما سبق ذكْرُه ولصالح اللاهوت المعقلَن للغزالي وتوما الأكويني. قال ابن رشد بحقيقةٍ إيمانيةٍ وأُخرى بُرهانية. الأولى تتعلقُ بعالَم الدين والإيمان، والأُخرى تتعلّقُ بعالم الكون والفساد، أو الحسّ والتجربة. البابا يعتبر ذلك تهميشاً للسؤال الديني، لأنه ما يزال مهجوساً بدور اللاهوت المؤسَّسي؛ لكنه من جهةٍ أُخرى لا يستطيعُ اعتبار ذلك مرحلةً أُخرى في تجريد الدين من أسلحته الفلسفية أو الفكرية. فالواقعُ انّ كانط وهيغل واسبينوزا كانوا بذلك يحمون الإيمان الدينيَّ العميق من شطحات التنويريين الراديكاليين، أمثال هيوم وفويرباخ ونيتشه، وتشددات الحروفيين الإنجيليين، وليس من بقايا الكنيسة الكاثوليكية. وقد أُضيف لذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين، إحساسُ علماء كبار بأنّ الإيمان العلميَّ أو بالعلم (الرياضيات والعلوم الطبيعية) اسقط الحاجة للدين أو للإيمان، وما عادت للدين غير فائدةٍ ضئيلةٍ في المسائل الأخلاقية. لقد تبلورت رؤيةٌ جديدةٌ للعالم في الوقت الذي كانت فيه الكاثولكية ما تزالُ منهمكةً في الدفاع عن سلطة الكنيسة، وليس عن الإيمان الديني.
لماذا يشعُرُ البابا بالجَزَع? إنه خائفٌ من تضاؤل دور الدين في الحياة العامة الأوروبية. بيد أنّ التجربة الأوروبية مع الدين في القرون الأخيرة، خاصّةٌ وليست عالمية. وما يجري في الولايات المتحدة وآسيا وأفريقيا شاهدٌ واضحٌ على ذلك. ففي سائر القارات، بما في ذلك بعض أنحاء اوروبا، تمدُّدٌ إيمانيٌّ وثَوَرانٌ دينيٌّ، وليس تضاؤلاً للدين والإيمان. ولذلك فإنّ الحلَّ الذي يقترحُه ?إعادة تعريف العقل ودوره? لا يتلاءَمُ والواقعَ المتطوّر. كأنما هو ما يزالُ محبطاً لما كان في حقبة ما بين الحربين، وحقبة الحرب الباردة. لقد تغيَّر الزمان، وما عادت العلمانيات الراديكالية هي المُشكلة؛ بل الديانات الجديدة غير المؤسّسية. والخوفُ مشروعٌ ومبرَّرٌ لهذه الجهة؛ وإن يكن الشكُّ كبيراً في إمكان نجاح المؤسسة الدينية لدى أهل الديانات الثلاث، في العودة لقوتها وعزّها. هناك مُعاناةٌ كبيرةٌ من الإحيائيات والأصوليات المنفلتة من عقالها، والتي لا تشعُرُ بالحاجة إلى أيّ بُعْدٍ مؤسَّسيّ أو انضباطٍ من أيّ نوع. لقد انهار اللاهوتُ المدرسيُّ الكاثوليكيُّ في القرن الثامن عشر نهائياً. كما انهارت المؤسسةُ الدينية لدى اليهود الأرثوذكس بعد أواسط القرن العشرين؛ وكذلك الأشعرية السنية. وتعملقت الإحيائياتُ بدون لاهوتٍ ولا علم كلام. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهُ الأديانَ الإبراهيمية كلَّها.
وقد أدرك البابا السابق يوحنا بولس الثاني هذا الأمر، فوضع الكاردينال راتسينجر رئيساً لمجمع الإيمان ليُحكِمَ القبضة على الكنيسة الكاثوليكية فلا تتشقّق في عصر التحولات الكبرى. وانصرف هو منذ مطلع الثمانينات إلى مصارعة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ومنذ مطلع التسعينات إلى مكافحة الأنظمة الشمولية والمهيمنة الأُخرى، والدعوة للحرية الإنسانية والودّ الإنساني، ومصارعة الفقر والظُلم والأدواء البشرية السارية، ومخاطبة ومحاورة أتباع الديانات الأُخرى، الذين اعتبرهم حلفاء وشركاء في الإيمان، وفي المصير الإنساني الكبير.
أمسك البابا يوحنا بولس بنبض التاريخ وراح يشارك في صُنعه. أمّا البابا الحالي فيريد أن يتموضعَ في أوروبا، طارحاً من جديدٍ الأسئلة التي جرى تجاوُزُها قبل قرنٍ وأكثر. ولا شكَّ أنّ المشكلات الأكبر واقعةٌ اليوم بداخل الكنيسة الكاثوليكية، ليس بسبب هجوم الإنجيليين الجدد والمولودين ثانيةً عليها فقط؛ بل أيضاً بسبب تفاقُم القضايا المحتاجة لحلولٍ منذ ثلاثة عقودٍ ونيِّف. إنها عوالمُ جديدةٌ تُطلُّ عليها البشريةُ جمعاء، ولا تنفعُ فيها لاهوتياتُ الهيللينيين، ولا المُصالحات المقتَرَحة بين العقل والإيمان.
يتبيَّنُ من الاستعراض التفصيلي لمحاضرة البابا بنديكتوس السادس عشر وسياقاتها، ليس أنه لا علاقة لها بالإسلام، كما بدا لي لأول وهلة؛ بل أنها معنيةٌ باستعادة أوروبا إلى المسيحية، واستعادة المسيحية إلى أوروبا. وللمشروع نفسِه بغضّ النظر عن صحته وإمكانه وطرائق الوعي به، علائقُ وثيقةٌ بالإسلام، يبدو لأول وهلةٍ أيضاً أنها – أي تلك العلائق ـ غير مباشرة؛ وليس الأمر كذلك. ولكي لا يبقى ما أقصِدُهُ عن العلاقة الوثيقة بين محاضرة البابا والإسلام عرضةً للتأويلات سأبدأُ بترجمة الفقرة التمهيدية التي وردَ فيها ذكر الإسلام في المحاضرة: ?.. كنتُ أَقرأُ نشرة البروفسور تيودور خوري من جامعة مونستر لقسمٍ من حوارٍ ربما جرى عام 1391 في الثكنات العسكرية الشتوية على مقربةٍ من أنقرة، بين الإمبراطور البيزنطي العالِم مانويل الثاني باليولوغوس، وعالِم فارسي مسلم في موضوع المسيحية والإسلام، والحقيقة المتضمّنة في كلٍ منهما. وربما كان الإمبراطور نفسه هو الذي سجَّل ذلك الحوار خلال حصار القسطنطينية (من جانب العثمانيين) بين العامين 1394 و1402، وهذا ربما يعلّل سبب ذكِر حُججه بالتفصيل، دونما اهتمامٍ لافتٍ بإجابات العالِم الفارسي. الحوار المذكور يتوسَّعُ إلى ما وراء حدود البُنى العَقَدية في الإنجيل والقرآن، ليركّز بخاصةٍ على صورة الله والإنسان، راجعاً عندما يكونُ ذلك ضرورياً، إلى العلائق بين ?الشرائع الثلاث?: العهد القديم والعهد الجديد والقرآن. في هذه المحاضرة أريد أن أُناقش نقطةً واحدة ـ ربما كانت هامشيةً في الحوار المذكور هي سياقاتُ علاقة الإيمان والعقل. وقد وجدْتُ أنه من الممكن أن يكونَ ذاك السياقُ الحواريُّ مفيداً في تأمُّلاتي حول المسألة. في المحادثة السابعة من الجدال بين الإمبراطور والعالِم الفارسي، يعالج الإمبراطور موضوعَ الجهاد ?الحرب المقدَّسة?. ومن المؤكَّد أنّه كان يعرف الآية القرآنية ?2 : 256? والتي تقرّر أنه ?لا إكراه في الدين?. وسورةُ البقرة التي تَرِدُ فيها الآية هي إحدى السُوَر القرآنية المبكّرة عندما كان محمدٌ ما يزال بدون قوةٍ ونفاذ أمر، وواقعاً تحت التهديد. لكنْ من الطبيعي أن يكونَ الإمبراطور عارفاً بالتعاليم الإسلامية التي تطورتْ فيما بعد وسجَّلها القرآن، بشأن الحرب. ولذلك، وبدون مقدماتٍ تفصيلية حول الفروق في التعامل مع ?أهل الكتاب?، والآخرين ?المشركين?، يلتفت الإمبراطور إلى محاوره بشكلٍ مُفاجئٍ وقاسٍ طارحاً السؤال الأساسيَّ في العلاقة بين الدين والعنف بشكلٍ عام. يقول الإمبراطور: أَرِني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياءَ كلّها شريرة وغير إنسانية، من مثل أمره بنشر الدين بالسيف. ثم يمضي الإمبراطور شارحاً بالتفصيل الأسبابَ التي تجعلُ من نشر الإيمان بالعنف تصرفاً غير عقلاني. فالعنف لا يتفقُ والطبيعةَ الإلهية، ولا مع طبيعة الروح: لا يحبُّ اللهُ سَفْكَ الدم، والتصرف غير العقلاني مُناقضٌ لطبيعة الله. فالإيمانُ يبزُغُ من الروح وليس من الجسد. بيد أنّ الذين يريدون نشر الإيمان يحتاجون إلى قدرةٍ على الحديث الجيد، والتأمُّل بعقل، وبدون عنفٍ وتهديدات.. ومن أجل إقناع روحٍ عاقلةٍ، لا يحتاجُ المرءُ إلى ذراعٍ قويٍ، ولا إلى سلاحٍ من أيّ نوع، كما لا يحتاج إلى تهديد أي إنسانٍ بالموت. إنّ الحجة البارزةَ في هذا الجدال ضدَّ الإكراه على اعتناق دينٍ ما، أنّ الداعية الذي تصرف بخلاف العقل، إنما يتصرف بخلاف طبيعة الله. ويلاحظ البروفسور خوري معلقاً: بالنسبة للإمبراطور البيزنطي ذي الثقافة الفلسفية الإغريقية، فإنّ هذا الأمر بديهي. أما في تعاليم الإسلام فإنّ الله مُتعالٍ علواً مطلقاً، كما أنّ إرادته ليست مقيَّدةً أو متعلقةً بأي مبدأ آخر بما في ذلك مقاييس العقل نفسه. وهنا عاد خوري للاقتباس من دارسٍ فرنسيٍ معروفٍ للإسلاميات هو روجيه أرنالديز ذكر عن ابن حزم أنّ الأخير ذهب بعيداً في تنزيه الله إلى حدود القول إنّ الله ليس مقيداً حتى بكلمته ?وعده ووعيده??، وليس هناك ما يُوجِبُ عليه حتى إنزال الوحي وإرسال النبيين. وبمقتضى هذا الفهم فقد تكون عبادةُ الأَوثان داخلةً ضمن نطاق مشيئة الله?.
أوردتُ هذا الاقتباس بطوله لكي يكونَ واضحاً ما هو السياقُ الذي تعرضَ فيه البابا للإسلام وللنبي. وقد انصرف مباشرةً بعد ذلك لمناقشة مسألة الإيمان والعقل، وكيفية إحداث المصالحة
في أوروبا بين المسيحية والحداثة، كما ذكرتُ في العرض التفصيلي السابق للمحاضرة. وأرى أنّ هناك أربعة أمورٍ تستحقُّ الاعتبار والنقاش في هذا الصدد وهي:
ـ السياق والظروف التي جرى فيها الجدالُ المفتََرَض بين الإمبراطور البيزنطي والعالِم الفارسي.
ـ الموضوعات الواردة في الحوار أو الجدال.
ـ فهم عادل تيودور خوري والبابا لموضوعات الجدال وتداعياتها.
ـ وأخيراً دلالات هذا الاقتباس من جانب البابا في هذه الظروف بالذات.
لجهة السياق والظروف التي جرى فيها الجدالُ أو الحوار بين الإمبراطور والفارسي المسلم، الأَمْرُ واضح. فقد دأَب العثمانيون بعد الاستيلاء على الأناضول في مطلع القرن الرابع عشر، على قضْم ممتلكات الدولة البيزنطية حتى أكملوا الاستيلاء على آسيا الصغرى، والممتلكات الأُخرى بشرق أوروبا والبلقان، وفي الجزر الإيطالية، وما بقي في النهاية غير القسطنطينية التي حاصروها مراراً دون أن يتمكنوا من الاستيلاء عليها. وما كان مانويل الثاني باليولوغوس (واللقب معناه العلاّمة بالكتب) رجل دولةٍ كبيراً؛ لكنه كان مثقَّفاً بالثقافة الإغريقية والكَنَسية، وعارفاً بالإسلام. وفي الحصار الطويل الثاني للقسطنطينية وأنقرة من جانب السلطان بايزيد الاول (1391ـ1402م) كانت هناك فرصة لدى الإمبراطور لمقابلة الكثير من المسلمين من رُسل السلطان، ومن الأسرى، ومن الوسطاء؛ ولذلك فقد يكون ممكناً لقاؤه وجدالُهُ مع عالمٍ مسلمٍ من أصلٍ فارسي. بيد أنّ الدعوى التي أوردَها بشأن نشر الإسلام بالسيف ليست جديدةً على الجدال البيزنطي ضدّ الإسلام، والذي بدأ في القرنين الثامن والتاسع للميلاد ويتضمن أربع دعاوى رئيسية: أنّ الإسلام دينٌ يقول بالقوة في نشر العقيدة، وأنه مستغرَقٌ في اللذائذ الحسية، وأنه يتضمنُ نزعةً جبرية، وأنه استلب العقائد المسيحية وشوَّهها أو قَلَبها رأساً على عقِب. وقد كان بوسع الإمبراطور لو أراد أن يكونَ أكثر إنصافاً، إذ كان يعرفُ أنّ صراعَهُ مع العثمانيين، وصراع العرب مع البيزنطيين من قبل ما كان على نشر الدين، بل كان صراعاً سياسياً وعسكرياً من أجل السيطرة والفتح، وكان يعرفُ ان ذلك ولا شكّ ليس من القرآن؛ بل ومن الممارسة. فحتى عصر الحروب الصليبية كانت أكثرية السكان ببلاد الشام ومصر ما تزال مسيحية، أرثوذكسية أو سريانية، رغم خضوعها للسيطرة الإسلامية على مدى ستة قرون. وكذلك الأمر بالنسبة لسكاّن آسيا الصغرى في عصر الإمبراطور؛ إذ كانت غالبيتُهُم ما تزال مسيحية. لكنه في الواقع ما كان يستطيع الإقرار بالانفصال بين الفتح العسكري ونشر الإسلام، وهو مُحاصَرٌ، ويسمعُ نداءات الجهاد. وقد أقبل على متابعة الصراع مع المسلمين في جدالياته بعد أن انفكَّ الحصارُ عنه لأنّ تيمورلنك هاجم العثمانيين وقتها آتياً من الشام، ومن آسيا الوسطى، وانتهى الأَمْرُ بهزيمة السلطان بايزيد وأسْره من جانب تيمورلنك، وإطالة عمر الدولة البيزنطية خمسين عاماً إلى أن سقطت القسطنطينية أخيراً بيد العثمانيين عام 1453.
إنّ الأخطَر في جداليات مانويل الثاني ضد الإسلام ربْطُهُ بين العنف باسم الدين، وبين ?صورة الله? في الإسلام. العنف من وجهة نظره ضدّ العقل، والله عقلٌ أو نوسٌ أو لوغوس، بالمفهوم الأفلاطوني أو الأفلوطيني، والذي يعتبرُهُ مانويل الثاني (وعادل خوري والبابا) جوهر الدين المسيحي أيضاً. والواقع أنّ في الأمر ثلاث مغالطات أو إسقاطات: فالعنف في نشر الدين ليس غريباً عن الميراث الديني البيزنطي (تجاه البلغار والشعوب السلافية والمتوسطية الأُخرى)، ثم إنَّ الحرب ليست جزءًا من صورة الله عز وجلّ في الإسلام. أما الإسقاطُ الثالث فيتعلقُ بالبابا بنديكتوس؛ إذ عندما توردُ اقتباساً فلأنك توافق عليه أو تريد الردَّ عليه؛ فهو ما ردَّ عليه؛ لذلك فقد يكون قصده أن الخيار الإسلاميَّ خيارٌ عنيفٌ وغير صالحٍ لما هو بصدده من توفيقٍ بين الدين المسيحي والحداثة في أوروبا، ومن صورة الله إلى الجهاد العنيف.
وهكذا فإنّ الخَطَل في فهم الأمر كلِّه، لا يظهر لدى الإمبراطور المُحاصَر من جيوش إسلامية في مطلع القرن الخامس عشر؛ بقدر ما يظهر لدى البروفسور خوري والبابا بنديكتوس في مطالع القرن الواحد والعشرين. هناك موضوعاتٌ ثلاثةٌ تستحقُّ المعالجة في هذا السياق: صورة الله عز وجلّ في الإسلام، ومعنى الجهاد قديماً وحاضراً، وصورة الجهاد والإسلام في الظروف العالمية الراهنة. وفي هذه الأمور الثلاثة أخطأ الرجلان الكبيران. فالذاتُ الإلهية المتساميةُ والمتعالية والمنزَّهة في علم الكلام الإسلامي تقصدُ إلى الإطلاق، ولا تقصدُ إلى اللامعقولية. وهذا معروفٌ ليس في علم الكلام الإسلامي فقط؛ بل وفي اللاهوتين اليهودي والمسيحي بكافة تياراته. وقد استُخدم الميراثان الأفلاطوني والأرسطي لدى اللاهوتيين المسيحيين للإمعان في التنزيه؛ لأنّ العهد القديم يعرضُ صورةً حسيةً عنيفةً لله، ولأن الإله تجسَّدَ في المسيحية. والبروفسور خوري والبابا عالمان لاهوتيان كبيران في الدينين المسيحي واليهودي، والبروفسور خوري يدرّس الإسلاميات منذ أربعين عاماً، وله عشراتُ الكتب في صورة الإسلام قديماً وحديثاً. ولذلك يصبحُ عجيباً أن لا يجد غير اقتباس عن ابن حزم ?بواسطة أرنالديز? للتدليل على ?الإغراب? في تنزيه الله عند المسلمين، كأنما ذلك غير معروفٍ لدى المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك بالذات! وكيف لا يعرفُ، وهو المفسِّر الكبير للقرآن، العلاقة بين قوله تعالى: ?لا يُسألُ عمّا يفعل وهم يُسألون?، وقوله: ?كتب على نفسه الرحمة??! ثم كيف يتصل ?الجهاد? العنيف بصورة الله التي تُصبح أفلاطونيةً خالصةً لدى المعتزلة بالذات ?ذات بدون صفات? الذين يُحبُّهُم البروفسور خوري?! وما دام الحديث عن القرآن؛ فأين هو الموضعُ في القرآن الذي يُردُ فيه ذكْرُ الجهاد أو الحرب مجرَّداً وليس لردّ اعتداء، وأين يَردُ ذكْرُ الجهاد على أنه لنشر الدين الإسلامي أو فرض اعتناقه على المغلوبين?! ويُعلِّلُ البابا ـ تبعاً لتيودور خوري ـ اتّهام الإمبراطور للمسلمين بنشر الدين بالعنف رغم مخالفة ذلك للآية القرآنية؛ بأنّ الآية نزلت في ظروف ضعف النبي، وأنّ الإسلام شهد تطوراتٍ بع ذلك سجَّلها القرآن تغيَّر فيها هذا الحكم: :(افلا يعلم البروفيسور خوري وهو المفسر الكبير للقرآن ان اية الاكراه في سورة البقرة ، والسورة المذكورة هي من السور المتأخرة وانزلت عام 625 ميلادية ، اي عندما كان النبي في اوج قوته بالمدينة). فأين هي التدويناتُ القرآنيةُ المتأخرة التي تقولُ بنشر الإسلام بالسيف? أنا أفهمُ أنَّ مانويل الثاني كان يعتبر جدالياته جزءاً من الدفاع عن نفسه ودولته في مواجهة المسلمين الهاجمين عليه، وإنْ ليس باسم الدين؛ لكنني لا أفهمُ هذه التسْويغات للاهوتيَّين الكبيرين في القرن الحادي والعشرين!
ولنأْتِ إلى الظروف والدلالات. فمنذ مطالع التسعينات من القرن الماضي تتضخم مصائرُ أطروحة ?صراع الحضارات?، ويقول هنتنغتون وآخرون كثيرون إنّ الإسلام يملكُ حدوداً أو تخوماً دموية. وبعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 صار الإسلام مشكلةً عالميةً باعتباره يملك تياراً أصولياً قوياً يقول بالعنف ?تحت اسم الجهاد? وعلى مستوى العالَم. وفي الأسابيع الأخيرة استعمل الرئيس جورج بوش مراراً تعبير ?الفاشية الإسلامية? بدلاً من ?الجهادية الإسلامية?. وقد عمل البروفسور خوري طوالَ العقود الأربعة الماضية على تصحيح النظرة للإسلام في أوروبا والغرب، وفي أوساط الكنيسة الكاثوليكية بالذات. وعُرف عن البابا السابق يوحنا بولس الثاني وعيُهُ الكبير لهذه المسألة؛ ولذلك ففي الوقت الذي كان يُدينُ فيه حروب أميركا بالعراق وفلسطين وأفغانستان؛ كان يُصرُّ على محاورة المسلمين، وعلى اعتبار أنّ طبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين هي التي ستقرر مصائر العالم. وليس هذا وعيَ البابا الحالي فيما يبدو. ليس لأنّه مُعادٍ للإسلام؛ بل لأنه يملك رؤيةً انكماشيةً هدفُها استعادةُ أوروبا وتحْصينُها بالإيمان المسيحي. لقد حَيَّدَ البابا بنديكتوس اليهوديةَ بضمِّها إلى الميراثين اليوناني والمسيحي، ثم انصرف لكسْب البروتستانت والعلمانيين لرؤيته الانكفائية أو الاكتفائية. لكنّ المسيحية دينٌ عالميٌّ كبيرٌ وشاسع. والمسيحيون، حتى الكاثوليك، عددُهم أكبر خارج أوروبا منه في أوروبا كما هو معلوم. ولذلك فإنّ انكماشيته ستزيد من مشكلات المسيحيين الكاثوليك في أوروبا وخارجها. إنّ هذا المشروع المتضائل للفاتيكان يتجلَّى في إقدام البابا على تغيير اسم ?لجنة حوار الأديان? إلى ?لجنة حوار الثقافات?. وهذا تراجعٌ عن نتائج المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 ـ 1965) والتي تضمّنت اعترافاً بالديانات الإبراهيمية وشراكةً معها، وحواراً تعارُفياً مع الأديان الأخرى. وكانت المجلة الفاتيكانية الشهيرة: ?إسلامو ـ كريستيانا? التي يُصدرها الفاتيكان قد توقفت أيضاً. وكلُّ ذلك لا يَعِدُ بخيرٍ وانفتاحٍ وتواصُل. فالمشكلةُ ليست في رؤية البابا السلبية للإسلام، بل وفي الانكماش والانطوائية، والتوجُّس من الآخر، وإدخال هذا الدين العالمي الكبير في مشروعٍ وهميٍ هو مشروع أوروبا المسيحية؛ أمّا الذي كان البابا يوحنا بولس الثاني يحاولُ القيامَ به فهو: إقامة عالَمٍ جديدٍ تسودُهُ قيم الحرية والعدالة والسلام، ومكافحة الفقر والجوع والتفاوت الاجتماعي، والتفكُّك الأُسَري
قد يكون تقديمُ البابا لمحاضرته بهذه الطريقة عارضاً فعلاً؛ فهي لا تتصلُ بالإسلام أو أنها ليست جدالاً معه أو مُعاداةً له. لكنّ التمهيد للمحاضرة بهذه الطريقة لا يمكن أن يكونَ مصادفة. ثم إنّ المشهد العالميَّ تُجاه العرب والمُسلمين ورؤية الإسلام، مُقبِضٌ ويُثيرُ الرهبة والهمّ. ولن يفيدنا في شيءٍ هياجٌ كالهياج على سلمان رشدي أو الرسوم الكاريكاتورية أو تسليمة نسرين... الخ. فالحاضرُ في المشهد ليس هذا التصريح أو ذاك ضدّ الإسلام فقط؛ بل الحاضرُ ايضاً ?غزوات? 11 سبتمبر إلى نيويورك ووشنطن، وهجمات بالي ومدريد ولندن والمغرب والسعودية والعراق وفلسطين ودارفور والصومال ودمشق. ولا أدري أين وأين. العالَم كما سبق القول، يعتبرنا مشكلةً بل مشكلةً كبرى. ولن تنحلَّ المشكلةُ بالشتائم والردود في التلفزيونات، ولا بالمزيد من أعمال العنف والعنف المضادّ. نحن خُمسُ سكان العالَم، وكما لنا حقوق، علينا مسؤوليات. ونحن لا نأخذ حقوقنا، لكننا لا نتحمَّل مسؤولياتِنا أيضاً. لا نريد أن نخافَ من العالم ولا نريدُ أخافتَه. وكما لا صَبْرَ على الخراب الذي لا يتوقف بالعراق وفلسطين ولبنان... وأماكن أُخرى كثيرة، لا صبر على هذه العُزلة المتزايدة عن العالَم وسياساته، والعالَم وثقافاته، والعالَم ودياناته. فلله الأمر من قبلُ ومن بعد.
*زهير
1 - ديسمبر - 2006
خلط الأوراق    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
 
لم أشعر عندما قرأت تصريحات البابا الحالي حول قضية " نشر الإسلام بالسيف " وهو ما تلقفته وتناقلته الصحافة واجهزة الإعلام الغربية ، إلا انني أمام فصل جديد من حملة منظمة ومتصلة بدأت بقضية " سلمان رشدي " و" تسليمة نصري " وتتابعت فصولها حتى وصلنا إلى قضية الرسوم الكاريكاتورية حول النبي ( صلم ) وكانت تصريحات البابا آخر من وصلنا من بالونات الإختبار .
 
لقد أجاب الكاتب الإسرائيلي " يوري أفنيري " ( مشكوراً ) بشكل واف ومباشر وواقعي على هذه التصريحات التي لا يمكن لشخصية من وزن بابا الكنيسة المسيحية الإدلاء بها دون تقدير منه لأهمية وقعها ودورها وتأثيرها على الرأي العام مسيحياً كان أم إسلامياً ، فما المطلوب منها ?
 
 إن العرض الذي قدمه المفكر : رضوان السيد جميل جداً من الناحية النظرية لكن لا علاقة له بما يجري على الأرض لأن البابا ليس مثقفاً عادياً ليدلي برأيه الشخصي وليس مفكراً أو فيلسوفاً ليساهم في فوضى الجدل المفتعل والقائم حالياً سواء أسميناه " لجنة حوار الثقافات " أو " لجنة حوار الأديان " بل هو قبل كل شيء راعي الكنيسة وله دوره المحدد في هذا الإطار وهو لا يعبر عن رأيه الخاص أبداً  ، حتى وإن وجد ، بل هو يعبر عن توجه واتجاه سوف يحدد وجهة سير الكنيسة الكاثوليكية . إنه يتوجه بكلامه إلى الرأي العام وهو يدرك تماماً بأن تصريحاته لها ردات فعل مباشرة وسريعة . من هنا ، أرى فيما كتبه الأستاذ رضوان السيد شيئاً من التبرير والكثير من خلط الأوراق وهي آفة بتنا نعاني منها في كل مكان .
 
لا بد من أن تعميق النقاش مهم وضروري إنما في الوجه الصحيح الذي يضعنا في مواجهة المحاور الحقيقي وليس ضمن إطار محدد لنا سلفاً علينا أن نخرج بنتيجته قائلين بأن " الإسلام هو دين المحبة والتسامح والوئام بين البشر " ، وهي الشعارات المعدة لنا سلفاً لندخل على هذا الأساس إلى حظيرة الحضارة والحداثة ........
 
إن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها العقل الغربي حالياً لا علاقة لها بالبابا ولا بالمسيحية ولا حتى باليهودية أو الأديان الأخرى إلا بصفتها مجالاً لفكر الإنسان يلبي احتياجاته النفسية والروحية وهي الثغرة التي لم تنجح الحداثة بردمها عبر تقديمها للعلم التجريبي على أنه " العلم المطلق " ،  وهي تحاول الاستعانة بما تبقى من رواسب ثقافية وإيمانية في المجتمعات الغربية لردم هذه الثغرة . هذه الحضارة التي تمكنت من صناعة أشياء مذهلة على الصعيد التقني ، أرادت تقديم نفسها بصفتها من يمتلك " العلم المطلق " لكنها اليوم تصطدم بمعوقات وأزمات هائلة حتمت عليها العودة ، حالياً وبشكل مؤقت ، إلى الاستعانة برموز " مطلقة " لتدعيم وجودها من ضمنها الكنيسة الكاثوليكية ، وكلنا يذكر الدور الكبير الذي لعبته هذه الأخيرة في تقويض دعائم الأنظمة الشيوعية في بولونيا وروسيا وسائر أوروبا الشرقية . وهذه الرموز " المطلقة " لا تتحرك بنفسها بل هي خاضعة تماماً للتأطير والمراقبة ، هي عضو في جوقة عامة لم تطمئن إلينا بعد ، ولم تتأكد بعد بأننا " تطبعنا " ، وهي تريد تحويل الإسلام إلى فولكلور شعبي عبر هذه المظاهرات والنقاشات والمظاهر الحضارية التي لا تهدف إلا إلى " استيعابنا " ، تماماً كما تحولت المسيحية اليوم في أوروبا وأميركا إلى فولوكلور ثقافي . 
 
ليس البابا هو المحاور الحقيقي ، ولا حتى جورج بوش . المحاور الحقيقي لا يتحاور معنا لأنه لا يريد التحاور أصلاً : جل ما يريده منا هو أن نتحول إلى أرقام حساب في البنوك يسهل مراقبتها والسيطرة عليها لأن من يوجه السياسة والثقافة والعلم والفن و.... الأمم المتحدة ، هي البنوك العالمية التي تتحكم بمصير البشر في كل مكان على الأرض . الحداثة هي هذا وهذا هو دينها وليس نيتشة وهيدغر وغيرهم وغيرهم سوى مجانين صادقين وطفرات في هذه الحداثة تعبر عن أزماته لكنها لا تأت لنا بالحلول . 
 
*ضياء
2 - ديسمبر - 2006

 
   أضف تعليقك